عدد خاص: ماذا قال الراحل أحمد حسين في محمود درويش: (1) “أنت كما تبدو الآن – إلى محمود درويش”، و(2) والردود عليها

عدد خاص

تخليداً لإرث المفكر العروبي الراحل أحمد حسين:

نفرد هذا العدد لتخليد إرث المفكر العروبي الراحل أحمد حسين، ونعود إلى أيّار 1999 حين نشرت “كنعان” مقالته “أنت كما تبدو الآن – إلى محمود درويش”. بعد ذلك قام أحدهم باسم حسن خضر بالرد على مقالة أحمد حسين. وفي الجزء الأخير من هذا العدد، ننشر رد أحمد حسين الموجه إلى محمدو درويش لأنه (أحمد حسين) لم يعتبر حسن خضر يستحق الرد باسمه.

محتويات هذا العدد:

(1) أنت كما تبدو الآن – إلى محمود درويش، بقلم أحمد حسين

(2) إلى أحمد حسين: كل ما أنت وما لن تكونه، حسن خضر

(3) المملكة الخامسة: سيدي المحترم محمود درويش، رد بقلم أحمد حسين

“كنعان”

■ ■ ■

 (1)

أنت كما تبدو الآن – إلى محمود درويش

أحمد حسين

كاتب عربي من فلسطين 1948

لقد بدأ المشروع الأمريكي الصهيوني باقتناء أدواته الثقافية على الساحة العربية عامة، وبضمنها الساحة الفلسطينية، بعد اختفاء عبد الناصر المفاجئ مباشرة. كان لدى ذلك المشروع تصور واضح لحالة الوعي المطلوبة، وسياق معدّ جيداً للوصول إليها. بدأوا بتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ على الساحة المصرية، وثنّوا بآخرين على ساحات عربية أخرى، ولكن السفير المتجوّل للمشروع كان فلسطينياً ومن ساحتنا بالذات. واستطاع ذلك الكائن المهجّن – الذي أستنكف عن ذكر اسمه – ما يملك من تدريب ومهارات أخلاقية خاصة، وجرأة على الموقف المهين، أن يستنسخ على غراره عدداً من “الراسبوتينات” الثقافية من أمثال لطفي الخولي وأنيس منصور وآخرين أقل شأناً. هذا السفير كان معلمك باعترافك أنت. ولم تذكر منذ متى، ولكن الملفت للنظر أن كونك “الشاعر الفلسطيني الأول” ظلّ يستند بوضوح إلى مستوى الإبداعي لديك أكثر مما يستند إلى مستوى الإلتزام. وبعد فترة التظاهر التي عبرتها تحت كنف ذلك المعلم إلى الشهرة، ظل الطابع المميز لإبداعاتك الوطنية هو الحذر وافتعال التعقّل والرزانة التي لا تبررها حدة الواقعة الفلسطينية، أو همجيّة الخصم. لقد سيطر عليك الميل إلى المحاورة الحضارية والانشغال بأحزان الذاكرة، متجاوزاً حضور المذبحة. ومع أن هذا كان يتطابق تماماً مع خطاب معلمك الذي ظل يردده حتى مات، إلا أنه يمكن القول أيضاً أن هاجسك الثقافي حول قضية الإبداع قد يكون هو الذي دفعك إلى التحليق بعيداً عن مباشرة الواقعة المريعة، وإلقاء خطابك الإبداعي من فوق رؤوسنا. أي أنك كنت في صالح الإنجاز الإبداعي، بينما لم يكن مستوى الالتزام في صالحك. ولا يعتبر هذا الهاجس، – إذا لم يكن دليلاً على تأصل ذاتي في الانتهازية – جناية أو حتى عيباً، ولكنه – قطعاً- لا يؤهلك لمنصب التنظير السياسي والثقافي والحضاري لشعب لا يهمك دمه مادة بقدر ما يهمك فكرة، وبقضية لا يهمك فيها مشهد الذبح والقهر والاغتصاب، بقدر ما يهمك التنصيص الإبداعي لذلك المشهد. هذا الهاجس الثقافي – ما لم يكن ادعاء من جانبك لدفع شبهة أخرى- يكفي لمنحك منصب شاعر الربابة. وإذا أضفنا فذاذتك الإبداعية إلى هاجسك الثقافي الخاص، أمكن اعتبارك غراراً لهوميروس في علاقته الوجدانية بالمشهد الطروادي، ولكن ليس “شاعر فلسطيني”. فأنت على أحسن الفروض – وكما تقدم نفسك- فوق المشهد الفلسطيني وليس في داخله. ومع ذلك، فإنني سوف أؤجّل اشتباهي بصدق تبريرك لحالتك كشاعر فلسطيني، وأناقش معك هاجسك الذي أظن أنك تحاول الاختباء وراءه فقط، على أنه ورطتك الحقيقية، أو تورطك الحقيقي. وبهذا الصدد يمكن التساؤل فيما إذا كان تجنب الالتزام النوعي بالتجربة، والتآمر على بشريتنا من خلال رسم علاقة غير عادية لها بنصوص الواقعة، يعتبر شرطاً للإبداع؟! أليس هناك لغة شعرية أو فضاء إبداعي للغضب والألم والحقد والحرب حينما تكون مستوجبة باستدعاءات المعاناة وصدق التجربة؟! وإذا كان الانتشار والتحليق في كونية الفلسفة وشفافية التصوف يشكلان الفضاء التقليدي – لدى البعض – لممارسة الإبداع، فهل يعني ذلك اقتصار خاصية التمظهر الفلسفي أو الصوفي على عيّنة محددة من التحارب الإنسانية دون غيرها؟! وهل هناك نموذج “حواضري” وحيد للإبداع، مقيّد بجنتلمانيّة الشكل والمضمون، يشترط التبشير بالسلام من داخل المذبحة؟! أي هل أصبحت تجربة المسيح والصليب هي التجربة الوحيدة التي تتيح الإبداع؟!

يفترض أن أجيب عن هذه الأسئلة، أو أن لا أطرحها مسبقاً. ولكنها ليست تحريّاً لقضية الإبداع بمدى ما هي رد على اعتذاراتك المتكرّرة عن اهتمامك الإبداعي في بعض مراحل المراهقة بالنصوص التاريخية والجغرافية والبيولوجية –وعلى الأخص بالملابسات العسكرية التي أحاطت بتلك النصوص – فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية. إذ أن المستوى الجنائي لهذا الاهتمام الإبداعي لديك لم يصل – شكلاً أو مضموناً- درجة من الرعونة الوطنية أو حدّة المجابهة التعبيرية، ما يقتضي منك كل هذه الاعتذارات التي أصبحت لازمة إعلامية في مبايناتك الأخيرة. فما هو الدافع الحقيقي إذن وراء كل هذه الاعتذارات المجانية؟!

التفسير الوحيد لإسرافك في الإعتذار والتبرير، إلى درجة أنك أصبحت لا ترى إلا في حالة تملّص، يعود إلى كونك مسكوناً بالسياسي ومشروعه من ناحية، وبمشروعك الخاص من ناحية أخرى. وليس هناك تناقض يخص التموضع المبدئي بين المشروعين، فكلاهما يراهن في الوصول على ذات السيّد. ولكن هناك ضرورة لافتراق النهج العملي بينهما. فالسياسي يطالبك بالعلنية والتصريح في دعم مشروعه، بينما يضطرك مشروعك الخاص إلى التقية، ومحاذرة الانكشاف، والوقوع في حالة التلبُّس. فأنت تعلم أن غرارك السياسي والثقافي لم يخرج بعد، وطنياً – وربما لن يخرج أبداً- من دائرة التنديد والتحفظ. وطرحه من خلال الخطاب المباشر سيسيء حتماً إلى مصداقيتك الوطنية والإبداعية في الوجدان الفلسطيني العام. وقد هداك ذكاؤك النوعي، إلى التحايل على هذه الورطة، بالغموض والدهاء التعبيري والتنظير الملثَّم من خلال النص الإبداعي الحائر أحياناً، والمجهول الهوية أحياناً أخرى. وعندما تغلبك الشفافية التعبيرية، أو يخونك الغموض، أو يقربك النفاق صراحة من أحد الجانبين على حساب الآخر، لا يبقى أمامك سوى التطهُّر بالاعتذار والتبرير. فأنت لا تريد أن تفقد منصبيتك في التقييم الوطني، ولا تريد أن تفقد مشروعك في الوصول إلى الأوّلية بالتبعية، كما تشترط المرحلة.

