وماذا بعد؟ إبراهيم الأمين

هي اللحظة التي ينتهي فيها الاحساس بالالم. الخدر، هو ما يفترض ان يصيب كل شيء فينا مع هؤلاء الاوباش الحاكمين، من اعلى فوق الى اسفل تحت، ومن على الجانبين وما بينهما. هذه المرة، وجب توجيه الاتهام الى الجميع. الجميع من دون استثناء أحد. الجميع الذين يرتكبون، والجميع الذين يشاركون، والجميع الذين يوافقون بصوت مرتفع أو بالهمس، والجميع الذين يصمتون عن الجريمة المستمرة.

هو اتهام الناس بأطيافهم وطوائفهم وعقائدهم وميولهم وأذواقهم. هو اتهام الجمهور البائس، البليد، المتورط في لعبة قتله المتكاثرة جيلا بعد جيل. هو اتهام البسطاء من الناس للمتعلمين والمتفكرين في أحوالهم. هؤلاء الذين لا يجيدون شيئاً، حتى النق لا يعرفون له أصولاً. هو اتهام للمتحزبين منهم سعياً نحو أفضل لا يقومون بشيء من أجله، وهو اتهام المحايدين منهم، فتستل ارواحهم منهم وهم لا يصرخون. وهو اتهام المهاجرين منهم، الذين يجيدون البكاء فلا يسمع أنينهم، سوى أب وأم لا يعرفون ما الذي اقترفته ايديهم عندما أنجبا وربّيا وعلّما من اكتمل عقده راكضاً خلف حلم في آخر الدنيا.
هو اتهام لمن يصنفون أنفسهم في خانة النخب. يسافرون ويجلسون في مقاه يحلمون بوطن مشابه. تسكنهم الدونية الكاملة، قبل أن تحولهم الى عملاء تافهين، مرتزقة، أنذال، يعودون الينا فصلاً بعد فصل، ليقرأوا علينا مزامير أهل القتل والسلب الذين يطلقون عليهم اسم: العالم المتحضر!
هو اتهام لمن لا يرف له جفن، وهو يرتاح الى جيل التافهين، المنتشرين على مواقع التباغض الاجتماعي، والمتنقلين بين شاشة واخرى، يتلون علينا ما كتب لهم، مرفقاً ببضعة دولارات نتنة. هو اتهام للجهلة الذين يستولون على الكتب والنصوص وخشبة المسرح واللحن الموسيقي والمسجد والكنيسة والنادي والمدرسة والمستشفى والجامعة.
هو اتهام للكسلة الفاشلين، الذين يرسلون أهاليهم يسترضون زعيماً قذراً يوظفه في مؤسسة رسمية، فيتحول الفاشل الى حاكم، يأمر وينفذ ويسرق ويقتل ويزور باسم النظام العام. هؤلاء الكسلة الذين احتلوا خلال ثلاثة عقود كل مراكز الدولة، من أعلى الهرم الى أسفله، بعدما احتلوا الشوارع والساحات بقوة النار والدم. وهؤلاء الذين أنجبوا جيلاً أكثر قذارة من ذويهم، نراهم اليوم ينتشرون في كل الامكنة، بسياراتهم الفارهة، والبستهم التي تخفي أجسادهم، وكل أشيائهم التي لايعرفون استخدامها. والذين يلحق بهم جيش من الحرس المنتمين الى أسلاك الدولة لخدمتهم، لأنهم أبناء السلالات الهابطة علينا كقدر لا مفر منه.

هو اتهام مباشر لكلّ من تبوّأ منصباً رسمياً منذ اعلان «استقلال لبنان»

