التروتسكية والصهيونية (4): تروتسكي واحتواء الثورة البلشفية، أحمد صبري السيد علي

   مقدمة

   في المقال الثالث من هذه المجموعة ” التروتسكيةوالصهيونية “، المعنون بـ ” تروتسكي والبرجوازية اليهودية ” كان من المفترض طرح عدة تساؤلات في نهايته من أجل توضيح أكثر لصورة وطبيعة الأحداث في هذه المرحلة التاريخية، لكني رأيت صياغتها في مقال خاص نظراً لكونها تحتاج إلى مساحة أكبر من التعامل مع التفاصيل ، ويمكن تحديدها في التالي :

1-  لماذا تحول تروتسكي إلى البلشفية عقب عودته من نيويورك ؟

2-  هل استمرت العلاقات بين تروتسكي والمصرفيين اليهود بعد نجاح الثورة البلشفية ؟

3-  إلى أي مدى تجاوب الرفيق لينين مع مشروعات تروتسكي ؟

4-  هل يمكن وصف مشروعات تروتسكي بمؤامرة للمصرفيين اليهود ؟ وما أهدافها ؟

   وبديهي أن كل من هذه الأسئلة تحمل في داخلها العديد من التساؤلات الفرعية والتي ستتم مناقشتها كذلك ضمن مناقشة التساؤل الرئيسي .

   تبقى الإشارة إلى أنني واصلت تجنب المراجع ذات التوجهين الماوي[1][1] والستاليني، أو حتى التوجه السوفيتي ما بعد ستالين، في محاولة لالتماس الحيادية قدر الإمكان ولم استخدمها إلا في نقل أحداث أو أقوال متفق عليها، وذلك بالرغم من احتوائها على الكثير من المعلومات التي كان من الممكن في حال تضمنها المقال أن تجعل له صورة مختلفة تماما .

   أما المراجع الغير أو المعادية للشيوعية بشكل عام، فقد لجأت إليها بحذر واعتمدت على مقارنتها بما ذكرته المراجع ذات التوجه التروتسكوي وحتى ما ذكره تروتسكي نفسه في سيرته المكتوبة، أو المقارنة بينها وبين بعض الأحداث التي تدعمها .

   لماذا تحول تروتسكي إلى البلشفية عقب عودته من نيويورك ؟

   ليس سراً أن تروتسكي انتمى في فترة من حياته إلى المناشفة وخاصة إلى مجموعة المناشفة الأمميون وهي مجموعة راديكالية داخل الجناح المنشفي لحزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي[2][2]، وقد اعترف تروتسكي ذاته بهذه الحقيقة وإن كان قد أشار إلى انفصاله عن المناشفة مبكراً وبالتحديد في سبتمبر 1904 على خلاف ما ذكره جون ريد من بقائه بين أوساطهم لفترة طويلة[3][3] .

   على أن تروتسكي يذكر أنه استمر في علاقاته مع المناشفة لفترة تلت هذا الانفصال عنهم، فيقول في مذكراته : ” ظللت على اتصال مع مجموعة المنشفيك المحلية، التي كانت تتبع سياسة ثورية للغاية. وتحت تأثيراتي، دعت المجموعة إلى مقاطعة أول دوما استشارية الأمر الذي جعلها تتعارض مع مركز المناشفة في الخارج[4][4] مما يشير لصحة ما أورده جون ريد .

   بل أن تروتسكي وجه سهام انتقاداته اللاذعة إلى لينين عقب الانشقاق بين البلاشفة والمناشفة وهو ما يعترف به في مذكراته : ” كنت أقاوم الفن حيث قاومت الثورة في وقت مبكر من الحياة، وبعد ذلك، الماركسية. كما قاومت لعدة سنوات، لينين وأساليبه. ثورة 1905 سرعان ما قطعت تقدم بلدي مع أوروبا وثقافتها. لم أكن قد اقتربت من الفن إلا أثناء نفي الثاني من روسيا رأيت الأشياء وقرأت وحتى كتبت عنها قليلاً. لم أذهب أبداً إلى ما هو أبعد من مرحلة التصفية الصرفة[5][5] .

   عقب هذا المؤتمر والذي شهد انفصالا تاماً بين التيارين أصدر تروتسكي كراساً بعنوان ” واجباتنا السياسية ” ضمنه انتقاداته الموجهة للينين متهماً إياه بأنه يرفع من شأن المثقفين الثوريين لمرتبة أسمى من الطبقة العاملة، كما شارك ، وعبر عدة مقالات نشرت في الصحف الاشتراكية بأوروبا الشرقية ، المنشفي مارتوف في التنديد بالعمليات المصادرة التي تبناها لينين لسد الاحتياجات المالية الملحة للحزب عامي 1906 و1907[6][6] ، بل أنه في رسالة إلى تشخيدزه سنة 1913 وصف لينين بـ : ” المعلم في المشاجرات … هذا المستغل المحترف لتأخر الحركة العمالية الروسية … “[7][7] .

   وبدوره لم يتلقى لينين مثل هذه الاتهامات دون رد، ففي تعليقه على التعاون بين بارفوس وتروتسكي خلال ثورة 1905، وصف الأخير بقوله : ” هذه الصدفة الفارغة، صانع الجمل هذا، هذا البالالايكين “[8][8]، بل أنه في عام 1917 وصف تروتسكي بأنه : ” انه يساوي نفسه على الدوام أي أنه يراوغ ويغش ويتظاهر باليسارية ويساعد اليمينيين طالما أمكن ذلك … [9][9]، بما يشير إلى أن الخلاف بين الرجلين استمر حتى مرحلة قريبة جداً من الثورة البلشفية .

   ويذكر كاتب سيرة حياة تروتسكي إرفنج هاو[10][10] أنه أثناء هذا الصدام حول منظمة الحزب وأساليب العمل بين التيارين : ” أخذ يتأرجح تارة إلى هذا الجانب وطوراً إلى ذاك بغير ثبات ونتج عن ذلك أن ارتاب به تقريباً كل زملائه[11][11] .

   وبغض النظر عن الفترة التي قضاها تروتسكي بين المناشفة، أو عن حقيقة موقفه بين التيارين، فإنه لم يتحول إلى البلشفية إلا عقب عودته من نيويورك، وهو ما يثير علامات استفهام حول سبب هذا التحول المفاجئ، وإن كان إسحق دويتشر قد فسر هذا التحول بأنه نتيجة لعمل تروتسكي مع مجموعة من البلاشفة في صحيفة نوفي مير الروسية والتي كانت تصدر في نيويورك مثل بوخارين وكولونتاي وفولودارسكي[12][12]، ومع ذلك فإن تروتسكي لم يعتنق البلشفية خلال فترة إقامته في نيويورك وهو ما يضعف رؤية دويتشر وتفسيره خاصة أنه يذكر لاحقاً أن تروتسكي ُطلب منه الانضمام للبلاشفة في 10 مايو (أيار) 1917 ضمن مجموعة منظمة ما بين المقاطعات والتي قادها تروتسكي من الخارج منذ 1913[13][13]، لكنه لم يقبل فوراً بهذا الانضمام واستغرق الأمر فترة امتدت لشهر أغسطس (آب) كي يتم الإعلان عن انضمامه ومنظمته إلى البلاشفة[14][14] .

   من غير المفهوم السبب الذي دفع بتروتسكي لإهمال دعوة البلاشفة بالانضمام لهم طوال هذه المدة، بل من غير المعروف أصلاً لماذا قبل في النهاية بالرغم من أن خلافاته ومجموعته مع البلاشفة لم تكن قد انتهت بحسب ما يقوله كاتب سيرته إسحق دويتشر وإن كان الأخير قد سعى لتبرير هذا التصرف بحدوث بعض التقارب في الأفكار تم خلال هذه الفترة بين لينين وتروتسكي مؤكداً بأسلوب روائي أنه لمصلحة الأخير، حيث أكد على أن لينين تبنى في النهاية نظرية الثورة الدائمة لتروتسكي وإن سعى لتخفيف مبالغته بعبارة : ” وفي الحقيقة أن طرق لينين وتروتسكي، التي تباعدت طويلاً جداً، عادت فتلاقت أخيراً . وصل كل منهما إلى استنتاجات كان الآخر وصل إليها قبل زمن طويل، استنتاجات طالما عارضها بحدة . إلا أنه لا هذا ولا ذاك كان يعي بوضوح أنه تبنى وجهة نظر الآخر “[15][15] .

