قراءة في كتاب “من الذي دفع للزمار- الحرب الباردة الثقافيّة”

قراءة في كتاب “من الذي دفع للزمار- الحرب الباردة الثقافيّة”

للكاتبة البريطانيّة ف.اس.سوندرز

مراجعة: عمر سعلي  

هذا الكتاب من الكتب الشاهدة على العصر ،و من أشمل الكتب التي تكشف العالم الخفي لتسييس الثقافة والفن والأدب ، خاصّة خلال ما سمته الكاتبة بالحرب الباردة الثقافيّة بين أمريكا والشيوعيّة،وهنا تنبيه على أن انهيار منظومة الإتحاد السفياتي لا يلغي الحرب الثقافيّة ،لأن هذه الأساليب والقواعد إنتاج بشري يصح لمحاربة الشيوعيّة وغيرها وهي باقيّة بقاء اختلاف الأفكار واختلاف الثقافات والأذواق بين الأمم ،خاصّة مع تغول العولمة الثقافيّة وإقران التسويق بالموضة واستبدال ثقافة الشعوب بثقافة القوي المسيطر وهي الثقافة الكونيّة للإستهلاك.

والكتاب يؤرخ بدقّة وإسهاب لحرب الولايات المتحدة الثقافيّة على الشيوعيين الأمريكيين ومحاصرة الشيوعيّة على أرض الولايات المتحدة الأمريكيّة وأروبا ،عبر دعاية احترافيّة تستهدف الأفكار والأشخاص .وتناقض في عمقها مبادئ الحريّة الفرديّة التي تنادي بها أمريكا وغيرها،وأكثر من ذلك يشير الكتاب إلى استخدام المسيحيّة في الحرب على الشيوعيّة ،استخداما رسميّا من طرف الدولة ومؤسساتها في تناقض أيضا مع التبجح بتبني العلمانيّة .

في هذا الكتاب فكرة رائعة ،وهي ما أعتقد اكتشفتها المخابرات الأمريكيّة من أن ضرب أي توجه أو القضاء عليه لا يتم بالصورة المثلى إلاّ من خلال ضربه من الداخل ، أي من خلاله رجاله ومنهجه ،فرجال أي تيار أو معتقد مهما كانت رتبتهم فيه يصيرون جزءا من هذا المنهج وخيانتهم أو ردتهم عنه علنا ومهاجمة تجربتهم السابقة أخطر بكثير على المعتقد من ضربه من الخارج ،وهذا ربما ما جعل بعض الفقهاء في الدين الإسلامي وبعض قادة الحركات الإسلاميّة يصرّون على تنفيذ الحد في المرتد لخطورته المعنويّة لا الماديّة .القصد أن المخابرات الأمريكيّة انتبهت لهذا الشئ في حربها على الشيوعيّة خاصة من خلال تبني شيوعيين مرتدين ومعارضين لنهج ستالين وتمكينهم بالوسائل الكافيّة لصناعة مدرسة يساريّة أخرى من داخل المظلة الشيوعيّة نفسها ولو بالتسميّة فقط .

هذا بالتوازي مع عملهم الحثيث من خلال مراكزهم الثقافيّة ومنابرهم المقادة من الإستخبارات كالمجلات والصحف والندوات والجوائز وغيرها التي تسعى إلى تقديم النموذج الأمريكي كخيار وحيد للبشريّة .

ومن فوائد هذا الكتاب العديدة أيضا كونه يطلعنا على التطور الحاصل في استخدام الطاقات والبشر من قبل المخابرات، موبخا صورة العمالة التي رسمتها الأفلام في مخليّة أغلبنا في صورة أن العميل صاحب مسدس وسيغار ونظارة شمسيّة ،مع أن الحقيقة قد تجاوزت هذا النمط إلى عمالة مقنعة تستخدم العميل دون أن يدري ويعي بعمالته ،فيمكن أن يكون فيلسوف وممثل أو رياضي هو مع نفسه يعتقد أنه يتعامل مع مراكز ثقافيّة مستقلة ووكالات إشهار عاديّة،مع أن المسألة في عمقها وحقيقتها أكبر من ذلك بكثير.

ومن الكتاب تستفاد نتيجة أخرى ما أحوج كثير من المؤسسات إليها ،وهي أن تدبير الثقافة من خلال المخابرات سيعطي نتيجة تكتيكيّة أكيد ،ولكنه لا محالة ساقط في المدى الإستراتيجي ،لكون المال والجوائز لا تعطي شعبا أو ثقافة شعبيّة ،فالأخيرة تنتجها التغييرات البنيويّة والمنهجيّة العميقة في التعليم والبنى القريبة للأسرة ،أي من خلال حركة مناضلة ذات مشروع مجتمعي واضح وإرادة صلبة وليست مجموعة أشخاص أو مثقفين يعيشون في الأبراج العاليّة ،زيادة إلى أن ظهور عمالة أو تعاون أي جسم ثقافي مع الخارج لا محالة يقوي مصارعه وهذا ما بنت عليه الجماعات الإسلاميّة خطابها ضد خصومها حتى تغولت في النهاية بداية التسعينات.

يستفاد كذلك من الكتاب إلى جانب مادته الأرشيفيّة الغنيّة ،استيعاب صور السقوط في المؤسسة الغربيّة ويظهر بوضوح مدى خبرة هذه المؤسسة وذكائها ،وأيضا اختلافها عن المؤسسة الشيوعيّة ،خاصّة في استخدامها لمن يجري في فلكها ،فإذا كان الدخول ضمن الشيوعيّة يستدعي الدخول العقائدي الإيديولوجي والإقتناع بها ،فإن الدخول ضمن المؤسسة الغربيّة أهون بكثير ،فيكفي حتّى أن تكون بلا ايديولوجيّة ومجرد مستهلك فقط تصبح مفيد للمؤسسة الغربيّة ،فهي لا تسأل عن دين العامل أو معتقده في العالم حين يطلب عملا في مصانعها وشريكاتها، فيكفي أن تكون زبونا ومستخدما متقنا لعمله بأن تكون في الواقع محركها وجزء من منظومتها بغض النظر عن معتقدك في العالم وأفكارك ،وهذا سحر المؤسسة الغربيّة وقوتها وقدرتها على احتواء جزء كبير من العالم.

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.