الصحة تجارة مُرْبِحة، الطاهر المعز

تقديم:

تحتوي “نشرة الإقتصاد السياسي” الأسبوعية التي يَنْشُرُها موقع “كنعان”، وبعض المواقع الصديقة الأخرى، بابًا شبه قار عن قطاع الصحة تحت عنوان “الصّحة تجارة مُرْبِحَة”، لأن الرأسمالية في عصر الإمبريالية وحَقَبَة العَوْلَمَة، حَوَّلت القطاعات الأساسية (الزراعة والغذاء) والخدمات الضرورية (التعليم والصحة…) إلى قطاعات اقتصادية تستهدف خفض الإنفاق وزيادة الأرباح، لكن قفرة “الصحة” (في نشرة الإقتصاد السياسي) لا تُثِير ردود فعل (خلافًا لفقرات وأبواب أخرى)، رغم العدد الهام (نسبيا) من الأطباء وموظفي الصحة، ممن أعرفُهُم وتَصِلُهم النشرة باستمرار، ولا تُثير ردود فعل من المواطنين، الذين يحتلّون موقع “المفعول به” في برامج الخصخصة وتحويل قطاع الصحة إلى قطاع اقتصادي مُرْبِح أي انتقائي، بإشراف وإدارة القطاع الإستثماري الخاص…

دفَعَتْنِي هذه الأسباب، وغيرها، لتجميع بعض البيانات، وبعض الفقرات التي التي كَتَبْتُها للنشرة، ولكني احتفظْتُ بها، وألغَيْتُها من النسخ النهائية للنشرة، تَجَنُّبًا للإطالة، ولذلك أعدَدْتُ هذه الورقة المُسْتَقِلّة عن قطاع الصّحة، لإطلاق نقاش أو رُدُود فعل، أو لتكون هذه الورقة مُنْطَلَقًا (أو مواصلة) للتفكير في مُستقبل صحّتنا، في ظل حُكومات (وأنظِمَة) تخضع لشروط الرأسمالية الليبرالية المُعَوْلَمَة، وفي ظل مُصادرة البنك العالمي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية (وهي أدوات أنشأتها وتُدِيرها الدول الرأسمالية المتطورة) للقرار المُستقل للدول المُسْتَدِينة (في حال كانت الحكومات ترغب في أن يكون لها قرار مُسْتَقِل)، وفي ظل خضوع جميع القطاعات (الفلاحة والصناعة والخدمات) لرأس المال الخاص، وفي ظل “تَسْلِيع” الصحة، أي تحويل صحة البشر وسلامة المُحيط، إلى سِلْعَة، تَقِلُّ بشأنها المُنافَسَة…   

 

نظرة عامة:

برَعَتْ شركات المُختبَرات والعقاقير في تغْليف الحَملات الإشهارية التجارية، بغلاف “الوقاية” أو “التّثقيف الصّحّي” للجمهور، كما تَملأُ هذه الشركات متعددة الجنسية الفراغ الذي تتركه الحكومات والقطاع العام، لتحتكر تنظيم ندوات ومؤتمرات تأهيل الأطباء وموظفي قطاع الصّحّة، وهي فُرْصَة للتَّحكُّمِ في عملية التأهيل، وتوجيهها لصالح هذه الشركات الإحتكارية، وهي كذلك فُرصة للإشهار وترويج بعض أنواع الأدوية والتّجْهيزات، وترويج الإيديولوجيا الرأسمالية الليبرالية في مجال صحة البشر، وكل ما يتعلق بالغذاء، وبظروف العيش ومحيط الإنسان، وهي تؤثر بشكل هام في صحة الإنسان، ويجب أن تكون منطلقا لابتكار أدوية محلية، وطُرُق علاج تتلاءم مع المحيط، ووسائل وقاية، وإنتاج خطاب (للوقاية ولترويج ثقافة صحِّية أساسية) مختلف عن أوروبا وأمريكا، من أجل “مخاطبة القوم بما يفهمون”، بهدف تحقيق أكبر قدر من النجاعة…

بَيّنت وثائق “فارما بيبرز” (Pharma Papers ) حقيقة العلاقات بين السلطة السياسية الحاكمة في البلدان الرأسمالية المتطورة، ومختبرات الأدوية التي تحولت من شركات تُنْتِج “سلعة” مُوجَّهَة لخدمة صحّة الأشخاص والمجتمع، وتحقيق “قدر معقول من الأرباح” (بعد خصخصة قطاع التحاليل المَخْبَرية، وإنتاج الأدوية)، إلى شركات رأسمالية متعددة الجنسية، لا هَدَفَ لها سوى زيادة الأرباح، مثل أي شركة أخرى، تُنْتِج الأحذية أو الأغذية أو الأجهزة الإلكترونية أو الدبّابات، وترافق هذا التحول مع ارتفاع مُشط في أسعار الأدْوِية، وتحوّل الحق في الرّعاية الصّحّية إلى “امتياز” يقتصر على الأثرياء والمَيْسُورِين، وارتفعت في نفس الوقت حصة هذه الشركات (التي لا تُسدد ضرائب أو تُسَدِّدُ نسبة ضئيلة من أرباحها الضخمة) من المال العام، ومن أموال المنتسبين لمؤسسات التأمين الإجتماعي والصّحّي، واستفادت من برامج البنك العالمي، لتعميم نظام “المظلّة الصّحّية” (أي استفادة المُعْوزِين من الحد الأدنى للوقاية والعلاج) من المال العام (وليس من أرباح شركات الأدوية والمَصَحّات الخاصّة) بشرط استفادة القطاع الصّحّي الخاص (أي تحويل الدولة أو نظام التأمين العمومي، أموال الأُجراء إلى القطاع الصّحّي الخاص)، وفَرَض البنك العالمي وصندوق النقد الدّولي هذه البرامج في الدول الفقيرة، بالتوازي مع اشتراط خصخصة القطاع الصحي، بعد تَرْكِهِ مُهْمَلاً، بدون استثمارات ولا إصلاحات، لعدّة عُقُود، وتزامنت هذه البرامج (صُدْفَةً؟) مع ارتفاع قيمة أسهم شركات صناعة العقاقير والتجهيزات الطبية، في أسواق المال (نيويورك ولندن وباريس وفرنكفورت…)، وبلغت أرباح الشركات الكُبْرى المُعولمة (شركات الأدوية) تريليون دولارا، خلال ثمانية عشر سنة، منذ بداية القرن الواحد والعشرين، ووَزّعت الشركات نحو 90% من قيمة الأَرْباح على أصحاب الأسهم، واستثمرت ال10% المُتبقّية، مع تسديد مبالغ صغيرة جدًّا لإدارات الضرائب، وقُدّرت قيمة الضرائب التي لا تُسَددها الشركات العشرة الأولى (الأكْبَر) في هذا القطاع، بنحو أربعة مليارات دولارا سنويا، في البلدان المُصَنّعَة فقط، بينما انخفض عدد العاملين المُثَبّتِين في هذه الشركات، وورد في التقرير السنوي لمنظمة الصحة العالمية، بمناسبة اليوم العالمي للسّرطان 2019 (الرابع من شباط/فبراير من كل سنة)، إن 18,1 مليون حالة سرطان جديدة تظهر سنويا في العالم وإن المرض يسبب حالة وفاة واحدة من بين كل ست وفيات، أي نحو 9,6 مليون حالة وفاة سنويًّا، رغم تَطَوّر الطّب الوقائي والعلاج، لكن شركات المختبرات والعقاقير تحتكر إنتاج علاج بعض أنواع السرطان (سرطان الدّم على سبيل المثال)، ورفعت شركة أمريكية سعر إحدى الأدوية الخاصة بنوع من سرطان الدّم، خمسة آلاف ضِعْف، مرة واحدة، دون نسيان التفاوت الكبير بين الدول الصناعية المتطورة والدول الفقيرة، في الحصول على العلاج…  

