قراءة في كتاب: الرأسمالية السلطوية في عصر ترامب و«تويتر» الديماغوجية الرقمية، تأليف: كريستيان فوكس* ترجمة وعرض:نضال إبراهيم

تسببت تغريدات دونالد ترامب في إثارة نوبة جنون عالمية مرتبطة ب«هاشتاجات» تصف وسائل الإعلام، بأنها سلبية، وأخبارها زائفة ومضللة يجد مؤلف هذا العمل، أن ترامب الشهير بظهوره على برنامج تلفزيون الواقع، ونشره تغريدات على «تويتر»، يستخدم كرئيس الثقافة الرقمية والترفيهية كسلاح إيديولوجي، وكتعبير عن سلطته . يحلل الكتاب الأساليب الترامبية، التي تعزز الرأسمالية السلطوية الجديدة.

يتعمق هذا الكتاب في هياكل سياسية اقتصادية جديدة تم التعبير عنها؛ من خلال التواصل السياسي؛ لشرح صعود الرأسمالية السلطوية والقومية والإيديولوجية اليمينية في جميع أنحاء العالم. يقوم كريستيان فوكس بهذا من خلال تحديث النظرية الماركسية، ونظرية مدرسة فرانكفورت النقدية. وهو يعيد تنشيط الأعمال المتعلقة بالتسلط من فرانز ل.نيومان، ثيودور و.أدورنو، إريك فروم، هربرت ماركوز، ماكس هوركهايمر، فيلهلم رايش، ليو لوينثال وكلاوس ثيليويت في عصر ترامب و«تويتر».

في عصر البيانات الضخمة ووسائل الإعلام الاجتماعية، تدرس «الديماغوجية الرقمية» تعبيرات الإيديولوجية والقومية والسلطوية في الوقت الراهن، وتناقش آفاق التغلب على الرأسمالية، وتجديد اليسار. و«الدوغمائية أو الغوغائية تعني مجموعة من الأساليب والخطابات والمناورات والحيل السياسية التي يلجأ إليها السياسيون في مواسم الانتخابات؛ لإغراء الشعب أو الجماهير بوعود كاذبة أو خداعة؛ وذلك ظاهرياً من أجل مصلحة الشعب، وعملياً من أجل الوصول إلى الحكم، معتمدين على مخاوف وتوقعات الجمهور المسبقة، عادة عن طريق الخطابات والدعاية الحماسية، مستخدمين المواضيع القومية والشعبية؛ لاستثارة عواطف الجماهير».
ويتضمن جدول محتويات الكتاب الصادر عن دار «بلوتو برس» في 336 صفحة من القطع المتوسط، سبعة فصول؛ هي التالي: المقدمة؛ الإيديولوجية والقومية والفاشية؛ استبدادية الجناح اليميني والرأسمالية السلطوية؛ الترامبوية: دونالد ترامب والنزعة الرأسمالية السلطوية؛ الترامبية: إيديولوجية دونالد ترامب؛ ترامب و«تويتر»: الإيديولوجية الرأسمالية على مواقع التواصل الاجتماعي؛ الخلاصة: الرأسمالية التواصلية الاستبدادية وبدائلها.