ونحن لن نناقش وطنياً مشروعك الخاص، أو تبعيتك للسياسي بناء عليه، لأنهما يتضمنان التردّي الاختياري في المرحلة. ونحن لم نعتد على مناقشة الخيانة. ما نريده هو التصدي لعدوانك على هوية الثقافة الوطنية وتعرضك الغرضي لدخيلة ووجدان الإنسان الفلسطيني بالتنظيرات الملثمة والسافرة.

لا وصاية لأحد على النص الإبداعي داخل حدوده الإقليمية.والنصّ الإبداعي هو نصّ عدواني بطبيعته بالمعنى الذي يقوم فيه على مداهمة  وعي ووجدان الآخر بادعاءاته الخاصة، ومن حيث مداهمته أيضاً لحالات استرخاء الشغف الوجودي والمغامرة الوجدانية والفلسفية لدى المتلقي. ولكن حينما يتم توظيف الإبداع في الاغتيال الثقافي المدبّر سياسياً، فإنه يتحول إلى جريمة عادية، واعتداء مبرر بمداهمة نفعية لا علاقة لها بالإبداع.

وهذه هي حالتك كما تبدو لنا من خلال متابعة إبداعاتك وخطابك الثقافي. وقدرتك الفائقة على تخطي المباشرة بالتحليق، وتلفيق المحاورات حول هويتك الإبداعية الجديدة، واكتشافك مؤخراً للخلل في تجربتك الإبداعية الماضية، والمتسبب كما تقول بسذاجة خبيثة – عن التناقض بين الانشغال بالالتزام، وإهمال تحري الذات داخل التجربة الإبداعية وخارجها، للتستر  على دوافعك الحقيقية، تجعلك أشد خطراً في التأثير والمواجهة من المتكسبين الآخرين الذين توظفهم المرحلة. إن مهمة المبدع كانت دائماً انعكاساً لشغف الذات بتحري نفسها داخل الإبداع. أما تحري الذات خارج الإبداع فهو أمر غير ممكن لأن تحري الذات ليس من شأن الذهن العادي، فهذه قضية مركبة ذات سياق وجداني وفلسفي خاص.أما التحري الممكن خارج معاناة الإبداع فهو تحري الشخص. ومحاولتك لشخصنة الذات في محاوراتك المفتعلة، هو دعوة إلى التملص من الالتزام الذي تسميه “اختفاء وجه الفرد في الجماعة”، ودعوة إلى الانفتاح على المستويات الانفرادية – أي الشخصية- للمصلحة، تبريراً لمشروعك الخاص من ناحية، وقياماً بمهمة التغرير التي تعتمد عليها المرحلة لتحقيق الانفضاض الجماعي من حول ذاتية الهوية، من ناحية أخرى. وانحدارك بالموقف الوجودي إلى المستوى “الأبيقوري” هو انعكاس لهذيان معلمك ذاك في أيامه الأخيرة، وانتقاص مقصود للموقف الوجودي بمعناه الحقيقي القائم على تحري الذات في مواقف الالتزام والمسؤولية، والإبداع العملي داخلهما إلى درجة الاستشهاد.

لقد قلت بوضوح في تأبينك لمعلمك ذاك، أنك مثله لا تريد إهدار ذاتك على أية واقعة غير واقعة حضورك الشخصي على متعة الوجود. وليس لنا أي اعتراض على موقفك هذا، لولا ما يحصل الآن لنا ولك من ازدياد تعلقك بنا كواقعة للاختراق أثناء اقترابك المرضي عبرنا نحو الشخص الموجود فيك. ويبدو أنك أدركت بالصدفة أثناء تخبطك الثقافي أنه لا يمكن تحقيق الحضور الشخصي إلا على واقعة غير شخصية. وبذكائك النوعي المعتاد استطعت أن تفطن إلى أن مغامرتك “الفندقية” مع ريتا – رغم كونها حضوراً شخصياً على واقعة غير شخصية – تصلح منطلقاً لك للتحليق فينا كواقعة أخرى غير شخصية، لإملاء حضورك الشخصي عليها.وعندما أسفرت هذه الحادثة الفندقية عن أخطر إبداعاتك على حضورنا الوطني، أدركت نهائياً أن الذات ليست شيئاً سوى الحضور الشخصي على واقعة غير شخصية. ومن هناك بدأت لعبتك الخطيرة في تأكيد الحضور الفندقي للإنسان الفلسطيني كحل لإشكالية رفض المرحلة لحضور الشخصي أو الذاتي، وذلك من خلال اقتراحه طرفاً في المعادلة، بحيث يكون هو الطرف الذي يمثل الواقعة غير الشخصية التي سيتم الحضور الشخصي للطرف الآخر عليها – وبهذا يصبح من الممكن تحقيق المعادلة “الأوسلوية” التي ترضي الطرفين: واقعة غير شخصية مقابل حضور شخصي عليها. أي واقعة ديموغرافية مجردة من الهوية على أرض إسرائيل التاريخية.

ويبدو أن القدرة على المغالطة توازي القدرة على الإبداع. والمدهش في مغالطاتك هو قدرتك على الاستغناء عن الكذب المباشر. تستطيع أن ترتب المعنى الذي تريده باستعمالك الغائي للصدق، وأن تتسلل علناً – بضمانة وطنية غير محدودة – عبر الأحجية التركيبية التي تصوغها من المسلمات العامة لتصل إلى ما تريد اقترافه من مسلماتك أنت. إن الصدق السلبي الكامن في حجارة “الليغو” التي يتكون منها مشهد ما، يظل حاضراً – وبنفس المدى- حينما نشكل منها مشهداً آخر. وباستطاعة المنديل أن يتحول إلى أرنب، وبدون أي شك بصري، حينما يتوفر الساحر المدهش. وقد استطعت في 19 – 12- 1998 في كلمتك أمام المبدعين الفلسطينيين أن تنتقل من المنديل إلى الأرنب بطلاقة مدهشة. قد يكون بعض الحاضرين فطن إلى عنصر البراعة – إتقان المهنة، حسب تعبيرك- في الصورة البريئة التي قدمتها لهم. ولعلهم – حينذاك – قالوا لأنفسهم: إن البراءة لا تكون مركبة وغامضة إلى هذا الحد، وفلسطين ليست تراباً فلسفياً أو فلسفة ترابية ليحيط بها كل هذا القدر من الغموض. فلسطين –بعد وقبل أية فلسفة- وطن مثل كل الأوطان. واقعة ترابية ليس لها سوى صاحب واحد، وحينما يصبح لها صاحبان، فمعنى ذلك أن عملية اقتطاع وسلب قد وقعت من طرف ضد طرف. فأين هو مبرر الغموض في المسألة؟!. المبرر – حسب وجهة نظري- هو استغلال ما أتاحته المناسبة الثقافية، من خروج على تزمّت العلاقة بين الفكرة والنصّ في المعايشة الواقعية، لتسويق موقف سياسي مرفوض بالمباشرة. ما حدث هو شرح مسألة لا تحتمل الشرح، أو تفسير اليسير بالصعب، أمام أناس يجب استدراجهم إلى تغيير علاقتهم التلقائية بالمسألة المشروحة. وقد تمت عملية الاستدراج بخفّة فائقة، غير رقي الأداة التعبيرية و”إتقان المهنة”، من موقع الإصرار التلقائي على الحق، إلى موقع التنازل المحنَّك الذي يقترحه “البرنامج”.

هذه “الأوسلوية” الثقافية الواضحة لا تترك لي خيار محاورتك – لأن محاورة “أوسلو” هي “أسلو” ذاته – ولكنها تلزمني إلزاماً بالتعرض لموقفك.