   وبالرغم من أن ادعاءات اسحق دويتشر وغيره من الكتاب المتعاطفين مع تروتسكي قد تم الرد عليها من قبل الكتاب السوفييت ومن قبل التيارات الستالينية فإنه لم يوضح في إجابته سبب هذا التحول حيث ينقل بنفسه مقولة تروتسكي في هذه الفترة : ” لا أستطيع أن أحدد نفسي كبلشفي، إذ ليس أمراً مرغوباً فيه أن يلصق المرء بنفسه سمات قديمة ! “[16][16]، ويظل التساؤل مطروحاً لماذا قبل في النهاية الانضمام للبلاشفة ؟

   يرى دويتشر : ” كان اعتبار تروتسكي نفسه بلشفياً، فيما لو فعل ذلك سيظهر كاستسلام ضمني، لا للينين الحالي، بل للينين الماضي، وهو ما كان يرفضه “[17][17] .

   وإذا ما تجاوزنا عن الأسلوب الروائي الذي يستخدمه دويتشر في حديثه عن تروتسكي فإنه في النهاية يؤكد أن التقارب الذي تحدث عنه ظل حتى هذه الفترة غير موجود واقعياً بين الرجلين، وأن تروتسكي كانت له مخاوف من لينين وزعامته وتنظيمه وإن حاول دويتشر صياغتها بصورة عاطفية لا أظن أنها واقعية في مجال العمل السياسي، ولا يعدو ما قاله أن يكون تضبيباً لحقيقة موقف تروتسكي في هذه الفترة، وربما كان التفسير الأقرب أن تروتسكي كان يطمح في أن يكون منافساً للينين وليس منضوياً تحت زعامته وهذا يبدو أكثر واقعية، وربما كان هذا التصور مفسراً لكلمة لينين التي نقلها دويتشر عندما سؤل عن سبب بقائه منفصلاً عن تروتسكي : ” حقاً ألا تعرفون ؟ إنه الطموح، الطموح، الطموح [18][18] .

   لكن هل كان تروتسكي يمتلك هذا القدر من الجماهيرية التي تدعم طموحاته في منافسة لينين ؟ من المؤكد أن تروتسكي كما يبدو كان له تأثير على بعض المثقفين، لكن منافسة لينين كانت تحتاج لقدر أكبر من التأثير في الجماهير يتجاوز تنظيرات المثقفين ورطانتهم الغير مفهومة بالنسبة للجماهير العادية، ولا يبدو أن تروتسكي كانت لديه مثل هذه الجماهيرية سواء داخل حزب العمال الاشتراكي الديموقراطي الروسي أو حتى بين مجموعات المناشفة واقتصر تأثيره في النهاية على مجموعة منظمة ما بين المقاطعات، كما أشرت سابقاً، فما الذي كان يراهن عليه تروتسكي ؟

   إن الإجابة عن هذا التساؤل تجبرنا على استعراض نقطتين أساسيتين :

1-  كيف انتقل تروتسكي من نيويورك إلى روسيا ؟

2-  الأحداث السياسية المتزامنة مع نجاح الثورة الروسية في 1917، ومدى التأثير المتبادل بينها وبين الثورة الروسية .

   فيما يتعلق بالنقطة الأولى يقول دويتشر : ” للمرة الأولى في حياة تروتسكي، كان يسافر بصورة جديرة بالاحترام . حصل دون صعوبة على كل الوثائق الضرورية، على الترخيص بالدخول إلى روسيا كما على تأشيرة العبور عن طريق إنجلترا؛ كان ينتظر رحلة من دون مشكلات [19][19] .

   أما تروتسكي فيقول في مذكراته : ” في 25 مارس وصلت إلى مكتب القنصل العام الروسي في نيويورك . وبحلول ذلك الوقت، أزيلت صورة القيصر نيقولا من الجدار، لكن الغلاف الجوي المكثف لمحطة الشرطة الروسية في ظل النظام القديم لا يزال معلقة حول المكان . بعد التأجيلات والحجج المعتادة، أمر القنصل العام بإصدار الأوراق لي للمرور إلى روسيا . كما أخبروني في القنصلية البريطانية، عندما ملئت الاستبيان، أن السلطات البريطانية لن تضع أي عقبات في طريق عودتي إلى روسيا . كل شيء كان في حالة جيدة “[20][20] .

   إذن فقد كان سير استخراج الأوراق بالنسبة لتروتسكي ميسراً بشكل عام بحسب قوله، بمعنى أن كلا الحكومتين الروسية والبريطانية لم يكن لديهما مشكلة في عودة تروتسكي إلى روسيا، ومع ذلك فقد قامت السلطات البريطانية بتوقيف تروتسكي أثناء مرور بهاليفاكس في كندا[21][21]، ولم يذكر تروتسكي ولا دويتشر سبباً مقنعاً لهذا التوقيف سوى أنه اشتراكي خطر، وهو سبب غير مقبول فمن المؤكد أن القنصليتين الروسية والبريطانية كانا لديهما هذه المعلومات أثناء استخراج تروتسكي لأوراق رحلته البحرية إلى روسيا، فلماذا تم منحه إياها من الأساس ؟

   في المقال السابق : ” تروتسكي والبرجوازية اليهودية ” أشرت إلى الاتهامات التي وجهها الكاتب أنتوني ساتون لتروتسكي بأنه تسلم مبلغ 10 آلاف دولار من مصدر ألماني مجهول قبل رحيله عن نيويورك وقد وجدت هذه الأموال برفقته عقب توقيفه في هاليفاكس، وذكر ساتون في أدلته على صحة معلوماته إلى أن مبلغ 10 آلاف دولار التي حصل عليها تروتسكي تمت إثارته في مجلس الشيوخ الأمريكي سنة 1919 حيث أثبتت تحقيقات لجنة السناتور أوفرمان حصوله على هذه الأموال من الألمان، كما وردت إشارة إلى هذا المبلغ في البرقية البريطانية الرسمية الموجهة للسلطات الكندية في هاليفاكس والتي طلبت فيها توقيف تروتسكي وأتباعه، وفي تقرير للمخابرات البريطانية أكدت أن جريجوري وينشتاين قام بجمع الأموال لتروتسكي والتي أتت من ألمانيا عبر صحيفة V olks-zeitung اليومية الألمانية الصادرة في نيويورك بدعم الحكومة الألمانية[22][22] .

   من الضروري هنا طرح علامة استفهام حول أسباب لجوء الألمان لتمويل تروتسكي على وجه الخصوص دون غيره من قيادات الحزب الاشتراكي الديموقراطي الروسي المهاجرين للخارج، لماذا تروتسكي على وجه الخصوص ؟

تقتضي الإجابة على هذا السؤال البحث حول شخصية بارفوس أو ألكسندر إسرائيل هيلفاند، وهو الاشتراكي الروسي المولود لأسرة يهودية سنة 1869 أي أنه يكبر لينين بعام واحد[23][23]، وقد شارك في ثورة 1905 بروسيا، يقول عنه تروتسكي : ” كان بارفوس بلا شك واحداً من أهم الماركسيين في مطلع القرن . استخدم الأساليب الماركسية بمهارة، وكان يمتلك رؤية واسعة وظل حريصاً على كل شيء ذي أهمية في الأحداث العالمية هذا إلى جانب تفكيره الشجاع وأسلوبه العضلي الفاسد، جعل منه كاتباً رائعاً . لقد جعلتني دراسته المبكرة أقرب إلى مشاكل الثورة الاجتماعية وبالنسبة لي، غيرت بالتأكيد استيلاء البروليتاريا على السلطة من هدف نهائي فلكي إلى مهمة عملية في يومنا هذا [24][24] .

   يعترف تروتسكي إذن بمدى وثاقة علاقته ببارفوس إلى درجة التأثر به فكرياً، وهو ما دفع بعض الكتاب السوفييت وحتى غيرهم من الكتاب غير الشيوعيين للقول بأن تروتسكي استمد رؤيته حول ” الثورة الدائمة ” من بارفوس[25][25]، كما يقول سوبوليف : ” تجدر الإشارة إلى أن تروتسكي لم يكن أول من فسر الثورة الدائمة على نحو مبتذل . فإن تروتسكي اقتبس أهم منطلقات مبادئه من بارفوس الذي عمل خلال أمد طويل في صفوف الحركة الاشتراكية الديموقراطية الألمانية، ثم مارس نشاطه في الجناح اليساري للمناشفة الروس، وأصبح فيما بعد من المرتدين العاديين [26][26] .

