ما هو الجديد في الأزمة الرأسمالية الحالية؟ وأي دور لـ«اليسار» في المنطقة؟*

سلام الشريف**

 

إن معالجة مسألة وضع «اليسار» العربي ومستقبله‫ تتطلب تقييم طابع المرحلة الحالية من تطور الرأسمالية، بما يسمح بطرح الأسئلة بسياقاتها الواقعية، واستشراف مستقبل القوى اليسارية والحركة الشيوعية تحديداً، الذي نعتقد في حزب الإرادة الشعبية بأن آفاقه مفتوحة وواسعة، سواء وعينا ذلك أم لم نعه. إن هذا الموقف مبني على طبيعة أزمة الرأسمالية في المرحلة الحالية، ودخول الشعوب بمرحلة نشاط سياسي، كتعبير عن وحدة الأزمات الاجتماعية التي أنتجتها الرأسمالية.

‫١- الأزمة الرأسمالية وفرادة سياقاتها

الأزمة الحالية العاصفة بالنظام الرأسمالي تأتي في سياقات فريدة بالمعنى التاريخي، مما يجعلنا نعتقد بأنها أعمق أزمة في تاريخه، وقابلة لأن تكون نهائية وقاصمة. فرادة السياق يمكن تقسيمها إلى مستويين: الأول، هو مستوى تطور بنية الرأسمالية بحد ذاتها من ناحية استنفادها هوامش التوسع الأفقي، والمقاومة العالية التي يلقاها التوسع العمودي، خصوصاً في دول المركز الرأسمالي، بالإضافة لنتائجه السياسية التي من المرجح أن تكون بمثابة (انقلاب السحر على الساحر). إن إحداث التوسع العامودي الكافي، يضيق بالتالي هوامش عملية إنتاج وإعادة إنتاح رأس المال بحد ذاته.

المستوى الثاني: هو تغير التشكيل الاقتصادي والعسكري، وإعادة توزع عوامل القوة السياسية على صعيد العالم. الأمر الذي يعقد «المخارج» الكلاسيكية للأزمة عبر الحروب‫.

• المستوى الأول- الأزمة على الصعيد البنيوي

على الصعيد البنيوي‫ تعبر أزمة ٢٠٠٧‫-٢٠٠٨ عن استنفاد القطاع المالي لدوره التعويضي المؤقت لأحد الاتجاهات الأساسية في التطور الرأسمالي، ألا وهو ميل معدل الربح للانخفاض‫ في قطاعات الإنتاج الحقيقي.

لقد حققت الطفرة في القطاع المالي ثلاث وظائف: أجلت اندلاع أزمة فيض الإنتاج في القطاع الصناعي، زودت القطاع الصناعي برأس المال، مع توفير بدائل استثمارية ذات ربحية عالية في القطاع المالي والخدماتي، وأخيراً سمح الإئتمان بنهب القيمة الزائدة المستقبلية قبل تحققها، في الوقت نفسه الذي سمح بتخفيف الآثار المباشرة لتخفيض الأجور في بلدان المركز، ولكنه راكمها لتنفجر دفعة واحدة.

دراسة استبيانو مايتو، المنشورة في عام ٢٠١٤ من قبل جامعة ميونخ:
بينت ميل معدل الربح للانخفاض على الصعيد العالمي من حوالي ٤٠٪ عام ١٨٧٠ إلى نحو ٢٠٪ عشية الأزمة عام ٢٠٠٧-٢٠٠٨، أما في دول المركز الرأسمالي فقد انخفض من ٤٢٪ إلى ١١٪ عام ٢٠١٠ الجدول التالي مأخوذ من الدراسة السابقة ويوضح تطور معدل الربح في بعض الدول الأساسية.