 

المال قوام الأعمال:

نشر الكاتب والصّحافي الإيرلندي “كلود كوكبورن”، سنة 2014، نتائج تحقيق بشأن تأثير المال في “أخلاقيات” المُستثمرين في قطاعات حسّاسة، مثل الصّحة (الأدْوية والتحاليل…)، وطالب الكاتب بضرورة حماية بعض القطاعات من تأثير المال الذي يقبضه رجال الأعمال ومديرو الشركات والمسؤولون السياسيون، على شكل رشاوى، لأن الرشوة قرينة التّحايل على القوانين، والفساد والتهريب، وغيرها من الظّواهر التي تُناقض الشعارات المُعْلَنَة لرأس المال (حرية الأسواق وعدم التّدَخّل في تحديد الأسعار…)، كما أشار الكاتب إلى انخفاض عدد الإكتشافات الجديدة، وبدل الإستثمار في مجال البحث العلمي، وإنتاج أدوية حقيقية، تُشْفِي المَرضى، ورخيصة الثّمن، تُعرقل هذه الشركات أي إنتاج جديد، يخرج عن مُخططاتها، أو يهدد بانخفاض أرباحها، وما فَتِئَت تنتشر أخبار الفساد في شركات قطاع المُخْتَبَرات والعقاقير، وأخبار الصّفَقات المَشْبُوهة مع الحكومات وأنْظِمَة التأمين الصّحّي، بهدف إدْراج إنتاجها (الأدْوِية واللقاحات)، ضِمْن الأدوية التي يعترف بها النظام الصحي (أي استرجاع المريض ثمنها من مؤسسات التأمين الصحي)، ولا تهتم هذه الشركات بحقوق المريض أو المواطن (المُسْتَهْلِك أو الزَّبُون في لغة هذه الشركات)، مما يُعتبَرُ غِشًّا واحتيالاً، والتفافًا على قواعد الرّأسمالية نفسها، التي تدّعي وجود “المنافسة الشّرِيفة” في الإقتصاد الرأسمالي (خلافًا لاحتكار الدّولة، وسيطرة القطاع العام، أو التّعاونيات التّشارُكية)، وأثْبَتَت تحقيقات عديدة، إشراف هذه الشركات على السوق الموازية للأدْوِيَة، في عدد من بلدان إفريقيا وآسيا، وأمريكا الجنوبية والوُسْطى، رغم ادعاء بياناتها “التنديد بتهريب الأدوية”، وبتسويقها في ظروف غير صحية، وتعدّدت الشكاوى والتحقيقات في دول أوروبا وأمريكا الشمالية بشأن شبهات الفساد والرشوة والإحتيال، ضد أكبر الشركات العالمية للمختبرات وإنتاج العقاقير، ومن بينها “فايزر” (أمريكية المَنْشَأ)، وهي أكبر شركة دواء في العالم، وشركات “ميرك” و”باكستر” و”بريستول – مايرز سكويب” و”إلي ليلي” و “أسْتْرازْنِيكا” و”سميث آند نيفيو”، وغيرها، وفَضّلت هذه الشركات التفاوض مع السلطة القضائية، من أجل “تَسْوِية” تتمثل في تسديد غرامات مرتفعة، لتفادِي المحاكمات التي قد تُشوّه سُمْعتها التجارية، وعمومًا لم تنقطع نفس هذه الشركات عن إنتاج الفساد وإعادة إنتاجه، بل واصَلت نفس الأسلوب، ربما بمزيد من التّكتّم، لأن الفَساد وإرْشاء الموظفين السامين وأعضاء الحُكومات، جُزْءٌ من قوانين الرأسمالية، من أجل الهيمنة على الأسواق، ونشرت الصّحف البريطانية مُؤَخّرًا، أخبارًا عن تَوَرُّط شركة الأدوية البريطانية “غالاكسو سميث كلاين” ( تفوق عائداتها السنوية 42 مليار دولارا)، في عملية إرشاء موظفين وأعضاء حكومات في الصين وبولندا والعراق والأردن ولبنان، وفي سوريا (زَمَن الحرب)، وفي بلدان أخرى في إفريقيا وأمريكا الجنوبية وآسيا، وتهدف الرشاوى لتيْسِير تمرير صفقات منتجات طبية غير مطلوبة، أو غير ضرورية، أو أعلى ثمنًا من منتجات الشركات الأخرى… كما واجَهت شركة “نوفارتيس” السّويسرية، منذ سنة 2000، قضايا فساد ورشوة في الولايات المتحدة والصين وكوريا الجنوبية، وسدّدت غرامات بقيمة تزيد على مليار دولار، لتسوية قضايا الفساد، وتُواجِهُ الشركة تحقيقات قضائية في اليونان (وفي بلدان أخرى) بتهم الفساد والرشوة والإحتيال، ويُحقق وفد برلماني يوناني في رشوة “نوفارتيس” لآلاف الأطباء لكي يَصِفُوا لزبائنهم عقاقيرها مرتفعة الثمن (مقارنة بأسعار نفس الأدْوِية من إنتاج شركات أخرى)، حين كانت البلاد تُعاني من ارتفاع الدّيون، ومن انخفاض دخل الفرد، ومن صعوبة شراء الأدوية، وقُدِّرت خسائر التأمين الصحي اليوناني، لصالح “نوفارتيس”، بنحو ثلاثة مليارات يورو، وتوظف الشّركة 124 ألف عامل في جميع أنحاء العالم ، لكنها أعلنت تسْرِيح حوالي 2700 موظف في أوروبا (من إجمالي 13 ألف موظف)، ونقل وظائف (حوالي 700) من أوروبا إلى مناطق تنخفض فيها الرواتب (إيرلندا حيث المَقر الرسمي، والهند وماليزيا والمكسيك وجمهورية التشيك…)، وارتفعت أسهم الشركة في أسواق المال حال إعلان خبر التّسْرِيح، كما يتوقع بيع وحدة مختصة في أمراض العيون، تابعة لمجموعة “نوفارتيس”، وتسريح عُمالها، وتظاهر النقابيون والعمال يوم 24/ََ12/2018 في مدينة “بازل” السويسرية، احتجاجًا على هذه القرارات المُفاجئة، وكانت أرباح الشركة قد ارتفعت خلال سنة 2017، بنسبة 15%، وبلغت 7,7 مليار دولارا، وأعلنت إدارة شركة “نوفارتيس” إنها تستهدف زيادة نسبة الأرباح إلى 35% (وهي النسبة التي تعتبرها الشركات الأمريكية “مقبولة”) وذلك عبر تشغيل مصانعها بكامل طاقتها، وعبر الإنتقال من الإنتاج على نطاق واسع إلى إنتاج أكثر تخصصًا…

