المغرب: على هامش انتفاضة سكان منطقة “الرّيف”، الطاهر المُعز

انطلق الحراك الشعبي في منطقة “الرّيف” (شمال المغرب) في ولاية (محافظة) ومدينة “الحُسَيْمَة” للمطالبة بتحقيق العدالة في قضية مقتل بائع السّمك “محسن فكري” في تشرين الأول/اكتوبر 2016، والذي دهسَتْهُ شاحنة لجمع وطحن النفايات، بمشاركة أو إشراف الشرطة، وفق مواطني المنطقة، ثم توسّعت المطالب لتشمل زيادة استثمارات الدولة بهدف تنمية المنطقة وخلق وظائف وبناء مُسْتشْفيات ومؤسسات تعليم وإلْغاء المرسوم الملكي الصّادر سنة 1958 والذي يَعْتَبِرُ كامل “الريف الأوسط” أي منطقة “الحُسَيْمَة” منطقة عسكرية، وتنتشر في طرقاتها الحواجز ذات الصبغة العسكرية التي تُشرِفُ عليها قوات “الدّرك” (ذات الطابع العسكري) والتي يَتَّهِمُها المواطنون بابتزاز سكان المنطقة

خلفية تاريخية:

احتلّت فرنسا المغرب سنة 1912 وكانت اسبانيا تحتل بعض المناطق ومنها منطقة “الرّيف” ليكتمل احتلال الإمبريالية الفرنسية للمغرب العربي أو ما تُسَمِّيهِ مصطلحات الإمبريالية “شمال افريقيا” وجنّدت فرنسا أثناء الحرب العالمية الأولى نحو 250 ألف شاب من المغرب العربي ليموت مُعْظَمُهُم على الجبهة “دِفَاعًا عن فرنسا”… وبدأت تظْهَرُ بوادر العمل المُشْتَرَك بين الحركة الوطنية في تونس والجزائر والمغرب منذ 1920 وتطورت حركة المُطالبة بالإستقلال في المغرب واستبقت تظيرتها في الجزائر وتونس، حين أسَّسَ محمد بن عبد الكريم الخطابي، (المعروف باسم عبد الكريم الخطابي) “جمهورية الريف” (1921 ــ 1926) والتي تحالف ضِدَّها الجَيْش الفرنسي بقيادة “فليب بيتان” الذي ساعد ألمانيا النازية على احتلال بلاده خلال الحرب العالمية الثانية، مع الجيش الإسباني بقيادة “فرنسيسكو فرانكو” الذي أسسس الكتائب الفاشية والحكم الفاشي الذي دام حتى وفاته سنة 1975 واستخدم الجيشان الطائرات الحربية لأول مرة في تاريخهما وقصفت الطائرات سكان الريف بقنابل غاز الخردل والنابالم، ولا يزال سكان منطقة “الرّيف” يُعانون نتائج ذلك القصف، حيث ترتفع نسبة الإصابة بالأمراض السرطانية بسبب قصف الجيش الإسباني (بقيادة فرنسيسكو فرانكو) للمنطقة بغاز الخردل إبّان ما عُرِفَ ب”حروب الريف” (1921 ــ 1927) وكذلك بسبب إلقاء الجيش المغربي قنابل النابالم في المنطقة بعد الاستقلال، أثناء ثورة الجيش الوطني الشعبي ضد اتفاقية الإستقلال المُزَيَّف بين العائلة المالكة والإستعمار الفرنسي. أما عبد الكريم الخطابي فنَفَتْهُ فرنسا في مُسْتعمراتها قبل أن يستقر في القاهرة ويؤسس “لجنة تحرير المغرب العربي” سنة 1947، وتوفي في المنفى (في سوريا) سنة 1963…