   وإذا ما تجاوزنا عن الاتفاق بين سوبوليف وتروتسكي حول تأثر الأخير بآراء بارفوس، فإن أهمية ما ذكره سوبوليف تتمثل في نقطتين : الأولى أن بارفوس مارس نشاطه في الجناح اليساري للمناشفة الروس، والثانية أنه أصبح فيما بعد من المرتدين العاديين، وهنا يشير سوبوليف إلى أن بارفوس تخلى في النهاية عن النشاط الثوري واتجه إلى الأعمال التجارية وانتقل عبر فيينا إلى دول البلقان والدولة العثمانية حيث ربطته علاقات مع قيادات حركة تركيا الفتاة، وقام هناك بالتجارة في الحبوب وسلع أخرى، وبناء على علاقاته مع مسئولي الحكومة التركية حصل على عقود لتأمين الإمدادات للجيوش العثمانية في حروب البلقان[27][27] .

   هذه المعلومات عن بارفوس يكررها تروتسكي كذلك في مذكراته، ويعزو هذا الانحراف الفكري لمعلمه بهزيمة ثورة 1905 : ” بعد هزيمة ثورة 1905، ذهب إلى تراجع انتقل من ألمانيا إلى فيينا، ومنها إلى القسطنطينية، حيث عثرت عليه الحرب العالمية في نهاية المطاف، خلال الحرب حقق ثروة على الفور من خلال المؤسسات التجارية العسكرية . وفي الوقت نفسه، ظهر علناً كمدافع عن المهمة التقدمية للنزعة العسكرية الألمانية . وغني عن القول أنه منذ الحرب لم يكن لدي أي اتصال سياسي أو شخصي به [28][28] .

   لقد سعى تروتسكي في هذا النص إلى غسل يديه من بارفوس وممارساته عقب 1905، لكن مشكلة بارفوس لا تقتصر على مجرد الدفاع عن المهمة التقدمية للنزعة العسكرية الألمانية، ففي 1904 وجه إليه لينين اتهاماً بسرقة مبلغ 130 ألف مارك من عائدات أعمال أدبية قام بنشرها للكاتب الروسي مكسيم غوركي تبرع بها الأخير للحزب الديمقراطي الاشتراكي ولم يقدم بارفوس في المقابل تفسيراً مقنعاً[29][29]، إذن فقد استمرت علاقة تروتسكي ببارفوس حتى سنة 1914 حين بدأت الحرب العالمية بالرغم من هذه التهمة الموجهة إليه من قبل لينين، كما يقول هو .

   لقد تطور الأمر ببارفوس في أثناء الحرب العالمية الأولى، حيث عمل عبر مقالاته لإثارة الشعور الموالي لألمانيا في دول البلقان، وفي 7 يناير 1915 تم ترتيب لقاء بينه وبين السفير الألماني لدى الدولة العثمانية واقترح أن تساعده الحكومة الألمانية في توحيد الثوريين الروس ضد القيصر، وفي نهاية فبراير من نفس العام توجه إلى برلين لمقابلة مسئولين في وزارة الخارجية الألمانية وقدم إليهم خطة مكتوبة حول ضرورة توحيد الثوريين الاشتراكيين والقوميين الروس ضد حكومة القيصر، ويبدو أن الخطة لاقت قبولاً لدى الألمان فتم منحه مليون مارك ألمانية (بما يساوي 240 ألف دولار) لتنفيذ خطته[30][30] .

   على أن محاولات بارفوس فتح مجالات للتعاون مع لينين فشلت كما يعترف فرومكين[31][31]، وقرر لينين العودة إلى روسيا في قطار مغلق مع رفاقه، فهل سعى بارفوس إلى إعادة تروتسكي لروسيا في نفس الفترة كمنافس للينين ؟ لابد من الإشارة إلى أنه لو كان بارفوس قد نجح في إقناع لينين بأي تعاون مشترك فإن الألمان لم يكونوا بحاجه لتمويل تروتسكي على الإطلاق .

   إذن لم يكن اختيار الألمان لتروتسكي عبثياً وإنما عن طريق صديقه القديم بارفوس، والذي قام بطبع أحد كتبه في دريسدن[32][32]، كما أن المبلغ المرسل إلى تروتسكي في نيويورك قد يكون من قبله كذلك .

   وبناء على هذه المعلومات حول بارفوس وعلاقته بتروتسكي والألمان ومشروعه لصالحهم، يحق لنا وضع علامة استفهام كبيرة حول المحاولات الحثيثة لتروتسكي عقب بداية الحرب لتوحيد كافة الأمميين، حيث كتب في صحيفته ناشي سلوفو في 4 يونيو 1915 يدعو لاتحاد : ” كل الأمميين، إلى أي كتلة انتموا، ومهما كانت صبغة أمميتهم “، وفي 12 ديسمبر من نفس العام كتب يقول : ” الاتحاد مع الأمميين الثوريين من كل الكتل الممكنة هو أرفع بكثير من اتحاد تكتلي ضيق، هو رجعي سياسياً [33][33]، وهو ما رفضه وتصدى له البلاشفة بقيادة لينين، لكن هل كانت هذه الدعوات التوحيدية لتروتسكي بطلب من بارفوس وخدمة لمشروعه المدعوم من الألمان ؟ لا توجد إجابة حاسمة بكل تأكيد على هذا التساؤل، وإن كانت مجمل الأحداث تشير إلى هذا الاحتمال بشكل قوي، وربما لهذا السبب حاول تروتسكي أن يغسل يده من ممارسات بارفوس محدداً وقت القطيعة بينهما ببداية الحرب العالمية .

   لكن ما يؤيد احتمالات تواصل العلاقة بين بارفوس وتروتسكي، هو رسالة أنور باشا وزير الحربية التركي أثناء الحرب العالمية إلى للجنرال هانزفون سيكت الذي قام بتأسيس الجيش الألماني الجديد حسب معاهدة فرساي .

   كان أنور باشا منذ هروبه من تركيا في نوفمبر 1918 يسعى لترتيب العودة مرة أخرى عبر التحالف مع البلاشفة والألمان ضد البريطانيين المنتصرين في الحرب، وتمكن من الوصول إلى موسكو في صيف 1920، ومن هناك كتب لصديقه القائد الألماني يقول : ” يوجد هنا حزب ذو قوة حقيقية، وتروتسكي أيضاً ينتمي إلى هذا الحزب الذي ينادي باتفاق مع ألمانيا . وهذا الحزب مستعد للاعتراف بحدود ألمانيا كما كانت عام 1914 “[34][34] .

   إن ذكر اسم تروتسكي وحده في هذه الرسالة يمثل إشارة ما، فبالتأكيد تعرف القائدين على تروتسكي ضمن أعضاء الوفد السوفيتي في مفاوضات صلح لكن لا يمثل هذا سبباً لكي يستشهد به وزير الحربية التركي السابق فقد كان الوفد السوفيتي يضم عدداً من القيادات من بينهم بوخارين، فما هي خصوصية تروتسكي بالنسبة لقائدين التركي والألماني ؟ بالتأكيد لا توجد هنا إجابة حاسمة لكن قد تمثل هذه الرسالة إشارة إلى علاقته السابقة ببارفوس والذي كان كذلك على علاقة بأجهزة الحكم في الدولتين .

   فما كان يراهن عليه تروتسكي في مناوراته مع لينين ليس الجماهير أو البروليتاريا أو حتى وعي أعضاء منظمته برؤيته وإنما كان يراهن على الدعم الخارجي الذي يكفل له القدرة على تحقيق مهمته، وبديهي أن هذا الدعم سوف يكون أكثر قوة في حال برز هو كقائد وليس كتابع للينين، والواقع أن رسالة القائد التركي لنظيره الألماني دليل قوي على أن إرسال تروتسكي لروسيا عقب وصول لينين إليها، مدعوماً بالمال كان من بين أهم أهدافه هو محاولة تحجيم جماهيرية الأخير، وهو دليل كذلك على عدم مصداقية الادعاءات المزعومة حول الدعم الألماني أو حتى الغربي للينين .