إذا أبعدنا تجليات الغموض، وتعدد النصوص في النص الواحد، لم يبق لنا من نصك المشار إليه أعلاه سوى الإملاء التالي :”ينبغي استبدال مألوف الثقافة الوطنية المعروفة، بالتآلف الثقافي مع “البرنامج” الذي لانعرف عنه شيئاً. “أي على الأدب أن يتقن أيضاً” مهنة “التفاوض وأن “يضطرب” بين ما يريد أن يقول وبين ما يراد له أن يقول، لكي يبقى أدبا، دون أن يخرج على “البرنامج”. ولا مخرج للمبدع الفلسطيني من إبداعاته التكتيكية إلى الإبداع “الإستراتيجي” إلا بالإنسحاب من “حالة الطوارئ”، التي لم تنته بعد، إلى “حياته الطبيعية” التي لم تبدأ بعد. أي أن على هذا المبدع اختراع طبيعة ثانوية للواقع تمتد في المسافة السحرية بين المنديل والأرنب. هناك فقط حيث يتلاشى “الراهن والانتقالي”، يستطيع أن يختار استراتيجياته الجمالية. يجب عليه أن يجد الفضاء المتنصّل سلفاً من أية التزامات بيئية مسبقة، يحقق فيه تحليقه الإبداعي الخاص. ففي داخل “حالة الطوارئ” المثقلة بطلبات الالتزام الوطني، يفقد الأفراد وجوههم داخل حالة التشابه القسرية للتجربة، إلى درجة “يضيع معها وجه الفرد في الجماعة”، ويصبح للجميع في النهاية وجه إبداعي واحد، وعضو جنسي واحد، وبالتالي تجربة مصير جماعي واحدة، لا تتعدد فيها خيارات الإبداع. ولكي نصل إلى مجال إبداعي تتعدد فيه الخيارات يجب فصل الإنساني فينا عن الوطني، ليكون لنا سياق مخصص للإبداع وسياق موازٍ مخصص للالتزام، بحيث يستطيع المبدع الفلسطيني أن يكون عدمياً ووطنياً في آن واحد، أي مفاوضاً ومناضلاً في ذات الموقع، وخائناً وشهيداً في نص لا يعترف بالتناقض. ولا حاجة لإثارة أي ضجيج حول إمكانية الفصل بين الإنساني والوطني فينا، فقد تم توضيح أن علينا اختيار حالاتنا الطارئة بأنفسنا. ونحن إبداعياً في حالة طارئة، إذ لا يمكن في السياق الإبداعي للتجربة أن نجمع بين الإنساني والوطني في نص واحد، حيث أن الإنجاز الإبداعي الأقصى للمبدع الوطني هو “الإلحاح التبشيري”  على الهوية، والإعلان اليومي المباشر عن “حق الوجود”. كما هو معروف فإن قضية الهوية وحق الوجود، لا يمكن مباشرتهما إبداعياً إلا بلغة التبشير أو الإعلان المباشر، على النحو التالي مثلاً:

قالت “أندروماك”

وهي تطحن الملح على قارعة الطريق:

أيها الغريب!

قل لي من أي بلاد أنت

أقل لك كم أنت حزين.

والآن اعذروني إذا ادّعيت أن هاجس الأزمة الذي رافقك منذ بداية النص المذكور وحتى نهايته، قد انحاز بك في بعض الأحيان إلى شيء من الغرابة. وهو أمر متوقع في حال ائتمان الغائية على النص وتحييد الأمانة، من جانب شخص متورط في رسم “حدود الفارق بين ما يقوله الأدب وما يقوله البرنامج”. وكما في الخرافة، فإن تحقيق المهام المستحيلة مشروط بتبني المتناقضات. لقد وضعت الإنساني بموازاة الوطني، واحتفيت بالشبق إلى مغادرة الالتزام، لتحقق للإبداع فضاءه السحري خارج متاح “حالة الطوارئ”،ثم عدت به حالاً، وفي ذات النص ليصبح طرفاً في معاهدة مع “البرنامج”، تقوم على الغش المتبادل باختيار الطرفين. أي أنك وضعت المبدع الآن في موازاة نفسه، من خلال مطالبته بأن يكون ذاتاً متعددة النصوص.

لقد أرهقتك معاناة الدعوة إلى التماثل مع “البرنامج”، بإلحاح المصلحة المشتركة بينكما، إلى درجة الإعياء. وقادك ذلك إلى حالة من “الإلحاح التبشيري” السهل، وتخفيف الرقابة على هواجسك، لتقودك بدورها إلى حالة من الغرابة أشد من الأولى:”ليس هناك فاصل حاد بين الماضي والحاضر ليتساءل الكثيرون منا: ماذا نكتب بعد أن صار لنا وطن؟”. ما هذا؟! إن أحدنا يهذي حتماً! من ناحيتي أذكر أنك كنت قبل أقل من عشرين سطراً تختفي بحالة الشبق للخروج من “حالة الطوارئ” التي هي غياب الوطن، إلى “الحياة الطبيعية” التي هي “بعدما صار لنا وطن”. وكان الإبداع على مقربة من هذه الواقعة يخوض صراعاً ذاتياً للانفلات من معوقات “حالة الطوارئ” التي سببها غياب الوطن. فكيف يستأنف الإبداع صراعه الذاتي الآن بسبب من زوال السبب؟ أليست هذه الأحجية دليلاً على ضياعك في انتحال المواقف بين المبدع والمبشر؟! وفي الحقيقة أن نصك المشار إليه كان كله مشهداً يسيطر الضياع على مجمله وتفاصيله، عبارة عبارة، وفكرة فكرة. إيقاع فكري مضطرب داخل سياق بياني يستجدي الإدهاش والغموض والغرابة وقصور الفهم. وكل ذلك في سبيل وضع برنامج ثقافي جديد، يختصر الموروث الثقافي الفلسطيني ويجرده من ملابساته في الرمز والتأسيس الواقعي، ليصبح مرجعية ثقافية ابتدائية لا تتسع لأكثر من طموحات “البرنامج” المشترك مع النقيض، والتي لا تتعدى أعجوبة “بعدما صار لنا وطن”. أي بعدما حصل الفلسطينيون على وجودهم الغامض على جزء من المساحة السحرية التي تفصل بين المنديل والأرنب. وعلى هذا البرنامج الثقافي الجديد، أن يعلن بصراحة – ولكن بلغة الثقافة- أن الوطن بند استثماري من بنود العلاقة بين الكائن والوجود، ليس غير. والمواطنة ليست هوية، بمدى ما هي علاقة بموقع العمل. هذه العلاقة تتأكد ليس من خلال “استراتيجيات” الخصوص الإنساني في التعبير عن ذاته بالشعور والمعنى وضرورة التواصل الإبداعي والوجداني مع متعلقاته الحياتية – كما كان الأمر قبل النظام العالمي الجديد، والتصور “الأوسلوي” لوطن الفلسطينيين- وإنما تتأكد من خلال إثارة شغف البرجوازية المالي وأحلام الفقراء في الثروة أو الاكتفاء، لضمان التفافهم حول “البرنامج”.وهنا يجب التأكيد على أمور ليست مطروحة من قبل أحد، وإنما يتم استدعاؤها بالغائية وحدها، لتوظيفها في صياغة البرنامج الثقافي الجديد، كآليات نفي أو تأكيد بالاستدراج، أو دس الشعار المباشر، أو كليهما معاً. وفي اعتقادي أن استدراج النصّ بالسياق المدبّر وبالعكس، هو الأداة المفضلة لدى الخطاب السياسي، ولكن براءة الخطاب الثقافي تشكل أساس مصداقيته، لأنه خطاب استراتيجي في كل الأحوال. ويبدو التدبير وانعدام البراءة واضحاً لديك عندما تهتف فجأة بهذا الشعار المفعم بالدس :”ليس الوطن صنماً ليعبد أو يكسر”. إذ من المستحيل عليّ أن أعتقد أنك لا تفرق بين رموزية العلاقة بالوطن، كإحدى مركبات الوجدان الإنساني، وبين الصّنميّة كعلاقة غيبية ذات سياق أعمى منكبّ على نفسه. واعتقادي هو أن إطلاق هذا الشعار المدبّر لا يمكن أن يخرج عن كونه محاولة صريحة للمسّ برموزية الوطن، وتعديل مناخ الوجدان الفلسطيني من هذه الناحية، ليصبح مؤهلاً لمرارة التجربة في استبدال الوطن بكانتون اقتصادي اسمه “بعدما صار لنا وطن”.

