تونس – المؤتمر الثالث والعشرون للإتحاد العام التونسي للشغل

الطاهر المُعِز

خلفية تاريخية:

الاتحاد العام التونسي للشغل هو منظمة نقابية للأُجَرَاء تأسست في 20 كانون الثاني/يناير 1946، أثناء فترة الإستعمار الفرنسي المُبَاشِر للبلاد، وهو أقْدَم وأكبر منظمة نقابية في الوطن العربي وافريقيا، وسبقتْهُ مُحاولتان لتأسيس منظمة نقابية وطنية في تونس هما جامعة عموم العملة التونسيِّين الأولى سنة 1924 والثانية سنة 1936 وجابهتهما السلطات الإستعمارية بقمع وسجن ونفي قادة المنظمتين، رغم وجود “اليسار” الفرنسي في السّلطة سنة 1936 (الجبهة الشعبية بقيادة المناضل الصّهيوني “ليون بلُوم”)، واغتالت السلطات الإستعمارية (رُبّما بمساعدة عُملاء تونسيّين) مؤسس الإتحاد العام التونسي للشغل وأمينه العام آنذاك “فرحات حشّاد”، الذي كان يمزج النضال النقابي بالنضال الوطني المُعادِي للإستعمار، دون أن يكون ثوريا أو تقدميا، بل كان على علاقة وطيدة بالنقابات الأمريكية والإتحاد الدولي للنقابات “الحُرّة” ومناهضًا للفكر اللإشتراكي، ولربما ساعده موقف الكنفدرالية العامة للشغل الفرنسية (سي جي تي) المعادي للنقابات المُسْتَقِلّة عنها في المُسْتعمرات على التقارب مع التيار النقابي اليميني العالمي…

بقيت قيادة الإتحاد العام التونسي للشغل مُرْتَبِطةً بالحزب الحاكم (والوحيد)، بل ودَعّمت حكومات ما بعد “الإستقلال” (1956) إلى أن حدث خلاف عميق سنة 1965 عندما عارضت قيادته قرار الحكومة خفض قيمة الدّينار التونسي، الذي اعتبرته قيادة الإتحاد تخفيضًا من قيمة الأجر الحقيقي، فسجنت السلطة الأمين العام (أحمد التليلي) وهو من الرّموز الوطنية لمقاومة الإستعمار، وتدخلت الحكومة لتعيين قيادة جديدة، وتراوحت علاقة السلطة بقيادات الإتحاد النقابي بين النتاغم والتصادم، حتى الإضراب العام الذي نفّذَهُ الإتحاد العام التونسي للشغل يوم 26/01/1978 احتجاجًا على السياسة الرأسمالية الليبرالية وقمع المناضلين النقابيين بواسطة مليشيا “الحزب الدّستوري” الحاكم، واستخدمت الحكومة الجيش وقوات الأمن لقمع المُضْرِبين يوم الإضراب العام، وأسفر القمع عن قتل وجرح مئات النقابيين والمواطنين (لم يصدر تقييم جِدِّي للإضراب وضحاياه ونتائجه) وسجن كافة أعضاء المكتب التنفيذي والهيئة الإدارية وعشرات الكوادر النقابية في القطاعات الإقتصادية ومناطق البلاد…

من النقابي إلى الوطني، منزلة بين المنزلتين:

أظْهر التحضير للإضراب العام تناقُضًا بين قيادات الإتحاد التي ساهمت في التأسيس وارتبطت بالحزب الدستوري الحاكم، وبنظْرَتِهِ للإستقلال وبناء الدولة الوطنية، من جهة والنقابيين الشّبّان الذين أصبحوا أُجَراء وموظّفين خلال عقد سبعينيات القرن العشرين، ومعظمهم من مناضلي اليسار “الجديد” الذي تأسس في ستينيات القرن العشرين وخصوصًا بعد هزيمة 1967 وتحول جزء من المناضلين القوميين العرب إلى تبنِّي النظريات الإشتراكية (الماركسية)، ودفَعَ نشاط هؤلاء النقابيين الشّبّان قيادة الإتحاد إلى مُساندة نضالات عُمّال وعاملات القطاع الخاص والشركات الأجنبية التي تستغل النساء والشبان وتفرض ظروف عمل سيئة جدا (النسيج والمكانيك والإلكترونيك وتركيب التجهيزات والمُعدّات…) وبالمقابل ارتفع عدد المنخرطين (المنتسِبِين) للإتحاد العام التونسي للشغل إلى أكثر من نصف مليون أو أكثر من ربع العاملين في البلاد آنذاك، ما يُعْتَبَرُ أمرًا استثنائيا في تاريخ النقابات العالمية…