   إذن فقد شعرت الحكومة البريطانية بالانزعاج نتيجة معلومات عن نية تروتسكي وأتباعه في الضغط على الحكومة الروسية لسحب الجيش الروسي من المواجهة ضد الألمان بناء على الأموال الألمانية التي دفعت له، ويبدو هذا التفسير أكثر منطقية من التفسيرات التي تقدمها الكتابات التروتسكية وحتى تفسير تروتسكي ذاته، الذي نفى هذه الحادثة عقب عودته لروسيا، عندما تمت إثارتها، وقال ساخراً أن الأمريكيين الألمان، أو هيئة الأركان العامة الألمانية، كانوا يعتبرون في الظاهر إطاحة النظام في بلد معاد مسألة رخيصة إلى أبعد الحدود لا تساوي أكثر من عشرة آلاف دولار، لكنه لم يفسر بوضوح أسباب توقيفه رغم سهولة حصوله على أوراق الرحيل لروسيا[35][35]، كما أن مقولة تروتسكي بها قدر من المغالطة فالنظام القيصري كان قد سقط بالفعل ولم يكن مطلوباً منه، بحسب هذه الاتهامات، سوى العمل على إرساء روح الهزيمة في روسيا .

   ومن ناحية أخرى فإن الطريقة التي تم بها الإفراج عن تروتسكي والسماح له بمواصلة رحلته تبدو أكثر غموضاً من أسباب توقيفه في كندا، خاصة مع الموقف المتردد من قبل الحكومة الروسية في شأنه، حيث يبدو أنها لم تمارس ضغط حقيقي على الحكومة البريطانية للإفراج عنه واستمر اعتقاله في معسكر للأسرى الألمان لمدة شهر[36][36]، فلماذا أفرج عنه في النهاية ؟

   يذكر دويتشر أن وزير الخارجية الروسي ميليكوف قد اضطر لطلب الإفراج عن تروتسكي تحت ضغط الاحتجاجات في روسيا على توقيفه من قبل البريطانيين وهو أيضاً تبرير غير مقبول، خاصة لو علمنا أن تروتسكي اعتقل ثانية في روسيا عقب عودته إليها يوم 23 يوليو أثناء الصدام بين البلاشفة وهذه الحكومة قبل الثورة ولم تتمكن الاحتجاجات من الضغط لإطلاق سراحه حتى تم الإفراج عنه بكفالة في 4 سبتمبر نتيجة موقفه الإيجابي من كيرنسكي رئيس الحكومة أثناء محاولة الجنرال كورنيلوف قائد الجيش الانقلاب عليه[37][37] .

   من جانبه يشير الكاتب الأمريكي أنتوني ساتون إلى أن الإفراج عن تروتسكي في هاليفاكس كان بطلب من وزارة الخارجية البريطانية والتي تلقت بدورها طلبا من نظيرتها الأمريكية بضرورة السماح لتروتسكي بالمرور، ويشير أنتوني ساتون إلى أن تروتسكي قد رحل عن نيويورك بجواز سفر أمريكي تم إصداره بأمر من الرئيس الأمريكي ويلسون[38][38] .

   وبغض النظر عن مدى صحة معلومات ساتون ومصداقية وثائقه، فالتساؤل يبقى مطروحاً، من المفهوم أن يسعى الألمان لدعم مطالب تروتسكي بإخراج الجيش الروسي من الحرب، لكن إذا كان البريطانيين قد اعتقلوا تروتسكي نتيجة هذه المطالب وبالتالي تجريدهم من أحد حلفائهم مقابل تقوية وضع ألمانيا، فلماذا قامت السلطات البريطانية بالإفراج عنه بالرغم من أن مواقفه من الحرب لم تتغير ؟

   يقتصر تفسير أنتوني ساتون على أن هدف أمريكا في هذه اللحظة ورجال المال في وول ستريت هو دعم الشيوعيين للسيطرة على السلطة، وهو يبدو تفسيراً ساذجاً للغاية وغير مقبول أن يقوم رأسماليو وول ستريت بدعم قيام نظام يعتمد على العداء للرأسمالية أصلاً، وربما كان الأجدر بهم أن يدعموا حكومة كيرنسكي المعتدلة في هذا الشأن، ولكن يبدو أن الأمريكيين والبريطانيين، وبغض النظر عن موقفهم من الثورة والوضع العسكري للجيش الروسي، كانوا يرغبون في عدم حسم الموقف في روسيا سواء للحكومة المؤقتة أو للبلاشفة وإبقائها لفترة أطول في حالة الصراع بين القوى وهو ما يبرر سماحهم للمنفيين الروس، ومن بينهم تروتسكي وما برفقته من أموال، بالعودة لبلادهم، وربما على العكس من تحليلات ساتون فهذا الإجراء قد يشير لعدم ثقة الأمريكيين والبريطانيين في قدرة الشيوعيين الروس على استلام السلطة أو النجاح في سحب الجيش من الحرب ضد الألمان .

   وتجيب النقطة الثانية الأحداث السياسية المتزامنة مع نجاح الثورة الروسية في 1917، ومدى التأثير المتبادل بينها وبين الثورة الروسية عن خلفيات هذا المشروع الأمركو/بريطاني حول روسيا في هذه المرحلة التاريخية، حيث كانت التحضيرات بين البلدين والمنظمة الصهيونية العالمية تتم بهدف إعلان وعد بلفور، حيث قام الأخير بزيارة الولايات المتحدة في أبريل من سنة 1917 بعد وقت قليل من إعلان الأمريكيين دخول الحرب إلى جانب بريطانيا وقيامها بحشد قواها ومواردها الضخمة لخدمة الحلفاء، حيث طالب بالدعم الأمريكي في مشروع مساندة طموحات الصهاينة بوطن قومي لليهود في فلسطين، وقد أكد الرئيس الأمريكي موافقته على هذه الخطوة وأعلن عن هذه الموافقة في أغسطس في رسالة لليهود الأمريكيين[39][39]، كما حضر الكولونيل هاوس مندوب الرئيس الأمريكي جلسة مجلس الوزراء البريطاني التي نتج عنها وعد بلفور في 2 نوفمبر 1917[40][40] .

   والواقع أن دخول أمريكا في الحرب العالمية الأولى إلى جانب الحلفاء كان متوقعاً منذ يناير من العام 1917 عقب تجاوزات الغواصات الألمانية وتدميرها لعابرة المحيطات البريطانية لوزيتانيا والتي كانت تقل 118 راكباً أمريكياً، كما قامت بإغراق السفينة الأمريكية سوسكس، وهنا هدد الرئيس الأمريكي ويلسون بدخول الحرب ضد ألمانيا، وفي هذه الأثناء تمكنت المخابرات البريطانية من الحصول على برقية زيمرمان مساعد وزير الخارجية الألماني الموجهة لممثل ألمانيا في المكسيك والتي يقترح فيها على الحكومة المكسيكية الدخول في حلف مع ألمانيا في حال دخول الولايات المتحدة الحرب إلى جانب بريطانيا مقابل استرجاع المكسيك للولايات التي استولت عليها أمريكا في سنة 1848 وهي كاليفورنيا ونيومكسيكو[41][41] .

   لكن من الناحية الاقتصادية فقد كانت المصارف الأمريكية ترغب في ضمان قيام بريطانيا برد القروض الضخمة التي اقترضتها لتمويل عملياتها الحربية وربما سعى المصرفيون لممارسة ضغوط على الحكومة الأمريكية لدخول الحرب حماية لمصالحهم وأموالهم، خاصة بعد أن تدخل الرئيس الأمريكي بنفسه لإقناع ج . ب مورجان بتمويل بريطانيا في ديسمبر 1916 كانت هذه الخطوة ضمن مساعيه لإملاء إرادة الولايات المتحدة على الحلفاء لاحقاً، وهو ما اعترف به الاقتصادي البريطاني الشهير جون مينارد كينز[42][42] .

   إذن من الواضح أن بريطانيا بالرغم من حرصها على بقاء الجيش الروسي في الحرب مع الألمان إلا أنها استجابت للمطالب الأمريكية بالسماح للمهاجرين الروس بالرحيل في محاولة لإرضاء الجانب الأمريكي الذي مول عملياتها العسكرية وضمان مشاركته في الحرب، ولكسب دعمه في مشروعها الخاص بوعد بلفور .

