عرب فلسطين 1948: بين الصديق الجاهل والعدو القاتل (5)، عبدالله حموده

يقول المناضل صالح برانسي (1928 – 1999)  بعد قيام دولة العدو 1948:

“كان الناس أشبه بالمشدوهين الذين لا يستطيعون استيعاب ما يجري حولهم. وجوههم يعلوها الوجوم، وعيونهم زائغة لا تعبر نظراتها إلا عن الضياع والحيرة والترقب المتوجس والذهول. من وراء ذلك كله مرارة لا يخفف من حدتها إلا العجز عن استيعاب الأحداث … وأمل صامت لكنه عنيد بأن هذا الوضع الطارئ مهما بدا واقعاً، فإنه لن يلبث أن يزول، وأن فلسطين سوف تعود إلى أصحابها الشرعيين عن قريب.

لم يكن هناك حاجة إلى أي تبرير عقلاني لهذا العمل. بعد تسليم قريتنا (الطيبة) لليهود، يقول صالح برانسي كنت في البيت وإذا بأحدهم يقرع الباب. وعندما فتحت لأرى من الطارق وجدت البوليس يقف على الباب ويسألني إن كنت صالح برانسي. فرددت بالإيجاب، فطلب مني مرافقته إلى قسم البوليس. ولما سألته عن السبب: هناك تستطيع أن تعرف. وبمجرد اجتيازي البوابة انهالوا عليّ ضرباً إلى أن أغمي عليّ”.

في الأيام الأولى بدأت مصادرة الأراضي، فقد أمر الحاكم العسكري بحراثة ثلم في مكان عيّنه بنفسه ثم أعلن أن الأراضي التي على الجانب الغربي من الثلم كلها مصادرة. وبدأت عملية الضغط الاقتصادي، فقد أصدر الحاكم العسكري أوامر تقضي بمنع بيع البيض والقمح في السوق الحرة، وبأن على كل من عنده قمح أن يسلمه للوكيل الذي يعينه الحاكم، وكذلك كل من عنده دجاج يبيض أن يسلم ما يجمع ما لديه من بيض أيضاً للوكيل. وهكذا ازداد الوضع الاقتصادي سوءاً فصار الهم الأكبر لكل رب عائلة توفير لقمة لأطفاله ولأفراد عائلته.

ويقول صالح برانسي الذي كان خريج كلية النهضة التي أسسها المعلم القومي خليل السكاكيني: “عُينت معلماً للعربية. ومن البداية نشأ خلاف بيني وبين إدارة المعارف على مناهج التدريس التي كان واضحاً أنها تستهدف التجهيل لا التعليم، فضلاً عن بث روح العدمية القومية وتشويه التاريخ العربي وقطع صلة الطالب بماضيه القومي. ووصل الخلاف إلى الصحف، كنت أتخذ من تدريس الأدب العربي وتاريخه منفذاً لتدريس السياسة، وعلى سبيل المثال كنت أدرس موضوع كان وأخواتها على اعتبار أنها مجموعة الدول الامبريالية التي تحتل بلاد شعوب أخرى (هي الجمل الإسمية) لاستغلالها فترفع من يتقرب إليها وتسميه باسمها، وتنصب على المشانق من يجافيها ويقاومها ويبتعد عنها، وذلك تعبيراً عن أن كان وأخواتها تدخل على الجملة الإسمية فترفع المبتدأ وتنصب الخبر.”

“وأما إن وأخواتها فكنت أقدمها للطلاب على اعتبار أنها حركات التحرر التي تثور على المستعمرين وتطردهم فتنصب على المشانق المبتدأ الذي يتعاون مع الاستعمار وترفع الذين اضطهدم الاستعمار تعبيراً عن أن وأخواتها تنصب المبتدأ وترفع الخبر. واستطعت خلال فترة عملي كمدرس أن أقيم مع طلابي علاقة ود وصداقة مكنتني من أنفتح معهم وأحدثهم بكل الموضوعات بصراحة ووضوح.”

ويقول هذا المناضل الكبير: “أنه في أثناء فترة اعتقالي سئلت إن كنت أرغب بالتخلي عن الجنسية الإسرائيلية فأجبت بأننا نناضل من أجل إرجاع اللاجئين، فكيف سأعمل على زيادتهم واحداً آخر. وعندئذ شتمني أحد المحققين وقال: يا ابن الكلب، وانهال عليّ ضرباً. وتمت إدانتي بإقامة تنظيم معاد لإسرائيل، وفرضوا علي أقصى عقوبة أن تفرض وهي السجن مدة عشر سنوات. وكانت وسائل التعذيب جسدية ونفسية.”

ومن المعروف بأن المناضل الكبير صالح برانسي هو أحد مؤسسي حركة الأرض وكان عدد مؤسسي حركة الأرض يزيد عن الخمسين ضمت عدداً من الكتاب والشعراء والمثقفين وذلك عام 1958 التي رفضت إسرائيل تسجيلها واعتبرتها خارجة عن القانون وحظرت نشاطها. ورفعنا دعوى إلى محكمة العدل العليا التي وقفت بدورها ضدنا وحظرت نشاطنا بحجة أنه حسب الدستور المقدم للحركة واضح بأننا لا نعترف بقيام دولة إسرائيل. وكانت هذه الحجة بسبب فقرة ضمن دستور حركة الأرض تنص على أن الشعب العربي الفلسطيني هو صاحب الحق الأول في تقرير مصيره ونحن جزء لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني، وأن أي حل يرتضيه الشعب الفلسطيني يجب أن لا يتعارض مع الأماني العليا للأمة العربية. وعندما ناقشت المحكمة الإسرائيلية العليا سألوا : لماذا الشعب الفلسطيني يملك الحق الأول في تقرير مصيره؟ ولماذا لم تذكروا الشعب اليهودي فهو أيضاً موجود بفلسطين وله الحق في تقرير مصيره؟.

وعلى هذا ولأننا لم نذكر الشعب اليهودي، اعتبروا بأننا لا نعترف بوجود دولة إسرائيل وأنه طالما أننا لا نعترف بها فمن حق السلطات عدم تسجيل الحركة ومنع نشاطها. وفعلاً تم الرفض.

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.