قصف الجيش المغربي خلال حكم “محمد الخامس” وولي عهده “الحسن الثاني” الريف بالنابالم سنة 1958 وأطلقا العنان للجنود لاغتصاب النساء وقتلهنّ، وقتلت قوات القمع المئات من شباب منطقة الرِّيف أثناء انتفاضات ثمانينيات القرن العشرين ضد “توصيات” (شُرُوط) صندوق النقد الدولي وغلاء مُشْتَقّات الحبوب والمواد الأساسية، بسبب خفض الدّعم الحكومي، وخصوصًا سنة 1984 عندما وصَف “الحسن الثاني” المُتَظاهِرِين ب”الأوباش”، وقبل ذلك، وخلال عقود الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين، ساهم مُناضلون من كافة مناطق البلاد، ومنهم من منطقة “الريف” في قيادة احتجاجا 23 مارس 1965 وساهموا في تأسيس وقيادة منظمات “اليسار الجديد” مثل منظمة “إلى الأمام” التي تُوُفِيَ عدد من قادتها في السجون تحت التعذيب و”اختفى” عدد آخر ممن اختطفهم عناصر الشرطة السياسية وهاجر بعض من نَجَا إلى المنافِي في أوروبا أو في المشرق العربي، وتآمرت شرطة أوروبا والكيان الصهيوني مع الإستخبارات المغربية لاختطاف واغتيال معارضين بارزين أشهَرُهم “المهدي بن بركة”، أحد مُؤَسِّسي مؤتمر باندونغ ومجموعة عدم الإنحياز ومجموعة القارات الثلاثة (افريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية) الذي اختطفته المخابرات في باريس واغتالته بعد تعذيبه، بدعم من الموساد والمخابرات الفرنسية سنة 1965…

مكانة المغرب في استراتيجيات الإمبريالية:

يحتل المغرب مكانة بارزة في الإستراتيجية العسكرية والدبلوماسية الأمريكية والأوروبية، بسبب الموقع الإستراتيجي للبلاد بين افريقيا وأوروبا وبين البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، واتساع البلاد وتنوع جغرافيتها وتضاريسها واستقرارها السياسي، بفضل سياسة المزج بين “العصا الغليظة” والإعلام اللَّيِّن الذي يتوجّه إلى الخارج (الأوروبي والأمريكي) الذي يَغُضُّ البَصَر عن القمع الوحشي والفساد والرشوة والفوارق الطبقية المُجْحِفَة، ويتسم النظام المغربي بالتبعية الكاملة للقوى الإمبريالية، وقدم خدَمَات هائلة بمشاركة الجيش في جُلّ العمليات العدوانية العسكرية للإمبريالية الفرنسية والأمريكية في افريقيا وفي الوطن العربي، وتحتل البلاد موقعًا هاما في استريجية برنامج “أفريكوم” (القيادة العسكرية الأمريكية الموحدة لإفريقيا)، وتمتلك أمريكا عدة قواعد صغيرة أهمها القاعدة الجوية في “طان طان”، وشارك أكثر 1300 جندي اميركي ومغربي واوروبي وافريقي (من أمريكا وموريتانيا والمغرب وتونس ومالي والسنغال وفرنسا وألمانيا وإسبانيا والبرتغال وبريطانيا) في مُناورات عسكرية مشتركة بإشراف جيش البحرية الأمريكية، في جنوب المغرب، بين مدينتي “أغادير” و”تفنيت”، من 19 إلى 28/04/2017 في إطار البرنامج العسكري الأمريكي “أفريكوم” وتهدف المناورات إلى “تحسين قدرات الجيش الأمريكي في ساحات عمليات متنوعة”، وفق بيان السفارة الاميركية في الرباط و”القيادة العسكرية الأمريكية الموحدة في افريقيا” (أفريكوم)، وكان الجيش الأمريكي ينظم سنويا منذ 2007 هذه المناورات مع الجيش المغربي، وقرر توسيعها هذا العام إلى جيوش أخرى، ويمثل الجنود الأمريكيون غالبية المشاركين في المناورة، يليهم جنود المغرب، البلد المُضَيِّف… تعول أمريكا على الجيش المغربي في أي عدوان على غرب افريقيا وبلدان جنوب الصحراء، والجيش المغربي هو سابع جيش في افريقيا، ويحتل الصحراء الغربية منذ 1975 بالإتفاق مع جيش اسبانيا التي كانت تستعمر الصحراء الغنية بالفوسفات والمُطِلّة على المحيط الأطلسي، ويعدُّ الجيش نحو 200 الف عسكري و150 الفا من جنود الاحتياط ويملك 1215 دبابة و282 طائرة و121 بارجة، وتبلغ ميزانيته 3,4 مليارات دولار، بحسب موقع الدورية المختصة في مجال الأسلحة والحروب “غلوبال فايرباور”، ويحتل المغرب المرتبة 17 عالميا في مجال شراء الاسلحة وكلها من الخارج (من أمريكا وفرنسا) وفق المعهد الدولي لبحوث السلام بستوكهولم…