   هذا فيما يتعلق بتروتسكي، أما ما يتعلق بروسيا فمن الطبيعي أن الحكومتين الأمريكية المدعومة من المصرفيين الأمريكيين وخاصة اليهود منهم، وكذلك البريطانية بطبيعة الحال، كانتا ترغبان في عدم حسم الأمور الداخلية بروسيا لعدة أسباب ربما كان أولها التنصل من المطالب الروسية في الشرق الأوسط والتي تم قبولها أثناء مفاوضات سايكس/بيكو خاصة ما يتعلق بفلسطين حيث تم الاتفاق على وضعها تحت إدارة دولية وهو ما كان يهدد وضع بريطانيا في منطقة قناة السويس ولم تكن تنوي في الواقع الالتزام بهذا التعهد، كما كان الأمريكيون والبريطانيون يرغبون في تسهيل ترحيل اليهود الروس إلى فلسطين وهو ما كان صعباً في العهد القيصري، وغير مضمون في حال انتصر البلاشفة، وأخيراً سعى البريطانيون لاجتذاب المنظمات الصهيونية المتواجدة في فلسطين لصفوفهم خاصة بعد نجاح العثمانيين والألمان في اجتذاب بعض المنظمات إليهم مثل منظمة هاشومير والتي ضمت في عضويتها المهاجرين اليهود الجدد، وخاصة القادمين من روسيا[43][43] .

   إذن فقد مول الألمان تروتسكي بهدف الدعوة لإخراج الجيش الروسي من الحرب، بينما ساعده الأمريكيين وسمح له البريطانيين بالتوجه إلى روسيا لإبقاء الوضع الداخلي الروسي دون حسم .

   هل استمرت العلاقة بين تروتسكي والمصرفيين اليهود بعد نجاح انتصار الثورة البلشفية؟

   تشير بعض الكتابات إلى وجود بعض رجال الأعمال في الاتحاد السوفيتي عقب انتصار الثورة ومن الغريب أن معظمهم كان على علاقة ما بتروتسكي، لعل أهمهم أرماند هامر نجل الشيوعي الأمريكي من أصول روسية يوليوس هامر، والذي تناولت علاقته بتروتسكي في المقال السابق، أثناء وجود الأخير في نيويورك[44][44] .

   كان يوليوس هامر قد تحول لرجل أعمال ثري عقب هجرته للولايات المتحدة الأمريكية شأنه في ذلك شأن عدد آخر من ذوي الميول المنشفية والذين ارتبطوا بعلاقات مع تروتسكي خلال مسيرته، وعقب نجاح الثورة البلشفية أرسل نجله أرماند هامر سنة 1921 حيث كان أول أجنبي يحصل على امتيازات تجارية من الحكومة السوفيتية، وقد أشار الكاتب النيوزيلندي كيري بولتون في دراسته ” وول ستريت وثورة نوفمبر 1917 البلشفية ” إلى دور تروتسكي في دعم هامر حيث وعده بأن السوفييت سوف يلتزمون بأي اتفاقيات يبرمونها[45][45] . وبالرغم من أن استثمارات هامر لم تكن مخالفة للسياسة الاقتصادية الجديدة NEP التي اتبعها لينين بهذه الفترة واعتمدت على إطلاق حرية التجارة الخاصة مع قيام الدولة بالتثبت من هذه المصلحة وبمراقبتها ومنح بعض وسائل الإنتاج للمستثمرين، عن طريق الامتيازات، ولفترة معينة من الزمن، وبشروط[46][46]، إلا أن الكاتب يرى أن دعم تروتسكي لهامر كان له دور في حصوله على إمتياز الاستثمار، ومؤكداً على أن تراجع ستالين عن سياسة الـ NEP ورحيل هامر وغيره من رجال الأعمال الأمريكيين عن الاتحاد السوفيتي كان من أهم أسبابه هو الصدام مع تروتسكي[47][47]، وبالرغم من أن تحليل الكاتب النيوزيلندي يبدو متجاوزاً في محاولته تسطيح الصدام بين الطرفين لهذا الحد لكن إشارته تمثل دليل على أن وجود هامر في الاتحاد السوفيتي كان معتمداً على دعم تروتسكي بالأساس .

   المصرفي اليهودي المتعاطف مع الصهيونية جاكوب شيف كان له تجربة أخرى عقب الثورة مع تروتسكي، في 14 نوفمبر من عام 1925 رعى تروتسكي إتفاقاً مع شركة لينا غولدفيلدس لاستخراج الذهب المملوكة لاتحاد البنوك البريطاني والمرتبط بدوره بالبيت المصرفي الأمريكي كون ليب[48][48] الذي كان يرأسه جاكوب شيف[49][49] .

   ومن الضروري الإشارة إلى تاريخ شركة لينا غولدفيلدس مع الروس لأهميته، ففي أبريل من سنة 1912 فتحت فرقة عسكرية روسية النار على عمال مناجم هذه الشركة المضربين على نهر لينا في سيبيريا وقتل وجرح مئات من الأشخاص[50][50]، الأمر الذي يثير العديد من التساؤلات حول سبب الاتفاق مع هذه الشركة من قبل تروتسكي، رغم تاريخا الأسود مع العمال الروس !!

   صيغة الاتفاق ذاتها تعد مثار للتساؤل، فقد منح الشركة تعويضاً جيداً عن خسائرها إبان الثورة، كما منحها مساحة جغرافية ضخمة للغاية، ولم يتوقف نشاطها هذه المرة على استخراج الذهب بل شمل الفضة، النحاس، الرصاص، والحديد، ووضع تحت تصرفها 3 من مصانع الاستخراج والتعدين، وكانت حصة السلطة السوفيتية 7% فقط مقابل 93% للشركة[51][51] .

   وقد استمرت الشركة في العمل حتى ديسمبر من العام 1929 عندما أرغمها ستالين على الرحيل وتحولت الشركة إلى شركة حكومية عقب تمكنه من طرد تروتسكي في فبراير 1929[52][52] .

   رجل أعمال آخر كانت له علاقات مع تروتسكي عن طريق خاله إبرام جيفوتوفسكي، وهو السويدي أولوف أشبيرغ رئيس بنك ستوكهولم نيا، والذي كانت له ميول يسارية كما يقال وبناء على دعمه لتروتسكي خاصة، فعقب انتهاء الحرب الأهلية تم تعيين تروتسكي في رئاسة الأمانة العامة للطرق والمواصلات، وخلال هذه الفترة عقدت أمانته اتفاقاً مع شركة نيد كويست وهولم لشراء القطارات بلغ 1000 قطار مقابل 200 مليون روبل روسي ذهبي وتم تسليم هذا العدد من القطارات خلال خمس سنوات[53][53] .

   غرابة الاتفاق تنبع من أن السويد لم تكن رائدة في صناعة القطارات كما أن الشركة لم تنتج في تاريخها أكثر من 40 قطاراً في العام بل أنها اضطرت للاقتراض من الاتحاد السوفيتي قرضاً بلغ 10 ملايين كورون دون فائدة لبناء الورشة الميكانيكية والمرجل كي تتمكن من الوفاء بالقطارات المطلوبة، وتزداد الغرابة أكثر إذا علمنا أن روسيا كان بها مصنعاً لصناعة القطارات يبلغ انتاجه 250 قطارا في العام[54][54] .

   وبالرغم من أن دور السويدي أولوف أشبيرغ ليس واضحاً في هذه الصفقة فالواقع أن الأموال المدفوعة للشركة السويدية أرسلت عبر مصرفه كما أن اختيار هذه الشركة السويدية على وجه التحديد من قبل تروتسكي وبهذا المقابل الكبير يؤكد كونه، أي أولوف أشبيرغ، على علاقة وساطة بهذه الصفقة[55][55] .

   في عام 1922 حصل أولوف أشبيرغ على ترخيص بتنظيم بنك مساهم للإقراض قصير الأجل وهو البنك التجاري الروسي، وقد سمح لهذا البنك بالقيام بكل العمليات الشبيهة بعمليات مصرف الدولة باستثناء علميات التراخيص[56][56]، ويذكر ستاريكوف أن الأموال التي دفعت في الصفقات المعقودة بواسطة تروتسكي كانت ترسل عبر هذا البنك[57][57] .