لم يَسْتَسِغ الجيل النقابي الجديد طُرُقَ عمل القيادة ومفاوضاتها الطويلة مع الحكومة وأرباب العمل وتنديدها أحيَنًا بالنقابيين الذين ينفِّذون إضرابات دون إذن القيادة، وتنازلاتها العديدة باسم “المصلحة العُلْيَا للوطن”، وكانت مؤتمرات النقابات الأساسية أو القطاعية أو الجِهَوية مناسَبَةً للتعبير عن هذه المُعارضة، خصوصًا بعد “انتفاضة الخُبْز” ضد ارتفاع الاسعار التي فرضها صندوق النقد الدولي (الأيام الأخيرة من 1983 في الجنوب وبداية 1984 في العاصمة) والتي قمعها الجيش بالرصاص الحي ما أدى إلى وفاة المئات (أكثر من 600) واعتقال الآلاف من الشّبّان الفُقَراء، ورغم هجومات الحكومة المُتكررة على النّقابيين (وعلى العمل النقابي بشكل عام) عمدت قيادة الإتحاد العام التونسي للشغل إلى فصل نقابيين و”تجريدهم” من صفتهم النقابية التي أقرّتها مُؤْتَمَرات وكلَّفَهم بها رفاقهم في العمل، والوشاية بهم إلى أجهزة الشرطة التي لم تتردد في اعتقالهم والزج بهم في السّجون وفصْلِهِم من العمل، بتواطُؤ مفضوع وعلني من قيادات الإتحاد العام التونسي للشغل، التي جنّدت القوى الموالية لها لشن حرب سياسية ومادية (بما فيها العنف الجسدي) ضد “اليسار النقابي”، باسم “مصلحة البلاد” و”الواقِعِيّة”… هذا إضافة إلى احتقار النساء اللاتي يُشَكِّلْن أكثر من نصف المُنتسِبِين إلى الإتحاد ولكنهن غير مُمثّلات في قيادات النقابات القطاعية والجهوية، فضلاً عن الهيئة الإدارية والمكتب التنفيذي، وكذلك عمليّات تزييف الإنتخابات وشراء الأصوات وتأسيس نقابات أساسية صورية بهدف سد الطريق أمام نقابِيِّي اليسار، ولا تزال هذه المُمارسات سائدة إلى غاية اليوم، لتأبِيد البيروقراطية والزّبائنية في العمل النقابي…

دور المؤتمرات:

بقي الاتحاد العام التونسي للشغل المنظمة النقابية الوحيدة في البلاد، رغم محاولات للخروج عليها وتأسيس منظمات أخرى، ومعظمها بإيعاز من الحكومة، عند حصول اختلافات مع قيادات الإتحاد، وبقي “الحبيب عاشور” أمينًا عاما لفترات طويلة تخللتها معارك مع النظام ومع نقابِيِّي اليسار، وجَسّمت مرحلته العلاقات المُتَغَيِّرَة مع الحكومة بين التحالف والخصومات، وكانت ولا زالت مؤتمرات الإتحاد تُمَثِّلُ حَدَثًا وطنيًّا بارزًا يحظى بمتابعة المُؤَيِّد والمُعارض، ولكنها في الواقع هي مُؤْتَمرات ذات صبغة تقنية وتُشَكِّلُ تتْويجًا لتحالفات واتفاقات حصلت قبل المؤتمر، رغم ما تحقَّقَ من مكاسب مثل تحديد البقاء في المكتب التنفيذي بدورتين فقط، وفرض نقاش حول دور الشباب والمرأة وضرورة فسح المجال لهذه الفئات النقابية في الهياكل القيادية للإتحاد، ويبقى المُؤتمر مناسبة لبيع وشراء الأصوات وللتحالفات الإنتخابية (ليست دائما تحالفات مبدئية أو مبنية على تقارب في وجهات النظر والبرامج) والمؤتمر كذلك مناسبة للخيانات والطّعن وتصفية الحسابات بين مختلف الرموز والتيارات، وكانت السّلْطة تتدخل بشكل غير مباشر بنشر مِلَفّات وتلفيق تُهَم بعضها أصله صحيح وتوقيت نشره مُخْتَار بعناية، فتَوَلّى “اسماعيل السحباني” الأمانة العامة للإتحاد ليكون رجل السّلطة (خلال حكم زين العابدين بن علي) إلى حين انتهاء مُهمّتِه فزجَّتْ به نفس السلطة في السجن بتهم الفساد والرشوة وغير ذلك… تولى حسين العباسي منصب الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل منذ 29/12/ 2011، وهو أول أمين عام للمنظمة بعد الإنتفاضة، على رأس مكتب تنفيذي ينحدر معظم أعضائه من “اليسار”، لكن ممارساتهم لم تختلف عن سابقيهم (لأسباب سنأتي على ذكرها لاحقًا)، بل ورّطت هذه القيادة الإتحاد في مُساومات بين تيارات رجعية، وحادت كثيرًا عن لوائح المؤتمر وعن برنامجها الإنتخابي، لأن تسيير الإتحاد يتميّزُ بمركزية القرار (أو بالبيروقراطية) واستفراد المكتب التنفيذي (13 عضو) بالقرارات ما يؤدّي إلى معاكسة مصالح المُنْتَسِبين من القاعدة والكوادر والهياكل الوُسْطى للنقابة… يتميز اللإتحاد العام التونسي للشغل بتواجده في جميع مناطق البلاد وفي جميع القطاعات رغم هيمنة القطاع العام (مثل نقابات جميع بلدان العالم)، وأعلنت قيادته قُبيل المؤتمر وصول عدد المُنْخَرِطين إلى 750 ألف من إجمالي عشرة ملايين نسمة في البلاد وحوالي 2,6 مليون أجير في حالة عمل… تورَّطَتْ قيادة الإتحاد المنبثقة عن المؤتمر الثاني والعشرين في ما سُمّي “الحوار الوطني” (2013) الذي أدّى إلى تقاسم السلطة بين الإخوان المُسْلِمين (النّهضة) والدَّسَاتِرة (أتباع بورقيبة وبن علي)، وتوريط البلاد مع صندوق النقد الدولي وزيادة الدُّيون الخارجية والفقر والبطالة والتفاوت في درجات التنمية بين المناطق الواقعة على ساحل البحر الأبيض المتوسط شرق البلاد والمناطق الغربية من شمالها إلى جنوبها حيث ترتفع نسب البطالة والفقر والأمية ووفيات الأطفال إلى ثلاثة أضعاف المعدّل العام في البلاد…