وهذا الوطن الذي “صار”، متجاوزاً في صيرورته امتحان التضحية والشهادة ليبدو على شكل صدفة أمريكية “انتزعت” بالمسكنة الاستعراضية، ومديح الجريمة، والتنقل اليومي من الهوية، هو “وطن” بدون شرف أو كرامة أو حتى قيمة جغرافية. هذا الصنم يجب أن يكسر لأنه لا أحد يريد مثل هذا “الوطن”، ولأنه لا يعبد الأصنام في العادة سوى صانعيها. وانكبابك على كلّ ما فيك من موهبة وذكاء نوعي لإعداد الرموز المناسبة للوطن الجديد والمواطن الجديد، يمثّل استكمال نكبة ضياع الوطن بضياع الذاكرة الثقافية الوطنية واستبدالها بتقافة “البرنامج”. ولقد بالغت أحياناً في تكديس النصوص داخل النصّ الواحد، بحيث لم تعد تستطيع حتى لغة الكهانة حمايتك من الانكشاف. ولو كانت الراقصة “متولي”، لم تزل قيد الاستعمال، لكان بإمكانها، لو أرادت، تقديم سياق من الرقص التأويلي يوازي ما في سورة “البقرة” لنصك التالي :” ولعل الإسراف في مديح الوطن، في الوطن، هو شكل من أشكال هجاء المواطن، كما أن الإفراط في التذمر من الوطن هو ضرب من ضروب مدح العبودية”. صحيح أنك حاولت التّمصدق أو الاحتيال بلعلّ، كمرجع احتياطي للاعتذار أو التدبير عند الحاجة، ولكن الانتقاص العلني من مؤهلات الآخرين في الفهم، ومحاولة تنصيص مواقفهم بالنيابة عنهم، يلزمه مستوى للتدبير أكبر من مجرد الاحتماء باللغة الذكيّة. كيف يمكن للإسراف في مديح الوطن الذي “كان”، داخل الوطن الذي “صار”، أن يكون شكلاً من أشكال هجاء “المواطن”، إلا باعتبار أن تجاوز سقف “أوسلو” في الالتزام أصبح خروجاً على الإجماع الوطني؟! ألا تريد بذلك أن الإحساس باللجوء “بعدما صار لنا وطن” قد أصبح نوعاً من التطرف؟! بلى!! فأنت ما زلت منغمساً في لعبة المنديل والأرنب، لأنها وحدها هي التي تتيح للاجئ أن يصبح مواطناً بدون أن يغادر المخيم. وهي وحدها التي تجعل الانتقال إلى ترف “الحياة الطبيعية” ممكناً بدون توفر الحياة الطبيعية. وهي أيضاً الأداة الوحيدة التي باستطاعتها تحويل “حالة الطوارئ” إلى مجتمع مدني فيه تجار جملة ووزراء وهيئة رئاسية وممثلون للشعب في قاعة واحدة. أما عبارة “الإسراف في مديح الوطن في الوطن” فإنها عودة جريئة على الوصف الذي أطلقه معلمك ذاك على الحركات الوطنية لدينا حينما دعاهم “بالفاشيين”. وفي الحقيقة فإن هذه العبارة تنطبق تماماً على تعريف الفاشية أو النازية، بل لعلها أنجح تعريف سمعته لهما. المهم هو كيف أصبح هذا التعريف ينطبق علينا، قبل أن يصبح الوطن الذي “كان” هو نفسه الوطن الذي “صار”، فنواصل من هناك إسرافنا في مديح الوطن؟! إن مديح العبودية هو ما تفعله أنت الآن. إنه عدم التذمّر من الوطن الذي “صار”، لتسفر “حالة الطوارئ” المريرة بكل ما تضمنته من معاناة خرافية، وتضحيات ليس لها غرار تاريخي سابق، عن سوق صغيرة شبه مؤجرة، وأطفال حفاة من الوطن يتعلمون في مدارسهم رواية العدو الرسمية عمّا حصل على أرض آبائهم، وناس يتمنون – بواقع المشهد المثير للجنون – لو أن أبناءهم كانوا خونة ولم يكونوا شهداء. ودعك من قضية “إتقان المهنة”، ومحاولة اتقاء شبهة التملّص من الالتزام بالإيحاءات الساذجة عن وجود استراتيجية خفيّة للمستقبل. هذا الكلام الأبله يمكن أن يخدعني أنا، ولكنه قادر فقط على إضحاك أمريكا والصهيونية اللتين اخترعتا مفهوم الإستراتيجية الخفية ومضاداته الحيوية، قبل أن تأتي أنت لتبتدع موازياتك المدهشة، ومنها الموازاة بين التكتيك والإستراتيجية وكأنهما منديل وأرنب تفصل بينهما مساحة للتلاعب. هذا التحاذق المجاني موجه ضدنا نحن كمادة للمخادعة، ولا يمكن أن يكون موجهاً ضد الغير، لأن الأوطان لا تستعاد بالتآمر وخداع القوة بالضعف.  لقد جنّدت الصهيونية كل إمكانات التكتيك داخل سياق استراتيجي هجومي واحد للقوة منذ بدايته وحتى اليوم. ولقد لعب الخداع والتآمر دوراً متكاملاً مع القوة بجميع أشكالها، في المشروع الصهيوني، وأحياناً على حساب المظهر الهجومي، ولكن ليس على حساب هجومية الخرافة الثقافية المساندة أبداً. بل على العكس، فإن هذه الخرافة الثقافية كانت باستمرار تصعّد من هجوميتها التعبوية، لأن العقل الإستراتيجي للصهيونية كان يدرك أن صياغة العيّنة البشريّة هي التي سيتوقف عليها في النهاية تحقيق معجزة اختراع “الشعب” و”الوطن”.واليوم حينما يبلغ هجوم الخرافة الثقافية الصهيونية مستوى الإصرار على إملاء هويتنا وثقافتنا الوطنية وعلاقتنا بالوطن على أساس ديموغرافي محض، ويرتقي بهجوميته إلى مستوى الاستبدال التاريخي والحضاري المؤبّد، تقترح علينا أن نقوم بمواجهة كل هذا بتدييث الإنسان الفلسطيني وقناعاته الثقافية – ولو بشكل مؤقت، كما تحاول أن توحي – من أجل تأييد “البرنامج” المتلفع بالخبث الإستراتيجي. وفي قمة انشغالك، يقومون هم بخلع زيّنا الثقافي قطعة قطعة – مع بعض التمنّع الشكلي من جانب السياسي- حتى أصبحنا عراة أو شبه عراة. انتزعوا من “البرنامج” وأصحابه اعترافاً بيّناً بحقهم التاريخي على أرض فلسطين سابقاً، وأرض إسرائيل لاحقاً، وأكدوا خرافتهم الثقافية بتوقيعكم وألحقوها ببصماتكم، وتابعوها في نواياكم. وتنازلتم عن البيان الخطّي للميثاق الوطني، وكأنكم حينما جعلتم منه مخطوطة فإنما لكي تتنازلوا عنه تنازلاً ملموساً مدعّماً بالواقعة الحسية الموثقة، كعقد الطلاق. ولم يكفهم حتى ذلك. إنهم يريدون تفتيش دخائلكم عن أية ممنوعات وجدانية تتعلق بالموضوع، ويلزمونكم ليس فقط بتفتيش دخائلنا نحن الفلسطينيين، وإنّما باستبدالها بدخيلة التسليم الثقافي بما حدث، كما تحاول أن تفعل أنت، تحت دعوى البحث عن الرحابة والانطلاق الحر للإبداع الفلسطيني المنكوب بالالتزام.