   يذكر أن المصرفي السويدي أولوف أشبيرغ قد اقترن اسمه بتروتسكي، أثناء وجود الأخير بالولايات المتحدة حيث ذكر الكاتب ديفيد ألان ريفيرا في كتابه ” إنذار نهائي : النظام العالمي الجديد ” أن المصرفي الأمريكي من أصل ألماني جاكوب شيف قام بتحويل 20 مليون دولار إلى تروتسكي تم إيداعها في بنك واربورغ، ثم تم تحويلها إلى بنك نيا في ستوكهولم والذي كان يرأسه أولوف أشبيرغ، ويشير الكاتب الأمريكي إلى أن جون شيف حفيد جاكوب شيف اعترف لاحقاً بما أنفقه جده على تروتسكي، كما أشار إلى أن هذه المعلومة نشرتها جريدة نيويورك جورنال الأمريكية في عددها الصادر يوم 3 أبريل 1949[58][58]، وبالرغم من أن مبلغ 20 مليون دولار يبدو ضخماً للغاية، إلا أن الخدمات التي قدمها تروتسكي لاحقاً لكلا الرجلين ربما تشير إلى أن الدعم المالي كان متواجداً بالفعل وإن لم تكن الأرقام دقيقة .

   على أن التعامل المتبادل بين تروتسكي وأشبيرغ لم يتوقف عند هذا الحد، فأثناء تواجد الأخير في الاتحاد السوفيتي كان برفقة صديقه الفنان السويدي ألبرت إنجستروم وكلاهما أصبح مهتماً بجمع الآثار والتحف وحصلا على بعضها من متحف موسكو التاريخي دون توضيح كيفية تمكنهما من ذلك، إلا أن الصعوبة كانت تتمثل في خروجهما من الاتحاد السوفيتي إلى السويد بهذه المنقولات، لكن إنجستروم تمكن من مقابلة ناتاليا تروتسكايا (زوجة تروتسكي الثانية) والتي كانت ترأس لجنة مكلفة بالحفاظ على التراث الثقافي الروسي ومهمتها في المقام الأول منع تهريبه إلى الخارج، لكن تروتسكايا وافقت على قيام إنجستروم بإخراج عدد غير معروف من قطع هذا التراث المكلفة بحمايته من التهريب[59][59] .

   إلى أي مدى تجاوب لينين مع مشروعات تروتسكي ؟

   لقد أشرت في هذا المقال إلى حجم الصدام الذي تم بين لينين وتروتسكي قبل الثورة البلشفية، والذي استمر حتى سنة 1917 ذاتها، وهنا يطرح الكاتب الروسي ستاريكوف تساؤلاً حول أسباب عرض البلاشفة على تروتسكي الانضمام بمجموعته إليهم في مايو 1917 رغم كل هذا العداء بين الطرفين[60][60] ؟! ثم تساؤل آخر حول أسباب صمت لينين (بحسب الكاتب) على الممارسات التخريبية لتروتسكي خلال فترة حياته[61][61] ؟!

   والواقع أن ستاريكوف القومي النزعة كما يبدو من كتاباته يطرح التساؤل بنوع من الاتهام للينين بأنه كان مشاركاً لتروتسكي، وهو اتهام لم يقم عليه أي دليل أو حتى وقائع، على عكس التهم الموجهة لتروتسكي والتي تتضمن أحداث وأرقام ووقائع بعضها مؤكد واعترف به تروتسكي ذاته .

   إن افتراض تلقي لينين لتمويل برفقة تروتسكي يتعارض مع رفض الأخير الانضمام إلى البلاشفة في مايو عندما عرض على مجموعته ككل المساهمة في التحضير للمؤتمر القادم للحزب ووضع التدابير الثورية للتوحيد، ومحاولته الإبقاء على مجموعته مستقلة بحثاً عن جماهيرية يفتقد إليها وتأجيله قرار الانضمام حتى شهر يوليو، ويرى سوبوليف أن تروتسكي أضطر للانضمام إلى البلاشفة بضغط من مجموعته الذين انتقلوا بإخلاص إلى المواقع الثورية واعترفوا بصواب اللينينية تماماً[62][62]، وبالتالي فإن صياغة ستاريكوف لسؤاله خاطئة أصلاً فلينين لم يعرض على تروتسكي الانضمام للبلاشفة وإنما عرض الانضمام على كل المجموعة التي كان منتمياً إليها، كما أن تعليق لينين على تأخر انضمام تروتسكي للبلاشفة بقوله : ” حقاً ألا تعرفون ؟ إنه الطموح، الطموح، الطموح [63][63]، يشير إلى أنه يعي تماماً أن الطموحات الشخصية لتروتسكي في منافسته كقائد للثورة كان لها دورها، ولو كان ممول الرجلان واحد كما حاول ستاريكوف الإشارة لحدث التوحد قبل العودة إلى روسيا باعتبار توحد المشروع .

   لقد كان الاتهام الأساسي الذي واجهه لينين يتعلق بدور بارفوس الذي سبق وأشرت إليه وإلى علاقته بتروتسكي والألمان، لكن ما يضاف إلى ذلك أن محاولات بارفوس التوحيدية لصفوف المعارضين للقيصر فشلت تماماً وبسبب رفض لينين ذاته، ولو كان هناك ثمة دعم مالي للينين من بارفوس والألمان، لكان موقفه مختلفاً بكل تأكيد، ناهيك عن أن ما ينفي أي تعامل بين لينين وبارفوس هو انتماء الأخير للمناشفة ثم تحوله لدعم الألمان، وهو ما دفع رفاقه الشيوعيين إلى وصفه بأنه كان : ” مخبراً روسياً، ووغداً، وخائناً للثقة … وهو الآن عميل تركي ومضارب في التجارة [64][64]، كما وصفه لينين بأنه تحول إلى شوفيني ورفض مقابلته لاحقاً[65][65]، وبالرغم من أن الكاتب الأمريكي فرومكين يشكك في مصداقية موقف لينين ويدعي أنه قبل لاحقاً مالاً من بارفوس، لكنه لم يأت بأي دليل أو نص يشير إلى ذلك مكتفياً بالتخمين لا أكثر، وبالتأكيد أنه لو كان لديه أي دليل لعرضه في كتابه الضخم ” سلام ما بعده سلام “، وفي كل الأحوال كان هناك أربع حواجز تفصل ما بين بارفوس ولينين الأول انتماء الأول للمناشفة، الثاني سلوكياته المالية المثيرة للشبهة، الثالث صداقته وتعاونه مع تروتسكي، والرابع هو تحوله للاشتراكية الشوفينية التي طالما ندد بها لينين[66][66]، وهنا يجب توضيح أن بارفوس سعى لدخول الاتحاد السوفيتي بعد انتصار الثورة إلا أن لينين رفض منحه سمة دخول[67][67] .

   ومن الضروري الإضافة أن مثل هذه المفاوضات سواء قبل انتصار الثورة أو بعدها، لم تقتصر على مجموعة تروتسكي، ولم تكن دائماً معبرة عن إرادة لينين، ففي 29 أكتوبر من سنة 1918، أي بعد انتصار الثورة، بدأت اللجنة المركزية البلشفية مفاوضات بقيادة كامينيف، وريازانوف وسوكولنيكوف مع المناشفة والاشتراكيون الثوريون بهدف ضمهم لحكومة ائتلافية، وكانت هذه المفاوضات بدون علم لينين ذاته، وبغض النظر عن كونها فشلت في النهاية أو كونها خطوة خاطئة تماماً[68][68]، فإن مبدأ تحييد الخصوم أثناء الصراعات والثورات أو ضمهم للصفوف يبقى وارداً ويستخدم دون أن توجه اتهامات لمن يقومون به .

   إن وجود شخصيات انتهازية بين قيادات الثورات ليست قاصرة على الثورة البلشفية في روسيا، بل ربما تكون طابع عام لأي ثورات، كما أن التحالفات بين الاتجاهات المتقاربة فكرياً (بحسب الظاهر) قبل المواجهة مع السلطة القائمة ليس قاصراً كذلك على البلاشفة، لقد تابع العالم تكرار هذه الأحداث في الثورة الصينية سنة 1949 وما بعدها، وثورة الجيش المصري سنة 1952، والثورة الإسلامية في إيران سنة 1979، وكلها شهدت أحداث متقاربة بالرغم من التنوع الأيدولوجي لقياداتها .

   أما التساؤل الثاني الذي طرحه ستاريكوف في كتابه عند تناوله قضية القطارات سالفة الذكر، فقد شكك في لينين باعتبار أنه عند علمه بتفاصيل الصفقة التي نشرتها صحيفة الأيكونوميست الروسية لم يقم بإيقافها وإنما كلف دزيرجنسكي بإغلاق صحيفة أيكونوميست الروسية معتبراً أن هذا الإجراء إشارة إلى محاولة لينين التغطية على ممارسات تروتسكي[69][69] .