تُنَظِّمُ قيادة الإتحاد المؤتمر بشكل يُوَجِّهُ النقاش منذ البداية نحو قضايا تُحَدِّدُها سلفًا ولا تطرح مسائل تُحْرِجُها، مع الإشارة ان جميع مؤتمرات الإتحاد تُصادق على لائحة “الصِّراع العربي الصهيوني” التي تتضمّنُ رفض أي شكل من أشكال التّطبيع أو التفريط في جُزْءٍ من فلسطين أو الأراضي العربية المُحتلة أو في حقوق اللاجئين في العودة إلى وطنِهِم…

من مُؤْتمر إلى آخر، بين الثوابت والمُتَغَيِّرات:

دامت أشغال المؤتمر أربعة أيام من 22 إلى 25 كانون الثاني/يناير 2016 بحضور 547 مُؤْتَمِر ونحو سبعة آلاف مُشارِك، ومئات المدعوين من نقابات العالم،وناقش المؤتمرون عدة لوائح من ضمنها اللائحة المهنية واللائحة العامة ولائحة الهجرة واللائحة الداخلية ولائحة الصراع العربي الصهيوني، وأجمعوا على التنديد بالتطبيع مع الكيان الصهيوني، ثم اختاروا مكتبًا تنفيذيًّا مكونًا من 13 عضو منهم تسعة من المكتب التنفيذي السّابق، ونقابِيّة واحدة من بين الجُدُد (من قطاع التعليم الثانوي)، لأول مرة منذ 60 سنة، بعد عشر سنوات من محاولتها الأولى، وأصبح “نور الدّين الطّبُّوبِي” أمينًا عاما (كان عضوًا في المكتب التنفيذي خلال الدورة السابقة)…