أستطيع أن أتوقف عند كل عبارة وردت في نصّك الخطير. فهو نص متخم بالإيحاء والمغالطة وتعدد النصوص والتوظيفات الماكرة وإقحام الشعار السياسي. وليس هناك خلاصة مترجمة لنصّك سوى أنه محاولة مدبّرة لإقتحام الدخيلة الوطنية والوجدان الثقافي للإنسان الفلسطيني بتلفيقات “البرنامج”، وتبريرات وقوفك المستخذي على باب المرحلة طمعاً في انعاماتها. ولعل أبوابك الخلفية للإبداع، على غرار تجربتك الفندقية، ستحقق لك إبداعات مميزة بالمقياس الجمالي، فأنت مخلص في انشغالك بذاتك المفردة إلى درجة تتيح نوعاً من الإبداع، ولكن عليك أن تعرف – إذا كان يهمك ذلك – أننا سنظلّ نعتبر تلك الإبداعات إبداعات معادية. نعم معادية! لأن من حقك الاستفادة من نقص الالتزام، ولكن ليس من حقك الاستفادة من التنظير لثقافة المرحلة المعادية على حلبة الثقافة الفلسطينية المنهكة بالملاحقات – ونحن ملزمون بالتعرض لك دفاعاً عن حقنا في المعاناة. هذه المعاناة هي كل ما تبقّى لنا من هوية نظلّ بها ناساً يحملون كرامة الهزيمة ويرفضون هزيمة الكرامة. ونحبّ أيضاً أن نتوهم أن هذه المعاناة هي رسالتنا إلى فلسطين القرون اللاحقة ولن نستبدلها – حتى ولو كانت وهماً- برسالتك إلى المرحلة. نحمل معاناتنا ونمضي بها حتى النهاية، لتمضي هي بنا بعد تلك النهاية. ونفعل ذلك ليس لأننا أبطال أو نتوهم البطولة، ولكن أننا بشر عاديون بالذات، والمعاناة هي حالتنا الأكثر واقعية بعد كل ما حصل لنا. نريد أن نكون أمناء لتجربتنا في الحياة لأن هذه الأمانة هي القيمة القياسية التي تقرر وفاقنا مع أنفسنا، وإحساسنا بأهمية وجودنا. لا نريد أن ننصت إلى ذلك القزم الموروث الذي يعيش داخل كل منا – مهما بلغ امتداد قامته في الهواء – ويمنطق لنا بدونيته الوقائعية، دونيتنا السلوكية. هذا القزم الذي يختصر التجربة على قياسه، يحاول دائماً أن يتصدّر واجهة الذات، ويحقق لها بالتطامن النفسي والمعنوي، ما لم تستطع تحقيقه بمعاناة الواقع، والصمود في جدلية الذات والآخر. إن نتائج الصراع مع هذا القزم – بغض النظر عن مدى امتداد قامتنا – في الهواء- هي ما سنكونه فعلاً. هي نحن! مرة أخرى، لا وصاية لأحد على النصّ الإبداعي، ولكن لنا وصايتنا الكاملة على الخطاب الثقافي أو السياسي الموجّه إلينا حتى ولو تستّر بالإبداع، نصّاً أو محاورة. وقد أتعبتنا مداهماتك الأخيرة، بوعيها التنظيري المتعالي الذي يستثني المحاورة – إذا استثنينا “لعل” الشهيرة- ويلحّ بالتبشير. وليس لنا اعتراض على مداهماتك الإبداعية – والفندفيّة منها – حتى ولو ألمحت فيها إلى هاجس الرؤيوية الذي يعتريك بتلقائية القرب بين الصوفي والمبدع. اعتراضنا هو على محاولتك غزو الإبداع بالنصّ الموازي، وغزونا بالإبداع بعد ذلك. نقول لك: نحن مثل غيرنا مساحة للتلقّي، وفضاء للتحليق. ولكننا مساحة لها شخصيتها ومقتنياتها البيئية، وفضاء له مناخه الخاص. مدى له قوامه، ولكنه مفتوح على الارتياد والتحليق لمن شاء بما شاء، بشرط ألا يظن أننا مساحة فارغة للعبور، أو فضاء حيادي بين شبقه المفاجئ للتحليق وعودته السريعة إلى أزرار بنطلونه.

لقد كنت دائماً – كمبدع – صورة لذاتك المفردة. وهذا حقك الخالص لولا ما ظلّ يشوب إبداعاتك الجميلة الماكرة، من ضرورات التحايل على تبعات الانتماء. هذه التبعات كانت دائماً مصدراً لقلقك التعبيري، بين حاجتك لتسويق إبداعاتك وطنياً على أرضية “حاة الطوارئ”، وبين إدراكك لخطورة الالتزام على تطلعاتك الحيثية إلى إنعامات المرحلة. ولعل هذا القلق قد أفاد إبداعك من حيث لجوئك إلى التحليق فوق الواقعة كمهرب من الانكشاف، ولكنك أدركت ألّا مهرب لأية شائبة من شفافية الإبداع. ولقد أسفرت تجربتك الفندقية مع “ريتا” عن إنجاز إبداعي راق، لم يكن ممكناً، لولا إخلاصك في التنصّل العلني من ما يجري خارج غرفة النوم. وانشغالك الوثنيّ برخامها الأنثوي. ويبدو أن هذه التجربة قد أقنعتك بأن الجمع بين الشغف الحيثي والشغف الإبداعي ممكن بشرط الإخلاص لتبعاتهما. وبالصدق يمكن للمبدع أن ينجز حتى في الخيانة إذا كان مخلصاً لموقفه. ويبدو أنك قررت عند هذا الحد أن تكشف عن إخلاصك لضرورة الإخلاص للمرحلة و”البرنامج”، وتأليف ثقافة وطنية جديدة ذات تبعات والتزامات لا تتعارض مع ما قاله الرئيس عرفات عن فلسطين التي تنبعث من جديد على شكل فندق سياحي يقصّر مسافة اللقاء بينك وبين “ريتا”. والمؤسف أنك لست في حالة الهذيان!

■ ■ ■

 

(2)

 

إلى أحمد حسين

كل ما أنت وما لن تكونه

حسن خضر

 

ملاحظة يرد الكاتب هنا على مقالة “أحمد حسين” المعنونة بـ “أنت كما  تبدو الآن – إلى محمود درويش” والتي تم نشرها في العدد الماضي من مجلة كنعان (عدد 96، أيار، 1999)

كنعان

***

سأدخل في الموضوع بلا مقدمات، وواسطتي، كما تلاحظ، ضمير المتكلم الفرد للبحث في نصك عنك، وليس فيهما ما يبرر العناء إلا بقدر ما يكون النص قناعاً لصاحبه، ويكون الصاحب مرآة لنصه. فالنص خطاب، والخطاب علاقات لغوية وعلامات تقبل ما لا يحصى من القراءات، كما في قاعة للمرايا: تنكسر الصورة في شظايا لا تنتج الوجه نفسه بقدر ما تدل على ما لا يحصى من تجلياته. في المسألة فائدة لعلم تحليل النص، إذن. أما الأفكار الواردة في مقالتك فلا تستحق العناء.

المشكلة ليست فيما يقوله النص بل في استراتيجية القول.

فلنبدأ بالقناع. وقد اخترت قناع الأنا الجمعي الذي تكرر في مقالتك بصيغة النحن لتحقيق غرضين: نفي المصلحة الشخصية النفعية والمباشرة التي تسم صوت الأنا الفردي، والإيحاء بالوظيفة الرسولية للناطقين باسم جماعة تحولهم صناعة الإنشاء إلى ناطقين باسمها دون توكيل صريح، أو دلالات تمثيلية، ودون ما يكفي من رصيد يعتد به في صناعة الإنشاء.

يثير الغرضان، في الواقع مشكلة الشرعية. فعندما يتكلم ملك أو رئيس بصيغة النحن لا يستهدف تحقيق أي من الصفتين بل تعزيز الكينونة الشخصية. وعندما يتكلم عضو في حزب بالصيغة نفسها تنوب النحن عن اسم الحزب. أما عندما يتكلم كاتب فرد بصيغة النحن في قضية سجالية، دون حصر للضمير في طبقة أو شريحة اجتماعية أو مهنية، فإن الدلالة المباشرة هي وظيفة الشرطي أو قاطع الطريق.

النحن ملك لي كما هي ملك لك، وبما أننا نمثل طبقات ومصالح اجتماعية وسياسية مختلفة يختزلها التعبير القرآني في تدافع الناس الذي يمثل ضمانة للحيلولة دون هلاك الأرض، – ناهيك عن اختلاف الذائقة والمستوي الثقافي، يصبح السطو عليها من جانبي أو جانبك استعارة لقناع يبرر إلحاق الأذى اللغوي أو المعنوي بأشخاص نختلف معهم أو عنهم.

المشكلة أن نصك الذي يعالج مسألة أدبية، فلنقل فكرية تجاوزاً، يستخدم تعبيرات ومفردات عسكرية. فأنت تصم النص المعادي بأنه “محاولة مدبرة لاقتحام الدخيلة الوطنية..” المدبر، كما تعرف وأعرف، ما جرى بعيداً عن الأعين، وما انطوى على نوايا لا ينبغي الإفصاح عنها بل حجبها تحقيقاً لمبدأ المباغتة.

أما الدخيلة الوطنية، فكما توحي كلمة دخيل (ربما كان تعبير الداخل أفضل) كل ما لا يوجد في الخارج. فهناك خارج وداخل. وهذا الداخل يمتاز بصفة أساسية هي الوطنية، أي أن صفة من صفاته الكثيرة تختزل الأخريات. ولا ضرر ولا ضرار. لكن حضور الداخل والخارج بعد فقرة تتحدث عن محاولة الاقتحام المدبرة، يضفي على الأمر صياغة عملياتية واضحة.