وهو اتهام مباشر لكلّ من تبوّأ منصباً رسمياً منذ الاعلان عما سمّوه «استقلال لبنان»، من رؤساء للجمهورية والمجالس النيابية والحكومات والاحزاب والجمعيات والمجالس القضائية والدستورية والبلدية والاهلية والاندية الرياضية والمجتمعية، الى اعضاء هذه المؤسسات التي تسمى تارة حكومات أو مجالس نيابية أو مؤسسات أو مجالس إدارات وغير ذلك..
هو اتهام لكل من يظن نفسه حراً، لأنه يعيش في اقتصاد حر، لكنه يمثل الفوضى بعينها. هو السارق لا أكثر، الذي يدمر الدولة حتى يسرقها ثم يسرق الناس بحجة أن القطاع الخاص البديل، وهو يمثل أعلى مراتب الجريمة، عندما يقدم لنا التعليم المتخلف، والطعام الفاسد، والطبابة الناقصة، والدواء المزور، وكل أنواع الموت الذي يحتل المياه والهواء وما بقي من أخضر تجتاحه أسنان القتلة باسم العمران أو الإعمار.
هو اتهام لكل المؤسسات الدينية ورجال الدين والعاملين في خدمتهم، هؤلاء الذين لم يتوقفوا عن سرقة العباد باسم الاله. ولا يتوقفون عن التخريب والتحريض العنصري، وتعميق الجهل باسم الحقيقة الالهية. ولا يتوقفون عن ابتزاز الناس وسلب قلوبهم وعقولهم، باسم الآخرة التي ستعوض عليهم إن هم قبلوا إذلال أنفسهم لحاكم متسلط سارق قاهر ومجرم. لهؤلاء الذين يعملون بفرح عند السلطان. يفتون بما يمد في عمره. لا يقفون عند كلمة أو قانون، يقولون الشيء وعكسه. يحللون ويحرمون ما يناسب حاكماً قذراً يعطيهم القليل من الذهب. ثم ينصرف هؤلاء الى خزائنهم المختفية خلف أسوار الصروح، يمنعون أحداً من الاقتراب منها أو السؤال عنها بحجة أنهم حصلوا على العصمة من ملكهم الأكبر. وأن الله بعث بهم ليكونوا هكذا، وليستمروا هكذا بلا حسيب أو رقيب.
هو اتهام اكثر وضوحاً، لمن هم اليوم في سدة المسؤولية، باسم الطوائف والمذاهب والطبقات والريف والمدينة والصناعة والتجارة والعلم والحرية والسيادة والاستقلال. هو اتهام لكل من يدافع عن مجرمين بحجة الخوف على وحدة وهمية، أو لخدمة أولويات صارت هي كل حياتنا وكل تعبنا.
هو اتهام مباشر لمن يمسـك اليوم بالبلاد باسم توزع طائفي مقيت، كُرّس كما في كل مرة بانتخابات، لا ينفع معها شكل قانون ولا نظام اقتراع.
هو اتهام مباشر لمن ينطق اليوم باسم المسيحيين. من رئيس للجمهورية، لا يريد أن يدرك أن البحث عن حقوق طائفة إنما هو عودة بالبلاد الى ما كنا عليه قبل خمسين سنة. فلا الصلاحيات المطلقة، ولا الدعم الذي توفر يومها من كل العالم نفع في تغيير وقائع التاريخ الواضح والقاسي في حقيقته. وما محاولات اليوم، والمستندة الى تعبئة طائفية مقيتة، يتعاون في بثها التيار الوطني الحر والكتائب والقوات اللبنانية وما تبقى من قوى سياسية الى جانب شخصيات وجمعيات، بينها المتعاون مع الاميركيين وحتى مع الاسرائيليين، كل ذلك لن ينفع في تغيير الوقائع. وبدل البحث عن شراكة حقيقية، يجري العمل على شراكة وهمية، لن تنتج سوى المزيد من الحقد والتعصب والكراهية، وستنتهي الى يوم يرفع المسلمون فيه شعار «العداد» لتنكشف الامور على ما هو أقسى من كل ما عرفه المسيحيون خلال نصف قرن. وكل الشعارات القائمة اليوم تحت إصلاح وتغيير، لا تعدو كونها محاولات موضعية، تنتهي الى الانخراط في لعبة المحاصصة التي قامت منذ زمن طويل، والتي عرف اللبنانيون أبشع صورها خلال السنوات الاخيرة من الحرب الاهلية ثم في سنوات ما سُمّي زوراً «السلم الاهلي».
هو اتهام لكل قادتهم، وفي حالة هؤلاء، ليس هناك ما يؤشر الى نتائج إيجابية. لا العلاقة بالاقليم تغيرت عمّا كانت عليه سابقاً. والناس مسؤولة بقدر كبير عن المبايعة المستمرة لقوى لم تأت على المسيحيين الا بالحرب والقهر والهجرة. وهو ليس حال الموارنة فقط، بل حال الاقليات التي لا تعرف النجاة من امراض لبنان، كما هي حال الارثوذكس الذين تنقلهم الكنيسة الى حرب لبنانية ـــــ عربية. حرب بين مجموعة ترفض الولاء لكنيسة قرارها في سوريا ومجموعة لا تزال تعتقد أن «اللبنانية» هي آخر الحياة…
أما حال السنّة، فالاتهام سيكون أكثر وضوحاً الى من لا يزال يتعلق بسياسات كئيبة لم تكن نتيجتها سوى ضمور التأثير والموقع والموقف. والانقسام بين قوى وزعامات لا تجيد الحفاظ على شيء. لا على ميراث شخصي ولا على ميراث سياسي. فينتقل آل الحريري من مرحلة الاستثمار العام من خارج لبنان الى مرحلة البحث عن حصة في ما تبقى من هذه الدولة المسخ. وهو حال غالبية معارضيهم، الذين يسترضون الخارج بحثاً عن دور لا مجال لقيامه من دون عناصر محلية حقيقية. وهم لا يعرفون الربح، ولا يجيدون الخسارة. وعلى أهل لبنان تحمّل ما يفترضونه هزائم في الاقليم والعالم. وكأن علينا تحمل مرارة فشل دولة الإسلام الوهابي في الخليج، وسقوط دولة الثورة الوهابية مع أسامة بن لادن وأولاده وأحفاده، وسقوط الثورات المموّهة كما هو حاصل مع الإخوان المسلمين في مصر وتونس وليبيا وسوريا. وبقية القيادات السنية في لبنان، خصوصاً أولئك الذين يجمعون الاموال باسم دور القطاع الخاص، تراهم غير قادرين على رفع الصوت، وكيف يفعلون، وهم جزء من الكارثة التي تحل بالبلاد والعباد.

