انجلز: رجل في ظل ماركس ( حلقة 1 )

جورج حدادين

من هو انجلز؟ ما هي إسهاماته في  النظرية الماركسية؟

لم تحظَ إسهامات انجلز وفكره في صياغة النظرية الماركسية باهتمام من قبل الحركات الثورية في العالم، كما يجب، وأعتقد بأن كثيرين منهم غير واعين لدور انجلز الهام في توجيه فكر ماركس إلى “الماركسية” . لعل هذا المقال يفتح الباب أمام حوار، يهدف إلى توجيه الأنظار إلى حقيقتين في غاية الأهمية:

1.   أن بناء النظرية هي فعل تراكمي وليس فكرة معزولة عما سبقها من أطروحات، وهذا ما سيتم التأشير عليه بشكل مبسط في إطار العودة إلى اللبنات الأولى للفكر الماركسي، أي أفكار ممن سبق ماركس وعبّد الطريق أمامه.

2.   دور انجلز في صياغة النظرية الماركسية.

ليس الهدف من فتح هذا الحوار إثارة قضايا نظرية معرفية بحتة، بل توجيه الأنظار إلى أن الفكر بناء تراكمي يتطور بتطور بنية المجتمع، بتطور التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية ، يبنى اللاحق على ما هو سابق، من عصر الفلسفة اليونانية قبل الميلاد إلى يومنا هذا.

قال فويرباخ في كتابه ” جوهر المسيحية” : إن الإنسان هو ما يأكله، حيث كان للإنسان البدائي حافز واحد هو البحث عن الطعام، والبحث هو الذي حرّك سلوك الإنسان عبر العصور، ومع أن الإنسان كان قد تطور وأصبحت حياته معقدة كثيراً، إلاّ أن الدافع بقي هو نفسه، أي الحصول على وسائل الإنتاج، وكان هذا الصراع للحصول على وسائل الإنتاج صراعاً طبقياً.

عزا هيجل التقدم إلى ” الروح المطلقة” أو ” الوجود الأسمى” الذي يقود الإنسان من تقدم إلى أخر حتى تصل به إلى الهدف النهائي.

فورباخ أوقف هيجل على قدميه بدلاً من الوقوف على رأسه، عندما استبدل التفسير المثالي للظواهر بالتفسير المادي ، في مقالة ينتقد فيها فلسفة هيجل ” ، القوة الجامحة التي تسيّر أعمال الإنسان ، ليست الروح المطلقة بل المادية التاريخية”.

ليس من الصعب المجادلة بأن النخب العربية لم تتوصل إلى حلول للأزمة العميقة التي تعيشها مجتمعاتنا، بسبب غبار الحروب الوحشية عبر القرون الماضية وإلى هذا اليوم حروب الإرهاب، التي ولدت حالة من القمع والنفاق والولاء الكاذب، والبلادة الفكرية، والهروب نحو الأساطير والغيبيات ” الروح المطلقة” لتفسير الظواهر المعاشة، وسير الجمهور خلف مجاميع القتل والارهاب وسردياتها غير الإنسانية، فأصبح الإنسان يتلمس طريقه في ظلام دامس.

من هو أنجلز؟

” مقتطفات من كتاب انجلز، بقلم غريس كارلتون، ترجمة راغدة سعاده، المؤسسة العربية للدراسات والنشر” :

ولد انجلز عام 1820 في مدينة بارمن، التي كان عدد سكانها يبلغ عشرين ألف نسمة، في مقاطعة فوبرتال / المانيا، وتقع على أحد روافد نهر الراين يسمى نهر الفوبر، وكان هذا الوادي الذي تقع به مدينة بارمن، مركزاً لصناعة النسيج منذ القرن الخامس عشر.

كانت عائلة انجلز من مزارعي هذه المنطقة، وحين ولد فردريك انجلز كانت عائلته صاحبة  مصنع أحزمة وأشرطة، وتعيش في بحبوحة. كانت والدته من عائلة مثقفة من برلين، وكانت تتمتع بذكاء وعذوبة وبروح النكتة، حيث ورث انجلز هذه الصفات من أمه، وورث عن أبيه الترتيب والانضباط في العمل والفطنة.

انتقل فريدريك في سن الرابعة عشر إلى مدرسة ” الجمنازيوم” ، التي أسسها البروتستانت عام 1592 ، وكانت تعتبر من أحسن مدارس بروسيا في ذلك الوقت. كانت ميول فردريك الدينية متضاربة إلى أن حسم موقفه ضد الدين في برلين في سن السابعة عشر.

