إيلان بابيه صهيوني: بين أسد لم يوقع والميادين التي وَقَعت ووقَّعت، الحلقة الثالثة، د. عادل سمارة

ليست مشكلة المستشرق بل تهافت التوابع

ملاحظة:

شكراً لكل من شارك النقاش وربما الجدل سواء بالنقد أو الاختلاف او الاتفاق. وأرجو أن أوضح بأن نقدي ل إيلان بابيه لا يستثني أهمية أن نبحث عن متضامنين، مع ضرورة الأخذ بالاعتبار أربعة عوامل:

1) إن كان يهوديا أن لا يعيش في فلسطين؛

2) أن لا ننظر لأي متضامن كإله او قائد يقودنا؛

3) عدم نسيان أو إغفال أن مشروعنا هو التحرير مما يجعل تقييم المتضامنين مُقاساً عليه؛

4) تطور صعود محور المقاومة حاسم في تمكيننا رد القضية إلى تحرير 48 وليس الاستدوال في 1967.

■ ■ ■

هناك قضايا لا تستوجب معالجتها ذكر اسماء متعلقة بها، سواء لأن الأهم وضوح القضية أو لأن بعض المتعلقين بها مجرد تلامذة أغبياء أو كسالى أو مستدخلي الهزيمة أو حتى اسوأ.

ذلك لأنك تجد بين الفينة والأخرى فلسطيني او عربي، تحت قناع مثقف، يُنبئنا بانه عثر على نبيِ يهودي يدعم الفلسطينيين. يا للدهشة طبعاً، فتقرأ ما بين السطور ، أو حتى السطور، لتجد هذا نبي صهيوني! فاين يكمن الخلل؟

كي لا أُطيل عليكم/ن، سأمر على بعض ما قاله إيلان بابيه دون ذكر اسم هذا/ه التابع أو ذاك.

“دُهش الذي جَهِلَ”  حين سمع أو قرأ بعض ما قاله إيلان بابيه فدبَّج مقالات، بل تراتيل المديح والإطراء.

يقول أحدهم على لسان إيلان بابيه:

“… هناك مصطلحات تسمح بتكريس وجود القضية الفلسطينية على خارطة السياسة العالمية، وهي: مصطلح الاستعمار الاستيطاني (settler colonialism)، ومصطلح الفصل العنصري (apartheid)، ومصطلح التطهير العرقي (ethnic cleansing). كما يشدّد بابيه على ضرورة جعل هذه المصطلحات لغة شائعة بين الأكاديميين الذين يدرسون الصراع العربي الإسرائيلي، وعلى أهمية أن تتحول هذه المفاهيم إلى مصطلح «الاستعمار الاستيطاني» لتمييز ظاهرة إسرائيل عن الاستعمار بمعناه التقليدي الذي نعرفه (أي ذلك الممتد على طول سنوات القرن السادس عشر حتى القرن التاسع عشر). ويرى بابيه أن الفارق الأساسي بين الاستعمار والاستعمار الاستيطاني، يكمن في كون الأول قد بدأ كحركةٍ تسعى لاستغلال السكان الأصليين والاستفادة منهم اقتصادياً واستراتيجياً وسياسياً، لكن هؤلاء المستعمرين حاولوا بالمقابل «إفادة» السكان الأصليين عبر نشر ثقافتهم وتطوير بعض جوانب حياتهم (كالتعليم وبناء المؤسسات، إلخ). أما الاستعمار الاستيطاني فلا مصلحة له مع السكان الأصليين، هو لا يريد استغلالهم، بل يريد إخفاءهم والتخلص منهم نهائياً.”.

غريب!، هل هذا اكتشاف جديد؟ هل بقي امرىء في العالم لم يعرف الفارق بين الاستعمار الاقتصادي العسكري غير الاستيطاني وبين الاستعمار الاستيطاني؟ بل هل هناك أكاديمي لا يعرف الفارق بين استعمار استيطاني واستعمار استغلالي، بل حتى بينهما وبين التبادل اللامتكافىء؟

يؤلمك بل يدعوك للتقيؤ هذا العجز عن بذل جهد للقراءة، وتلك “الجرأة” الخرقاء على كتابة “جمل مُضرَّة”.