سياسات مضطربة

يرى الكاتب أننا نعيش في أزمنة سياسية مضطربة؛ حيث إن تكثيف الأزمات أدى إلى ظهور الرأسمالية الاستبدادية، ويستشهد في مقدمته بما علقته منظمة العفو الدولية في 2017 على الرسائل الإشكالية، التي كان ترامب يوجهها للأمريكيين، وعموم العالم، قائلة: «شهد 2016 فكرة المصير الإنساني والمساواة، الفكرة ذاتها لعائلة إنسانية، وهي تأتي تتعرّض لهجمة قاسية وعنيفة من الروايات السلطوية للملامة، والخوف، وجعل أحدهم كبش فداء، ومما سرّع وتيرة هذه الأحداث هم هؤلاء الذي سعوا إلى استلام زمام السلطة أو التعلق بها تقريباً بأي ثمن.. يجسّد خطاب حملة ترامب الشنيع توجهاً عالمياً نحو سياسة أكثر انقسامية وأكثر غضباً. في أنحاء العالم، راهن السياسيون والقادة أنّ سلطتهم المستقبلية قائمة على روايات الخوف والتفكك، موجهين اللوم إلى«الآخر»؛ لأجل المظالم المصطنعة أو الحقيقية للعملية الانتخابية».
يقول الكاتب: «نعيش في زمن الأزمات الاقتصادية والحروب المعقدة والصراعات السياسية الشديدة. يستغل الديماغوجيون من أقصى اليمين هذه المشاكل والمخاوف. فهم يصرفون الانتباه عن الأسباب المجتمعية والسياسية والاقتصادية المعقدة للأزمات، ويصنعون أكباش فداء، ويدعون إلى القومية، وسياسة القانون والنظام».
ويضيف: «يذكرنا انتشار القوميات الجديدة والسياسات السلطوية بالماضي. ويكمن الخطر في أن التاريخ قد يعيد نفسه. في حين أن هناك خطراً من الانحدار إلى الماضي، نجد أننا في الوقت نفسه نشهد ظهور تكنولوجيات جديدة؛ مثل وسائل التواصل الاجتماعي، وتحليل البيانات الضخمة، وإنترنت الأشياء، والحوسبة السحابية، والتقنيات الذكية، وغيرها، مّا يبشّر بولادة عصر جديد».
دائماً ما يرتبط القديم والجديد بطرق معقدة في الوقت الحاضر بحسب المؤلف، الذي يجد أيضاً أن «السلطة الاستبدادية اليمينية تحتفل بنجاحات جديدة، ويتم نقلها من خلال أشكال جديدة، مثل وسائل التواصل الاجتماعي. فنجد مثلاً دونالد ترامب يستخدم أداتي تواصل إحداها عبر برنامج تلفزيون الواقع المعروف باسم (The Apprentice)، والثانية على موقع التواصل الاجتماعي (Twitter) وهو كرئيس نموذج أولي لكيفية توصيل الإيديولوجيات القديمة عبر وسائل الإعلام الجديدة، وكيف تتخذ هذه الإيديولوجيات أشكالاً جديدة في عصر الإنترنت».