   الواقع أن ستاريكوف يرتكب مغالطة أخرى هنا عندما يربط بين إغلاق الأيكونوميست وبين اعتراضها على الصفقة التي وقعها تروتسكي، فبحسب اعترافه هو نشرت أيكونوميست مقالها بخصوص صفقة القطارات في بدايات عام 1922، بينما اقترح لينين إغلاق الأيكونوميست على الرفيق دزيرجنسكي في رسالة رد فيها على سؤال من الأخير حول رأيه في مطبوعات بتروجراد ومن بينها أيكونوميست، وقد كتبت هذه الرسالة في 19 مايو 1922، بما يعني أن إغلاق المجلة الروسية لم يكن مرتبطاً بهذه الحادثة وإنما نتيجة دعمها للثورة المضادة كما تنص رسالة لينين الموجهة إلى دزيرجنسكي والتي لم تشر إطلاقاً إلى تروتسكي[70][70] .

   أما المغالطة الأكبر فهو تساؤله عن سبب إحجام لينين عن إلغاء الصفقة بينما يذكر هو ذاته حجم التعويضات التي طولب بها الاتحاد السوفيتي عندما قرر ستالين إلغاء الاتفاق مع شركة لينا غولدفيلدس حيث لجأت الشركة للمحكمة الدولية التي حكمت على الاتحاد السوفيتي دفع 12 مليون و965 ألف جنيه سترليني لصالح الشركة لولا تغير الموقف الدولي بنشوب الحرب العالمي الثانية واستغلال ستالين لهذه الفرصة لإعلان إلغاء الاتفاقية[71][71]، وإذا كان الاتحاد السوفيتي في فترة نهوضه وبعد سيطرة زعيمه القوي ستالين على مقاليد السلطة لم يستطع الإفلات من دفع تعويضات باهظة لعلاج الورطة التي تسبب فيها تروتسكي ولم ينقذه سوى اشتعال الحرب العالمية الثانية، فكيف تصور ستاريكوف أن لينين كان سيتمكن من هذا الإجراء مع اضطراب الأوضاع التي كان الاتحاد السوفيتي يعانيها ؟

   بقى أن أشير إلى أن لينين لم يكن مطلق اليد في التصرف، كما يحاول الكاتب الروسي أن يوحي به لقرائه، فرغم دخول كامينيف في مفاوضات مع المناشفة والاشتراكيين الثوريين الذين طالبوا، ضمن مطالب أخرى، بضرورة إبعاد لينين ونزع سلاح الأفواج البلشفية، لقبولهم الدخول في حكومة ائتلافية مع البلاشفة، بل وتأييده لهذه المطالب إلا أنه انتخب لاحقاً رئيساً للهيئة التنفيذية المركزية للسوفييتات[72][72]، ولو كان للينين مثل هذه السيطرة المطلقة التي يوحي بها ستاريكوف فإن وضع كهذا لم يكن يمكن قبوله أو حتى مناقشته، أي أن يتم انتخاب كامينيف لموقع هام بهذه الدرجة، بالرغم من موقفه المتخاذل للغاية أمام أحزاب أقلية وتمت إزاحتها من السلطة بفعل الثورة البلشفية ودعمه لفكرة إبعاد لينين ذاته .

   من المؤكد أن لينين لم يستسلم أمام هذا الموقف وانتهت الأزمة لمصلحته بعد أن وجد الانهزاميون أن الأحزاب الأخرى لا ترغب بالفعل في المصالحة وإنما في إزاحة البلاشفة عن السلطة، لكن الواضح كذلك أن عمل الحزب وقراراته لم تكن تدور بحسب إرادة لينين وأفكاره فقط وإنما كانت هناك شخصيات وقوى أخرى لديها القدرة على العمل بل وعلى التخريب أحياناً كما حاول كامينيف وزينوفيف أن يفعلا[73][73] .

   لقد كان لينين يدرك تماماً أن حزبه البلشفي يحتوي على أجنحة واتجاهات متنوعة، منها اليساري ومنها اليميني[74][74]، والأمر ليس قاصراً على تروتسكي، كان هناك البلاشفة منذ البداية، والذين صاروا بلاشفة قبل الثورة أمام طغيان شعبية لينين، وعقب نجاح الثورة حدثت تحولات مختلفة، فزينوفيف الذي كان برفقة لينين أثناء عودته إلى روسيا بعد الإطاحة بالقيصر[75][75]، تحول إلى انهزامي ومتضامن مع كامينيف في سعيه للتحالف مع الاشتراكيين الثوريين والمناشفة وقدم استقالته مع كامينيف للضغط على الحزب البلشفي، ولم يكن بوسع لينين في هذه المرحلة القيام بأي حملة تطهيرية بين صفوف الحزب[76][76] .

  لقد فشل نيكولاي ستاريكوف، كغيره من الكتاب المعادين للثورة البلشفية، في إيجاد أي دليل يستخدمه لإدانة وتشويه لينين، فاستخدم تروتسكي وخطاياه وقدر من تخميناته وتحليلاته كأدوات لإثارة الغبار حول صورة لينين، وهذا هو كل ما تمكن من فعله وليس أكثر[77][77] .

   هل يمكن وصف مشروعات تروتسكي بمؤامرة للمصرفيين اليهود ؟ وما أهدافها ؟

   لا يمكن تجاهل حقيقة أن كل الشخصيات المصرفية التي دعمت تروتسكي يجمعها الانتماء للديانة اليهودية حتى ولو كانوا غير متدينين بها في حياتهم العملية : بارفوس، جاكوب شيف، هامر، أشبيرغ وخاله إبرام جيفوتوفسكي، ويضاف إليهم تروتسكي كذلك، وبالرغم من أن ميولهم السياسية كانت مختلفة وربما متناقضة إلا أنهم اتفقوا على دعم تروتسكي مالياً وسياسياً في النهاية .

   من ناحية أخرى ترافق هذا الدعم ومحاولة استغلال تروتسكي في روسيا ذات الكثافة اليهودية مع سعي البريطانيين بناء على مفاوضاتهم مع المنظمة الصهيونية العالمية لإعلان تصريح بلفور الشهير سنة 1917 وكذلك مشاركة الولايات المتحدة في الحرب العالمية الأولى .

   لقد ذكرت سابقاً ، في هذا المقال، الأسباب التي دعت الألمان لدعم تروتسكي وتمويله، وفي ذات الوقت الأسباب التي من أجلها دعمه كل من الأمريكيين والبريطانيين رغم أن الطرفين كانا طرفي الحرب، لكن هذه الأسباب لا تعني أن أي من هذه الأطراف كان يتوقع نجاح البلاشفة في الوصول للسلطة ومن الواضح أن الغاية النهائية كانت إبقاء الوضع في روسيا غير محسوم لفترة طويلة، وربما كان الدليل على ذلك هو أن المصرفيين الداعمين لتروتسكي ومن بينهم جاكوب شيف وج . ب مورجان الذي استخدم أولوف أشبيرغ كوسيط له في روسيا عبر شركته Guaranty Trust ، قاموا في سنة 1920 بتأسيس منظمة الأمريكيون المتحدون والتي اهتمت بمكافحة الشيوعية والاشتراكية ومجموعات المزارعين الاجتماعية المتطرفة[78][78]، كما قامت شركة مورجان سالفة الذكر بتمويل الأدميرال ألكسندر كولتشاك في سيبيريا والذي كان يقاتل الجيش الأحمر السوفيتي[79][79] .

   إن هذا العمل المزدوج من هذه المجموعات المصرفية يعني الرغبة في إبقاء الوضع الروسي مضطرباً لفترة طويلة، لكن انتصار البلاشفة في النهاية ونجاحهم في القضاء على خصومهم بمختلف تنوعاتهم السياسية يبدو أنه فرض عليهم خطط مختلفة عبر استخدام تروتسكي ومجموعته بين البلاشفة في محاولة لاحتواء الدولة الجديدة واتجاهاتها الثورية بهدف التخفيف من حدة تأثير شعاراتها الثورية لدى الطبقة العاملة في الغرب الأوروبي وأمريكا، وفي نفس الوقت السيطرة على تحركاتها الدولية ودعمها المتوقع للأحزاب الاشتراكية، الأمر الذي قد يفسد خطط الغرب وخاصة فيما يتعلق بمنطقة الشرق الأوسط .