جدول تراجع معدل الربح:

إن استنفاد الفضاء المالي دوره في (إسناد) عملية إعادة إنتاج رأس المال، أثر سلباً بشكل شبه آلي على دور عامل آخر في تعويض ميل معدل الربح للانخفاض، ألا وهو التجارة الحرة، التي انخفضت لمستويات قياسية بعد الأزمة‫. هذا وتؤشر الدراسات إلى أن التراجع النسبي الحاصل في التجارة بعد الأزمة هو تراجع تسوده العوامل البنيوية على العوامل الدورية.

القاعدة في التطور الرأسمالي هي أن يكون معدل نمو التجارة أعلى (تقريباً ضعف) معدل النمو الاقتصادي، إلا أن معدل نمو التجارة انخفض مؤخراً إلى أقل من معدل النمو الاقتصادي، هذا عدا عن كون مستويات التجارة النسبية انخفضت إلى قبل ماكانت عليه في حقبة التسعينيات (للاطلاع على النقاش الحاصل حول هذه المسألة في الأوساط الأكاديمية الليبرالية انظر هنا)

في هذا السياق، لم يبق أمام رأس المال سوى التغول والتوسع العامودي، أي تخفيض حصة الأجور من الدخل وهو الاتجاه العام في دول المركز الرأسمالي منذ الثمانينات، والذي تسارع بعد الأزمة، ورفع مستويات نهب القيمة الزائدة. الجدول التالي يبين تراجع حصة الأجور من الدخل الوطني في دول المركز والمأخوذ من تقرير منظمة العمل الدولية.

حصة الأجور المعدلة من الدخل الوطني  1991-2013

أحد مكونات الرد على الأزمة في دول المركز جاءت على  شكل برامج تقشفية،  بتأثيرها السلبي على الأجور بأوجه متعددة، فمن تخفيض حصة الأجور من الدخل ‫عبر برامج تسريح العمال، حيث سيتم في فرنسا شطب ٣٥٠ ألف وظيفة في السنوات الخمس القادمة‫ على سبيل المثال، إلى ‫الاقتطاعات من مختلف عناصر الأجور غير المباشرة (الخدمات الاجتماعية) والأجور المؤجلة (الرواتب التقاعدية‫)، وصولاً إلى رفع الاقتطاعات من الأجور  عبر ضرائب، ورسوم وإلخ..

من ناحية أخرى، تأتي ‫(الإصلاحات) التي تطبقها المراكز والمتمثلة بإعادة هيكلة «سوق العمل» وجعله «أكثر مرونة»، وهذه تهدف إلى رفع مستوى نهب القيمة الزائدة. فعلى سبيل المثال، المعركة الجارية في فرنسا من أجل تعديل قانون العمل هي مثال حي على الصراع الطبقي بشكله الواضح، إذ يجري العمل على تغيير البنية القانونية بما يسمح برفع عدد ساعات العمل، تخفيض تعويضات ساعات العمل الإضافية لنصف ما كانت عليه، تفتيت الطبقة العاملة عبر تكريس المفاوضات (بين ممثلي رأس المال وممثلي العمال) على صعيد الشركة الواحدة، بدلاً من الاتفاقات على صعيد القطاع أو الاقتصاد ككل، وتخفيض رواتب البطالة المقتطعة أصلاً من الأجور.. وإلخ.، وكان قد سبق اقتراح التعديل هذا، تعديل نظام التقاعد بما يضمن زيادة عدد سنين العمل ورفعها من ٦٠ إلى ٦٧.

من نافل القول أن التوسع العامودي، يعني رفع مستويات التناقض بين العمل ورأس المال، ورفع مستويات الصراع الطبقي بتعبيراته المختلفة‫، بما فيها ارتفاع مستوى النشاط السياسي للجماهير‫، ما أدى، وسيؤدي إليه بشكل متسارع، من انتقال الأزمة من مستواها الاقتصادي إلى مستواها السياسي، بما تعنيه من تضعضع وانهيار الفضاءات السياسية بمكوناتها التقليدية، وهو ما نشهده اليوم في منطقتنا، وفي أوروبا: تبخر الحزب الاشتراكي الديمقراطي في اليونان، تسارع عملية تبخره في اسبانيا، وبدايتها في فرنسا، في الوقت الذي تصعد فيه بسرعة أحزاب «جديدة»‫: صعود اليمين القومي في دول المركز، وقوى يسار في أطراف المركز‫.

