السياق التاريخي لانفصال إقليم كردستان العراق، الطاهر المُعِز

يمثل الأكراد والفُرْس والعرب أقدم الشعوب في منطقة ما سَمّتْهُ الإمبريالية البريطانية “الشّرق الأوسط” (مقارنة مع الشرق الأدنى والشرق الأقصى، أي الشرق من منظور تقسيم “الغرب” للعالم)، أما الأتراك فقد جاؤوا إلى المنطقة على دفعات مع جيوش غازية أو هربًا من المجاعات والحروب والكوارث الطبيعية، في فترات لاحقة، وهم من أصِيلِي آسيا الوسطى، وليسو من الشعوب الأصلية للمنطقة، وقد ظلم التاريخ والظروف الشعب الكردي فبقي الأكراد مُقَسّمين (خصوصًا بعد مخطط سايكس-بيكو 1916) بين تركيا الحالية (وريثة الدولة العثمانية) والعراق وإيران. أما أكراد سوريا فإن عدد الأصلي صغير جدًّا وجاء معظمهم من تركيا، هربًا من القمع، بعد أن استخدمتهم تركيا لتقتيل الأقليات الأخرى، وأشهرها المجازر ضد الأرمن خلال سنتي 1915 و 1916، وسمح لهم الرئيس جمال عبد الناصر خلال فترة جمهورية الوحدة بين مصر وسوريا (الجمهورية العربية المتحدة 1958-1961) بالإستقرار في المناطق غير الحدودية وفي المُدُن السورية…  

يقدر عدد الأكراد حاليا بحوالي 35 مليون نسمة معظمهم  (حوالي 20 مليون) في تركيا (عدا عن المهاجرين في أوروبا والعالم) وحوالي ثمانية ملايين في إيران و5,5 ملايين في العراق ونحو 2,5 مليون في سوريا، ويُعْتَبَرُ مطلب تأسيس وطن خاص بهم أو التمتع بحكم ذاتي مطلبًا مَشْرُوعًا، في ظل القمع والميز الذي تمارسه ضدهم تركيا بشكل خاص وحكومات الدول الأخرى بدرجة أقل.

رَفَعَتْ فئات رجعية ذات ولاء قَبَلِي وعشائري مطلب الإستقلال (في العراق بشكل خاص) واستغلت الطموح المشروع للشعب الكردي، لتحوله إلى ورقة مساومة بدعم من الإمبريالية البريطانية ثم الأمريكية وبدعم من الكيان الصهيوني منذ تأسيسه، حيث كان الملاّ “مصطفى البرازاني” (والد مسعود) مُسَجّلاًا في وثائق المُخابرات المركزية الأمريكية كعميل يتقاضى منحة دورية، و”صديق للكيان الصهيوني”، إذ فتح الباب أمام المخابرات الصهيونية لتنفيذ عمليات إرهابية في العراق، خصوصًا بعد الإطاحة بالحكم المَلَكِي وبرئيس الوزراء في العراق وصديق الصهاينة “نوري السعيد” سنة 1958  

 يتعرض الأكراد في العراق إلى الإضطهاد لكنهم كانوا يتمتعون بحقوق لا يتمتع بها أكراد إيران أو تركيا، من خلال حكم ذاتي وحكم محلي واسع النفوذ والصلاحيات، منذ أكثر من أربعة عقود، كما كانوا منتشرين في جميع مناطق العراق ويحتل بعضهم مناصب رسمية هامة، وكذلك في سوريا، وهو ما لا يمكن تصوره في تركيا التي يعادي نظامها كافة الأقليات وكافة شعوب المنطقة (خصوصًا منذ انهيار الدولة العثمانية وتأسيس جمهورية كمال أتاتورك الدكتاتورية والعنصرية)…

سَعَت الإمبريالية الأمريكية، خصوصًا بعد إقرار برنامج “الشرق الأوسط الجديد” -برنامج “المحافظين الجدد” الذي تَبَنّاهُ الحرب “الديمقراطي” وواصل تنفيذَهُ- إلى استغلال الأقليات وإثارة المشاكل ذات الصبغة الإثنية والثقافية والدّينية، لتقسيم الدول (البلدان العربية بشكل خاص) غلى ما دون حدود اتفاقيات “سايكس- بيكو”، فكان تقسيم السودان والعراق وليبيا واليمن ومحاولات تقسيم سوريا ولا يزال مشروع التّفْتِيت قيد التّنْفِيذ في البلدان المذكورة وغيرها وقد تكون مصر والجزائر على رأس قائمة البلدان المُستهدَفة خلال السنوات القادمة، إن لم يقع إسقاط المشروع في سوريا واليمن والعراق.