بعض سِمات الوضع الإقتصادي:

تزامن موعد هذه المناورات مع تصعيد المغرب للتوتر القائم على الحدود مع الجزائر، ورَكَّز الإعلام المغربي على هذا التّوتُّر بينما تتواصل انتفاضة مواطني منطقة الرّيف الفقيرة والمتمردة، ولتحويل الأنظار كذلك عن الصعوبات التي يواجهها أُجَرَاء وفُقَراء البلاد في ظل سياسة التّقَشُف وزيادة الأسعار وهيمنة صندوق النقد الدولي على القرار الإقتصادي (والسياسي، نتيجة لذلك)، وأقَرَّ النواب (أغلبية نسبية للإخوان المسلمين) موازنة سنة 2017 بشيء من التأخير، بزيادة 2,44% عن سنة 2016، باعتمادات قدرها 399 مليار درهم (نحو 41 مليار دولار) وبعجز يُفْتَرَضُ أَلاَّ يتجاوز 3% من الناتج الإجمالي وتضخم بنحو 1,7%، وتراهن حكومة الإسلام السياسي على “التصدير والاندماج في الاقتصاد العالمي وتطوير مناخ الأعمال لزيادة الاستثمارات”، وهي تعابير منقولة عن تقارير صندوق النقد الدّولي، وهذه الأرقام متفائلة بشكل غير واقعي، حيث أقرت الحكومة موازنة تفترض تحقيق نمو اقصادي بنسبة 4,5% من الناتج المحلي سنة 2017، بفضل موسم فلاحي مُمْطِر يسمح بزيادة الإنتاج الزراعي، وتُعول الحكومة كذلك على ارتفاع معدل الاستهلاك المحلي للأسر التي تُعاني من الديون (وَرَدَ ذلك في فقرة أخرى لاحقة من هذه الورقة)، رغم تطبيق خطط التقشف التي أَمَر بها صندوق النقد الدولي، وإلغاء (أو خفض) الدعم عن الطاقة والمواد الأساسية، كما تُعَوِّلُ على زيادة صادرات السيارات التابعة للشركات الأجنبية والتي يقع تَرْكِيب بعض أجزائها في المغرب، وعلى ارتفاع عائدات السياحة وتحويلات المغتربين والتدفقات المالية، وغير ذلك من الشروط التي لا تتحكم بها الحكومة، بل هي عوامل خارجية، لا فضل للحكومة في تحقيقها، وكانت الحكومة قد استفادت سنة 2016 من انخفاض أسعار النفط ومن تحسّن الإنتاج الزراعي، لخفض فاتورة توريد الغذاء (الحبوب بشكل خاص)، وسجل الميزان التجاري عجزًا خلال الربع الأول من سنة 2017 بقيمة 30,6 مليار درهم (نحو 3,2 مليارات دولار)، وبلغت قيمة تحويلات المهاجرين 1,4 مليار دولار، في حين بلغت الاستثمارات الأجنبية المباشرة نحو 600 مليون دولار، ويقدر الناتج المحلي لسنة 2017 بحوالي 120 مليار دولار… تُشَكِّلُ هذه الأرقام والنِّسَب مجرّد مُؤَشِّرات للإقتصاد الشُّمُولي (ماكرو إِيكُنُومِي) لكنها لا تعني شيئًا للفقراء وللعاطلين عن العمل والمُتقاعِدِين الذين انخفضت جراياتهم والأجَراء الذين انخفضت القيمة الحقيقية لرواتِبِهِم… عندما تُطْنِبُ أجهزة الدولة (من إعلام مأْجُور وحكومة وأحْزاب وبرلمان…) في الحديث عن النُّمُو وعن خفض العجز فإن المواطن يَقِيس مصداقية خطاب الدولة بشكل بسيط يتمثل في الإجابة على السؤال التالي: هل يكْفِي الدخل للعيش بكرامة أم لا، وهل يكفي للسكن المريح ولتعليم الأبناء وللطَّبَابة (العِلاج) واستهلاك وجبات متوازنة وغير ذلك من المعايير التي يعتمدها المواطن وهو مُحِقٌّ في ذلك، مع إهمال الإنفاق على الترفيه والثقافة التي أصبحت من “الكمالِيّات”… في المُقابل أعلنت أجهزة الدولة انها استحدثت 109 آلاف وظيفة خلال سنةٍ واحدة، ما بين الربع الأول من 2016 ونفس الفترة من 2017، في قطاعات الخدمات والبناء والزراعة والصناعة والصناعات التقليدية، في تناقض تام مع الواقع ومع اتفاق الدولة مع صندوق النقد الدولي لخفض الإنفاق والوظائف الحكومية، والواقع ان هذه الوظائف التي ادّعت الدولة إحْدَاثَها هي وظائف مُؤَقَّتَة وهَشّة، ونشرت إدارة التخطيط إحصاءات رسمية يوم السبت 06/05/2017 تفيد ارتفاع معدل البطالة الرّسمي (وهو دون الواقع بكثير) من 10,4% من القادرين على العمل في الربع الأخير من سنة 2016 إلى 10,7% في الربع الأول من سنة 2017، بزيادة عدد العاطلين 63 ألف عاطل جديد، معظمهم في الوسط الحضري (لا توجد إحصاءات جِدِّية في الوسط الريفي) وارتفعت معدلات البطالة في أوساط النساء من  13,8% إلى 14,7% والشبان ما بين 15 و24 سنة من 24,9% إلى 25,5% والحاصلين على شهادات من 18,2% إلى 18,5%، وما هذه سوى بيانات حُكُومية ضعيفة المِصْدَاقِيّة… تَجْدُر الإشارة ان تحقيق نمو اقتصادي بنسبة تقل عن 6% في بلد مثل المغرب لا يسْمَحُ باستيعاب الوافدين الجدد على “سوق” الشّغل، وجزء من العاطلين “القُدَامى”، لأن القطاعات الرئيسية هَشّة وترتهن إلى عوامل خارجية ولا تُحَقِّقُ قيمة زائدة مُرْتَفِعة، حيث يعتمد المغرب على الزراعة وتصدير الفوسفات والمواد الخام وتقتصر الصناعة على التجميع وتفتقد إلى التقنيات العالية أو المتطورة التي تسمح بتحقيق قيمة إضافية مُعْتَبَرَة، وهو حال جميع البلدان الموصوفة ب”الناشئة”، أي البلدان الفقيرة، حيث يتراوح حجم الإقتصاد الموازي بين 40% و50% من إجمالي الناتج المحلي، ولا يتمتع عاملو الإقتصاد الموازي بأية ضمانات أو تأمين اجتماعي…