 

الإستحواذ والإندماج، من أجْل تَعْظِيم الأرباح:

كانت شركات المُختَبَرات (البحث العلمي والتحاليل الطبية) والعقاقير حاضرة بقوة في كافة دَوْرات مُلتقى مُنْتَجَع “دافوس” في سويسرا، وهو مُلتقى للأثرياء والشركات العابرة للقارات، وانطلقت دورة 2019 يوم الثلاثاء 22 كانون الثاني/يناير 2019، لدراسة أفْضَل الوسائل لتكديس الأرباح واستغلال الفُقراء ونَهْبِ ثروات البلدان “النّامية”، مع تلويث المُحيط وتسريح العُمّال (حوالي 1,2 مليون عامل في الإتحاد الأوروبي، بين 2010 و 2017) وتَعْمِيم الوظائف الهَشّة، والعمل الوقتي وبدوام جُزئي وبرواتب منخفضة، وزيادة حجم ونسبة البطالة، حيث انخفض حجم عمال الشركات الكبرى المثبّتين بنسبة 20%، وارتفع عدد العمال بعقود هشّة وبرواتب متدنِّية في البلدان الفقيرة (لحساب نفس هذه الشركات) بنحو 2,4%، بالتوازي مع زيادة أرباح الشركات الكبرى المُدْرَجة في أسواق المال (ومن بينها شركات الأدوية)، بما لا يقل عن 10% سنويا، بين 2010 و 2017، فارتفعت أرباح أصحاب الأسهم بنحو 44% وارتفعت رواتب ومِنَح وحوافز المُدِيرين التّنْفِيذِيِّين للشركات الكبرى بنحو 32%، وخفضت الحكومات قيمة الضرائب على أرباح الشركات الكبرى بنسبة لا تقل عن 6,4% في المتوسّط…

تُمَثِّلُ شركات المختبرات وصناعة العقاقير نموذجًا لتضخم حجم الشركات الكُبْرى (بشكل عام) واستحواذها على الشركات الأَصْغَر، مع مضاعفة الأرباح واحتكار سوق الدواء، أي التحكم في “سوق” صحة البشر، وأصبح الإستثمار في شركات الأدوية استثمارًا آمنا للحصول على أرباح بمليارات اليورو أو الدولارات، يُعاد توزيعها على المساهمين، وأصبحت شركات الدّواء من أكبر الشركات المُدْرَجَة في سوق “وول ستريت” (سوق نيويورك المالية)، إلى جانب شركات النفط أو شركات صناعة السيارات، وتعتمد هذه الشركات الخاصة (قطاع خاص) على المال العام، لتمويل البحث العلمي، وعلى نظام التّأمين الصحي، لتمويل الرعاية الصحية وتسديد ثمن العلاج والأدوية، وأصبحت هذه الشركات تُعدّ القوانين (عبر المستشارين ومجموعات الضغط) التي تسمح لها باحتكار حقوق ملكية الإبتكارات والأدوية، التي كانت مشاعًا، قبل بضعة عُقُود، بالإضافة إلى العدد المُرتفع للأطباء في المجالس النيابية، بشكل يفوق بكثير نسبة الاطباء (والباحثين) في المجتمعات الأوروبية والأمريكية الشمالية…