في هذا الإطار، شَكّل العُدوان على العراق سنة 1991 (بمشاركة معظم الأنظمة العربية) فُرْصة لتقسيم البلاد، بدءًا بكردستان، حيث فرضت الإمبريالية الأمريكية حظرًا جَوِّيّا على الطيران العراقي شمال وجنوب البلاد، وحصارا وتجويعًا لكافة أفراد الشعب، باستثناء سكان الشّمال (كردستان)، تمهيدًا لأمر واقِعٍ تعزَّزَ خلال فترة الإحتلال المُباشر بداية من 2003، وأصبح إقليم كردستان العراق دولة مُسْتَقِلّة (لها جيش عشائري وحُدُود وعَلَم ونشيد رسمي وإذاعات وتلفزيون وبرامج تعليم خاصة بالإقليم)، لا ينقصها سوى مقعد في الأمم المتحدة، وتستفيد من 17% من ميزانية البلاد ويحتل مُمَثِّلو العشائر الكردية مناصب سيادية (منها رئاسة الجمهورية ووزارة الخارجية ووزارات سيادية أخرى) في بغداد، وتعقد حكومة عشيرة البرازاني اتفاقيات وتوقع عقود مع شركات أجنبية لاستغلال النفط والغاز، دون موافقة الحكومة المركزية (الموالية لأمريكا أيضًا) واتفق الحكم العشائري لآل البرازاني مع تركيا على تصدير نفط شمال العراق عبر الأراضي التركية نحو ميناء “جيهان”، ضد إرادة الحكومة المركزية في بغداد، وتتدخل تركيا عسكريا شمال العراق لمطاردة مقاتلي حزب العمال الكردستاني وقصف قواعده…   

رَاكَمَ حزب عشيرة البرازاني منذ الإحتلال الأمريكي خبرات هامة (بمساعدة الإمبريالية الأمريكية وحلفائها مثل بريطانيا وألمانيا وتركيا) في الحكم وجمع الثروات والخبرات التي منحته قوة ونفوذا في داخل الإقليم وفي العراق وفي المنطقة بفضل الإستحواذ على النفط وبفضل التدريب والتسليح والدعم الأمريكي والصهيوني غير المحدود، إضافة إلى دعم غير مُعْلَن (يستهدف الوحدة الترابية للعراق) من السعودية والإمارات (دعم اقتصادي وسياسي) ودعم تركي رغم الإحتجاج المائع… أصبحت مليشيات “البيشرمركة” تحت الهيمنة الكاملة لمسعود البرازاني وأُسْرَته وهي قوة عسكرية لا يُسْتَهَانُ بها، يبلغ تعداد أفرادها قرابة 250 ألف عسكري (من إجمالي ما بين خمسة ملايين أو 5,5 ملايين نسمة) مسلّحة ومُدربة جيدًا، وتسيطر على كامل الإقليم ومارست “التطهير الإثني والعرقي” بهدف السيطرة على مناطق أخرى غنية بالنفط أو ذات موقع استراتيجي مثل “كركوك” أو مناطق في محافظات أخرى، أطردت منه سكّانها الأصليين، لتتحول “القومِيَّة المُضْطَدَة” الكُرْدِيّة إلى قُوة مُضْطَهِدَة لبقية القوميات، بدعم من الإمبريالية التي استغلّت التنوع الإثني واللغوي والدّيني في المشرق العربي، لِتُحَوِّلَهُ من ثراء حضاري وثقافي إلى لَعْنَة وإلى أداة للتفرقة والتقسيم، بفضل شراء ذمم قادة “العشائر” (الأعيان من كل الطوائف الدينية أو السياسية)، وخدمت قوات “البيشمركة” أهداف الإمبريالية الأمريكية في العراق بشكل غير مباشر منذ 1958 وبشكل مباشر منذ 1991 وفي سوريا منذ بداية العُدوان الإرهابي-الإمبريالي، لذلك فهي تدعمها بشكل ظاهر وخفي…     

توافقت إرادة الإمبريالية الأمريكية لإعادة تفتيت البلدان العربية مع مطالبة رئيس إقليم كردستان العراق مسعود البرزاني “بإعادة رسم الحدود في المنطقة” والإستحواذ بالمناسبة على الإنتاج اليومي لحوالي 900 ألف برميل من النفط الخام في المناطق “المتنازع عليها” والتي سيطرت عليها مليشيات “البيشمركة” بدعم أمريكي وصهيوني مباشر (في محافظات كركوك وديالى وصلاح الدين)، ما يُبَرِّرُ توقيت الإعلان عن استفتاء تكريس الأمر الواقع، إضافة إلى رغبة البرازاني في فرض الأمر الواقع على معارضيه الدّاخليين الذين يحتجون على القمع الشديد للصحافيين والمعارضين وعلى بقاء برازاني في منصبه بعد انتهاء المدة منذ سنتين، وتوريث ابنه وبقية أفراد أُسْرَتِهِ في أعلى المناصب (كما ورث هو نفسه سلطة العشيرة عن أبيه مصطفى)، وانتهاء صلاحيات البرلمان الإقليمي الذي لا يجتمع أَصْلاً سوى لمباركة تاريخ الإستفتاء، كما تزامن تاريخ الإستفتاء مع الإنعطافة اليمينية لحزب العُمال الكُرْدستاني (الذي كان يَدّعِي تبنّي الإشتراكية) وتحالفه مع الإمبريالية الأمريكية، عبر ممثليه في سوريا الذين تسلحهم وتدربهم وتقودهم القوات الخاصة الأمريكية، مقابل حوالي عشرة قواعد عسكرية أمريكية في شمال وشمال شرق سوريا، ومقابل وعد بحكم ذاتي شمال سوريا، سوف يتطور إلى انفصال، مثلما حصل في العراق، تحت غطاء محاربة الإرهاب (أي تنظيم “داعش” و”النصرة”، الأبناء الشرعيين للإمبريالية الأمريكية).