هو اتهام لكل من يظن نفسه حراً، لأنه يعيش في اقتصاد حر

وهو اتهام في حالة الشيعة الى كل من ينطق باسمهم اليوم. والاتهام الاقسى لهم، أن انتقامهم من الاهمال والفقر والحرمان في العقود الماضية حولهم الى هباشين وقطاع طرق، وهو اتهام يجب أن يقبله الكبار قبل الصغار، ليس لأن في ذلك إهانة لهم، بل لأن واقع الحال اليوم كارثي الى أبعد الحدود. ولأن الاتهام حقيقي، فهو موجه الى كل من ينطق اليوم باسمهم، في مرجعياتهم الدينية أو السياسية والحزبية والاقتصادية ورجال الاعمال والحزبيين، وكل من يعمل في الشأنين العام والخاص، وصولاً الى قارئي العزاء.
هو اتهام لهم، لأن من استفاد من الدخول الى الدولة خلال ثلاثة عقود، ليسوا حتى اللحظة سوى أقلية، أقلية تعمل بكل طاقتها، بكل أفرادها، أبناءً وإخوة وأصهرة وأبناء عم وأصدقاء حي أو قرية، أو بقايا هياكل حزبية أتى عليها الدهر، وهؤلاء، صاروا لا يقبلون الشراكة في شيء. اليوم، يتصرفون على أساس أن قدر الناس في أيديهم، يقررون من يجب أن يتعلم ومن يجب أن يتوظف ومن يجب أن يسترزق، ومن يجب أن يرحل، ثم يلحقون بالهارب منهم الى آخر الدنيا، ويعرضونه لأبشع انواع الابتزاز، فيصير عليهم الاختيار بين الوقوع أسرى معادلات مقرفة، أو عدم العودة الى البلاد. وصار هؤلاء يضربون كل أسس في دولة يجب ان تقوم لأجلهم هم قبل غيرهم. صاروا يتصرفون على أساس أن منافسة بقية أمراء الطوائف، تكون من خلال مشاركتهم في الاستيلاء على ما كل وصلت اليه أيمانهم، وهذه حقيقة قاسية، سواء اعترف القوم بذلك أو رفضوا الاعتراف. وفي الانتخابات النيابية الاخيرة، كان التصويت عنوان الاحتجاج. حركة أمل فازت بنسبة من الاصوات لا تعود كلها لها، وهي تعرف أن نصف هؤلاء من الموظفين والمنتفعين، وقسم آخر وفّره حزب الله من أجل وحدة الموقف السياسي للشيعة. أما حزب الله، فهو مستمر في صرف رصيد المقاومة، والتضحيات الهائلة. حتى قواعدهم لم تكن مقتنعة بغالبية المرشحين، وصار لزاماً على السيد حسن أن يخرج شخصياً ليصرف من رصيده الشخصي أيضاً، لأجل إقناع هذا أو ذاك بضرورة الالتزام بالتصويت حفاظاً على بقية الشهداء بين الأحياء. لكن الحال لا يقف ولا يستوي عند هذا الحد، وإن كان الصمت اليوم وسيلة للاحتجاج السلبي، فسوف يكون في المرحلة المقبلة صوتاً مدوياً قد يخرج عن إطاره.