إن معطيات الأزمة سابقة الذكر، واضطرار رأس المال للتوسع العامودي تجعلنا نستنج أن إحدى السمات الأساسية للمرحلة التاريخية الراهنة هي التسارع بمنسوب نشاط الجماهير على صعيد العالم، ارتفاع عدد الاحتجاجات الكبرى على صعيد العالم من ٦٠ احتجاج عام ٢٠٠٦ إلى ١١٥ عام‫ ٢٠١٣. وهو ما يعني انفتاح الأفق أمام القوى الممثلة لمصالح الجماهير‫، بما فيها اليسار، وتحديدا اليسار الجذري.
تجدر الإشارة هنا، ‫بأن طابع الأزمة وعمقها يحولها إلى «مجزرة» للقوى السياسية الإصلاحية، وتحديداً اليسار الإصلاحي. فتجربة اليونان مثلاً تظهر أن حزب سيريزا لم يستطع حتى أن يكون، إصلاحيا، اشتراكياً ديمقراطياً، إذ خضع كلياً لأجندة رأس المال المالي.

• المستوى الثاني- التشكيلات الاقتصادية والسياسية المعاصرة

العنصر الثاني الجديد مرتبط بتعقد إمكانية حدوث مخرج للأزمة عبر الحروب الامبريالية، (الرئة الجديدة) التي تتنفس منها الرأسمالية، الأمر المرتبط بالتحولات التاريخية التي جرت على وضع التشكيلات السياسية والاقتصادية والعسكرية الدولية مابعد الحرب العالمية الثانية. حيث جرت عملية إعادة توزع لعوامل القوة الاقتصادية والعسكرية، التي كانت متركزة في خمس دول هي بريطانيا، أمريكا، فرنسا، ألمانيا واليابان، لتشمل الصين، الهند، روسيا، البرازيل ودول أخرى.

علماً بأن عدد سكان الصين لوحدها يبلغ ضعف عدد سكان المراكز الإمبريالية التاريخية والحالية، وعدد سكان دول «بريكس» مجتمعة يبلغ ٤٢٪ من سكان الكرة الأرضية، في حين يشكل سكان المركز التقليدي مايقارب ٧٪ فقط‫.

على الصعيد الاقتصادي، انخفضت حصة المراكز الإمبريالية من الإنتاج الدولي مما يقارب ٨٠٪ في التسعينات إلى ٥٥‫٪، وفي الوقت نفسه تضاعفت حصة دول المحيط الرأسمالي من الإنتاح العالمي من ما يقارب ٢٠٪ إلى ٤٥٪ اليوم. كما ارتفعت حصة دول ‫(بريكس) من الإنتاج العالمي إلى حوالي ٢٧٪‫، وارتفعت حصة دول المحيط الرأسمالي في التجارة الدولية إلى ما يقارب خمسين بالمئة، بعد أن كانت حوالي ٢٠٪ في التسعينات.

على الصعيد السياسي والعسكري، حدث إعادة توزع عوامل القوة بشكل غير مشهود خلال عصر الرأسمالية وذلك على مستويين‫:

– رغم تعثر حركات التحرر الوطني في العديد من البلدان، إلا أنها أدت لتفتيت الهيمنة السياسية شبه الكلية للرأسمالية نتيجة قيام كيانات ذات «سيادة» سياسية نسبية، رغم تفاوتها من بلد لآخر ومن فترة لأخرى، وفي الوقت نفسه يبدو أن نظام الاستعمار الحديث الناشىء في نهاية الخمسينات وبداية الستينات قد استنفد فاعليته. إن النجاح النسبي لبعض مشاريع الدولة الوطنية، (بالبقاء أولاً، وبتحقيق تقدم نسبي على صعيد تطور قواها المنتجة ثانياً)، سمح بنشوء قوى دولية وإقليمية صعبة الترويض والاحتواء بإمكانات اقتصادية وعسكرية.