يقدّر “صندوق الضمان الاجتماعي” عدد العاملين بأجر في البلاد بنحو 10,64 ملايين عامل، منهم حوالي 3,1 ملايين مُسَجَّلِين لديه، والبقية (أي 7,64 مليون عامل) لا يتمتعون بالتأمين الصحي والتقاعد، وارتفع الحد الأدنى للرواتب في القطاع الحكومي إلى 300 دولار شهرياً، لكنه لم يتجاوز 250 دولاراً في القطاع الخاص، أما في الزراعة فإن عدد الساعات مرتفع مقابل رواتب لا تتجاوز 50% من الحد الأدنى، وقدّرت “المندوبية السامية للتخطيط” نسبة العمال في الصناعة والتجارة والخدمات والبناء والإنشاء (الأشغال العمومية مثل الجسور والطرقات)، الذين تقل أجورهم عن الحد الأدنى بنحو 45% من إجمالي العمال، ويعمل 3,09 ملايين عامل بدون عقود عمل مع مشغليهم، منهم 716 ألف شخص يعملون في قطاع البناء والأشغال العمومية. وكانت حكومة عبد الإله بنكيران السابقة (إخوان مسلمون، مثل الحكومة الحالية بنهاية أيار 2017)، قد رفعت الحد الأدنى للأجور في الوظيفة العمومية إلى 300 دولار شهرياً، غير أنه ظل في القطاع الخاص في حدود 250 دولاراً، مع تفاوت بين القطاعات الإنتاجية لاسيما بين الصناعة والزراعة…

