الخليج، قاعدة عسكرية أمريكية واحتياطي طاقة للرأسمالية، الطاهر المُعز

 لقد أنشأ الإستعمار البريطاني كيانات الخليج التي لا تملك أي منها (باستثناء السعودية وعُمان) مقومات الدولة أو البلاد أو الوطن، إضافة إلى تدخل مخابرات أمريكا وبريطانيا وفرنسا لتنظيم انقلابات عائلية خدمة لمصالحها، وتُعَد مشيخة “قَطَر” نموذجًا للدولة المُصْطَنَعة والمسخ والتي لا تملك مقومات البقاء لولا حماية الإمبريالية ومحافظتها على الوضع القائم، إذ يبلغ عدد سكانها 2,6 مليون نسمة، لا يتجاوز عدد القَطَرِيِّين منهم 313 ألف أو حوالي 12% فقط من إجمالي عدد السّكان، ويمتصّ هؤلاء ال12% نتائج جهود 88% من العمال الأجانب، فارتفعت حصة الفرد منهم من إجمالي الناتج المحلي، وارتفع دَخْلُ الفرد على حساب بُؤْس العُمال القادمين من آسيا، وتمتلك قَطَر جهازًا إعلاميا ضخمًا استطاع أن يشتري مُثَقَّفِين وأكاديميين من الوطن العربي والعالم، يقبضون رواتب مُرْتَفِعة مقابل تقديم الخدمات التي يطلبها “الشيخ” حمد وزوجته وابنه، وقطر عضو في مجلس التعاون الخليجي، ولئن تجاوز نُفُوذها حجمها الحقيقي (عبر الجهاز الإعلامي وشراء الذمم وإرشاء المُثَقّفين وغيرهم) فإنها لمم تتمكن من زيادة نفوذها داخل هياكل المجلس لتُصْبح قادرة على منافسة نفوذ السعودية الواسع ثم الإمارات، ما خلق تَوتّرات أخطرها أزمة 2014 وأزمة 2017 المُتواصلة، بينما تبقى العمالة للإمبريالية قاسمًا مُشتركًا بين كافة الأسر المالكة، والتي تشارك جميعها -وإن بِدَرجات مُتفاوتة- في تخريب وتفتيت البلدان العربية وتمويل الحروب العدوانية على ليبيا واليمن وسوريا والعراق، إضافة إلى التآمر على الشعب الفلسطيني، والحقد على الشعوب العربية وعلى تراثها وتاريخها مقابل تقديس “الخواجات” وتنفيذ مخططات الإمبريالية في الوطن العربي وما حوله…     

دفعت الولايات المتحدة دويلات الخليج إلى تأسيس “مجلس التعاون الخليجي” سنة 1981 (السعودية والكويت والبحرين والإمارات وقطر وعُمان)، مباشرة بعد سقوط نظام شاه إيران الذي كان أحد أركان الهيمنة الأمريكية (مع الكيان الصهيوني والنظام التّركي)، ونشرت الولايات المتحدة القواعد العسكرية الجوية والبحرية في كافة أرجاء الخليج، بحضور أكثر من عشرين ألف جندي بشكل مستمر، منها قاعدة “العديد” في قطر، وهي أكبر قاعدة جوية أمريكية في الخارج بنحو عشرة آلاف عسكري، لمراقبة منابع النفط والغاز ومناطق عبور السفن في هذه المنطقة الإستراتيجية، بذريعة حماية الأُسر الحاكمة من شعوبها ومن جيرانها، وتتميز هذه الدّويلات باقتصاد ريعي يعتمد على عائدات النفط وعلى استعباد العمال الأجانب (من آسيا بشكل خاص)، وتُراقب أمريكا منطقة واسعة تمتد من أفغانستان ووسط آسيا وغربها حتّى القرن الإفريقي، من خلال هذه القواعد العسكرية وخصوصًا قاعدة العديد الجوية في قطر والقاعدة البحرية في البحرين، واستخدمتها في عدوانها على أفغانستان والعراق والصومال وسوريا…  

إضافة إلى القواعد الجوية والبحرية والحضور المُكَثف للجيش والعتاد الأمريكيين بذريعة “حماية” أنظمة الحكم في الخليج، تنْفِقُ الأسَر المالكة أموالاً طائلة على شراء أسلحة متطورة ومرتفعة الثمن لا تُلائم تركيبة جيوشها ولا درجة استعداداتها لاستخدامها ولا يبررها أي خطر وهمي، بحكم “حماية” القواعد الأمريكية لهؤلاء الحكام وبحكم علاقاتهم المميزة مع الكيان الصهيوني، الذي يمثل أهم تهديد ضد العرب، واستوردت دويلات مجلس التعاون الخليجي سنة 2015 نحو 20% من إجمالي صادات الأسلحة في العالم، وتضاعفت وارداتها من الأسلحة بين سنتي 2011 و 2015 لتصبح أكبر سوق دُولي للسلاح، وفق المعهد الدولي لبحوث السلام في ستوكهولم، لتستعيد شركات الصناعات العسكرية الأمريكية (وكذلك الفرنسية والبريطانية) الجزء الأكبر من عائدات النفط، ما يعني ان هذه العائدات تُسْتخدم على الصعيد العالمي لإنقاذ رأس المال من أزماته، وهو الدّور الوظيفي المَوْكول لها، وهي مُودَعَة في المصارف والمُؤسسات المالية الأمريكية والأوروبية، ولا تُسْتخدم من أجل تنمية وتطوير اقتصادات البلدان العربية أو إنشاء قاعدة صناعية أو زراعية، أو حتى تشغيل العمال العرب (برواتب وظروف عمل “مَقْبُولَة”)، ناهيك عن تحرير فلسطين أو استرجاع الأراضي التي وهبتها الإمبريالية الفرنسية إلى تركيا والبريطانية إلى إيران (التي تحتل أيضًا ثلاثة جزر إماراتية منذ فترة حكم الشاه محمد رضا بهلوي)، أما الأموال المُتبقية والتي يستحوذ عليها أفراد الأُسَر الحاكمة (المالكة للبلاد) فَتُنْفَقُ على تمويل واردات الغذاء (تُعَدُّ منطقة الخليج من أكبر مستوردي الغذاء في العالم) والإستهلاك بشكل عام، أو يشتري بها الحكام عقارات وبعض الأسهم في شركات أجنبية، ولا تُسْتَثْمر الأموال على برامج تهدف إلى تحقيق الأمن الغذائي أو إلى تحويل الإقتصاد من ريعي إلى مُنْتِج للقيمة الزائدة، من مستورد إلى مُكْتَفِي أو مُصَدِّر للمنتجات المُصنّعة (عكس السلع الخامة)، وتستفيد شركات الأغذية (الحبوب واللحوم وغيرها) الأمريكية والبرازيلية والأسترالية والهندية من تصدير المواد الغذائية إلى الخليج…

ثوابت مجلس التعاون الخليجي:

احتلّت السعودية الفراغات التي تركها محور مصر والعراق والجزائر وسوريا في الساحة وفي الجامعة العربية التي أصبحت أداة لتعريب الإحتلال بمشاركة جيوش دول عربية عديدة (منها مصر وسوريا) في العدوان على العراق سنة 1991، ودعوة الجامعة العربية لاحتلال العراق ثم ليبيا وسوريا، مع إقصاء عضو مُؤسس من الجامعة التي تحولت من “عربية” إلى “عبرية”، بعد الإعتراف المجاني بدولة العدو وبعد مساندة عدوان الكيان الصهيوني على لبنان، وقبل ذلك كانت السعودية قد قدمت باسم الحكام العرب مشروعًا منذ 35 سنة للتنازل عن فلسطين (رَفَضَه الكيان الصهيوني)، إلى إعلان أعيان آل سعود التحالف مع الكيان الصهيوني “الصديق” ضد “إيران” (المسلمة)، وترجمت الإمارات (وحكومات عربية أخرى) هذا التحالف إلى مشاركة عسكرية (رمزية) في مناورات عسكرية مع الكيان الصهيوني بإشراف أمريكي …

بدأت منظمة التحرير برئاسة ياسر عرفات اتصالاتها مع الولايات المتحدة منذ 1968 (وفق لاإدوارد سعيد الذي شارك مع محمود عباس في هذه الإتصالات عبر صديقه دنيس روس)، وبدأت خطوات التطبيع منذ أكثر من أربعة عُقُود، وذلك بالتنسيق مع الأنظمة العربية، وفي مقدمتها السعودية وأخواتها، لذا فإن الخطوات التطبيعية الحالية هي نتيجة منطقية لعقود من الإتصالات والمُشاورات مع أمريكا ومع الكيان الصهيوني ومع قيادة منظمة التحرير (التي تحولت إلى “سلطة الحكم الذاتي الإداري”)، ومن التنازلات المجانية على حساب الشعب الفلسطيني واللاجئين بدرجة أولى…

بدأت الخطوات التطبيعية العلنية والجماعية العربية سنة 1996، بمباركة ياسر عرفات بعد توقيع اتفاق أوسلو، وبالإضافة إلى سفارتي العدو الصهيوني في القاهرة وعَمّان، تبادلت المغرب وتونس ودويلات الخليج (باستثناء السعودية والكويت) العلاقات الدبلوماسية مع جهاز دولة الصهاينة عبر مكاتب تنسيق العلاقات ومكاتب تجارية وغيرها من الأشكال التي تُسْتَخْدَمُ في البداية للتحايل على المواطنين، وأغلقت معظم هذه المكاتب رسميا سنة 2002 بعد مجزرة “جنين” (الضفة الغربية)، والواقع ان هذه المكاتب تحولت إلى داخل سفارات دول صديقة للكيان مثل بولندا وهولندا وألمانيا وغيرها…

ساندت معظم الحكومات العربية (بما فيها حكومة لبنان برئاسة “فؤاد السنيورة”، نيابة عن آل الحريري) عدوان الكيان الصهيوني على لبنان سنة 2006 بذريعة أن جيش العدو يستهدف “حزب الله” (وكأن حزب الله هو الذي يحتل الأراضي العربية وفلسطين)، وكان الإعلام الخليجي في طليعة من أيدوا دعوة وزيرة الخارجية الأمريكية (كوندزوليسا رايس) لإطالة أمد الحرب، أملاً في القضاء على حزب الله ونفوذه في لبنان، وتشارك جيوش بلدان عربية عديدة (منها كافة جيوش المغرب العربي) في مناورات مع الكيان الصهيوني في البحر الأبيض المتوسط بإشراف الحلف الأطلسي بذرائع مختلفة، منها تنفيذ عمليات البحث والإنقاذ وغير ذلك، ولدويلات الخليج حضور دائم في مثل هذه “الولائم”، إضافة إلى مشاركة السعودية والإمارات (منذ 2015 بالنسبة للإمارات) في مناورات جوية سنوية تشرف عليها الولايات المتحدة بمشاركة الجيش الصهيوني، جرت في اليونان في الربع الأول من سنة 2017 وقبل ذلك شاركت (مع جيش العدو الصهيوني) في مناورات “الراية الحمراء” في نيفادا…

افتتح الكيان الصهيوني سفارة في “أبو ظبي” تحت اسم مكتب تمثيل العدو لدى الوكالة الدولية للطاقات المتجددة، لكن كتبت وكالة “بلومبرغ” ان هذا المكتب يقوم بعمل سفارة “كاملة الأوصاف” (شباط 2017)،وبشكل عام توجد دلائل عديدة على التطور العلني والسريع للعلاقات بين الأسر الحاكمة في الخليج والكيان الصهيوني، منها وجود عديد المحلات التجارية التي تملكها شركات تحمل الجنسية “الإسرائيلية” دون مواربة، ومشاركة رياضيين من الكيان الصهيوني في تظاهرات رياضية في الإمارات والبحرين وغيرها، ووجود وثائق لشراء الإمارات تجهيزات عسكرية من العدو بقيمة 300 مليون دولارا سنة 2011 وإشراف شركات صهيونية على أمن عدة منشئات في الإمارات بعقود فاقت قيمتها ستة مليارات دولارا، كما اجتمع أعضاء نافذون من سلالة آل سعود ما لا يقل عن خمس مرات منذ 2014 مع مسؤولين في حكومة الصهاينة، وفق التسريبات التي نشرتها الصحف الصهيونية واستوردت السعودية أسلحة من العدو الصهيوني وبرامج إلكترونية وتعمل شركات صهيونية في السعودية وفق عقود رسمية لتسيير أمن شبكة الإتصالات الإلكترونية لمؤسسات ذات أهمية استراتيجية منها شركة النفط “أرامكو السعودية” (وهي شركة أمريكية بالأصل)، وأعلنت وسائل الإعلام الصهيونية مشاركة فَنِّيِّين وخبراء عسكريين صهاينة في العدوان على اليمن، عبر عقود مرتفعة القيمة، وسربت السعودية نفسها أخبار لقاءات رسميين سعوديين مع الصهاينة علنا وفي تل أبيب والقدس، ل”كسر الحاجز النّفسي” كما ادّعى غير المغفور له “أنور السادات”… أما قطر فقد دشنت التطبيع “الشعبي” باستدعاء رسميين وعسكريين صهاينة للدفاع عن وجهة نظر الإحتلال على الهواء (قناة الجزيرة) دون مُقاطعة أو “إحراج”، وتستقبل الدّوحة منذ 1996 رسميا وفودًا عسكرية و”تجارية” ورياضية صهيونية…

ذَكّرنا في مقال سابق بعدم تفضيل السعودية والإمارات على “قطر”، لأن تحديد الموقف من دولة أو صديق أو عدو، يكون انطلاقا من مصالحنا كشعوب عربية وطبقات كادحة وأُجَراء وفقراء ومُسْتَغَلِّين وكشعوب مُهيْمن عليها من الإمبريالية ومن الأنظمة الحاكمة ومن البرجوازية المَحَلِّية التي تُمثل عادة مصالح الإمبريالية وتحكمنا بفضل دَعمها لها…

إن شيوخ النفط في السعودية والإمارات، كما في قطر (شيوخ الغاز) يمثلون الإمبريالية، بل يحكمون بحماية القواعد العسكرية ويمارسون القهر والإستغلال والإضطهاد والعنصرية ضد العمال المهاجرين وضد كافة الفقراء سواء كانوا عربًا أو آسيويين، ويُطبع جميعهم مع الكيان الصهيوني، بل يتسابقون لتقديم آيات الولاء للصهاينة، لأن الصهاينة يشكلون أدة هيمنة مباشرة للإمبريالية… لذا فإن هذه الخصومة ليست بين تقدميين ورجعيين أو بين ثوريين ومناهضين للثورة بل هي بين عُملاء، وقد تكون لنا مصلحة أحيانًا منوراء خصومات العُملاء، لكن من سيستغلّها وبأي شكل وغير ذلك من الأسئلة التي تصعب الإجابة عنها نظرًا لِضُعف القوى التقدمية والثورية…

*****

وردت البيانات ذات الصبغة الإقتصادية في تحليل نشرته وكالة “بلومبرغ” الإقتصادية يوم الخامس من تموز/يوليو 2017، كما اعتمدت (لإعداد هذه الورقة) على عدد من برقيات وكالة الصحافة الفرنسية (أ.ف.ب) وعلى الترجمة اليومية لما يرد في الصحف الصهيونية، والتي تنشرها مواقع عديدة لفلسطينيي الإحتلال الأول (أراضي 1948)، وسَبَقَ لي أن نَشَرْتُ عددًا من هذه الأخبار والبيانات في نشرة الإقتصاد السياسي الأسبوعية التي لا يكفي حَيزها للتحليلات المُطَوّلة.

 

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.