الخارج دلالياً، ويمكنك العودة إلى غاستون باشلار إذا أردت الاستزادة، كينونة غامضة مثقلة بالخطر، والداخل، الذي يشبه رحم الأم أو القلعة أو البيت،كل ما ينفيه ويكون عكسه: الطمأنينة والأمن والسلام.

وبما أن نصوص ثقافة ما، بصرف النظر مواقفها المختلفة أو المتناقضة، تصدر في حقيقة الأمر في بلاد العرب، كما في بلاد العجم،  عن ومن داخل الحقل الدلالي للثقافة نفسها، يصبح التشبيه فاسداً، في حالة استخدام الداخل والخارج. وهذه مسألة قليلة الأهمية. فالمجاز الأهم للداخل والخارج يتموضع في الرؤية العملياتية- العسكرية للنص.

 هناك محاولة اقتحام مدبرة، يصبح الدفاع مسألة ضرورية، وما يشبه تحصيل الحاصل. لذلك ينبري المخلصون للداخل أو الدخيلة للدفاع. فنصك يقول “سنظل نعتبر تلك الإبداعات إبداعات معادية”. ولاحظ أنك تستخدم ضمير الجماعة في “سنظل”. لا بأس. وماذا بعد؟ “نحن ملزمون بالتعرّض لك دفاعاً عن حقنا في المعاناة.. الخ”. التعرّض والاعتراض، كما أعرف وربما تعرف، لغة عسكرية صرفة، تعني أن العدو قام بهجوم مباغت فقام جنودنا (جنودك) بواجب التعرّض، للحيلولة دون نجاح الغزو.

وكما يحدث في مشهد مصوّر تتوالى الإشارات الحربية بسرعة فائقة: “اعتراضنا هو على محاولتك غزو الإبداع بالنص الموازي، وغزونا بالإبداع”. لا ضرورة للتوقف عند التلاعب بالألفاظ، يكفى القول بدلالة الغزو والغازي تتموضع كل الدلالات العسكرية في لغة النص.

من حقك التصرف كعسكري في حقل اللغة. ومن حقي تحليل ذلك التصرف، استناداً إلى مناهج التحليل النقدي للنصوص. فالحرب حسب التعبير اللينيني هي استمرار للصراع بوسائل أخرى.

والشائع عن السجالات الأدبية، عموماً، ميلها إلى استخدام الحجة والمنطق والتحليل كوسيلة لتفنيد حجج ومنطق وتحليل الخصم، لكن في تمفصل نص ما حول بنية عسكرية الطابع والدلالات ما يشي بأغراض تقع في الواقع خارج حقل الأدب. فالقوة مبدأ الحرب وقد دل عليك نصك بقدر ما دل قناعك عليك، عندما حوّلت العنف اللغوي إلى وسيلة للحوار.

ربما تبرر ذلك العنف بحق الدفاع عن “الدخيلة” الوطنية المحبوبة والمعبودة. خطر ذلك التبرير أنك تنسج في الواقع على منوال فلسطينيين تحوّلوا، بفعل الديكور الثقافي الذي احتاجته منظمة التحرير الفلسطينية بكافة فصائلها، من أشخاص متوسطي القيمة والثقافة إلى “مثقفين ثوريين” يستعيرون قناع الأنا الجمعي، وعنف اللغة العسكرية، للتغطية على نواقص ثقافية وأخلاقية تتجلى الآن كعوائق حقيقية أمام ديمقراطية الثقافة وخلق المسافة الضرورية بين المثقف والسلطة، وقد كان أولئك الأجدر بالنقد والتحليل بدلاً من التطاول على شخص يختلف معهم وعنهم. المهم، يبدو أن الخطر يعيد إنتاج نفسه لدى جماعات معارضة لا تعجبها السياسة الفلسطينية القائمة، فيخلقون ديكورات ثقافية لا تختلف من حيث الجوهر عن الأولى.

في الثقافة، كما في السياسة وكل شيء آخر، لا يصح إلا الصحيح. والصحيح أن العنف اللغوي ووضع خوذة الجندي على رأس خطاب في الثقافة يلحقان من الضرر بالجماعة أكثر مما يخدمانها. لذلك، أخاف منك ولا أعلن الحرب عليك، بل أبحث في نصك عما يخدم مناهج التحليل الأدبي، أما الوطنية فلا فضل لأحد على أحد.

المسألة الأخيرة هي ما يعرفه المحللون النفسيون عن دافع إلحاق الأذى بالشخصيات العامة. هناك دوافع مختلفة منها الإحباط الشخصي والفشل أو الغيرة والحسد، ناهيك عن عُصابات العظمة أو الاضطهاد، وكلها دوافع قد تعمل فرادى أو مجتمعة لتحويل السلوك السوي إلى سلوك شاذ.

لا أعرف ما هي مشكلتك، بالضبط، ولا أتهمك، لكن توظيف ضمير الجماعة والبنية العقلية العسكرية في ممارسة لغوية عنفية يقلل، للأسف، من تقوى الوطنية، ويعزز، للأسف أيضاً، من شبهة الأزمة الشخصية. ولن يكون ردك على أحد في محله إلا إذا برهنت بنصوصك الفكرية والإبداعية وبدورك في الحياة الثقافية الفلسطينية على جدارة لعبة القناع والحرب في هذه المرحلة، أما إذا اقتصرت المحاولة على “طلقة” هنا و”طلقة” هناك، فذلك كل ما أنت وما لن تكونه.

■ ■ ■

(3)

المملكة الخامسة
سيدي المحترم محمود درويش

أحمد حسين
كاتب عربي من فلسطين/ الخط الأخضر

أعترف بأنه ليس هناك إجماع تام على أن المتنبّي (أحمد بن الحسين)  قد سمّى نفسه باسمي ليلامس النجومية، لكن الذين يعترفون بذلك – ومنهم “نحن” – كثيرون. فقل لي أنت! هل هناك شاعر واحد في أي عصر من العصور سمى نفسه “محمود درويش” ليصبح نجماً؟! ستقول حتماً: ما هذا الابتذال؟

وسأجيبك: وماذا أفعل؟! هل تركت لي خياراً غير خيار الصمت أو الرد المبتذل؟!

لنفرض أنني قذفتك بحجر، فهل تقذفني بفردة حذاء؟! وهل بعد ردّك المستعار (كنعان، العدد 97) تحت اسم لم تحسن اختياره عمداً، مبالغة في استهتارك بي، ظلّ بوسعك اتهامي بالابتذال؟ والله لو رددت عليك رداً مستعاراً لما قبلت بأقل من حسنين أو ثلاثة احتراماً لك!

من أين تأتون بهم؟! ألا يريد ذلك القطيع الذي خلّفه ذلك المرحوم – معلمك- على سفوح مذلتنا أن ينفد؟! اجيدوا استخدامهم على الأقلّ، واشعروهم ببعض الأهمية الذاتية، حتى لا يحوّلوا النفاق إلى ثروة وطنية تتناقلها الأجيال.

الوجوه تتمايز. الأصوات، الكلام، العقول الغرائز تتمايز. هؤلاء كأنهم أشباح متعددة لميت واحد، انعكاسات مرآوية لذات الشخص. لا يمكن أن تميز في مملكتهم الخامسة بين وجه ووجه، أو صوت وصوت، أو منطق ومنطق. كلهم يقولون أن شكسبير كان عجلاً لأن أباه كان جزّاراً.