تشتري الشركات الكبرى للأدوية براءات الإختراع من المختبرات الصغيرة أو من الجامعات، ليس بغرض استخدامها (لأنها لا تعتزم استخدامها)، بل لمنع خفض الأسعار، ومنع اكتشاف أَدْوِية قَدْ تُؤدِّي إلى القضاء نهائيًّا على بعض الأمراض، كما تُحاول الشركات الكُبْرى الإستحواذ على الشركات الصغيرة التي تمكنت من تحقيق اكتشافات طِبِّيّة هامة، أو من تصنيع دواء ضروري، ونادر (لا يخضع للمنافسة) وخصّصت شركة “سيلجين” (  Celgene) الأمريكية تسعة مليارات دولار لشراء شركة “جونو ثيرابيوتكس” المتخصصة في علاج السرطان، خلال شهر كانون الثاني/يناير 2018، لتصبح إحدى أكبر شركات علاج السرطان، وبعد قرابة سنة، أعلنت شركة “بريستول مايرز سكويب” (Bristol-Myers Squibb ) أو “بي إم إس”، إحدى أكبر الشركات الأمريكية للتكنولوجيا الحيوية (وَرَدَ ذكرها في فقرة سابقة بشأن الفساد وتقديم الرّشاوى)، الإستحواذ على 69% من شركة “سيلجين”، مقابل 74 مليار دولارا، وهو مبلغ قياسي يتجاوز قيمة ما سَدّدَتْهُ شركة “تاكيدا” (مُسَجّلة في إيرلندا، من أجل التهرب من الضرائب) لشركة “شاير”، المسجلة في إيرلندا أيضًا، مقابل 51,5 مليار يورو (حوالي 58 مليار دولارا) سنة 2018، لِيتَولِّدَ من هذا الإستحواذ الضّخم، شركة عملاقة لعلاج السرطان، وواحدة من أكبر شركات التكنولوجيا الحيوية في العالم، متخصصة في المستحضرات الصيدلانية البيولوجية المتقدمة لتلبية احتياجات المرضى الذين يعانون من السرطان، والأمراض الالتهابية والمناعة الذاتية والقلب والأوعية الدموية من خلال الأدوية المبتكرة، وشهد قطاع التكنولوجيا الحيوية عددًا من عمليات الإندماج والإستحواذ، خلال السنة 2018، من بينها استحواذ المجموعة الفرنسية العملاقة “سانوفي” على الشركة البلجيكية “أبلينكس” مقابل 3,9 مليارات يورو، وعلى شركة “بيوفيراتيف” (المختصة في علاج “الهيموفيليا”) مقابل 11,6 مليار دولارا، في بداية سنة 2018، كما استحوذت الشركة السويسرية “نوفارتيس”، في أيار/مايو 2018، على شركة “أفيكسيس” المختصة في علاج بعض الأمراض الوراثية النادرة، مقابل 8,7 مليارات دولارا…

تُظْهِر هذه المبالغ الضخمة المُخَصَّصَة لعمليات الإستحواذ، سباقًا محمومًا من الشركات الكبرى، لشراء الشركات الأصغر، بهدف الإستحواذ على الإبتكارات واحتكارها، لتحقيق المزيد من الأرباح، طيلة السنوات القادمة، وأصبحت معظم شركات المختبرات والأدوية تستهدف تحقيق نسبة رِبْح لا تقل عن 35% من سعر البيع بالجملة، وذلك طيلة ما لا يقل عن 15 سنة، قبل أن يُصْبِح الدواء مشاعًا، وللمقارنة يُقدّر معدل الأرباح في القطاعات الصناعية بنسبة تتراوح بين 12% و 17%، باستثناء قطاع الصناعات العسكرية، وقطاع التقنيات ذات القيمة الزائدة المرتفعة، كتكنولوجيا الإتصالات… (وردت معظم بيانات هذه الفقرة في برقيات وكالات رويترز + أ.ف.ب و”أسوشيتد برس”، خلال الأسبوع الأول من كانون الثاني/يناير 2019)

 

أخْلاقوقِيَمرأس المال، أوالرأسمالية ضد الحرية“:

اشترى أحد رجال الأعمال الأمريكيين سنة 2015 الحقوق الحَصْرِية لعقار “درابريم “، المُستخدم لعلاج الملاريا ونقص المناعة (آيدز)، ثم رفع سعر البيع من 13,5 دولارا إلى 750 دولارا، وفي فرنسا، عمدت شركة أخرى إلى بيع دواء “سوفالدي” سنة 2015 (لعلاج التهاب الكبد من نوع ج) مقابل 41 ألف يورو، لكل ثلاثة أشهر، مما جعله حكرًا على بعض الأثرياء، وبلغت أسعار بعض العقاقير الأخرى حوالي نصف مليون يورو، مما يُفَسِّرُ مُضاعفة إيرادات إحدى عشر شركة (هي الأكبر في مجال المختبرات وصناعة العقاقير) بين سنتيْ 1999 و 2017، وارتفاعها بنحو 395 مليار يورو، فيما ارتفعت قيمة أصولها بحوالي تريليون دولارا (نحو 988 مليار دولارا)، وارتفعت حصة الأرباح التي وزعتها سبع شركات على أصحاب الأسهم 3,6 أَضْعاف، لتبلغ 71,5 مليار يورو سنة 2017 لوحدها (أكثر من تريليون يورو طيلة الفترة المذكورة)، فيما ارتفعت قيمة الأرباح الصّافية بنسبة 44%، خلال الفترة 1999 – 2017، لتبلغ 1,019 تريليون يورو، وبدل إعادة استثمارها في البحث عن علاج لبعض الأمراض، وزّعت هذه الشركات 925 مليار يورو على أصحاب الأسهم، وتتمتع هذه الشركات الضّخْمَة بالعديد من الحوافز والإعفاء من الرّسوم والضرائب (ضرائب الشركات تحْتَسَبُ على الأرباح وليس على الإيرادات، خلافًا للأُجَراء)، ومع ذلك، تنقل جزءًا من أموالها إلى الملاذات الضريبية، وتُسجّل مقرّها في هذه الملاذات، أو في إيرلندا، حيث الضرائب منخفضة، وبالقابل فإن رواتب رؤساء ومديرِي شركات قطاع الأدوية هي الأعلى في الولايات المتحدة، مقارنة بشركات القطاعات الأخرى، بفضل المال العام، عبر الدعم الحكومي والحوافز (البحث العلمي وخفض الضرائب) ودعم أنظمة التأمين الصحي، وبفضل الأسعار الباهظة لبعض الأدوية، وشراء ضمائر الحكّام والنّوّاب والأطبّاء… (عن “مرصد الشركات متعددة الجنسية” – أ.ف.ب + رويترز -بتصرف- 22/01/19)…

تشكّل أرباح شركات المختبرات والعقاقير المراكز الثلاثة الأولى لنحو 75% من السوق الأمريكيّة، وتُقَدَّرُ الأرباح السّنوية الصافية لهذه الشركات بنحو 10 مليارات دولار، بحسب صحيفة “وول ستريت جورنال”، وسبق أن أورَدْنا في أحد أعداد “نشرة الإقتصاد السياسي” الأسبوعية، رأي العالم والباحث البريطاني “رتشارد روبرتس”، والحائز على جائزة نوبل في قسم الطب سنة 1993، بشأن الشركات الكُبْرى للمختبرات والعقاقير التي تُعرْقل البحث العلمي، وترفض الإستثمار في الأدوية التي قد تُشْفي من أمراض مُزمنة عديدة” وتُخْضِعُ قطاع الصحة وصناعة الأدوية لقيم السوق الرأسمالية، ولقانون الربح، وكَتَبَ “روب لارسون” مؤلف كتاب “الرأسمالية ضد الحرية” (2018)، في موقع “كاونتر بونش”، مقالاً عن جَشَع شركات الأدْوِيَة، وعن احتكار نتائج البحث العلمي من قِبَل شركات صناعة العقاقير التي رفَعَتْ أسعار الأدوية بشكل يحُدُّ من حصول ملايين المرضى على العلاج اللازم، وعلى سبيل المثال، عمدت شركة “فاليانت” ( Valeant ) الكندية العابرة للحدود، إلى شراء براءات الإختراع واستغلالها، في مجال الأنسولين (حُقَن مرضى السّكّرِي)، لترفع أسعار الحُقن، عدة مرات، وعَمَدَتْ شركة “مايلان” (التي تحتكر إنتاج مجموعة أدوية “إيبيبن”)، إلى شراء حقوق إنتاج “إيبنفرين” سنة 2007 (نوع من الأدرينالين يستخدم في حالات الطوارئ) لتعظيم أرباحها، حيث رفعت سعره من 94 دولارا للعلبة الكاملة الواحدة من الحُقَن إلى 609 دولارا للحُقْنَتَيْن (بزيادة سبعة عشر ضِعْفًا، مع خَفْض عدد الحُقن في كل عُلْبَة بنسبة 80% )، ممَّا أثار حفيظة “الجمعيّة الطبيّة الأمريكيّة” (المُقرّبة من شركات الأدوية)، التي اضطرت إلى اعتبار هذه الأسعار “مُرْتَفعة”، وبَرَّرَتْ صحيفة “وول ستريت جورنال” ارتفاع الأسعار، لكنها اعتبرتها باهظة، وزادت شركة “مايلان” من الإستثمار في الإشهار، ومن تمويل مجموعات الضغط، وعمدت إلى تبرير ارتفاع الأسعار بارتفاع سعر تكْلِفَة تصنيع الحقن، وتُموّل الشركة مجموعات رعاية صحيّة تقوم ظاهرِيًّا أو رَسْمِيًّا بتوعية المواطنين في المدارس والمطارات والملاعب الرياضيّة على كيفية التعامل مع أعراض الحساسية، أما الهدف الحقيقي فهو الترويج لاستعمال حُقَن “إيبيبن”، فيما تمكنت بعضُ مجموعات الضغط التي تُموّلها الشّرِكة إلى التأثير في تشريعات ما لا يقل عن عَشْرِ ولايات أمريكية، باتجاه إجبار المدارس والملاعب والفنادق والمطاعم، وغيرها من المحلات التي يرتادها الجمهور، على توْفِير هذه الحُقَن (التي تنتهي صلوحيتها بعد مدة، فتُجدّد هذه المحلات مخزونها منها، بشكل دَوْرِي)، ونجحت في التأثير على مجلس النواب لإقرار تشريع اتّحادي (فيدرالي، أي في كافة الولايات) لفَرْض تَوْفِير الحُقن في الطائرات التجارية، وأنفقت الشركة بعض المال لكتابة مقالات تمتدح هذا الدّواء من قِبَل علماء وأطباء وباحثين، وحَثَّ هؤلاء الباحثون والأطباء المُرْتزقة الحكومة وشركات التأمين على تسديد ثمن العلاج، بدل المرضى، لتضْمن الشركة ارتفاع الأسعار، أو استقرارها في أسْوإ الحالات، وفْقًا لصحيفة “نيويورك تايمز”، كما مَوّلت الشركة بعض المنظمات غير الحكومية، من أجل إخماد بعض الأصوات المُحْتَجَّة… تُشكِّل مبيعات حُقَن “إيبيبن” نحو 20% من أرباح نشاطات الشركة سنة 2016، ومكّنتها هذه الأرباح من مُضاعفة راتب المديرة التنفيذية والمُدِيرِين الآخرين خلال خمس سنوات (حوالي 300 مليون دولارا)، بالإضافة إلى حوافز وزيادات أخرى موعودة بنهاية 2018، للمُدِيرين، في حال تَمَكّنُوا من مضاعفة حصّة الشركة من السوق…

خلافًا للإعتقاد السّائد حول دَوْر المُنافَسَة في خفض أو استقرار الأسعار، لأن للسوق “يَدًا خَفِيّة” تُعدّل الأسعار، بحسب قانون العَرْضِ والطّلَب، دون حاجة لِتَدَخّل الدّولة أو أي جِهَة رَقابِيّة، وفق “آدم سميث”، تعمد الشركات المتنافسة (التي تُنْتِج أدوية متقاربة أو متماثلة) إلى الإتفاق، فيما بينَها، على سعر مرتفع مُوَحّد، أو تتفق على سعْرٍ أدنى، وكَشَفَ تقرير رسمي ل”مكتب المحاسبة الحكومي” الأمريكي أنّ 20% من شركات الأدوية رفعت الأسعار بنسبة 100% لمرّة واحدة على الأقل بين سَنَتَيْ 2010 و2015، ورفعت “صناديق الاستحقاق الصحيّة النقابية” وصناديق تأمين أخرى، دعاوى ضدّ بعض الشركات، ومن بينها شركة “مايلان” و”إندو” بتهمة “التَّآمر لرفع أسْعار بعض الأدوية ذات الإستخدام الواسع، ومن بينها (ديغوكسين) بنسبة 884% و(دوكسيسايكلين) بنسبة 281,8% خلال ثلاث سنوات”، مما يُلْحق أضرارًا مادية وصحية بالأُسَر التي لا تمتلك تأميناً صحياً، أو تلك التي تُسَدِّدُ الحد الأدنى من اشتراكات التأمين الإجباري…

اضطرت الأحزاب والمنظمات الأمريكية التي تدافع عن حرية السوق وعن تَكَفُّل المنافسة ب”تعديل” الأسعار، للإعتراف “إن المنافسة ليست الحل الأمثل”، فقد اتفقت الشركات على رفع الأسعار، بشكل لا يتماشى مع تكاليف إنتاج الأدوية (كما الحال بشأن العديد من “السلع الإستهلاكية” الأُخرى)، وتَضَرّر المُسْتهلك والمَرِيض، مما يُظْهِر أيضًا أهمية القطاع العام، وعدم خصخصة أي نشاط يتعلق بالصحة وبمصلحة المواطنين بشكل أَشْمَلَ… (وردت هذه المعلومات في حديث ل”روب لارسون” مؤلف كتاب “الرأسمالية ضد الحرية” (2018) + موقع “كاونتر بونش” كانون الأول/ديسمبر 2018)

من جهة أخرى، حصل “رتشارد روبرتس” (عالم وباحث من بريطانيا، ورَد ذِكْرُهُ في فَقْرَة سابقة) على جائزة نوبل للطب سنة 1993، وصرّح سنة 2016  لمجلة (بيجاما سورف): “إن الشركات الكُبْرى للمختبرات والعقاقير تُعرْقل البحث العلمي، وترفض الإستثمار في الأدوية التي قد تُشْفي من أمراض مُزمنة عديدة” وعبر “روبرتس” عن امتعاضه من خضوع قطاع الصحة وصناعة الأدوية لقِيَم السوق الرأسمالية، ولقانون الربح، وشَبّهَ هذا القطاع بشبكات الجريمة المنظّمة (المافيا)، واتّهم شركات المختبرات والعقاقير بأنها تُقَدِّمُ مصالحها الإقتصادية والمالية على الصّحة وعلى مصلحة المَرْضَى، وأعلن إن هذه الشركات تستخدم المال والخبرات لعرقلة البحث العلمي، بهدف توجيه البحوث نحو إطالة عمر المرضى المُصابين بأمراض مُزْمِنَة، وإطالة أمَد علاجهم، عبر استهلاك الأدوية طيلة حياتهم، وبدون انقطاع، بدل العمل على اكتشاف دواء يُساهم في شفائهم، لأن الشفاء من العديد من الأمراض المُزْمِنَة غير مربح، واشترت هذه الشركات عددًا من براءات الإختراع لعقاقير فَعّالة يُمكنها القضاء على بعض الأمراض، ليس بغرض استغلالها، بل لتَتْرُكَها عمدًا في الرّفُوف، ولكي لا تستغلّها أي دولة أو شركة أخرى، ويتمثّلُ هدفُها في تحقيق مزيد من الأرباح، عبر بيع عقاقيرها التي لا تُشْفِي المُصاب (بالأمراض المُزْمِنَة)، ولكنها تُحَسِّنُ حالته وتطيل عمره (وعمر استغلال الشركات للمريض وللتأمين الصّحّي) شرط استهلاك العقاقير بشكل يومي ومستمر، مدى الحياة، ويستَنْتِج الباحث إن هذه الشركات تهتم بما في الجُيوب والحسابات المصرفية للمرضى، بدل الإهتمام بصحتهم، وتمكّنت هذه الشركات (بفعل خَصْخَصَة قطاع البحث العلمي) من اكتشاف وتَسْوِيق العقاقير التي لا تُشْفِي ولكنها تسمح للمصابين بأمراض مزمنة بملاحظة تحسّن صحتهم، شرط عدم التوقف عن استهلاك الدواء، كما يصف العالمُ “رتشارد روبرتس” الزعماء السياسيين وحكام البلدان الرأسمالية المتطورة (بمن فيهم نواب البرلمانات) بأنهم “مجرد موظفين لدى رأس المال الإحتكاري، الذي يُمَوِّلُ حملاتهم الإنتخابية ويوصلهم إلى الحكم ليخدموا مصالحه”، وتُشَكِّلُ شركة “مونسانتو” للصناعات الكيماوية والبذور والمبيدات نموذجًا لهذه الشركات التي تمول حملات النواب في الولايات المتحدة، وعندما يفشل أحد المُرَشّحِين، تشتري غَيْرَه، ممن فازوا…

سبق لنفس الباحث “رتشارد روبرتس” أن أعلن رأيه سنة 2007 (مجلة “فانغوارديا”) بشأن تعامل شركات المختبرات والعقاقير مع المدمنين على المخدرات، فهي ترفض شفاءهم النّهائي، لأنها تخْسَرُهُم كزبائن دائمين… (عن “روسيا اليوم” 25/12/2016)

 

سوق الدّواء العربية:

في نطاق حِرْص الشركات العالمية للأدوية على توسيع السوق وزيادة الأرباح باستمرار، اجتاحت سوق الدواء المسمى “حلال”، الدّول العربية، والمُصنّفة “إسلامية”، وأصبحت الشّركات تُنظّم مؤتمرًا دوليا، تحت مُسمّى “الملتقى العالمي للدواء والمستحضرات الصيدلانية الحلال”، ودارت وقائع المؤتمر الثاني في عاصمة الأردن (عَمّان) في الخامس من كانون الأول/ديسمبر 2018، “لمناقشة مواضيع “تصنيع وتسويق وإدارة ولوجستيات المنتج الطبي الحلال… والإطلاع على آخر المستجدات العلمية في هذا المجال ومقابلة قادة ومحركي السوق على المستويين المحلي والعالمي…”، وفق ما ورد في الإعلان الإشهاري للمؤتمر، برعاية شركات عالمية ومجلات مختصة، تمولها ذات الشركات…  وعلى أي حال فإن الهدف هو دائمًا احتكار السوق وزيادة الأرباح، واعتبار الدواء سلعة تمكّن الشركات (وأصحاب الأسهم) من تحقيق أعلى درجات الربح، خصوصًا في ظل الخصخصة، وانسحاب الدّولة من “تَعْدِيل” الأسعار والسّوق، وعلى سبيل المثال فقد نشرت “جمعية حماية المُستهلك” في لبنان (أواخر 2018) جدولاً بعدد من الأدوية التي يفوق سعرها في لبنان أضعاف سعرها في بلد المنشأ، وبلغ الفارق في بعضها نسبة 763% كما هي الحال بالنسبة لأدوية تخفيف نسبة الدهن في الدم، لمرضى القلب، كما نشر موقع ( Inc ) تقريرا (تشرين الأول/اكتوبر 2016) بأشهر الفضائح التي واجهت بعض الشركات الكبرى العالمية، ومن بينها شركة “ثيرانوس” المتخصصة في تكنولوجيا اختبارات الدم والاختبارات الطبية الأخرى، والتي أشرفت على الإنهيار وإعلان الإفلاس، في بداية سنة 2016، بسبب الإعلان عن منتج مشبوه أو مُخالف للمواصفات التي أعلنت عنها الشركة، وأعلنت الشركة عن تكنولوجيا جديدة وثَوْرِية في مجال اختبارات الدم “سهلة الاستخدام وسريعة النتائج”، ونالت هذه “التكنولوجيا” ترخيصًا أوليا، لكنها تنطوي على مشكلات رئيسية، ومخاطر صحِّيّة، وتعرضت الشركة إلى تدقيق ورقابة وعمليات مُراجعة، مما جعلها مُهددة بالإغلاق، وخسارة تسعة مليارات دولارا، ولكن الهيئات الرقابية كانت “مُتسامحة” وأمهلت الشركة فترةً كافية لتلافي “أخطائها”…  كما تعرضت شركة “مايلان” لإنتاج الأدوية إلى حملة مناهضة (سنة 2015) بسبب عقار “إيبي- بن” ( Epi-pen  )، وهو نظام حقن آلي يزود المريض بجرعة من الإبينيفرين التي تساعده على تفادي الإصابة بصدمة “تأقية”، وقُدِّرت تكلفة الدّواء بنحو ثلاثين دولارا، لكن الشركة كانت تبيعه بمعدل 600 دولارا، ورفعت سعره بنسبة 20% بين سَنَتَيْ 2011 و 2015، لتجْنِي أرباحًا تفوق 300 مليون دولارًا، من هذا الدواء لوحده، خلال الفترة 2011- 2015…

من جهة أخرى تُجبر القوانين الشركات على إجراء اختبارات للعقاقير، قبل مدة من طرحها في الأسواق، وقبل الحُصُول على الترخيص النهائي، وتقوم بتجربتها في بلدان “العالم الثالث”، مما أدى إلى قتل 28 طفل في نيجيريا، قبل أكثر من عشر سنوات، وتستخدم الشركات المرضى في مستشفيات القطاع العام في مصر والهند وغيرها، لمراقبة “التّأثيرات الجانبية” للأدوية، ولكن بعض هذه “التأثيرات الجانبية” يُخلف أضرارًا ليست جانبية بالمَرّة، وقد تُؤَدِّي إلى القتل، وإلى الإعاقة مدى الحياة، وحدثت إحدى المآسي في مصر (سنة 2016، ولكنها ليست الأولى ولا الأخيرة)، عندما كانت شركتان سويسريتان (“نوفارتيس” و”روش”) تستخدمان المصريين لتجريب عقاقير جديدة بدون تسجيل، أي بشكل “عشوائي”، لا يخضع للضوابط، ولا للقواعد المتعارف عليها، في مثل هذه التجارب، أي تجربة أدوية على مرضى مصريين، لم تَنَل الموافقة، لطرحها في الأسواق، لأن التجارب لم تكتمل، وتمثلت تجارب هذه الشركات في مصر أو كولومبيا أو نيجيريا أو الهند، في تقْيِيم “الأعراض الجانبية”، لأدوية الشركتين السويسريتين (وليْستا الوحيدَتَيْن)، عبر “متابعة” بعض المرضى في المستشفيات العمومية المصرية، ولكن الشركتيْن طرَحَتا هذه الأدوية (غير الحائزة على التّرْخيص) بأسواق مصر، وقامت بتجربتها على المرضى المصريين دون علمهم، ودون استشارتهم، وأدّت التجارب إلى حالات وفاة تكتّمت عنها السلطات المصرية، وهدّدت الأطباء الذين قد يُفْشُون “الأسرار”، وظهرت أخبار مثل هذه الحالات القاتلة (في مصر وفي نيجيريا وبنغلادش وغيرها) في مَجلّتَيْن مُخْتَصَّتَيْن، ضمن بحث مُدعم بالعديد من الوثائق…

 

آفاق:

تعمد شركات إنتاج الأدوية إلى إرشاء العُلماء والأطباء والباحثين، وتُمَوِّلُ الحملات الإنتخابية، وتُؤَسِّسُ جمعيات المَرْضَى وتموِّلها لكي تتحكّم بتوجُّهاتها وبرامجها، كما تُمول جمعيات الأطباء (وخصوصًا من ذوي الإختصاصات)، وتنظم شركات الأدوية نحو 25 مؤتمرًا طبِّيًّا سنويّا في كل دولة أوروبية (كعدد متوسط لهذه المؤتمرات)، وتمول أيضًا مجلاّت علمية، أو تخصص مبالغ تُسَدّدُها إلى علماء حقيقيين، لكتابة (أو توقيع) مقالات تمتدح (بشكل مُبَطّن ومَدروس) الأدوية التي تُنْتِجُها، وغير ذلك من الأساليب التي لا تخرج عن قوانين رأس المال (الإستثمار من أجل تحقيق الأرباح)، لكن أرباح هذه الشركات تضخّمت بشكل يتجاوز القطاعات الإقتصادية الأخرى، وهذا ما أثار غضب بعض الجمعيات في أمريكا الشمالية وأوروبا، ومما أثار استنكار بعض مشاهير العُلماء…

يُمَثِّلُ قطاع الصحة نموذجًا لما يحدث عند تطبيق “قانون السوق” على قطاعات حيوية مثل الصحة والتعليم وخدمات المياه والكهرباء وغيرها، لأن طبيعة رأس المال تقتضي البحث عن وسائل لخفض الإنفاق مع زيادة الأرباح، وهو ما حَصَل ويَحْصُل في قطاع المُختبرات والبحث العلمي وإنتاج وتوزيع الأدْوِية، إذْ أصبحت الصّحّة “سِلْعَة”، وليست حَقًّا من حُقُوق الإنسان، ولذلك من حق، بل من واجب المواطنين، في كافة دول العالم، وخاصة في الدّول ذات الدّيُون المُرْتَفِعَة، مُعارضة برامج صندوق النقد الدّولي والبنك العالمي، التي تشترط خصخصة القطاعات الحيوية والخدمات، ومن بينها الصحة، لأن قطاع الصحة (والبحث العلمي) لا يختلف عن الغذاء والإنتاج الزراعي، وكانت بعض البلدان العربية قد اقتربت، خلال العُقُود الماضية، من الإكتفاء الذاتي في مجال الأدوية الأساسية (الأردن والعراق ومصر وسوريا وتونس…)، ولكن شُرُوط الدّيون (أو أحداث أخرى، في العراق وسوريا) اقتضت بيع “الصيدليات المركزية”، وخصخصة إنتاج وتوزيع الدّواء، بالتوازي مع خصخصة قطاع الصحة، والقطاعات الأخرى، لأن هذه الحُكومات لا تُقيم أي وزن لصحة البشر، ولا تُمثّل مصالح مواطني تونس أو مصر أو غيرها، وإنما مصالح الإمبريالية وشركاتها متعددة الجنسية، وهي التي تُمكنهم من الإستيلاء على السّلطة، ومن البقاء في الحكم…

تُمثل “كوبا” (لحدّ الآن) نموذجًا إيجابيًّا، حيث خَصّصَت الدولة موارد مالية (على قِلّتِها) وبشرية و”لوجستية” لتطوير قطاع إنتاج العقاقير، والتجهيزات الطّبِّيّة، والعلاج الطبي، لمختلف الأمراض، بل أصبحت كوبا رائدة في مجال الطب الحَيَوِي، ويقصدها المرضى من كافة مناطق العالم، بغرض “السياحة الصّحية”، لإجراء عمليات جراحية، أو للعلاج في مُسْتشْفياتها العُمومية، وتُرْسِل كوبا آلاف الأطباء، إلى العديد من البلدان التي تتعرض للزلازل وللإعصارات والكوارث الطبيعية الأخرى، كما أرسلت آلاف الأطباء، ضمن بَعَثات واتفاقيات تعاون، إلى عشرات الدول، رغم الحصار الأمريكي والعالمي، المُستمر من أكثر من 55 سنة…

في هولندا، استفاد الباحثون من تجربة كوبا، وعملت بعض المُستشفيات والصيدليات والأطبّاء وبعض المنظمات “غير الحكومية”، بدعم من إدارة التأمين الإجتماعي والصّحي، على إنشاء مؤسسة ذات صبغة “تشارُكِيّة” أو تعاونِيّة لإنتاج ما يسمونه “صناعة عادلة للدواء”، وتتمثل هذه التّجْرِبة في تصنيع دواء “جَنِيس” (مُعادِل) للأدوية مرتفعة الثمن، وأظهرت التجربة نَجاعتها الإقتصادية، واستفادة المَرْضَى ونظام التأمين الإجتماعي من انخفاض سعر الدّواء، ويحاول رُوّاد هذه التجربة، تعميمها في أوروبا، من أجل خلق ميزان قوى ذو وَزْنٍ مُعتبر لدى شركات الأدوية، العابرة للقارات، التي رفعت سعر بعض الأدوية في أوروبا (مثل عقار – CDCA – لعلاج بعض الأمراض الوراثية النّادِرَة ) إلى 500 ضعف، خلال عشر سنوات، ولما تولّى التّجَمّع الهولندي إنتاج بعض هذه الأدوية، انخفض سعر هذا العقار بنحو 75%، ولكن ذراع الشركات (رأس المال) طويلة، في مجتمع رأسمالي ليبرالي، كما في هولندا وأوروبا، مما مَكّن الشركة التي تحتكر صناعة وتجارة هذا العُقار، من تجميد توزيع العُقار البديل، حتى سنة 2027…

أثناء تجميع المادة الأولية لهذه الورَقة، اطلعت على وضع قطاع المُختبرات الطّبية والأدْوِية في بعض البلدان العربية (الجزائر ومصر وسوريا ولبنان والعراق والأردن)، وجميعها كان يسير على طريق الإكتفاء الذاتي من الأدوية الأساسية، ولكن شروط صندوق النقد الدولي والبنك العالمي، وخصخصة القطاع العام، والإحتلال (العراق) والحرب (سوريا)، جعلت هذا القطاع يتراجع، ويكاد يتلاشى، وأصبحت الحكومات تُنْفِقُ مليارات الدولارات لتوريد أدوية، في بلاد تتوفر على أعشاب ومواد يُمكن الإستفادة منها في تصنيع الأدوية، وتُراث عريق في معرفة فوائد الأعشاب والنباتات المَحَلّية، ويمكن الإستفادة منها من أجل تحقيق الإكتفاء الذاتي في هذا القطاع الحَيَوِي، لكن الأنظمة العربية أهملت البحث العلمي، لأنها في جوهرها وفي معظمها (لكي لا نقول كلها) ممثلة لمصالح خارجية، ومعادية للإستقلال السياسي والإقتصادي، ومعادية لمصالح الشُّعُوب، لكن من حق الشعوب، بل من واجبها الدّفاع عن مصالحها، ومُعارضة (وخَلْع) من يخدم مصالح الشركات الأجنبية، لتأسيس أنظمة حُكْمٍ تتولّى (تحت رقابتها) الدفاع عن مصالح أغلبية المواطنين…    

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.