وهو اتهام لمن يرقد فوق صدور الدروز بحجة الحفاظ على خصوصية أقلية لم يعد لها أثر في هذا العالم. هو اتهام لجمهور وقيادات لا تزال تخدم عند نفس الزعيم وسلالته، مسرورة الى حدّ الموت بألم التبعية والقهر. ممنوع عليها النقاش لا الاعتراض. وهو اتهام لقادة لا أحد يعرف كيف لا يزال بمقدورهم السيطرة على جماعة برغم صغر حجمها، بحجة أن الموروث الاجتماعي أقوى من كل قوانين الطبيعة والتطور في الحياة. وهو اتهام الى من يستمر في لعبة الموت يومياً، والالتحاق بخارج، أي خارج، من أجل حفظ امتيازات ومصالح اقتصادية باتت تعيش على موت الآخرين من الرعية الصاغرة المنتشية بالتعذيب والقهر اليومي الذي يصيبها.
هو اتهام لكل الآخرين أيضاً، من معارضين بهدلوا صفة المعارضة بكل الطرق. بينهم الانتهازي الذي يهتم فقط بالوصول الى الموقع والى السلطة. وبين هؤلاء احزاب وجماعات كثيرة. هو اتهام لليسار الذي أصابه عمى الألوان. أفراده توزعوا بحثاً عن حياة أفضل في مضارب الجمعيات والاطر التي تصبّ في غالبها في مصلحة الغرب الكريه. ومجموعاته تبكي على الأطلال، ولا تعرف إلا استعادة أرشيف لونه أصفر وكله غبار. وجيله الجديد تعلم رفع الصوت للصراخ فقط. وانتهى رافعاً صورة تشي على صدره بينما تحتل علامة ماكدونالد ظهره. وهو يسار لا يجيد العلم ولا قراءة متغيرات البلاد والمنطقة، ولديه عقدة التميز من دون أن يمتلك حس المبادرة.
هو اتهام لكل من يهرب الى منظمات الحقد التي تسمى المجتمع المدني، متخلفاً عن إعادة بناء أحزاب وحركات تليق بقضايا الناس. وهؤلاء الذين يريدون أن يحتلوا الشاشات والصفحات الاولى في الصحف، وينجبون المواقع الالكترونية كمثل تكاثر الجراد. ولا يعرفون من الدنيا الا ما يقرره لهم الغرب من تصورات وشعارات وطرق عيش غريبة عن كل شيء تعرفوا عليه في حياتهم، منذ ولدوا وعاشوا في هذه البلاد، وصاروا عنصريين، لا يقبلون بأي آخر الى جانبهم. أصوليون أكثر تخلّفاً من الاصولية الدينية التكفيرية. ممنوع عندهم أن يكون للمرء خياره وذوقه المخالفان لهم. يريدون أن يكون لهم أحياؤهم ومقاهيهم وأماكن ترفيه خاصة بهم، كما هي حال المدارس والجامعات والمستشفيات. تعلموا كل العادات الكريهة لحديثي النعمة، لكنهم يعتقدون أن العلم الذي تلقّوه يكفي ليحجب مأساتهم الكبيرة..
هو اتهام جماعي لكل من يظل صامتاً ولا يبصق يومياً بوجه هؤلاء، أينما التقى بهم، وأينما صادفهم، وأينما حلّ واياهم. وهو اتهام لمن يبقى مقتنعاً بوهم كبير، اسمه هذا البلد المسخ.
ليس لنا أمل، ولو كان قسرياً على الآخرين، سوى أن تستعيد سوريا عافيتها، وأن نساعدها على ذلك كي تختصر الوقت، وكي نحاول بناء دولة هناك قادرة على ضمّنا رغماً عنا، وعندها ليرحل المعترضون!

:::::

“الأخبار”

 _________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.