ماذا تريدني أن أفعل؟! أن أقع في مصيدتك وأدخل في نقاش مباشر مع أناس استنكف عن ركوبهم؟! والله لو كان أحدهم براقاً يوصلني إلى طفولة حيفا ما امتطيت له ظهراً. “فنحن” – كما يعرف من يعرف – غرار فلسطيني أحمق، يرفض أن يفصل بين الالتزام وأخلاقياته، ولد على طفولة الموقف الفلسطيني، وظلّ هناك، لا يريد أن يتجاوز ما هو عليه إلى ما يمكن أن يكونه، لأن ما يمكن أن يكونه، هو بالذات ما لا يريد أن يكونه بأيّ ثمن، ليبقى ولو “كلب حراسة”، مهملاً وجائعاً ومطارداً، يحرس ما يعتقد أنّه قدره، ومعناه الوجودي، وشرفه الوطني والإنساني. كانت هذه استراتيجيتنا الوطينة وما زالت، لأننا ما زلنا عاجزين عن إدراك أي فارق بين وطننا وشرفنا الإنساني. هكذا مضى منصور كردوش وصالح برانسي إلى موتهما الفلسطيني الصغير النظيف. وسوف يظلُّ هذا الموت الفلسطيني الصغير النظيف، لازمة في السياق الوطني، لأن مقابل كل سفح من سفوح المذلة التي تسرح عليها قطعان المملكة الخامسة، سفح للشرف المأساوي، والاعتزاز الفلسطيني الحزين، يحتلّه ولو فلسطيني واحد يقول عن نفسه “نحن” لأنه لا يجيد الانشغال بـ “أنا” عمّن قضى نحبه وعمّن ينتظر، ويعلم أن السفح لن يخلو بعده من فلسطيني آخر، يمضي مثله إلى موته الصغير وهو يردد:

لم أنكم فقط تعرفون

أنه ما لم يوجد الشرف

بمعنى من المعاني

فإنني شخصياَ

أرفض الدفاع عن قضيتي

هذا الغرار الأحمق، يتميّز بالإخلاص لحماقته، إلى درجة الاستعداد للدفاع عنها. وهذا الإخلاص بالذات هو ما يجعله أحمق. وإلا لكان مثل غيره عاقلاً، يعترف بقيمة وطنية لوطن لا قيمة له، فيصبح  من مناضلي أوسلو، أي مثل “ذات الاثنين” لها واحد للصون والعفاف وواحد لمقتضيات المهنة (راجع قصة فتوى جحا بشأن ذات الاثنين لجنابنا).ذلك الحمق وذاك الإخلاص هما اللذان دفعاني إلى اعتراضك “عسكريّاً” – كما يقول الشريط المسجّل – لأنني اعتقد أنك تجاوزت الإبداع إلى التنظير الإشكالي للقضية المشتركة، فإذا كنت ترى هذا من حقك، فلماذا لا يكون من حقي أن أواجهك، ما دمت فلسطينيّاً مثلك؟ إن فارق المستوى بيننا في حيثيات كثيرة – وهو أمر لا يمكن أن أنكره لأنني اخترت بنفسي أن أكون أقلّ شأناً ممن هم أعلى شأناً منك بما لا يقاس، وأرجو ألا تتجاهل أنك تعرف كيف ولماذا، فقد قلتها لي مرة على التليفون – كان أقوى مبررات الرد عليك . لقد قال أحد أغبياء النفاق – أنك قيمة وطنية. إن كل شجرة أو حتى ذرة تراب في أي وطن من الأوطان هي قيمة وطنية.  وأنت لست مجرد ذلك. أنت قيمة وطنية خاصة ومتميّزة بالإبداع وبالمساهمة الحضارية والتشخيص الوطني. وهذا ما يجعلنا نخاف من موقفك وعليه، لم يبق هناك مواقف كثيرة يمكن أن يوليها الالتزام الوطني “الأحمق” الكثير من الاهتمام، بعد أن أصبحت فلسطين “أوسلو” ذيلاً لخارطة سياسية، وإشكالية ديمغرافية على أرض إسرائيل التاريخية. لذلك اعتبرنا أن موقفك أخطر المواقف وأكثرها أهمية في هذه المرحلة، لتدارك ما تفعله السياسة والوطن. قلنا: لقد ضيّع الحلم الصهيوني فلسطين، واخترق مناخ الوجدان السياسي للعالم بالوجدانيات الملفّقة لذلك الحلم. ودرسنا “بياليك” وتقدمنا به لامتحانات “البجروت” في الناصرة. وحينما يتكامل التبادل الثقافي بين إسرائيل “والعالم العربي” فسوف يُدرَّس في جامعة القاهرة واليرموك وغزة وغيرها. فلماذا لا يكون لنا حلم وشاعر وطني “أحمق” أكبر من بياليك بكثير؟! لماذا نهمل أهمية الوجدان الاستراتيجية في صناعة الإنسان والفعل، بعد التجرية التي تعرضنا لها؟! ولماذا – حسب رأيك – ترتفع وتائر التطرف والعنصرية والاستيطان على أرض الآباء والأجداد في إسرائيل، بعد كل حادثة انخذال فلسطيني؟! ألا ترى في ذلك استخداماً ذكياً للوجدان في دعم السياسة؟! أم أن الله قد كتب علينا أن يكون السياسي مبدعاً والمبدع سياسياً، لنخرج في النهاية بدون سياسة ولا إبداع؟! إذن فما “كتبناه” مؤخراً في مجلة كنعان “عدد 97، أيار 1999” لم يكن نزوة شيخوخة، تحاول العودة إلى شبق الشهرة الذي بصقت عليه أيام الصّبا، لأنها اختارت شبق الالتزام، وإنما لقلقنا من موقفك وعليه، بصفته موقفاً من مواقف الحسم الوطني على ساحة المواجهة مع المرحلة. أنا أقبل ألّا يصدقني قنفذ وديع يقضم العشب على سفح مذلّته، في انتظار ثعلب يقلبه على ظهره الشوكي، ولكنني أتحداك أنت – بافتراض ترفعك عن الكذب- أن تفعل ذلك!

  لقد “خاطبنا” على صفحات كنعان في “رسالة على زجاج النافذة” وبلغة العشق والاعتزاز – أي ليس باللغة العسكرية- تألقك الإبداعي والوطني و”حذرناك” من السياسي والصفر. لم أعينك بالاسم، وإنما عينتك بوصف هويتك في التفرّد، قطعاً للطريق على متطفلي النفاق والتكسّب، وتحرُّجاً من اتهامي من جانبك أو من جانب غيرك بما لا أريد. لم تصلك “الرسالة” على الأغلب، ولكن هذا ليس بذي أهمية، إذ يمكن الرجوع إليها متى شئت، لتعرف أن ما “حذرناك” منه قد حصل.

لقد تكاثرت الأصفار حول قدميك لتكتسب وجودها من نسبيتك دافعة إياك تدريجياً نحو المطلق، أي نحو اللاشيء. وأنت تعرف أن النسبية هي شرط الوجود المادي والمعنوي، وأن الصفر هو تصوُّر العقل النسبي للمطلق أي للعدم. وأهمية التصور الذهني للمطلق هي في حاجة النسبي لتأكيد نسبيته وإدراكها. فالصفر في الرياضيات هو المطلق الذهني الفارغ من الدلالة العددية. وانعدام هذه الدلالة هو ما يعطيه أهميته في الافتراض، لأن لا شيئيته تشير إلى لا شيئية الأعداد أي إلى نسبيتها. ولا أظن أنك يمكن أن تعتقد أن الصفر حتى في الاصطلاح الرياضي يمكن أن يجعل من الواحد عشرة أو مئة أو ألفاً، وإنما هو يشير فقط، بتكرار مظهر اللاقيمة، إلى الفارق النسبي بين قيمتين حقيقيتين. وإذا وضعنا عدداً من الأصفار أمام قيمة عددية بدون مراعاة لقانون العلاقة النسبية بين القيم، ابتعدت هذه القيمة عن وجودها الواقعي، أي عن نسبيتها، واتجهت نحو المطلق لتتلاشى فيه تدريجياً. ولهذه الحالة الرياضية موازياتها الإنسانية. فالصفر المعنوي – رغم أنه مطلق مجازي لأغراض الاستعمال النسبي، إذ أن له دلالة مسبية ما- هو استخدام الوضاعة كالصفر في الإشارة إلى القيمة المعنوية مقابل القيمة العددية. وكلما ازداد تواضع القيمة المعنوية زادت حاجتها إلى الصفر المعنوي لتزيد من تمظهرها النسبي بالتلميع، واقتناء حاشية كبيرة قدر الإمكان من الأصفار المعنوية. فهل أنت بحاجة إلى مثل هذا!