– ‫على صعيد الدول العظمى، نجد من بين الجيوش الخمسة الأولى عالمياً، روسيا، الصين، الهند، في حين كانت الصين والهند تحت الاستعمار في فترة الحربين العالميتين الأولى الثانية، وكانا مع روسيا في طريقهم للتقسيم على شاكلة الامبراطورية العثمانية.

– على الصعيد النوعي، تمتلك القوى الكبرى أسلحة ذات قوة تدميرية فائقة، تجعل من مفهوم النصر مكلفاً، مما عزز حالة (ضبط النفس). الأمر الذي لم يكن موجوداً في العصر (ما قبل الذري)، أي أنه لم يعد باستطاعة المراكز الإمبريالية اللجوء للقوة العسكرية والهيمنة بـ(السهولة) النسبية التي عهدتها من قبل. (هذا العامل يشرح جزئيا تصاعد دور الحرب بالوكالة في الاستراتيجيات الإمبريالية).

‫بالمحصلة، جرى تحول في مركز الجاذبية للقوة السياسية يؤشر بشكل قطعي إلى بداية عصر تاريخي جديد وتوزيع أعقد للقوة العالمية، عنوانه التراجع المطرد لوزن الولايات المتحدة، مع تضعضع المقومات المادية والسياسية للحلف الأطلسي، وصعود روسيا والصين والهند ودول أخرى. وهو ما علّق عليه بريحنسكي في عام  ٢٠١١ بالقول: «إن السيادة العالمية للقوى الأطلسية على مدى الـ٥٠٠ عام الأخيرة أتت إلى نهايتها.. إن الهيمنة الكلية من قبل أية قوة منفردة لم تعد إمكانية واقعية.. إن هيمنة أمريكية عالمية حقيقية واسعة لم تعد ممكنة».

‫انعكس هذا التحول التاريخي بظهور انقسام بين المعسكر الإمبريالي والقوى الرأسمالية «الصاعدة» من جهة، ومن جهة أخرى انقسام داخل المعكسر الإمبريالي بحد ذاته، عنوانه كيفية التعامل مع الوضع التاريخي الجديد الناشىء.

إن الاستقطاب الحالي بين الدول الإمبريالية والدول الرأسمالية «الصاعدة»، هو استقطاب مؤقت لن يطول العهد به حتى ينزاح باتجاه الثنائية الحقيقية على المستوى العالمي بين قطب الشعوب من جهة، والنظام الرأسمالي ككل من جهة أخرى، ذلك أن شعوب دول «بريكس» وفي إطار مواجهتها للأزمة الرأسمالية التي بدأت تعصف بها بقوة من ناحية، وفي إطار نضالها الوطني في وجه الإمبريالية التي تصّعد ضغوطها عليها من ناحية أخرى، ستضطر حكماً لتغيير نماذجها الاقتصادية‫-الاجتماعية، وتندار بالتدريج ضد الرأسمالية نفسها كنظام اقتصادي- اجتماعي‫، وهو ما نشهد موشرات بداياته في العديد من الدول الصاعدة، ومن ضمنها الصين وروسيا، (بداية تحول في النماذج الاقتصادية الوطنية ونمط الاندماج مع المراكز الامبريالية، حملات ضد الفساد والأوليغارشية.. إلخ).

٢- الوضع في المنطقة على ضوء الأزمة

التوسع الأفقي والعامودي المتسارع لرأس المال منذ سبعينات القرن الفائت،  تمثل فيما يصطلح على تسميته «الليبرالية الجديدة»، والتي اكتسحت معظم دول العالم، وإن كان بشدة وسرعة متفاوتتين تبعاً لمستويات مقاومتها المختلفة من بلد لآخر. منطقتنا لم تكن استثناءً على هذا الصعيد. يمكن توصيف الوضع الناشئ بالمنطقة على ثلاثة مستويات‫:
– المستوى الأول: تداعي أنظمة الحكم بنماذجها الاقتصادية‫-الاجتماعية ومنظومتها السياسية‫، ‫المتشابهة لحد كبير وإن تنوعت تعبيراتها السياسية والأيديولوجية، (الجدير بالذكر أن طابع الأنظمة في منطقتنا لا يختلف من حيث الجوهر عن طابع الأنظمة في دول الطرف الرأسمالي عموماً).

حيث يمكن تقسيم تحولات الأنظمة في المنطقة من الناحية الاقتصادية‫-الاجتماعية إلى ثلاث مراحل نعيش اليوم آخرها‫. المرحلة الأولى: حيث أجرت هذه الأنظمة في مرحلة ما بعد الاستقلال بعض الإصلاحات الاجتماعية العرجاء، من إصلاح زراعي وسواه، كما لعبت الدولة دوراً مهماً في عملية الإنتاج، لكن في الوقت نفسه تم الحفاظ على علاقات الإنتاج الرأسمالية ونمط الإندماج مع المركز الإمبريالي كما هي، كما لم يتم ضرب الشرائح الطفيلية، بل تم وضعها (تحت إبط) البيروقراطية. المرحلة الثانية: منذ منتصف السبعينات والتي شهدت اتجاهاً عكسياً عنوانه الليبرالية الاقتصادية، أو ما يشاع تسميته بالليبرالية الجديدة‫)، تلخصت بتراجع الدور الاقتصادي والاجتماعي للدولة، الخصخصة، والانفتاح التجاري والمالي، وما نتج عنه من تآكل البنى الإنتاجية المحلية الهشة أصلاً وتدميرها، وارتفاع الوزن السياسي النسبي للبرجوازية الطفيلية، وما أنتجه ذلك من أزمات اجتماعية‫، تعكسها المؤشرات الإجتماعية الكارثية. المرحلة الثالثة: دخول الأنظمة في حالة تداعي ستنتهي بتغير طابعها‫، وهو ما ينقلنا للمستوى الثاني من توصيف الوضع الناشئ في المنطقة.

– المستوى الثاني: انطلاق الحركات الشعبية بما تعنيه من دخول شعوب المنطقة في حالة نشاط سياسي مرتفع‫، تحت ضغط عوامل الأزمات الإجتماعية، وكجزءٍ وامتدادٍ لحركة شعبية عالمية معادية في جوهرها للنظام الرأسمالي العالمي، وعجزه عن حل المشكلات المتفاقمة والمتراكمة على المستويات كافة‫. تم التعامل مع الحراك الشعبي من قبل المركز الإمبريالي وأنظمة المنطقة به وفق أساليب مختلفة ومتراكبة، القمع، التسليح ‫(كما حدث في سورية)، إجراء تغييرات شكلية كترحيل رؤساء مع الحفاظ على بنية العلاقات الاقتصادية- الإجتماعية، ومنظومة الحكم دون تغيير. الأخطر هو المحاولات المستميتة لتفريغ هذه الحراكات من مضمونها الإجتماعي وكمونها الثوري، عبر العمل على إحداث انقسامات داخل قواها من خلال تكريس ثنائيات وهمية ذات طابع طائفي وإثني أو ثنائيات من شاكلة مدني‫- عسكري، علماني‫- ديني.

وفي الأحوال كلها، الحراك الشعبي في المنطقة مازال في بداياته، فعوامل ظهوره مازالت موجودة‫. وفي سورية، التي تم التسلط على حراكها عبر مستويات عالية جداً من التدخل الخارجي والتسليح، فإننا على ثقة تامة أنه ومع انخفاض مستوى العنف والصراع المسلح سيستعيد الحراك الشعبي زخمه بمختلف تعبيراته.
فالعلاقة عكسية بين مستوى الصراع المسلح ومستوى فاعلية وحضور الحركة الشعبية‫.

– المستوى الثالث: أزمة الهيمنة التي تعيشها أمريكا في المنطقة (إذ أنّ الأنظمة الاقتصادية-الاجتماعية المتداعية هي الابن الشرعي للنظام العالمي الذي تشكل أميركا وأوروبا مركزه) على أن أزمتها تجاوزت أزمة الهيمنة إلى أزمة التحكم نتيجة لعوامل أولها عجز أدوات الهيمنة الاقتصادية والسياسية التقليدية عن تحقيق وظائفها في ظل ارتفاع مستوى النشاط السياسي لشعوب المنطقة، بالإضافة لصعوبة التدخل العسكري المباشر. ثم صعود الدور الإقليمي لقوى دولية (روسيا‫-الصين)‫ وإقليمية (إيران، متناقضة المصالح مع الولايات المتحدة وأوروبا، تدفع باتجاه علاقات دولية جديدة قائمة على التعددية واحترام السيادة الوطنية، وإعادة توزيع الأدوار والوظائف والحصص بين القوى الدولية والإقليمية بطريقة تشكل فرصة تاريخية لإعادة بناء مشاريع الدولة الوطنية على أسس أمتن‫.

ويمكن تقسيم الرد الأمريكي على هذا الوضع الإقليمي المعقد الناشىء على مرحلتين، وإن كان مشتركهما التخبط‫، والسعي للتوتير والتقسيم والتفتيت:
المرحلة الأولى وفيها تم تبني ما يمكن تسميته استراتيجية ‫(خرّيبة لعيبة‫)،‫ أي الإنخراط في عملية تحطيم المجتمعات بقواها المنتجة وبموروثها الثقافي‫، بعد استنفاد إمكانات الهيمنة عليها، عبر إشعال المنطقة بجملة من الحروب البينية الداخلية المستندة إلى انقسامات ثانوية مضخمة طائفية وعرقية وقومية.. إلخ، الأمر الذي ذهب حد رعاية ظهور الفاشية الجديدة، كداعش وأخواتها باعتبارهم أحد أذرع الأوساط الأكثر رجعية في رأس المال المالي العالمي. وصلت هذه الاستراتيجية إلى طريق مسدود رغم كل الدمار الحاصل، إذ فعل ميزان القوى الدولي الناشئ فعله، وتبين أنها قد تؤدي إلى توسيع نطاق الحرب لأوسع مما تريده الولايات المتحدة، في الزمان والمكان غير المناسبين، في الوقت الذي لم يعد لديها قوى كافية لإنفاقها في المنطقة.

المرحلة الثانية من الرد الأمريكي عنوانها محاولة ترشيد إدارة الأزمة على الصعيد العالمي وإعادة ترتيب الأولويات، إذ تقوم الإمبريالية الأمريكية بعملية إعادة تموضع وتوزيع لقواها العسكرية والإقتصادية‫، بهدف تنظيم عملية تراجعها،‫ الأمر الذي تجلى بتغيير التكتيكات المستخدمة تحديداً عبر تطعيم أدواتها الفظة من عقوبات وحروب وتسليح، بأدوات القوة الناعمة‫ ومحاولات الاحتواء، الأمر الذي انعكس حتى اليوم في تقدم مجموعة من المسارات السياسية، أهمها توقيع ‫(الاتفاق النووي‫) مع إيران، و(قبول) بالعملية السياسية في كل من سورية واليمن، والتحضير لإطلاق ‫(عملية سلام) جديدة في فلسطين، هذا عدا عن الحوار الأميريكي‫-الكوبي (يقابل هذه المسارات السياسية، تصعيد وتوتير عسكري وتعقيد مسارات سياسية في شرق آسيا)