خلفيات الحراك الإجتماعي الحالي:

تميز المغرب بتعدد الأحزاب منذ الإستقلال الشكلي (1956) خلافًا لمعظم الدول العربية الأخرى، ولكن الشعب المغربي يُسَمِّيها أحزاب “المَخْزَن” (أي أحزاب السُّلْطة)، وبعد كل حراك اجتماعي هام يُعيِّنُ القصر المَلَكِي (المَخْزَن) رئيس حكومة من “المُعارضة” بهدف استهلاكه وإفراغ حزبِهِ من جماهيريته النسبية وإِضْعَافِهِ، بينما يبقى نفوذ الملك ومُسْتشاروه أقوى من نفوذ أي رئيس حكومة وأي وزير آخر، ويبقى القصر المَلَكِي هو صاحب النفوذ الحقيقي، رغم وجود ديمقراطية شَكْلِيّة وأحزاب في الحكومة وأخرى في المُعارَضة وانتخابات تجري في إِبّانِها وبرلمان وتَعَدُّدِيّة نقابية لتقسيم الطبقة العاملة (لكل حزب نقابته)، وسبق أن دفع “المَخْزَن” (أي القصر الملكي) بعض أعوانه والمقربين منه لتأسيس أحزاب، سرعان ما تُصْبِحُ منافسًا قَويًّا لأحزاب عريقة، بفضل الدعم المادي والإعلامي والسياسي للملك وما يملكه من نفوذ، وبعد استهلاك حزب “الإستقلال”، عَيَّنَ الملك الحسن الثاني (والد الملك الحالي محمد السادس) عبد الرحمان اليوسفي، زعيم المُعارضة العَلَنِيّة والأمين العام للإتحاد الإشتراكي للقوى الشعبية (الجناح اليميني لحزب المهدي بن بركة “الإتحاد الوطني للقوى الشعبية”) رئيسًا للحكومة سنة 1998 وكان زعيمه السابق عبد الرحيم بوعبيد قد وجه نقدًا للنظام بعد انتفاضة الخبز وارتفاع الأسعار بشكل جنوني (1981 و 1984) وبعد منح الولايات المتحدة تسهيلات عسكرية على أرض وشواطئ وأجواء المغرب، ولكنه كان حزبًا شوفينِيًّا ومعاديًا لقوى اليسار الجديد (مثل منظمة “إلى الأمام” ومنظمة “23 مارس”…)، وإثر الإحتجاجات الشعبية التي شَهِدَتْ تأسيس ائتلاف “حركة 20 فبراير” (2011)، في سياق الإنتفاضات العربية، عين محمد السادس زعيم حزب “العدالة والتنمية” (الإخوان المسلمون) لتشكيل حكومة ائتلاف، وتكفلت حكومتا الإخوان المسلمين بتنفيذ أوامر صندوق النقد الدولي، فتعددت إضرابات النقابات العمالية ضد إجراءات التقشف وخصخصة ما تَبَقَّى من القطاع العام ورفع سن الإحالة على التقاعد وخفض الرواتب وزيادة الضّرائب وخفض دعم السلع والخدمات الأساسية، وغير ذلك من الإجراءات التي يفرضها صندوق النقد الدولي على الدول المُسْتَدِينَة، ومنها دول عربية (تونس ومصر والأردن…)، والوقع ان الإحتجاجات بقيت مُسْتَمِرّة في مناطق عديدة ضد التهميش والبطالة وارتفاع أسعار خدمات الكهرباء والماء، وخصوصًا منذ انطلاق “حركة 20 فبراير” وهو ائتلاف شبابي قاده شباب مُتَعلّم  ضد الظلم والحيف والإقصاء والتهميش…

من جانب الأسرة الحاكمة تميزت مرحلة الحسن الثاني (ولد الملك الحالي) بشدة القمع السياسي والإجتماعي، وخنق أي صوت مُعارض لاختيارات “المَخْزَن”، فيما تميزت فترة ابنه ووريثِه محمد السادس بلهفة أعضاء العائلة المالكة على المال وبالإندماج البارز للعيان للشأن السياسي بالشأن الإقتصادي، بل واحتكار كل السلطات جهرًا وبدون مواربة بين أَيْدِي الأسرة الحاكمة والمُقَرَّبِين منها، والتي تنهب ثروات البلاد، على حساب أغلبية الشعب، ما ينفي الخطابات الرسمية ذات الصبغة الديماغوجية عن الوطن والمواطنة، في ظل تعميق الفجوة الطبقية بين الأثرياء والفقراء وارتفاع نسب البطالة والفقر والفساد…

على الجبهة الإقتصادية، تميّز وضع المغرب بالفساد والإستحواذ على الممتلكات العامة وتهريب رؤوس الأموال وبزيادة حجم الديون، وزيادة ثروات الأثرياء، مقابل صعوبة العيش وقلة الموارد للفئات الشعبية من عُمال وأُجراء وبرجوازية صغيرة (فئات وُسْطَى)، وهذه الأسباب كافية لوحْدِها بإصْباغ الشرعية على الحركات الإجتماعية، في مجمل مناطق البلاد، ناهيك عن المناطق التي أهملتها الدولة عَمْدًا مثل منطقة “الرّيف” التي يُعاني أهلها من البطالة والفقر والأمية وغياب المرافق من طرقات ومدارس ومستشفيات، وعُمُومًا فإن مطالب المواطنين في المغرب أو تونس أو مصر هي مطالب مَشْروعة لا تتعدى ضرورة تخفيف العِبْء عن الفُقَراء وانتهاج سياسة تنمية مُخْتَلِفَة تُوَفِّرُ الشغل وتهتم بالفُقَراء وبالمناطق المحرومة في غرب تونس وأرياف وضواحي المدن في مصر والمغرب… (راجع البيانات ذات الصبغة الإقتصادية الواردة في الفقرة الأخيرة من هذه الورقة بعنوان “مُؤَشِّرات استمرار الأزمة”)

طبيعة انتفاضة سكان منطقة “الحُسَيْمَة” 2017:

لم تنقطع حركة الإحتجاجات منذ انطلاق “حركة 20 فبراير” 2011، وإن كان ينقُصُها الإنتظام والإستمرارية، وكان قتل “محسن فكري” بمثابة الحدث المُؤْلِم الذي أعاد المطالب الإجتماعية إلى مقدمة الأحداث، إلى أن نَفَّذَ سكان محافظة “الحُسَيْمَة” ومنطقة “الرِّيف” إضرابا عامًّا يوم الخميس 18 أيار/مايو 2017 ومسيرة حاشدة جمَعَتْ عشرات الآلاف من المواطنين الذين نَدَّدُوا بحملة التَّشْوِيه التي تَشُنُّها ضدهم الحكومة عبر وسائل الإعلام والبلاغات الكاذبة، وطالبوا بسياسة تنمية للحد من مشاكل البطالة والفقر وأنشاء مدارس وجامعات ومُسْتَشْفَيات، وغير ذلك من المطالب الشرعية، والوفاء بالعهود التي قطعتها حكومة الإخوان المسلمين بتنمية المنطقة ، إثر الإحتجاجات التي تَلَتْ قَتْلَ “محسن فكْرِي”، وعمدت الدولة إلى تطويق مدينة “الحُسَيْمَة” بقوى “التدخل السريع” والدّرك، وتحويلها إلى ثكنة، وإلى تأجير مجرمين (تحت إشراف وزارة الداخلية) هاجموا المُتَظاهِرِين وبعض المحلاَّت والمؤسسات العمومية، لتشويه طبيعة الإحتجاجات الجماهيرية ولِحَرْفِ مطالب المُتَظَاهِرِين، بالتّوازي مع إطلاق حملة إعلامية حكومية تتهم المتظاهرين بالتخريب والدعوة للإنفصال عن الدولة الأم وبالعمالة للقوى الأجنبية (وهذه التهمة الأخيرة هي من إهم مواصفات الدولة في المغرب، لأنها تُمَثِّلُ مصالح الإحتكارات الأجنبية والقوى الإمبريالية)، وتميزت الإحتجاجات الأخيرة بمطالبها الديمقراطية والإجتماعية (الإقتصادية) وبإشراف لجان محلية ولجان تنسيق إقليمية شَكَّلَها المواطنون والمنظمات المَحَلِّية للحفاظ على الطابع المَدَنِي والطابع الجماعي (الجماهيري) المُنَظَّم للإحتجاجات، واتسعت حركة التضامن إلى مناطق عديدة تشكو نفس المشاكل التي يعيشها لاأهالي منطقة “الرِّيف”، وتزامنت هذه الإحتجاجات مع سلسلة من الإضرابات العُمالية (النقابية) ضد سياسة التقشف وخصخصة المرافق وإثقال كاهل الأجراء بالضرائب والمُستهلكين بزيادة الأسعار والضرائب غير المباشرة وغير ذلك من إجراءات برامج صندوق النقد الدولي والبنك العالمي، التي تَصُب في مصلحة الأثرياء والشركات متعددة الجنسية، التي تستحوذ على القطاع العام وعلى الأراضي الخصبة، بذريعة تشجيع الإستثمار…

إن مطالب مواطني منطقة “الرّيف” كما غيرها من مناطق البلاد هي مطالب ذات صبغة اقتصادية واجتماعية وديمقراطية ضد هيمنة الطبقات أو الفِئات الحاكمة (المَخْزن وحُلفاؤه) والتي تُمَثِّلُ بدورها مصالح الشركات الإحتكارية الأجنبية والدول الإمبريالية، وتُطَبِّعُ مع الكيان الصهيوني وتُفَرِّطُ في البلاد وثرواتها البحرية والبرية وفي باطن الأرض وتُؤَجِّرُ العمال والعاملات للشركات سواء في المغرب أو في الخارج حيث يُغامر الشباب إناثًا وذُكُورًا بحياتهم للعمل في مزارع ومصانع أوروبا بأجر منخفض، ويفتح نظام الحكم حدود البلاد لملايين السائحين، ومنهم المشبوهين والُمُنْحرفين أخلاقِيًّا، فيما يُكَمِّمُ أَفْواه المواطنين الأحرار ويسوقهم إلى السجون…

مُؤشِّرات استمرار الأزمة:

اتفق الإعلام الأوروبي والأمريكي -المملوك لشركات كُبْرى- على تقديم صورة إيجابية عن نظام الحكم في المغرب وعن وضع الإقتصاد والحريات الديمقراطية، ويُقَدم صندوق النقد الدولي سياسة نظام المغرب كنموذج للتنمية و”الحكم الرَّشِيد”، ولكن ما رأي مواطني البلاد؟ قد تعْسُرُ الإجابة على هذا السّؤال ولكن بعض البيانات الرّسْمِيّة المُتَوَفِّرَة تُشِيرُ إلى تآمُر صندوق النقد الدولي مع أجهزة النظام ضد المواطنين (في المغرب كما في بلدان أخرى عديدة) حيث أحْصَى البنك العالمي 3,2 مليون مواطن ممن تورَّطوا في شباك “القروض متناهية الصِّغَر” أي المخصصة للفقراء المُعْدَمِين، بقيمة 25 مليار درهم أو ما يعادل 1,8% من إجمالي الناتج المحلي، فيما بلغت قيمة ديون الأُسَر المغربية 282 مليار درهم (بمتوسط 38600 درهم لكل أُسْرَة) أو ما يعادل 31% من إجمالي الناتج المحلي (بيانات نهاية 2014) وحققت المصارف المُقْرِضَة عشرة مليارات درهم من الأرباح الصّافِيَة سنة 2014، وبلغت قيمة الدّين العام (دُيون الدولة الداخلية والخارجية) 810 مليارا درهم (قرابة 90 مليار دولارا) أو نحو 82% من إجمالي الناتج المحلي سنة 2015 ووجب على العاملين في المغرب إنتاج فائض يتوجّه مباشرة إلى الخارج لتسديد الديون وفوائدها (خدمة الدّين) مع خفض الإنفاق الحكومي وزيادة موارد الدولة من الضرائب المباشرة (على الدّخْل) وغير المباشرة (ضريبة الخدمات والإستهلاك) لخفض العجز وتسديد الدُّيُون التي تُعْتَبَرُ منذ القرن التاسع عشر وسيلة هيمنة للدول الرأسمالية المتطورة التي بلغت مرحلة الإمبريالية، على البلدان الفقيرة، بلدان “الجنوب” أو الأطراف أو “المُحِيط” (لأن البلدان الرأسمالية تعتبر نفسها مركز العالم، خاصة أوروبا وبقية البلدان “أَطْرَافًا