ربما كانت المقالة التأسيسية ل أرجيري إيمانويل “الاستعمار الاستيطاني الرأسمالي الأبيض”

“White-Settler Colonialism and the Myth of Investment Imperialism.” New Left Review, Vol. I, No. 73(May-June): 35-57. (Orig. in French as “Le colonialisme des “poor-whites” et le mythe de l’impérialisme d’investisement” in L’Homme et la société, No. 22, 1971; also in Emmanuel 1985, Ch. 1, pp. 1–43, including a debate with Suzanne de Brunhoff.)

كمقالة مركزية في كشف طبيعة المستوطنات الراسمالية البيضاء  أي: الولايات المتحدة، كندا، استراليا، نيوزيلندا وجنوب إفريقيا وإسرائيل. لكنه أخفق في تشخيص الكيان الصهيوني  حيث كتب:

“…وفيما يخص إسرائيل، يُنسى غالباً إنه إذا كان هذا البلد يمثل رأس حربة للإمبريالية في الوضع الخاص والمحدد لسياق التناحر ما بين القوتين العظميين، فإن هذا نظرا لظروف خاصة. إن طبيعتها الحقيقية هي ان تكون كتلة صغيرة من المستوطنين “البيض” تتمدد أكثر فأكثر لاستعمار منطقة متخلفة”.

Arghiri Emmanuel, White Settler Colonialism and the Myth of Investment Imperialism, in New Left Review, no 73, 1972.

هذا ناهيك عن كثير من الكتابات عن التطهير العرقي، والفصل العنصري، التي ينصحنا بابيه باستخدامها وكأنها من إبداعاته أو كأنه أول من إطلع عليها فقرر شرحها لنا! بل الأكثر دقة أن الرجل وجد كسالى بيننا لا يقرؤون، ولكن يكتبون! وهذه ثالثة الأثافي.

لكن الرجل ليس ساذجاً، ولا يلعب مجرد دور معلم الابتدائي ابداً، بل هو يستدرج الذهنيات الكسولة ليوصلها “مضبوعة- من دور الضبع في إفقاد الإنسان عقله والسير وراء الضبع إلى حتفه” إلى ما يريد، وتدريجيا، أو كما يلاعب القط فأراً تحت السيطرة.

في التالي يصل إيلان بابيه إلى بعض ما يريد وهو ان الزمن غادر طرد الجيل الثالث من المستوطنين من فلسطين:

“…عدم طرد الجيل الثالث (الجزائر) فقد علّمنا التاريخ أنه إذا لم يتم طرد الجيل الأول من المستوطنين، سيأتي وقتٌ نجد فيه أنفسنا مضطرين للتعايش مع الجيل الثالث منهم. وهذا ما حصل في جنوب أفريقيا، وفي غيرها من المجتمعات الشبيهة”.

بهذا يصل بابيه إلى وجوب ان نتعايش مع المستوطنين. فقد أُسدل الستار على تحرير الأرض كي تبقى بيد المحتل الاستيطاني. وكما فعل كثير من الفلسطينيين الذين استسلموا للقدر الاستيطاني بمديح الدولة الواحدة مع بقاء المستوطنين على ما تربعوا عليه، يصل معهم إلى هناك إيلان بابيه، وهو مسلح بأن طرد الجيل الثالث مستحيل. ولنلاحظ بأنه لا يتحدث لا عن التحرير ولا عن الخروج ولا عن الرحيل كي يجعل موقف الفلسطينيين صعبا ومُداناً.

بينما يصل يهودي آخر، غير صهيوني بالطبع إلى ما لم يجرؤ على الوصول إليه الكثير من “الفلسطينيين” فقد كتب ألفين روزنفيلد  Alvin Rosenfeld:

“… لا يُبقي هذا سوى حلا واقعيا واحداً: هو التفكيك التام للمستعمَرة، وإنهاء الاقتلاع والتجريد من الأرض الذي تم عام 1948. إن الطريق الوحيد لإنجاز هذا هو بتقديم/توفير حوافز للجيل الحالي والأجيال القادمة من الصهاينة بأن يستوطنوا مجددا في أي مكان، وإزالة الأسس الغربية لهذا الاستيطان: العسكرية، الإيديولوجية والدعم الاقتصادي الذي يُديمها”.