الرأسمالية الاستبدادية

يحاول الكتاب صياغة أسس نظرية نقدية معاصرة حول التسلطية اليمينية والرأسمالية الاستبدادية، ويطرح العديد من الأسئلة؛ مثل: ما الرأسمالية الاستبدادية؟ كيف يتم التواصل مع الرأسمالية الاستبدادية من خلال وسائل التواصل الاجتماعي؟. وللقيام بذلك، يقوم الكاتب بتحديث النظرية النقدية عن الاستبدادية لمدرسة فرانكفورت، والتي تعتمد على أعمال مفكرين في مدرسة فرانكفورت مثل: فرانز إل.نيومان، وثيودور و.أدورنو، وإريك فروم، وهيربرت ماركوس، وماكس هوركهايمر، وليو لوينتال. ويدرس كيفية عمل النظام السلطوي اليميني، وكيفية تواصله على منصات التواصل الاجتماعي مثل موقعي «تويتر» و«فيسبوك» الشهيرين على وجه الخصوص.
يعطي الفصل الثاني مقدمة لمفاهيم الإيديولوجية والقومية والفاشية من منظور نظرية النقد. ويقدم الفصل الثالث إطاراً نظرياً لفهم السلطوية اليمينية والرأسمالية الاستبدادية. ويحلل الفصلان الرابع والخامس القوة الاقتصادية وقوة الدولة والقوة الإيديولوجية في عصر دونالد ترامب بمساعدة النظرية النقدية. وهي تطبق النهج النظري النقدي للمفكرين مثل فرانز ل. نيومان، ثيودور دبليو أدورنو، وإيريك فروم.
ونقف عند الفصل الرابع الذي يركز على جوانب الاقتصاد السياسي للترامبوية (Trumpism) والدولانية الاستبدادية أو سيطرة الدولة على نحو استبدادي، ويحلل التغيرات التي طرأت على الرأسمالية الأمريكية، والتي أدت إلى القلق السياسي والديماغوجوي، الذي أدى إلى ظهور رئيس مثل دونالد ترامب. ويلفت الفصل الانتباه إلى أهمية نظرية الدولة؛ لفهم ترامب؛ وتغيير السياسة التي قد يحققها حكمه. 
فيما يتعلق بكيفية احتمالية تغيّر الرأسمالية تحت قيادة ترامب، يقول الكاتب: «نحتاج إلى فهم أفضل لإمبراطورية ترامب الاقتصادية. فوفقاً لقائمة فوربس لأغنى أثرياء العالم، احتل ترامب في 2016 الرقم 324، مع ثروة تقدّر ب 4.5 مليار دولار. على العموم، قياس الحجم الدقيق لثروة ترامب كانت محل جدل»، مضيفاً: «إلا أن منظمة ترامب تبني، وتستملك، وتشغل العقارات، والأبراج، وناطحات السحاب، والفنادق، وملاعب الجولف، والملاهي الليلية، والأبراج السكنية، والمنتجعات الفاخرة والفارهة. كما يملك ترامب شركة«ترامب للإنتاج ذ.م.م»، التي تنتج برنامج تلفزيون الواقع«The Apprentice» الذي ظل ترامب نجمه من 2004 حتى 2015».
ويؤكد الكاتب أن العلاقة المتغيرة بين الدولة والرأسمالية هي بعد مهم في تحليل ترامب. قائلاً: «الرأسمالية الحكومية في حالة ترامب تعني أنه لدرجة معينة تتفاعل الدولة والرأسمالية على شكل رأسماليين تحولوا إلى سياسيين مثل دونالد ترامب، وريكس تيلرسون، وستيفن منوتشين، ويلبر روس وبيتسي ديفوس».

الإيديولوجية الترامبية

ويركز الفصل الخامس على الإيديولوجية الترامبية (Trumpology). ويتحدث فيه الكاتب عن هذه الإيديولوجية قائلاً: «هذه الترامبية تلعب دوراً مهماً ليس فقط في استراتيجيات العمل والعلامة التجارية لدى دونالد ترامب، ولكن أيضاً في صعوده السياسي. لقد ساعدت وسائل الإعلام الكبرى (الزائفة) الحاسمة في صنع ترامب والترامبية؛ من خلال توفير منصات للمناظرات الشعبية، التي تبيع الأخبار وتجتذب الجماهير».
ويؤكد أنه «من خلال نشر ترامب لأخبار في وسائل الإعلام، تصنع وسائل الإعلام ترامب بالمقابل. مع تحليل تجريبي لخطاب ترامب والخطابات الإقصائية في برنامجه على تلفزيون الواقع نجده يدعم تحليل الترامبية. الجمع بين قوة ترامب الفعلية وترامب كمشهد ومهندس وعلامة تجارية يجعل سياسات حكومته الملموسة غير قابلة للتنبؤ. 
وفي سياق العلاقة الإعلامية مع ترامب يقول: «لا يمكن للترامبية أن تتواجد ببساطة بسبب فرد واحد. مثل أي إيديولوجية، إنها تتطلب الهيمنة. إنها تتطلب أولئك الذين يعجبون بترامب كعلامة تجارية وكزعيم، كما أنها تتطلب الرؤية العامة. الترامبية تحتاج ترامب كمشهد أو موضوع إعلامي. والمشهد الترامبي لديه بعدان. فمن جانب يفهم ترامب جيداً كيف يطرح نفسه كمشهد فضائحي؛ لكي يجذب الاهتمام العام. ومن جانب آخر، يحتاج الإعلام شخصاً مثل ترامب لأجل تقديم موضوع يجذب أكبر نسبة من الجماهير. هناك دافع ربح على الجانبين في مشاهد الترامبية؛ إذ إن أحد الجانبين يبحث عن فرص الإعلانات والتسويق والعلاقات العامة؛ لكي يكون قادراً على تحقيق مبيعات أكبر لسلسلة من البضائع ذات العلامات التجارية. أما الجانب الآخر يبحث عن المحتوى الذي يجذب جمهوراً عريضاً، وبموجبه يستطيع أن يبيع الفضاء الإعلاني على نحو أوسع».