لا أحد يتوهم بأن الأزمة المعقدة للامبريالية اليوم ستجعلها تجنح نحو السلم، وإنما هي مضطرة إلى معايرة الأهداف، ودقة التصويب وكثافة النيران ضمن معطيات معقدة. فاليوم تضع الرأسمالية البشرية ومنطقتنا على مفترق طرق: إما الاشتراكية أو الهمجية. فالأهداف السياسية للإمبريالية الأمريكية لم تتغير‫، فهدف «الإحراق من الداخل» عبر افتعال وتأجيج نزاعات داخلية وغيرها مازال ماثلاً، ولكن يتم تسريع نقل هذه العملية إلى المستوى السياسي لاحتواء مخاطر توسع الحروب القائمة، على أنّ إدارة هذا التناقض، بين الإحراق من الداخل والمسارات السياسية التي تدفع باتجاها موازين القوى الدولية،  ليست مضمونة النتائج أبداً من وجهة نظر المصالح الأميركية، تحديداً اذ ماتحلت القوى المحلية بالمسؤولية المطلوبة. وهو ما ينقلنا لدور اليسار وتحديداً الحركة الشيوعية.

٣ـ «اليسار» والدور المنوط به

 إن الأزمة المركبة للرأسمالية ولمراكزها الامبريالية تؤمن ظرفاً موضوعياً لازماً لتقدم قوى اليسار والشيوعية، إلا أنه ليس كافياً. إن وعي هذا الظرف يتطلب القطع مع مزاج حقبة التسعينات، وهو ضرورة لبناء برامح تتناسب ومرحلة انفتاح الأفق هذه.

أما تحقيق هذه البرامج فيتطلب تجميع القوى الاجتماعية والسياسية صاحبة المصلحة بالتغيير الجذري والشامل، تجميعاً ليس بالمعنى الميكانيكي، وإنما على أسس الحدود المشتركة الضرورية فيما يخص الجوانب الاقتصادية- الاجتماعية، الديمقراطية والوطنية.

إنّ مجتمعاتنا ليست فقط حافلة بالقوى الاجتماعية المعادية للرأسمالية من حيث الجوهر (وعيت ذلك أم لم تعه)، بل إن القوى الاجتماعية المرتبطة عضوياً بالنظام الرأسمالي وتشكل امتدادا له، تعيش اليوم واحدة من أحلك لحظاتها التاريخية، إن لم تكن أكثرها حلكةً، فهي اليوم شبه معلقة بالهواء، مهلهلة، مضعضعة، ومسكونة بالخوف من المستقبل، (الأمر الذي يتجلى في أحيان كثيرة بتحرير كمون تدميري)، كنتيجة طبيعية لأزمة المركز الإمبريالي وعدم مقدرته على إسنادها، هذا إن لم نقل أنه استغنى عن جزء منها وتركه في مهب الريح.

إن تجميع القوى بالمعنى الديالكتيكي، يتضمن مهمة فرز القوى على أسس تضمن إبطال مفعول استراتيجية الإحراق من الداخل التي تتبناها المراكز الامبريالية، وبعض القوى المحلية (في المعارضات والأنظمة على حدٍ سواء)، فرز يعيد رسم الاصطفافات من اصطفافات رجعية هدامة إلى اصطفافات بناءة تسمح بالتقدم إلى الأمام، الأمر الذي يتطلب التعامل مع ألغام الثنائيات الوهمية التي لم تسلم قوى اليسار منها، والتي تعمل على حرف الاصطفافات عبر تكريس تناقضات ثانوية ووهمية تعمل على تشتيت القاعدة الاجتماعية التي تجمعها المصلحة بالتغيير الجذري والشامل، كما تلعب دور العوازل فيما بين القوى السياسية من ناحية، وبين الأخيرة والمجتمع من ناحية أخرى. هذه العناوين التشتيتية والعازلة تتنوع من مقولات على شاكلة ديني- علماني، مدني- عسكري، بالإضافة للاصطفافات الطائفية والقومية، إلى «تراث» المهاترات الدوغمائية- أحياناً كثيرة- وغير العملية داخل الفضاء السياسي بين الحركات اليسارية والقومية والإسلامية.

إن عملية التجميع الهادفة إلى تغيير موازين القوى لصالح مشاريع التغيير العميق والجذري والشامل تتطلب الفرز والتجميع على أساس البرامح والممارسات المبنية عليها (وليس على أساس اليافطات الايديولوجية، بمواضيعها المترابطة والمتلازمة الثلاثة: الاقتصادي-الاجتماعي، الديمقراطي والوطني:

– الموقف الاقتصادي- الاجتماعي ومدى تمثيل مصالح العمال والفلاحين والطبقات المهمشة، وتحديداً لمدى تحقيقه لأعلى نمو وأعمق عدالة اجتماعية. على أنه من الواجب أن يرد الاعتبار إلى هذا الجانب بعد أن جرى دفعه إلى الخلف، خلف المطالب «الديمقراطية» الشكلية.

– هذا ينقلنا إلى المستوى الثاني وهو الموقف من القضية الديمقراطية الواجب بناؤه على أسس عملية تسهل وتضمن سير المجتمع إلى الأمام وتطور قواه المنتجة كما تضمن فاعليته ومشاركته ورقابته. فوظيفة النظام السياسي هي ضبط العلاقة بين جهاز الدولة والمجتمع، بين جهاز الدولة والحركة السياسية، بين الحركة السياسية والمجتمع. أسس الديمقراطية الشعبية يحددها الظرف الملموس، وليس الوصفات الليبرالية الدوغمائية والمعلبة للديمقراطية المصدرة من المركز الامبريالي، كونها قبل كل شيء مستندة إلى رواية تاريخية كاذبة فيما يخص دور ووزن الديمقراطية في مسار التطور الغربي. هذه الرواية التي تردد من قبل بعض اليسار «المؤمن» بأن «تشييد» الأصنام المقدسة «للمؤسسات الديمقراطية» و»أداء «فروضها وطقوسها» هو أم القضايا والطريق الوحيد إلى الخلاص الدنيوي.

– الموقف الفعلي من الولايات المتحدة الأميركية والإتحاد الأوروبي والكيان الصهيوني، ومعياره الانخراط ودعم كل أشكال ومستويات مقاومة هيمنة المركز الامبريالي وبالوسائل كلها.

إن مدى إسهامنا كقوى سياسية يتحدد بمدى وعينا لطابع المرحلة التاريخية التي نعيش فيها وبالمقدرة على ترجمة ذلك ببرامج وممارسات قادرة على تجنيب البشرية ومجتمعاتنا ويلات الهمجية التي تدفعنا إليها الرأسمالية، وتوسع الأفق المفتوح أصلاً، نحو الإشتراكية التي تطرق الأبواب بقوة.

**سلام الشريف – عضو المجلس المركزي لحزب الإرادة الشعبية

*هذه المداخلة ألقيت باسم حزب الإرادة الشعبية في الملتقى الفكري اليساري الأول الذي انعقد تحت عنوان «دور أحزابنا الشيوعية وعموم قوى اليسار والديمقراطية في مواجهة مشاريع تفتيت بنية الدولة الوطنية، وفي مواجهة التطرف والارهاب والطائفية»، وذلك في كوبنهاكن يومي 28-29/5/2016 في مقر الحزب الشيوعي الدنماركي.

http://kassioun.org/reports-and-opinions/item/17180-2016-06-02-13-45-20