أنا أعرف أن الخيار بين السكوت، وابتذال الحيثية في الرد على نكرة نسبية مثلي هي أمر مزعج. ولكن كان بإمكانك صرف النظر عن الموضوع كله ما دمت لا تريد الرد. ولن تخسر شيئاً، فعدد الذين استهجنوا وقاحتي لمجرد الكتابة عنك، أكثر ممن تقبلوا الأمر كحادثة كتابية عادية، ثم اختلفوا مع موقفي أو تبنّوه كلياً أو جزئيّاً، بكثير. هذا الأمر له دلالة خطيرة. لقد خسرت نسبيتك في التقييم – أي أهميتك الحقيقية – لدى الكثيرين من أبناء شعبنا المخلصين – تمييزاً عن الأصفار المعنوية- وانحازوا بك نحو المطلق، لتحتل في التأثير ما تحتلّه صورة لأحد الشهداء أو الزعماء معلقة على الحائط. وقد بدا ميلك للانغماس في هذه الحالة واضحاً حينما اخترت الرد المستعار لتحافظ على تموضعك بين النسبي والمطلق. لقد تنازلت طائعاً عن شيء من نسبيتك – أهميتك – للصفر المعنوي حينما وظفت وضاعة الرد المستعار في الدفاع عنك، بدلاً من التواضع الذي طالما اعتزّ به أمثالك من ذوي المكانة الحقيقية، في السكوت أو الرد المباشر.

لن استرسل أكثر. أريد فقط أن أقول لك بكل الحدّة  الصادقة، أن كونك أحد مبدعي القمّة عربياً وفلسطينيّاً، يشكل بالنسبة لي مصدراً للإكبار والإعجاب والمودة الخالصة من الرياء، ولكنه لن يشكل أبداً حاجزاً وهمياً بيني وبين نسبيتك مهما ارتفعت بالأهلية، أو بكثرة الأصفار المعنوية المحيطة بك. ربما كنت دونك بالاستحقاق الإبداعي، ولكنني لست دونك في أي شيء آخر. ولا شيء يضحكني أكثر من التعالي المجاني. كل فلسطيني يجمعك به الالتزام والقضية المشتركة ومعاناة الموقف المخلص، مهما كان موقعه التراتبي، له الحق – وبدون إذن مسبق – أن يتحاور معك داخل هذه الشراكة ما دمت ملتزماً بها، وخارجها إذا تجاوزت حدودها. إن شخصية وطنية في حجمك، وقدرتك على التأثير، تجعل من المجابهة أمراً قسرياً حينما تنبري لتعديل حدود الالتزام، وتبديل ملامح الهوية، إذا كان هناك من يختلف معها. وقد قلت ورددنا. ولم يكن ردنا أكثر عنفاً من تجاوزاتك، إلا أن حدّة إحساسك بفارق المكانة، جعلك تشعر بالظلم. فكان ردك المستعار غضباً كله. لم تنظر إلى خطورة ما قلت في نابلس، ونظرت إلى حدّة ما قيل لك. واقتصر ردّك المستعار على مراودة الابتذال، دون أن يكون هناك حتى مجرد محاولة للرد.

لا بأس! لقد استنفد أطفال المخيمات حجارة الوادي. فلم يبقَ ما تقذفني به سوى فردة حذاء! ولكن قل لي بالمناسبة! ماذا كان لونها؟

هل تريد أن ينصبّوك بدون أن تشعر – ربما – راعياً لتيار النفاق والتكسّب بالوطنية من جانب أصحاب الثقافة المقنّعة، وأيديولوجيي المجاملة، والكذابين العلنيين؟! لا تقل لي أن هذا أمر شخصي كما فعلت مرة حينما ألمحت لي أن علاقتك بمعلمك” هي شيء من هذا القبيل، وليس لي حق التدخّل فيها. إن ريتا المرأة لم تعد أمراً شخصياً حينما أصبحت قصيدة. وأنت لست صاحب مقهى، ومعلمك ليس مهرب أسلحة أو ضابط طيران تشيكيا. أنت محسوب على القضية المشتركة بانغماسك فيها، وهو محسوب عليها بانغماسه في ذبحها. ولا نوافق بصفتك هذه وصفته تلك أن يجمعكما معاً مهد وطني واحد يرتدّ إيحائياً على الوعي الوطني بتبني سفاهة المرحلة ودونيتها التي قطعت على أيدي تيار التعاقد الذي أسّسه معلمك، وملحقاته الغبيّة أو المنافقة، شوطاً بعيداً نحو العدميّة الوطنية والإنسانية. إن هذا يشبه ما فعله كاتب فلسطيني متميّز أحببته عن بُعد، وأعجبت به – وما زلت – عن بُعد، حينما اضطرته المجاملة – على ما أعتقد- إلى حشد معلمك في مشهد مشترك مع صالح برانسي وغسّان كنفاني.أليس هذا حراماً وطنياً وتاريخياً سيرتدُّ – مهما كانت براءته – جرحاً معنوياً على من يعرفون من كان صالح برانسي ومن كان معلمك، وأذى وعيوباً على من لم يعرفوا؟! إن مخالفة الموثّق التاريخي من أجل امتداح الأشخاص أو ذمّهم، بشكل مباشر، أو غير مباشر لا يمكن اعتباره أمراً شخصياً، إذا كان يمسّ قضية عامة. ونحن لا نستطيع أن نحرّم ذلك على أحد، ولكن لماذا نحن ملزمون بالسكوت؟؟!

صدقني أن مبررات الصمت لديّ أكثر بكثير من مبررات الكلام. ولكنني كما قلت لك غرار فلسطيني أحمق، تسيطر عليه سيكولوجية الغضب والألم والإحباط بعد كل ما حصل ويحصل، وإذا كنت أحسدك فليس لأنك محمود درويش، وأنا أحمد حسين فقط، فهذا أمر لو استسلمت له، لكان عليّ أن أتخطى إليك في رحلة الحسد، ربما مئة شاعر وشاعرة، ومئة كاتب وكاتبة – فقط على ساحتنا- كلهم أكثر مني تألقاً ورواجاً في مزاد الثقافة العلني. ثم من الذي نمّ لك أنني شاعر أو كاتب، حتى أكون مؤهلاً لموقف الحسد. هل حدث وقرأت اسمي في أية إحصائية صحفية ضمن  قائمة الشعراء أو الكتاب لدينا؟ وحتى إذا حدث – ونادراً ما يحدث- أنه كان عليهم الضرورة الصحفية أن يذكروا اسمي – فإنهم – وبالأمانة الصحفية أيضاً- يراوحون في تقديمي بين الأستاذ والمربّي. فكيف وقعت إذن في هذه المهمة الجزافية؟ هل لكي تقول فقط في حوالتك أنني أصدر فيما أقوله عن “الشخصيات العامة” من موقف العصابية والشذوذ والانحراف النفسي الناجم عن الفشل في الوصول إلى الشهرة؟ لقد أجهدت نفسك في لا شيء. فأنا أعترف لك مجاناً أنني في قمة التأزُّم النفسي والشعور بالاحباط والفشل والعجز، ليس لأنني شخص أخرق يحاول الوصول إلى قمة غير موجودة، ولكن لأن المشهد العربي والفلسطيني على درجة من القسوة لا يستطيع احتمالها، والخلاص من تبعاتها النفسية والمعنوية إلا كل مشبوه في عقله أو شرفه أو سويته النفسية بالذات. الشيء الذي يحتاج إلى تحليل جاد وفي منتهى الخطورة – يا سيدي – هي تلك العلاقة الحميمة بين الهدوء النفسي وتجاهل الصدمة، وبين الشهرة في تجليات المشهد الفلسطيني. ما يجب أن يلفت النظر الآن، على ضوء حضيضية المرحلة، هو كثرة “الشخصيات العامة” وليس كثرة المجانين. وبما أن ساحتكم هي إنتاج محلّي خالص – كما تعرف تماماً – لتيار التعاقد على ساحتنا، تشكيلاً وتوثيقاً وترميزاً، فإن بوسعي أن أفهم حوالتك الجوابية، على ضوء المصدر الأصلي، واعتبرها مجرد شتيمة، دون أن أنكر ما تتضمنه من حقائق حول تورطي النفسي.

أنت محمود درويش. شخصية عامة بكل المقاييس المنصفة، ولست مجرد شخصية عامة بالمهنة أو بالاستخدام المكثف. أنت واحد من صناع الموقف – شئت أو أبيت – على الساحة الفلسطينية. لذلك أقول لك – وبصفتي عصابياً وأشياء أخرى كما وصفتني – إياك أن تعتقد أنني سأتورع عن التصدي لموقفك بالمدح أو الذم، إذا كان لهذا الموقف علاقة بما يدور داخل أزمتي النفسية، حتى ولو كان تحت تصرفك مصنع كامل من الأحذية.   

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية.