على هامش انتفاضات أمريكا الجنوبية: الإمبريالية في خدمة الدكتاتورية، الطاهر المعز

نشرت المنظمة الأمريكية “هيومن رايتس واتش” (تمويل وزارة الخارجية) تقريرًا عن قمع المظاهرات التي انطلقت في تشرين الأول/اكتوبر 2019، في تشيلي، ضد ارتفاع الأسعار وضد السياسات الإقتصادية الليبرالية، والتي قتلت خلالها الشرطة والجيش ما لا يقل عن 200 متظاهر، خلال شهر واحد، وبلغت حدّة القمع درجة جعلت المواطنين يُشبّهون فترة حُكم الرئيس الملياردير الرجعي “سيباستيان بينييرا” بفترة الحكم العسكري، إثْرَ الإنقلاب على الرئيس “سلفادور إليندي” (11 أيلول/سبتمبر 1973)، وإثر سَحْقِ الجيش للمعارضة، عبر استخدام السلاح والعتاد في الشوارع والساحات، وعبر الإختطافات، والإعتقالات، وغيرها من أساليب القمع، ولم يقع لحد الآن محاسبة أي مسؤول عن هذه الجرائم، بل بقي دستور 1980، ساريًا، وعاد شبح الدكتاتورية العسكرية عندما أعلن الرئيس “بينييرا” حال الطوارئ ومنع التجوال ونشر الجيش في الفضاء العام…

بعد شهر من الإحتجاجات وقتل حوالي مائتي متظاهر وجرح أكثر من ألفين، اقترحت المنظمة الأمريكية “إصلاحات” بشأن إعادة تأهيل فيالق أجهزة القمع، بهدف تغيير ممارساتها الموروثة من الحكم العسكري الدكتاتوري (1973 – 1990)، وهي تُشير بذلك إلى عدم اهتمامها بأسباب الإنتفاضة، بل تحرص على “سُمْعَة” النظام الرجعي، وسُمعة رئيسه الملياردير، وطبقة الأثرياء التي يُمَثِّلُها، فهو وريث الدكتاتورية العسكرية في تشيلي، وتَعتَبِرُ المُنظّمَةُ الأمريكيةُ القَمعَ الوحشيَّ مجرد “تجاوزات” ناتجة عن نقص التدريب والتأهيل لضُبّاط الشرطة، ووجب تدريب هؤلاء الضّبّاط على تغيير أساليبهم، والتدرب على القمع بنجاعة وفعالية، دون لفت النّظر، ودون ترك آثار يستغلها المُعارضون، فيما تقترح منظمات أخرى مشبوهة، تدَّعِي الدفاع عن حقوق الإنسان، “تصميم أدوات وخطط قانونية وإدارية، لتحسين مستويات التنسيق، بين الشرطة والجيش والهيئات والمُؤسسات المحلّية”، وتوريط البلديات ونقابات التّجّار والحِرفِيِّين ومنظمات ما سُمِّيَ “المجتمع المدني” في عمليات الوشاية التي تؤدّي إلى الإعتقالات والقمع، بهدف “السيطرة على الأزمة”، مع التذكير أن “الأزمة” كما سُمِّيت، انطلقت بسبب ارتفاع الأسعار وسوء ظروف المعيشة، واقترحت بعض المنظمات المُقرّبة من الولايات المتحدة ومن الحكومة، زيادة الإنفاق على الإستخبارات المحلية (أي التجسس على المواطنين وجمع المعلومات بهدف تعزيز “الأمن الوقائي”، واعتقال بعض الرّموز، قبل تنفيذ الإحتجاجات والتظاهرات)، وأعلن مسؤولون عن منظمة “الفضاء العام” (إسباسيو بوبليكو) “إن كل إصلاح يجب أن يكون مع الشرطة وليس ضدها”، لتحسين أداء عناصرها، وحصولهم (عناصر الشرطة) مقابل ذلك على حوافز مالية، وترقيات مهنية…

من جهتها قررت حكومة تشيلي اليمينية، إجراء هذه “الإصلاحات” بالتعاون الوثيق مع الدول الإستعمارية الأوروبية (بريطانيا وفرنسا وإسبانيا…)، إضافة إلى الولايات المتحدة، راعية كافة الأنظمة الرجعية في العالم، ونشرت صحيفة “إلموسترادور” التشيلية (27 تشرين الثاني/نوفمبر 2019) ملخص محتوى ندوة صحفية لوكيل وزارة الدّاخلية “رودريغو أوبيلا” الذي عبر عن شُكره للدول الأجنبية، وفي مقدّمتها فرنسا، التي أرسلت مستشارين للمساهمة في تأهيل الشرطة التشيلية، التي تعمل وفق عقيدة موروثة من الحكم العسكري، أما الشرطة الفرنسية، فقد استفادت بدورها من تجربة الشرطة الصهيونية وما يُسمّى “حرس الحدود” التي أرسلت مستشارين (من الشرطة الصهيونية)، ساهموا في “تحسين أداء الشرطة الفرنسية، التي قَمَعَتْ انتفاضة شباب الضواحي الفرنسية الفقيرة، التي دامت ثلاثة أسابيع، خلال تشرين الأول وتشرين الثاني 2005…  

استفادت الشرطة التشيلية من خبرة الشرطة الفرنسية، كما أرسلت الشرطة البريطانية والإسبانية مستشارين إلى تشيلي، مُختصّين في “دراسة وتحليل وإثْراء البروتوكولات والتكتيكات والاستراتيجيات المستخدمة، والإجراءات العملية لتحسين آليات مراقبة النظام العام، والسيطرة على المُحتجّين، عبر نقل الخبرات الأوروبية في مجال القمع الناجع للحركات الإجتماعية”، بحسب وزير الدّاخلية التشيلي “غونزالو بلوميل”، الذي لم يذكر شيئًا عن الدّعم الأمريكي والبرازيلي والكولومبي، وأضاف وكيل الوزارة أن مصرف التنمية للبلدان الأمريكية (تحت هيمنة الولايات المتحدة)، والمصرف الإسلامي للتنمية (تحت هيمنة السعودية)، سوف يُموّلان، المصاريف  المتعلقة بعملية التّأهيل، لمدة سنة واحدة…

 أنشأت الولايات المتحدة سنة 1946 مركزًا لتأهيل وتدريب جيوش وشرطة أمريكا الجنوبية، ثم أصبح المركز يُسمّى، بداية من سنة 1963 “المدرسة العسكرية للأمريكيتيْن”، أي أمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية ( U.S. Army School of the Americas – SOA )، وكانت سُمعة المدرسة سيئة جدًّا لدى الشعوب والمُثَقّفِين، نظرًا لمهامها القمعية، وتغير إسمها ليصبح، سنة 2001 معهد نصف النصف الغربي (لكوكب الأرض) للتعاون الأمني ( Western Hemisphere Institute for Security Cooperation – WHINSEC )، وتخرج منه حوالي ستون ألف عسكري ومدني، تدرّبوا على تقنيات الإختطاف والتعذيب والقتل وقمع الإحتجاجات والحركات الإجتماعية، كما تخرج من المعهد معظم الضباط الذين شاركوا في انقلابات حدثت في 23 دولة بأمريكا الجنوبية، وبمنطقة بحر الكاريبي، بدعم أمريكي، بين منتصف الخمسينات ومنتصف التسعينات من القرن العشرين، بحسب افتتاحية للصحيفة الأمريكية “لوس أنجلس تايمز”، سنة 1995… ولكن إذا كان الدّور الأمريكي في تصميم ودعم الإنقلابات العسكرية والقمع الدموي في أمريكا الجنوبية، معروف نسبيا، فإن دور الدول الأخرى (فرنسا وبريطانيا وإسبانيا) غير معروف لدى العموم…

 سوف نُركِّزُ في الفقرات الموالية على المدرسة الفرنسية للقمع، التي طوّرها ضباط جيش الإحتلال الفرنسي في فيتنام، ثم في الجزائر، ليقع تصديرها فيما بعد إلى العديد من مناطق العالم، وبالأخص إلى دول أمريكا الجنوبية، خلال فترة حُكْم الدّكتاتوريات العسكرية…

فرنسا الإستعمارية تُصدّر الخبرات القمعية:

ابتكر الجيش الفرنسي، خلال فترة استعمار فيتنام، ثم الجزائر “المدرسة المناهضة للتمرد”، أو مُقاومة “العدو الداخلي”، وطور الجيش الفرنسي، بدعم من الباحثين الأكاديميين، خطط “اختراق المجتمع”، وتخريب حاضنة المُقاومة، لعزل جبهة التحرير في فيتنام، ثم في الجزائر، عن الفئات الشعبية التي تحتضن المقاومة، وتدعمها بالأخبار وبالخدمات وغير ذلك مما تحتاجه المقاومة،  وهي خطة استعمارية مناهضة للثورة، تضمنت أيضًا ممارسة التعذيب بشكل منهجي وواسع النطاق في الجزائر، للحصول على المعلومات، ولترويع السكان، ولم يهتم المُثَقّفُون والباحثون بما يعانيه الجزائريون من قمع وتعذيب واضطهاد، أما اليسار الأوروبي والفرنسي (المنتمي للأممية الثانية أو الثالثة) فكان جُزْءًا من الإستعمار، باستثناء بعض الأفراد، من شيوعيين وتقدميين، أوروبيين، أو من بعض العاملين في المراكز الصحية والإجتماعية، وكذلك بعض المسيحيين من تيار مجلة “شهادة مسيحية” ( Témoignage Chrétien ) الذين طاولهم القمع، ودَوَّنوا ما تعرضوا له في بداية 1957، من اعتقال واحتجاز وتعذيب، على أيدي الجيش الفرنسي في الجزائر، في كراسات وقع ترويجها بشكل سري، وعند ذلك فقط، بَدَأَ التنديد المُحْتَشَم بممارسة التعذيب هذه، ولم يكن التعذيب نتيجة تصرفات فردية أو استثنائية، بل نتيجة قرارات علنية، رسمية، من بينها مرسوم مُحافظ ولاية الجزائر، “سيرج باريت”، بتاريخ 07 كانون الثاني/يناير 1957، والمرسوم مُسْتوحى بدوره من “أمر” ( Ordre ) الوزير المُقِيم “روبرت لاكوست”، الشهير بعقيدته الإستعمارية المُتطرّفة، والذي مَكّنَ الجيش، بقيادة الجنرال “ماسو” (أحد دعاة القمع الوحشي)، من سُلُطات استثنائية، ومنحه مسؤولية الحفاظ على الأمن، ونَقْل صلاحيات الشّرطة والإدارة المَدَنية (الإستعمارية) إلى الجيش…

تتجاوز هذه الخطة المسائل الإدارية، بل هي خطة استعمارية قمعية متكاملة، تهدف اجتثاث الثورة الجزائرية، التي انطلقت، كثورة مُسلّحة، في الأول من تشرين الثاني/نوفمبر 1954، وتتضمن الخطة المناهضة للثورة، حظر الإقامة والتجوال على شخص أو مجموعة من الأشخاص، ومنع الإجتماعات وإغلاق المحلات العمومية من مسارح أو مقاهي، وغيرها، وإطلاق يد الجيش الإستعماري لتنفيذ عمليات المداهمة في المنازل وفي أي مكان، بحثًا عن الأشخاص الذين قد يُشكلون خطرًا مُحْتَمَلاً على الأمن العام، أو بحثًا عن السّلاح، وشكلت هذه القرارات مُسوّغًا لكي يُنفذ الجيش الإستعماري سلسلة من عمليات “التطهير”، والقتل، غير المسبوقة في تاريخ الجزائر، وشكل الجيش الفرنسي “فرق الموت” التي ألْقتْ بحوالي ثلاثة آلاف من المعتقلين الجزائريين في البحر بواسطة مروحية، بالإضافة إلى “اختفاء” ما لا يقل عن ثلاثة آلاف آخرين من الجزائريين، من بين 24 ألف معتَقَل، خلال ستة أشهر فقط (النصف الأول من سنة 1957) وتعرض جميع المُعتقلين للتعذيب الوحشي، بإشراف الجنرال “بول أوساريس” (1918 – 2013)، الذي لم تقع محاكمته أو مُحاسبته، بل شارك في إرشاد وتدريب جيوش دول أمريكا الجنوبية، لتكتسب خبرات في مجال القمع والتعذيب، إلى أن تُوفي، عن 94 سنة، بسبب التقدم في السن…

تصدير تقنيات القمع الفرنسية:

لهذه المدرسة الإستعمارية القمعية الفرنسية مُنظِّرُون من الضباط ومن الأكاديميين ومن السياسيين، من اليمين كما من اليسار (المزعوم)، ووقع تَصْدِيرُها للصهاينة، بداية من سنة 1956، خلال فترة حكومة “غِي مُوللِّيه” (التيار “الإشتراكي” الفرنسي) التي سلمت السلاح النووي إلى الكيان الصهيوني، وخاضت معه ومع بريطانيا “العدوان الثُّلاثي” على مصر سنة 1956، ثم صدّرت فرنسا تجارب وخبرات هذه “المدرسة” إلى بلدان أمريكا الجنوبية التي تحكمها دكتاتوريات عسكرية، وما عودة ضباط الشرطة الفرنسيين، سنة 2019، إلى “تشيلي”، لدعم وتدريب زملائهم، في ذورة الإنتفاضة الشعبية، سوى مُواصلة، أو مرحلة من مراحل هذا التعاون القمعي ضد الشعوب الأصلية وضد الفُقراء، ولا تزال الدّولة الفرنسية تُطبّق خطط سَحق “العدُوّ الدّاخلي”، عبر قمع سُكّان الأحياء الفقيرة وشباب ضواحي المدن الكبرى، وعبر مَنْع العديد من المُظاهرات، والإعتقال “الوقائي”، أي قبل وقوع الحدث بهدف مَنْع المناضلين السياسيين والنّقابيين من المشاركة في الإحتجاجات، وإغلاق الطرقات ومحطات القطار المؤدّية لموقع التظاهرات، وغير ذلك من الممارسات المنافية لأبسط الحقوق والحُريات الفردية والجَمْعِيّة، والتي تتكرّر أسبوعيا، ويتجلّى آخر مظاهر هذه السياسة القَمْعِيّة في تشويه واعتقال وقمع المتظاهرين ضمن نشاط “السّترات الصفراء”، وقمع النّقابيين، وترويج الإشاعات الكاذبة ضدهم…

أعلنت الصحف التشيلية، ومن بينها صحيفة “إلموسترادور” (27/11/2019)، التي وقعت الإشارة إليها، عن استفادة الحكومة اليمينية التشيلية من دعم الخبرات الأجنبية في مجال القمع، وفي مقدمتها الخبرات الفرنسية التي تراكمت منذ قرابة سبعة عُقُود، وتتضمن التجربة الفرنسية أساليب السيطرة على مجموعات المُضْرِبين والمتظاهرين المُسالمين، المطالبين بتحسين ظروف العيش، أو بالزيادة في الرواتب، أو احتجاجًا على الخصخصة والتّسْرِيح الجماعي للعاملين، كما تتضمن التجربة الفرنسية وسائل قمع الحركات الاجتماعية بشكل ناجع وفَعّال، وتشويه سُمعة الناطقين باسم المُحْتَجِّين أو المُضْرِبِين، بدعم من الوسائل المُهيْمنة على الإعلام المكتوب والمرئي والمسموع، وهي الوسائل (الدعاية والتّشْويه) التي طَوَّرها ضُبّاط الجيش الفرنسي، أثناء فترة استعمار فيتنام والجزائر، ثم طورتها الشرطة الفرنسية، خصوصًا بعد مظاهرات أيار/مايو 1968، في الدّاخل (داخل فرنسا، بعد استقلال الجزائر)، عبر تدريب عناصر الشرطة والدّرك على إطلاق النار على الرأس والصّدر، بقصد القتل، والتذرع بالدفاع عن النّفس، وهي الطريقة المُتّبَعَة في الولايات المتحدة أيضًا، وأصبحت فرنسا واحدة من أكبر الدول المُصدّرة للخبرات القمعية، وكذلك للأسلحة القمعية كالقنابل المسيلة للدموع والرصاص المطاطي،  وخراطيم المياه المَضْغُوطَة، واستخدمت قنابل الغاز وذخيرة “إل ب يدي” الفرنسية لقمع المتظاهرين في البحرين وتركيا والمغرب وتونس وبوركينا فاسو، ومصر، وفي أمريكا الجنوبية وآسيا، وغيرها من بلدان العالم، واقترحت وزيرة الداخلية الفرنسية، سنة 2011، على الرئيس التونسي “زين العابدين بن علي”، أثناء الإنتفاضة التي أزاحَتْهُ عن الحُكْم، دعمه بخبرات فرنسية في مجال القمع، لأن للوزيرة وأُسْرتها ممتلكات في تونس، وجَبَ المُحافظة عليها…

أما التعاون في مجال القمع بين فرنسا وتشيلي، فهو قديم، وكان قادة جيش تشيلي، قد استنجدُوا، بعد الإنقلاب العسكري الدموي في تشيلي ( 11 أيلول/سبتمبر 1973) بالخبرات العسكرية الفرنسية في مجال القمع، نظرًا للسّمعة التي نالها الجيش الفرنسي في البرازيل، أثناء مساعدة الجيش البرازيلي الذي نفذ الإنقلاب الدّموي، سنة 1964، بشهادة أحد منفذي الإنقلاب، العقيد “كارلوس دي ميرا ماتوس”، وبعد انقلاب تشيلي بقيادة “أوغوستو بينوشيه”، أَسَّسَ الضباط الفرنسيون “وحدة مكافحة التّمرّد” داخل الجيش التشيلي (وحصل نفس الأمر بعد انقلاب الجيش الأرجنتيني سنة 1976 أيضًا)، وشرع الضّبّاط الفرنسيون في تعليم أساليب “مكافحة التمرد” التي استخدمها الجيش الفرنسي خلال الحرب ضد الشعب الجزائري، كما ساعدت إدارة أمن الدولة الفرنسية، نظيرتها “دينا” التشيلية على تحسين أساليب الشرطة السياسية لممارسة التجسس الدّاخلي، والإختطاف والتعذيب والتحقيق السياسي، والمداهمات الليلية، وخلق شبكة من المتعاونين، وغير ذلك من أساليب الشرطة السياسية، للتجسس على المواطنين المتهمين بمعارضة النّظام القائم…

يتم تدريس نظرية “الحرب المضادّة للثورة” ومكافحة حرب العصابات، بكافة الوسائل العسكرية والسياسية، والإجتماعية، والإعلامية، في المدرسة العسكرية بباريس، لضباط القوات العسكرية في أمريكا الجنوبية، كما يتم إرسال العديد من الملحقين العسكريين ، ومعظمهم من الضباط الفرنسيين الذين شاركوا في الحرب ضد الثورة الجزائرية، إلى بلدان أمريكا الجنوبية لتشكيل قوات الوحدات العسكرية، ومنذ حوالي ستة عقود، تعزّز التعاون، في مجال تقنيات القمع، بين الإجهزة القمعية الفرنسية والأجهزة المماثلة في الولايات المتحدة الأمريكية (جيش ومخابرات وشرطة…)، وشارك الجنرال الفرنسي “بول أوساريس”، الذي مارس أبشع أنواع القمع، وعذّب بنفسه، حدّ القتل، ثائرين جزائريين (وهو يفتخر بذلك)، في تدريس أساليب القمع، مع الضباط الأمريكيين، لزملائهم من أمريكا الجنوبية، بمدرسة الأمريكتَيْن (SOA) في بنما (ورد ذكرُها في فقرة سابقة)، حيث تخرج العديد من الضباط الإنقلابيين من تشيلي والبرازيل والأرجنتين وأورغواي، وباراغواي، وغيرهم، ممن اشتهر حُكْمُهم بتعدد الحملات المكثفة لقمع المدنيين، وبِتَعَدُدِ حالات الإختفاء والإختطاف والقتل تحت التعذيب، ناهيك عن الإعتقالات، وتسبب تطبيق ما صدّرته المدرسة القمعية الفرنسية، بعدة آلاف من ضحايا الإغتيال والقتل في أمريكا الجنوبية، ناهيك عن فيتنام والجزائر، وبعد احتلال أفغانستان، دعت بعض الأوساط العسكرية الفرنسية إلى استخدام هذه الأساليب “في الحرب ضد طالبان في أفغانستان”، مع عدم الإهتمام بعدد الضّحايا من المَدَنِيِّين، لأن كافة المدارس العسكرية الإستعمارية تعتبر قَتْل المدنيين (من غير الأوروبيين والأمريكيين) من “الأعْراض الجانبية” للحرب، ولا يجب أن تُعَرْقِل سير العمليات العسكرية، في البُلْدان الواقعة تحت الإستعمار والهيْمنَة الإمبريالية، وتخَرَّجَ من المدرسة الإستعمارية الفرنسية بعض المُنظِّرين “للحرب ضد التمرد” (أي كيف يحارب الإستعمار حركات التحرر الوطني) مثل الضابط الفرنسي السابق “ديفيد غالولا”، الذي أصار كتابه “ضد التمرد، النظرية والتطبيق”، ودعا إلى هزيمة أو إضعاف الحركات الثورية، عبر محاربتها عسكريا، وكذلك سياسيًّا، بنفس الدّرجة، وتأليب الرأي العام وحاضنتها الشعبية ضدها، لكي تنهزمَ حركات التحرر أو الحركات الثورية سياسيا، في عقر دارها…

أصبحت الأساليب التي استخدمها جيش الإحتلال الفرنسي في الجزائر نموذجًا لمحاربة الحركات الثورية، وتم تدريس أساليب “معركة الجزائر” في مدرسة باريس العليا للحرب، وتم تصديرها لِتُدَرّسَ كذلك في الأرجنتين، وفي مدرسة الأمريكيتين، (الأمريكية)، وفي البرازيل، وتشيلي وفنزويلا، وغيرها، وشارَكَ الضّبّاط الفرنسيون في تدريب ضباط العديد من جيوش أمريكا الجنوبية، الذين نفذوا انقلابات دَمَوِيّة، راح ضحيتها عشرات الآلاف من القتلى، ومئات الآلاف من المُعتقَلِين والجرحى والمَخْطوفين،  وساهم العديد من خريجي “المدرسة الفرنسية” و”مدرسة الأمريكيتين” في الإنقلاب على رؤساء مُنْتَخَبِين ديمقراطيًّا، رغم تَبَجّح الإمبريالية الفرنسية والأمريكية باحترام حقوق الإنسان وإصدار التقارير المُندّدة بالحكومات التي تُحاول حماية ثرواتها من نهب الشركات العابرة للقارات، بذريعة انتهاك الحريات وعدم احترام حقوق الإنسان، أو الحريات الدينية أو الأقليات الأثنية، وغير ذلك من الذّرائع…

خاتمة:

يمكن لقوات القمع، والجيوش التي تحتل أراضي وأوطان الغَيْر، استخدام كافة أساليب القمع والبطش، وهو ما فعلته كل القوى الغازية، وجميع أجهزة القمع في العالم، التي تعاونت فيما بينها، ضد الشُّعوب المُسْتَعْمَرَة والمُضْطَهَدَة، في العالم، وكذلك ضد الطبقات الكادحة، داخل كل بلد، وأظْهرت تجربة الشُّعوب والإنسانية أن القمع قد يُثْنِي المُضْطَهَدِين لفترةٍ ما، قد تَطول أو تقْصُر، لكنه لا يردعهم نهائيًّا، فحين يَطْفَحُ الكَيْلُ تَهُبُّ الشعوب والطبقات، لتقاوم المُحتل أو المُستغِل أو المُضطهِد، بشكل جماعي، وهو ما يحصل حاليا (أثناء كتابة هذه الفَقرات) في العراق ولبنان والجزائر وتشيلي وبوليفيا وغيرها من بلدان العالم، لكن انتصار الشعوب والطبقات الكادحة، يتطلب وُضُوح الأهداف، لتجنب احتوائها والإلتفاف على مطالبها، ويتطَلّبُ قيادات قادرة على ابتكار حلول وتكتيكات تتماشى مع تطوّر الوضع ومع المتغيرات اليومية، وقادرة على إبقاء بوصلة النضالات مُوجّهة نحو انتصار قضايا التحرر الوطني والإجتماعي، وتحقيق العدالة وتلبية حاجيات المواطنين المادية والمَعْنَوِيّة (غير المادية)، ومشاركة الجميع في حكم البلاد، كما يتطلب الإنتصار، دعم القوى التقدمية والثورية في العالم، لأن قوى رأس المال والإمبريالية والرجعية متضامنة فيما بينها، لكن لم تبلغ النضالات ومقاومة الشعوب للإضطهاد والإستغلال، مرحلة العولمة الثورية، أو التّضامن العالمي المُتبادَل…

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.