المصدر:

The Root Cause of the Never-Ending Conflict in Palestine; and How to Fix It
Posted: 08/04/2014 8:28 pm EDT Updated: 08/07/2014 9:59 am EDT

Editor’s note: The author is a retired sociologist from the University of Amsterdam and a Jewish-Dutch World War II survivor. He does not consider the latter relevant to his view on this topic, but we found it pertinent to include.
“Anti-Zionism, in fact, is the form that much of today’s anti¬-Semitism takes.” ~ Alvin Rosenfeld

 لا ندري إن كان روزنفيلد يقصد بالجيل الحالي الجيل الثالث الذي يتفذلك عنه بابيه أم يقصد مجمل المستوطنين، إنما المهم فهو يقدم حلا يقوم على بل ضد ما حصل بمعنى أن من استطاع ان يأتي بوسعه ان يرحل أو إن بوسع من استجلبه أن يُعيد تسفيره مجدداً. كأنه يقول “تسفيرهم بدل ترانسفيرنا”. لا شك أن المطبعين سيقتلوا هذا الرجل إن تمكنوا!! وهنا أُضيف بأن أكثر من اعتاد المنافي والتنقل هو اليهودي، وهذا يجعل رحيله أمراً طبيعياً. وعليه، لا يكون الحل لا قتلا ولا رميا في البحر.

لعل استخدام الكاتب مصطلح “التفكيك” يوفر بعض الضوء للعميان أو المتعامين الذين ما أن التقطوا كلمة تفكيك حتى صرخوا: “الله أكبر- يوريكا-كلمة ارخميدس- وجدتها- زاعمين أن من يستخدم هذه المفردة هو مطبِّع”.

هذا إلى ان يصل حواريو إيلان بابيه إلى القول على لسانه طبعاً:

“… المصطلح الأخير الذي يتحتم علينا الاعتياد على استخدامه في أثناء الحديث عن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بحسب بابيه، هو مصطلح التطهير العرقي. فمن المتعارف عليه أن أي عملية طرد لمجموعة من الأشخاص على أساس هويتهم هو جريمة ضد الإنسانية. لكن، في إسرائيل، تلازمت عمليات الطرد هذه مع القتل في مراحل عدّة، ما أدى إلى تزاوج سياسات التطهير العرقي بممارسات أقرب ما تكون إلى الإبادة الجماعية…في ختام محاضرته، خلص المؤرخ بابيه إلى أنه «إذا لم نتحرك اليوم لتغيير الواقع، فإن إسرائيل ستتمكن في عام ٢٠٢٠ بمساعدة المجتمع الدولي طبعاً، من ابتلاع دولة فلسطين التاريخية كاملة، وسيخضع الفلسطينيون فيها لمزيد من سياسات الفصل العنصري والتطهير العرقي بشكل يومي”.

ناقشنا “التطهير العرقي سابقاً”، ولننظر كيف يستسلم التابع ذهنيا لسيده فيستخدم ما أراد السيد إيصال التابع إليه في مثال استخدام “الصراع الفلسطيني الإسرائيلي” بدل الصراع العربي الصهيوني. وهذه مسالة مركزية من جانبنا ومن جانب العدو لأن أهم ما يطمح إليه العدو هو فك فلسطين عن عمقها العربي لأنه يدرك بأن المشروع العروبي وحده في مرحلة المقاومة هو المؤهل للتحرير. لذا نجد الصهاينة من التروتسكيين، فالسوفييت وحتى الحاخامات يستشيطون غضباً من مجرد ذكر المسالة القومية العربية ويغلف التروتسكيون موقفهم الصهيوني بزعم أنهم ضد القومية بالمطلق، في حين أنهم اساساً ضد القومية العربية “حماية” للكيان الصهيوني. والحقيقة أن هناك كثير من القُطْريين الفلسطينيين الذين يثرثرون عن كون الصراع “فلسطيني-إسرائيلي” وهم ذاهبون إلى تصغيره ليصبح بين “الفلسطينيين وآل الحسيني” كما كتبت عام 1991 في مجلة كنعان.

ويُنهي مسوِّقو أفكار بابيه بتخويف الفلسطينيين بأن الكيان بمساعدة المجتمع الدولي سوف يبتلع كامل فلسطين التاريخية عام 2020 .

أما هذه فهي فزَّاعة فارغة لأن الكيان ابتلع بقية فلسطين منذ عام 1967 وحولها إلى “دولة لكل مستوطنيها”. وفي هذا السياق الخبيث يتعاطى العدو مع مختلف ما تسمى “مبادرات، مقترحات، صرخات” بكل الخفَّة الممكنة كمادة للتسلية الدبلوماسية ولعل آخر تسلية هي ما تسمى “الدولة الواحدة” التي حط فيها إيلان بابيه  رحاله الفكرية (انظر لاحقا).

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.