أو “مُحيط”) وكانت الدّيون أداةً لِاحْتِلاَلِ بلدان عديدة مثل تونس (1881) ومصر (1882)، أما الآن -في مرحلة “الإستعمار الجديد”- فإن الهيمنة تتَّخِذُ غالبًا طابعًا اقتصاديًّا، لتتحكم القوى الإمبريالية عبر صندوق النقد الدولي والبنك العالمي ومنظمة التجارة العالمية والأمم المتحدة في اقتصاد البلدان وفي قراراتها السياسية وبرامج التنمية وتوجيه الإستثمارات، أي تَجْرِيد الدول المُسْتَدِينَة من سيادتها على أراضيها ومواطنيها وثرواتها، وهذا ما يَحْصُل في المغرب وفي غيره من البلدان، وعلى سبيل المثال فقد فرضت بعثة صندوق النقد الدولي التي أقامت في المغرب (على حساب المواطن) من 16/11/ إلى 01/12/2016 تَطْويع برامج التعليم لكي تستجيب لطلبات الشركات الرأسمالية الأجنبية و”تحرير” سعر صرف الدرهم المغربي (أي خفض قيمته مقابل الدولار والعملات الأجنبية) وإلغاء بعض أنواع الضرائب الخاصة بالشركات (وزيادتها على دخل المواطنين) وإلغاء بعض الضمانات للعاملين الواردة في قانون العمل (مُدَوِّنَة الشُّغْل) وتيْسِير طرد العُمال وخفض جرايات التقاعد مع زيادة سنوات العمل وتَقْيِيد حق الإضراب، بهدف “اجتذاب المُسْتَثْمِرِين” أي تحويل العمال المغاربة إلى عبيد بدون حقوق لكي يستثمر الرأسماليون بعض المال في المغرب ويُشَغِّلُوا بضعة آلاف من العاملات والعُمّال بدون حقوق في قطاعات هَشّة ومُلَوِّثة برواتب منخفضة، لكيْ يَضْمَن الرأسماليون الأوروبيون أو اليابانيون أو الأمريكيون مزيدًا من الأرباح بأقل قدر من الإستثمار…

إن مجموع هذه العوامل التي تَصُبُّ جَمِيعُها في مصلحة رأس المال الأجنبي ووكلائه وبعضًا من رأس المال المحلي، وضد مصالح العُمال وصغار الموظفين والمزارعين والحِرَفِيِّين والمُنْتِجِين، ناهيك عن العاطلين عن العمل والفُقراء وسُكان الأرياف وضواحي المُدن الكبرى، وهؤلاء يُشَكِّلُون أغلبية الشعب المغربي، أدت (هذه العوامل) إلى الحراك الشعبي المُتواصل منذ سنوات، لكن مع بعض التصعيد أحيانًا، وهو ما يحصل مع التحركات النقابية والإضرابات ومع الإحتجاجات الشعبية منذ سنة 2016 ولكن الإحتجاجات بقيت محصورة في مناطق محدودة ولم تبلغ بعْدًا وطنيا يشمل البلاد ويجمع فئات قادرة على تعطيل الإنتاج (والأرباح الرأسمالية)، أو تغيير طبيعة النظام، ليصبح في خدمة العُمّال والكادِحين والمُنْتِجين للثروة، وتوزيع تمرة الإنتاج على قاعدة من كل حسب طاقته وجهده ولكل حسب حاجته…  (دولار أمريكي = 9,47 درهم مغربي يوم 30/05/2017)

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.