تأطير النظام السلطوي

يحلل الفصل السادس كيفية استخدام دونالد ترامب «تويتر» لإيصال الإيديولوجية السلطوية. ويستخدم المؤلف النظرية النقدية للشخصية الاستبدادية نظرياً لتأطير النظام السلطوي اليميني، ويشترك في هذا الغرض مع أعمال فيلهلم رايش، وإريك فروم، وثيودور دبليو أدورنو. 
ويحدد الفصل القيادة الهرمية، والقومية، وصديق/‏‏عدو النظام، والنظام الأبوي العسكري كأربعة عناصر رئيسية من الاستبداد اليميني. وباستخدام إطار النظرية هذا، يقدم الكتاب تحليلاً نقدياً لسياقات تغريدات بلغت 1815 تغريدة نشرها دونالد ترامب في الفترة بين يوليو/‏‏تموز 2016 ويناير/‏‏كانون الثاني2017. ويقدم الفصل نظرة ثاقبة حول كيفية عمل النظام السلطوي اليميني على منصات وسائل الإعلام الاجتماعية مثل «تويتر».
ومما يقوله الكاتب في هذا الشأن: «تسمح النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت بتفسير وفهم استخدام تويتر السلطوي من قبل ترامب. لغة ترامب شعبوية، عدوانية، هجومية، وبروليتارية، وهذا الأسلوب يسمح له بالظهور كشاب رائع؛ حيث يكون في القمة، لكن في الوقت ذاته يكون من الناس البسطاء. ويقدم نفسه كقائد أشبه بذئب منفرد يقاتل وحده النخب السياسية».
ويستخلص الكاتب بعض الاستنتاجات في الفصل السابع، مشيراً إلى أن الأمل العملي الوحيد للتواصل السياسي هو الكفاح لأجل الأشكال الديكالكتيكية للتواصل السياسي التي من شأنها أن تقدّم المكان والزمان؛ لمناقشة تعقيد العالم ونشره إعلامياً. ويرى أنه بالنسبة لمجتمع يشهد ازدهاراً ويرغب في تجنب السلطوية والفاشية، فعلى البشر فيه بالضرورة أن يتعاملوا مع بعضهم بطريقة إنسانية واجتماعية. الإنسانية الاشتراكية هي الوصفة والسلاح ضد الفاشية والترياق لها أيضاً.

نبذة عن الكاتب

* كريستيان فوكس منظّر نقدي رائد في التواصل والمجتمع؛ وهو أستاذ في جامعة وستمنستر، محرر مشارك في مجلة الوصول المفتوح «ترايبل سي: كوميونيكيشن»، الرأسمالية والنقد، له مؤلفات عدة؛ من بينها: وسائل التواصل الاجتماعي: مقدمة نقدية (2017)؛ النظرية الاجتماعية في عصر المعلومات (2008)؛ أسس الدراسات الإعلامية والمعلوماتية الحرجة (2011)؛ العمالة الرقمية وكارل ماركس (2014)؛ وسائل التواصل الاجتماعي: مقدمة نقدية (2014)؛ احتلوا الإعلام! حركة احتلال وسائل التواصل الاجتماعي في رأسمالية الأزمة (2014)؛ الثقافة والاقتصاد في عصر وسائل التواصل الاجتماعي (2015)؛ قراءة ماركس في عصر المعلومات: منظور دراسات الإعلام والاتصال على رأس المال 1 (2016)؛ النظرية النقدية للاتصال: قراءات جديدة من لوكاتش، أدورنو، ماركوس هونث وهابرماس في عصر الإنترنت جامعة وستمنستر (2016).

:::::

“الخليج”

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.