تأثّر الإتحاد بالوضع العام في البلاد، فبعد مرور ستة أعوام على اندلاع الإنتفاضة، تدهورت وضعية العُمّال والموظفين والفقراء وصغار الفلاّحين، إذ ارتفعت نسبة البطالة والفقر وقفزت الأسعار إلى أعلى مُسْتَوى بينما انخفضت قيمة الدينار وحجم وإيرادات الصادرات (باستثناء بعض المنتجات الفلاحية سنة 2016 كالتّمور والحمضيات) وانخفضت إيرادات السياحة وارتفع حجم الديون الخارجية، ما يجعل الحكومة وأرباب العمل يضغطون على القيادة النقابية كي تُخَفِّضَ سقف مطالب القاعدة النّقابية التي تدهورت أوضاعها المعيشية، فيما ارتفعت وتيرة الإستغلال والإضطهاد، وحاولت القيادات النقابية إقناع العثمّال بما تُسَمِّيهِ “الإعتدال” باسم “المصلحة العُلْيا للبلاد”، بل زجّت القيادة النقابية بنفسها (وبالإتحاد) في مفاوضات للتحكيم بين شِقَّيْ اليمين الرجعي الحاكم (الإخوان المُسلمون والدّساترة، أتْباع بورقيبة وخَلَفِهِ بن علي) بعد اغتيال القيادي الثاني في “الجبهة الشعبية” سنة 2013، ولعبت القيادة النقابية دور رجل الإطفاء، دون أن يستفيد العُمال الذين منحوها ثقتهم من أي تحسن في وضعهم، بل جَمَّدَتْ حكومة “الوِفاق” الإتفاقيات السّابقة، واجتهدت في تطبيق ما اشترطه صندوق النقد الدولي وزادت عليه، وبذلك أثبتت قيادة الإتحاد العام التونسي للشغل (البيروقراطية النقابية) انها لا تنتمي للطبقة العاملة، أو كانت تنتمي لها ثم انتقلت إلى الصف المُقابل، رغم تدهور وضع الطبقة العاملة، باسم “الوفاق الوطني وبناء المُؤَسَّسَات…” وهي ليست من المهام التي أوكلها النقابيون لقيادتهم، بل انتخبوها للدفاع عن مصالحهم كعُمّال وأُجَراء لم ينالوا نصيبهم من الإنتاج ومن الثروة التي خَلَقُوها بعمَلِهِم وجُهْدِهِمْ…

العمل النقابي وسيلة انسلاخ طبقي:

إن التّغييرات التي تحصل في سلوك النقابيين بعد بلوغهم مراكز القيادة ليست نتيجة تصرفات فردية أو نزعة شخصية نحو الإستثراء أو “التّكَرُّش” (كِبَرُ البَطْن) بل هي نتيجة منطقية لوضع مادّي ومعنوي، في إطار تَيّارٍ تصعب السباحة ضده…

تتولى الدولة في القطاع العام، وأرباب العمل في القطاع الخاص، جباية الأموال شهريًّا من النقابيين المُنتسِبِين وتحويلها إلى الإتحاد العام التونسي للشغل، ويكون التزام النقابيين سنويا، وضغطت الحكومة على قيادة الإتحاد وتهديده بوقف عملية خصم هذه الأموال وجَمْعَها لفائدته، ما سيضطره إلى إعادة هيكلة إدارته المالية…

بلغت مجموع مداخيل الاتحاد العام التونسي للشغل خلال السنوات الخمسة الماضية 105 مليون و323 ألف و862 دينارا (دينار = 0,433 دولار – أو دولار = 2,30 دينار تونسي) في حين بلغت جملة المصاريف لنفس الفترة 108 مليون و95 ألفا و3411 دينار، وفق التقرير المالي، وارتفعت الإيرادت السنوية من 21 مليون و663 ألف و632 دينار سنة 2012 إلى 25 مليون و 41 ألفا و 427 دينارا سنة 2016، وتشمل مداخيل الانخراطات، والاعتماد السنوي لفائدة العمال، ومعاليم كراء المقرات، والمحلات، وقاعات الافراح، واستخلاص الديون المتخلدة بذمة الغير لفائدة الاتحاد، والمساهمات المسداة لدعم النشاط النقابي الداخلي والخارجي، وفي المقابل ارتفعت المصاريف من 22 مليون و661 ألفا و288 دينارا سنة 2012 إلى 24 مليون و662 ألفا و 719 دينارا سنة 2016، وهي الميزانية ضخمة، فيما الرقابة ضعيفة ولا تَسْمحُ أشكال التنظيم الذي يعتمده الإتحاد بمراقبة المُنْخَرِطين لتفاصيل الإيرادات والإنفاق… من جهة أخرى يمتع أعضاء المكتب التنفيذي بسيارتين فاخرتين مع سائقين، وقروض لا تُرَدّ (أي هِبات حكومية) ويُعَيَّنُ أعضاء المتكب التنفيذي في مناصب عليا ووهمية في مِهَنِهِم الأصلية، ليرتقوا مثلا من رتبة موظف متوسط إلى رُتْبَة مَدير وعضو مجلس إدارة وعضو مجلس رقابة الشركة وغير ذلك من الوظائف الوهمية التي تَدُرُّ دَخْلاً كبيرًا، إضافة إلى المنح العالية أثناء السفرات العديدة إلى الخارج، وغير ذلك من الإمتيازات و”الحوافز” المادية التي تُنْقِلُ النّقابي من كادح إلى مستفيد من “الرّيع” ومن أموال الكادحين في قطاعات البناء والنسيج والتعليم والصحة وغيرها، ويُلاَحِظ النقابيون القاعديون والمواطنون تبذير وإنفاق الكوادر النقابية واستهلاكهم المُفْرِط الذي ينعكس على أفراد عالاتهم وأبنائهم، وهذه الحوافز المادية تجعلهم يتشبّثون بمنصبهم، ويُقَدّمون التنازلات الضرورية، ومنها التضحية بمصالح العمال وصغار الموظفين، من أجل الحفاظ على هذه “النِّعْمة”… هذا ما يُفَسِّرُ (جُزْئِيًّا) الخطاب النّاعم والأمْلَس بشأن التوافق والمصلحة الوطنية (التي يُقْصَى منها العمّال في أسفل السُّلّم) والتنديد “بالمطالب المُشِطّة التي لا تُراعي وضع البلاد…” وبفقراء المناطق الداخلية (غرب البلاد) المُطالبين بالشّغْل والتنمية وتقاسم الأعباء وكذلك الثّروات