ترك فريدريك المدرسة سنة قبل إنهاء الدراسة ، ولم يتوجّه لدراسة الحقوق كما كان يرغب والده، وانخرط في عمل العائلة في بارمن، وتعرف على حياة البؤس التي كان يحياها عمال الغزل والنسيج، حيث كانت العائلات بمن فيهم الأطفال ، يكدحون من الصباح الباكر حتى المساء على ضوء الشمع. وحين ذهب إلى بريمن التي كانت أقدم مرفأ في ألمانيا، والتي استعادت نشاطها وحيويتها بعد انفصال الولايات المتحدة عن بريطانيا، بسبب نشاط حركة النقل من أوروبا إلى الولايات المتحدة، تمتع فردريك الشاب المفعم بالنشاط والحيوية بكافة الملذات التي يقدمها هذا الميناء، ركوب الخيل والمبارزة والسباحة، إضافة إلى تلحين الأغاني، وكتابة النثر والشعر ، ونشر تجربته الشعرية” أمسية” عام 1940 في ” التلغراف”.

تعلم اللغة الفرنسية والانجليزية بشكل جيد، والبرتغالية والإيطالية والهولندية بشكل سطحي. وكان ينشر في الصحافة المحلية النثر والمقالات، ثم بدأ في نشر مقالاته في جريدة التلغراف، وأحدثت ” رسائل من فوبرتال” هزة في مقاطعته، حيث لم يتعرف أحد عن الكاتب الحقيقي لهذه الرسائل إذ كان يوقعها بأسم “فريدريك فزفلد” . وكانت هذه الرسائل تصف مشاهد البؤس والاستغلال التي رآها.

كالعديد من شبان تلك الأيام ، أضعف كتاب ” حياة يسوع” لدافيد شتراوس ، من الأيمان الذي نشأ عليه فريدرك انجلز ، فكتب إلى الإخوان غرابر : “بأني على وشك أن أصبح من أتباع هيجل الذي أضاءه لي شتراوس”.

تطوع فريدرك انجلز عام 1941 في الخدمة العسكرية لمدة سنة في مدينة برلين، بدلاً من العودة إلى بريمن لمنزل العائلة، حيث أصبح منشقاً دينياً وسياسياً عن والده.

كانت برلين مدينة حديثة العهد بين عواصم أوروبا ، حيث كانت في الأصل بيتاً للصيد وكبرت بالمصادفة، وكانت جامعة برلين، التي تأسست عام 1809، تحوي أفضل المواهب العقلية وأكثرها انفتاحاً في ألمانيا، وزادها شهرة علماء مثل ألكسندر فون هامبولد عالم الطبيعة الشهير وفخته وهيجل. أخذ الطلاب في تأسيس جمعيات لهم ومن بينها” نادي الدكاترة” ، الذي كان كارل ماركس أحد قادتها، وكذلك ” الأحرار” وكان من قادتها برونو باورن والتي انضم إليها فريدرك أنجلز، الشاب في لواء المدفعية من غير الطلبة، الذي كان إسمه يلمع كصحفي.

كان فريدريك شاباً شديد الحماس في صفوف المتطوعين في لواء المدفعية للتعرف على الأمور العسكرية، وفي الوقت ذاته استمع انجلز إلى محاضرات شيلنغ الرجعية، الذي كان آنذاك رئيس جامعة برلين، حيث زودته هذه المحاضرات بمادة لكتابة الكراريس ونشرها في لايبزيج في نيسان عام 1842 بدون توقيع، كما حرر بعض المقالات في مجلة ” سجلات تاريخ ألمانيا” ، وكان روج آنذاك محرراً فيها . وصرح روج عن انجلز : بأن هذا الشاب يتقدم على كل “حمير برلين” وينتظره مستقبل مرموق.

رحل انجلز عن برلين نهاية أيلول عام 1842 ، وما كاد أن يصل إلى الراينلاند حتى ذهب لمقابلة موسى هسّ، فوجد فيه رجلاً مليئاً بالخبرة والحماس، ألهب هسّ بقوة أفكاره حماس انجلز الذي خرج من المقابلة معتنقاً الشيوعية.

عاد انجلز إلى بارمن ، وكان الأب مصمماً على تدريب ابنه البكر ليتابع أعمال العائلة، ومنعاً للصدام بين الأب والابن ، اقترح على أبنه أن يذهب إلى لندن لمتابعة أعمال العائلة هناك، وكان انجلز فرحاً بهذا الاقتراح ، لأنه سيمنحه فرصة دراسة النظام الاجتماعي الاقتصادي وتطوره، كما فعل ذلك هسّ من قبل.

قرر انجلز في طريقه إلى لندن زيارة كولونيا للقاء كارل ماركس ، محرر جريدة ” الراينشه تسايتونغ” ، أملاً في أن تقبل الجريدة مقالات سيكتبها حول انجلترا، وكان هذا أول لقاء بين الرجلين، وكان لقاءً نافراً وبارداً.

يتبع …

  • ·       الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها حصراً ولا تعبر بالضرورة عن رأي نشرة “كنعان” الإلكترونية أو محرريها ولا موقع “كنعان” أو محرريه.