أَتَيْنا في فقرة سابقة على ذكر المساندة العلنية للإمبريالية والكيان الصهيوني للإنفصال الكردي وفق أُسُسٍ رجعية وعنصرية، لكن انتهازية و”براغماتية” مسعود البرازاني تجعله يحجم عن تنفيذ مشروعه لولا التشجيع والمُساندة التي لقيها من “حزب العُمال الكردستاني” الذي انتقل من “الماركسية” التي تفتح الآفاق نحو الأُمَمِيّة إلى الشوفينية وحتى العشائرية، وذلك بدعمه القوي لجناحه السوري المتحالف مع (بل المُتَذيل إلى) الإمبريالية الأمريكية، وترحيبه باستفتاء عشيرة البرازاني (التي تحالفت سابقا مع النظام التركي لقصف مقاتلي حزب العمال شمال العراق)، أمَلاً في الحصول على بعض المكاسب التي لا تتجاوز الفُتات… من جهة أخرى، فإن النفاق الديبلوماسي السعودي بلغ حد الجمع بين التطبيع العلني مع الكيان الصهيوني، وترديد بيانات وزارة الخارجية “دعم عروبة ووحدة العراق”، مع دعم انفصال كردستان العراق (عبر وسائل الإعلام التي يمتلكها آل سعود)، وورد في الصحف الصهيونية “إن المصالح المُشْتركة بين السعودية (والكيان الصهيوني) تقتضي مساندة تأسيس كردستان الكُبْرى التي ستقتطع ثلث مساحة إيران والعراق وتركيا، بهدف لَجْمِ مطامع هذه الدول الثلاثة”، وعلى أي حال فإن السعودية دعمت الحرب الإمبريالية ضد العراق سنة 1991 واستخدمت الجامعة العربية لمساندة هذا العدوان ودعم احتلال العراق سنة 2003 وتدعم المنظمات الإرهابية في سوريا وتعتدي عسكريا على اليمن، وأصبحت رأس حربة الإمبريالية في المنطقة وتُنفِق إيرادات النفط في تخريب وتفتيت البلدان العربية نيابة عن الإمبريالية الأمريكية، وروجت الصحف السعودية (التي لا تتمكتع بأي هامش من الحرية) لانفصال إقليم كردستان العراقي، عبر نشر صفحات عديدة عن “تاريخ كردستان” ومقابلات مع زعيم عشيرة البرازاني…

هناك خلفية اقتصادية لمساندة حكام السعودية انفصال الإقليم الشمالي للعراق (كردستان)، فقد أوقفت السعودية سنة 1990 (بعد غزو الكويت) العمل بتصدير حوالي 1,6 مليون برميل يوميا من النفط العراقي عبر أنبوب (على ملك العراق) يمتد من حقل “رميلان” جنوب العراق إلى مصفاة “المعجّز” في السعودية قرب “ينبع” على ساحل البحر الأحمر، وطالبت الحكومة العراقية مؤخرًا بإعادة فتح خذا الخط، لكن السعودية ترى في العراق منافسًا، عاد إلى تصدير النفط بعد غياب طويل، لينافس السعودية في أسواق آسيا وأوروبا، وقد يُحَقِّقُ انفصال كردستان خفض الإنتاج العراقي من جهة ورفع أسعار النفط الخام من جهة أخرى، لتستفيد السعودية من ذلك… ساندت الإمارات أيضًا مخططات عشيرة البرازاني، لأسباب شبيهة بمبررات السعودية، وعقدت شركات إماراتية صفقات هامة (بالشراكة مع شركات أجنبية) مع حكومة إقليم كردستان العراق بضعة أيام قبل الإستفتاء، ما يعني توسيع التحالف السعودي-الإماراتي من اليمن وليبيا إلى قطر وإلى العراق، لكن المستفيد الأول والأساسي يبقى الإمبريالية الأمريكية والكيان الصهيوني…

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.