الآفاق:

دعم الأمين العام المُنْتَهِية ولايته قائمة اختارت لها من الأسماء “التوافق” لأن رئيس القائمة “يميل مع النّعْماء حيث تَمؤيلُ” ويُرَدِّدُ كالصّدى “المشاركة في الشأن العام بدعم الحوار الوطني” (بين أطراف رجعية) ونافستها قائمة أخرى يقودها عضو في المكتب التنفيذي المنتهية ولايته وتضم بالخصوص مترشحين من قطاعات التعليم والصحة، وفازت قائمة “التوافق” بكافة المقاعد الثلاثة عشر…

عرفت البلاد خلال السنوات الخمسة المُنْقَضِية اغتيالات شكري بالعيد ومحمد البراهمي من “الجبهة الشعبية” (شباط وتموز 2013) واعتداءات على مقرات الإتحاد العام التونسي للشغل وعلى بعض رُمُوزه في عدة ولايات سنة 2012 ويتهم النقابيون الحزب الحاكم (النهضة – إخوان مسلمون) بتدبير الإعتداءات التي بقيت دون محاسبة، من جهة أخرى تتعلل الحكومة وأرباب العمل بالوضع الإقتصادي الصعب لرفض زيادة الرواتب وتحسين ظروف العمل، فيما يرى النقابيون من القواعد والكوادر الوسطى انهم غير مسؤولين على تدهور الوضع وانهم لم يستفيدوا من نمو الإقتصاد في السابق، ولن يقبلوا تحمل وزر أزمة لا ناقة لهم ولا جَمَل فيها، بل كانوا أوّل ضحاياها، ويُشارك في الحكومة الحالية التي ترفض زيادة الأجور، بل حاولت التمَلُّص من اتفاقيات سابقة، عُضْوان سابقان في قيادة الإتحاد (المكتب التنفيذي) كانوا قبل عقود يُناضِلُون في صفوف اليسار (هذا للتاريخ)، ما يدعم انسلاخ أعضاء المكتب التنفيذي عن أُصُولهم الطبقية المُتَواضِعَة ليلتحقوا موضوعيًّا بصفوف المُسْتَغِلِّين والبرجوازية، لذا لا يُمْكِنُ التّعْويل على قيادة نقابية من هذا الصّنف لقيادة النضالات العُمّالية، بل إجبارها على إقرار الإضرابات العامة والقطاعية، والإعتراف بشرعيتها والتفاوض إلى جانب المُضْرِبين (وليس بدلاً عنهم) من موقع قوة من أجل تحقيق المطالب وليس من أجل “توافق” أعْرج يَضُرُّ بمصالح العمّال، ولا يمكن للمنظمة النقابية أن تتجاهل طويلاً مطالب القاعدة، دون تحقيق مكاسب تُبَرِّرُ مطالبة العمال بالإلتفاف حولها، وبدل الدفاع عن “التوافق” مع النهضة ونداء تونس، يمكن تخصيص وقت لدراسة وسائل مقاومة البطالة والفقر والتهميش والعمل الوقتي بعقود هَشّة والتعاقد من الباطن (المُناولَة) وتحسين الرواتب وظروف العمل في القطاعين العام والخاص، وتسيس قسم خاص بالمتقاعدين وقسم آخر بالعاطلين عن العمل، والدفاع عن مصالحهم ومطالبهم…

  • ·       الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.