  إن الدليل الأبرز على صحة هذا الاستنتاج هو موقف الدول الغربية من الاتحاد السوفيتي في سنة 1925 عندما قامت بما يطلق عليه ” حصار الذهب “، يقول ستاريكوف : ” في المؤتمر الرابع عشر للحزب الشيوعي الروسي في 1925 تم إقرار التوجه نحو إحداث قفزة سريعة في الإنتاج الصناعي (التصنيع الاشتراكي) . وعلى الفور هنا يبدأ الغرب (حصار الذهب) . الغاية من هذا التصريف بسيطة – لا يمكن للاتحاد السوفيتي شراء الآلات والأدوات إلا على حساب خاماته الطبيعية وموارده . سيبقى الذهب كتلة هامدة في أقبية الخزينة، النفط والخشب والحبوب، وخصوصاً الحبوب – هذا ما يريده الغرب مقابل توريد المعدات الصناعية . وهذه المعدات هي الجوهر الأساسي للنهضة الصناعية . يمكننا أن نقيم الأبنية بأنفسنا ولكنها ستكون علباً فارغة بدون المعدات والآلات فالاقتصاد المنهار والذي كان في داخل البلاد مدمراً عملياً تطلب منتجات صناعية ثقيلة . ولن تنجر شيئاً بدون المعدات الغربية . وسيدفع ثمن التوريدات من مواردنا الطبيعية فهم لا يقبلون الذهب منا [80][80] .

   يربط نيكولاي ستاريكوف هذه الاجراءات التي اتخذها الغرب بالصراع الذي شهده الحزب عقب وفاة لينين بين ستالين وتروتسكي مشيراً إلى أن هزيمة تروتسكي ورحيله في سنة 1929 كانت بداية تطوير الغرب لضغوطه الاقتصادية على الاتحاد السوفيتي بغية إخضاعه دون اللجوء للتدخل العسكري، مستدلاً بالقيود الاقتصادية التي فرضت بداية من سنة 1930 وحتى سنة 1933 والتي شملت كذلك منع تصدير الأخشاب ومنتجات النفط والإبقاء على الحبوب فقط، معتبراً أن الصراع بين ستالين وتروتسكي كان في جوهره معركة حاسمة للسيطرة على موارد الاتحاد السوفيتي الطبيعية، فلو أن تروتسكي انتصر في هذا الصراع لملأت الامتيازات والتراخيص كل الاتحاد السوفيتي[81][81] .

   كان هدف الغرب هو حدوث مجاعة تؤدي لانفجار داخلي وإزاحة ستالين، وقد حدثت المجاعة بالفعل عامي 1932، 1933 في أوكرانيا حيث مات عدد كبير من الناس فيما سمي بـ” مجاعة الموت “، وبعدها مباشرة قبل الغرب من البلاشفة النفط والخشب والمعادن الثمينة لينتهي حصار الذهب، لكن النتائج المرجوة لم تحدث فقد استمر ستالين واستمرت خططه في إقامة الصناعة والنهوض بالاتحاد السوفيتي محققاً مشروعه[82][82] .

   إن ما ذكره ستاريكوف يعني أن الغرب كان يسعى في الواقع إلى تدجين الاتحاد السوفيتي، مستخدماً ليون تروتسكي والمعارضين لستالين الذي حاولوا إعاقة مشروعات ستالين الهادفة للنهوض الصناعي سنة 1925، وفي نوفمبر من سنة 1927 قام أتباع تروتسكي وزينوفيف بمظاهرات في موسكو ولينينغراد أدت إلى قيام ستالين بفصلهما من الحزب وإبعاد تروتسكي إلى ألمآتا في كازاخستان[83][83]، وهو ما دفع الغرب لزيادة ضغطه الاقتصادي على الاتحاد السوفيتي بعد قيام ستالين بقطع ذراعه في الداخل .

   قد يكون هناك مجال للجدل حول تحليل ستاريكوف بوجود علاقة بين صراع ستالين/تروتسكي وبين الضغوط الغربية على الاتحاد السوفيتي، كونه في النهاية تحليل لكاتب معاد للشيوعية، لكن الحقيقة أن رصده لهذه القضية كان مدافعاً عن الدولة السوفيتية وموقفها ومعادياً فقط لتروتسكي، ويبدو من الغريب أن ينحاز كاتب قومي للفترة الستالينية والتي تستغل الافتراءات حولها ضد الشيوعية بشكل عام، وكان بإمكان الكاتب أن يستخدم المعلومات الغربية المغلوطة للطعن في تروتسكي وستالين على السواء[84][84] .

   خاتمة

   بالرغم من سعي هذا المقال لتقديم إجابات على بعض التساؤلات المثارة بخصوص شخصية تروتسكي، إلا أن هناك علامات استفهام أخرى لن يمكن تقديم أي إجابات حاسمة بخصوصها إلا عبر إعادة دراسة وصياغة تاريخ الاتحاد السوفيتي والحزب الشيوعي الروسي سواء بفرعيه وغيره من الأحزاب الشيوعية والاشتراكية في هذه الفترة، وإعادة قراءة لوثائق هذه الأحزاب بعيداً عن صخب وضجيج الدجل والتزوير الإعلامي الصاخب الذي يقوم به الإعلام الغربي حول هذه القضايا والذي أصبح يتم التعامل معه كحقائق تاريخية وخاصة فيما يتعلق بالرفاق لينين وجوزيف ستالين وماو تسيتونغ والذي ينقم عليهم الغرب الأورو/أمريكي كونهم الزعماء الذين تمكنوا من تحويل الاتحاد السوفيتي والصين من قوى متخلفة إلى قوى عظمى .

   إن المشكلة الأساسية فيما يتعلق بمحاولة البحث حول هذه الفترة التاريخية هو كونها تقع في لحظة تاريخية فارقة للغاية، وبالتالي فقد شهدت الكثير من التداخل والتشابك ما بين المشروعات الاستعمارية الأوروبية، لكنها كذلك شهدت محاولة الولايات المتحدة الأمريكية الخروج من عزلتها والسيطرة على نظيراتها الأوروبية مستغلة لجوء هذه الأخيرة لمصارفها من أجل الإنفاق على عملياتها العسكرية، والأهم هو سعي كل من بريطانيا والولايات المتحدة لرسم خارطة لما أطلق عليه الشرق الأوسط تتضمن تأسيس دولة الكيان الصهيوني .

   لم يكن الوضع الروسي بعيداً عن هذه المشروعات أو منفصلاً عنها ومستقلاً بحالة ذاتية، وإنما كان في قلب هذه المشروعات سواء على الجانب الأوروبي أو فيما يتعلق بالشرق الأوسط وتأسيس الكيان الصهيوني، ومن هنا فإن سعي طرف الحرب العالمية إلى إيجاد ذراع داخل روسيا عقب سقوط القيصر كان مفهوماً، مع توضيح أن كل من هذه القوى كانت له مشروعات مختلفة تجاه روسيا، وإن اتفقت وتجمعت في نقطة واحدة أو عند ما سيقدمه شخص واحد .

   وبالتالي فلا يوجد تعارض حقيقي بين أن يسعى الألمان للاستفادة من تروتسكي، وفي نفس الوقت أن يستغله البريطانيون والأمريكيين مع كون هدف كل منهما مختلفاً عن الآخر، خاصة لو كان هو ذاته يرى أن كلا المشروعين يحقق طموحاته أو على الأقل لا يتعارض معها، سواء خروج روسيا من الحرب، أو تسهيل هجرة اليهود إلى فلسطين وتأسيس وطن قومي لهم .

   على أنني أعتقد من نقد الأحداث المحيطة بالتاريخ الروسي في هذه الفترة أن كلاً من الألمان والبريطانيين وحتى الأمريكيين، قد اتفقوا على ضرورة إبقاء روسيا في حالة اضطراب لفترة أطول، ومن هنا كان من الضروري وجود المنشفي تروتسكي بما يحظى به من تمويل في مواجهة كل من البلشفي لينين والاشتراكي الثوري كيرنسكي، لكن يبدو أن اقتراب الثورة من النجاح قد غير الكثير من الحسابات وأصبح من الضروري أن يعمل تروتسكي ضمن البلاشفة[85][85] .

   يبقى أن البعض قد يتهم هذا المقال بأن مراجعه لا يمكن التثبت من مصداقيتها، أو أن ما يحويه من اتهامات موجهة لتروتسكي لا يمكن الارتكان لها نظراً لأن المراجع المعتمد عليها معادية للشيوعية عموماً وبالتالي من الطبيعي أن تسعى لتشويه صورته، كما أنه حتى بعض المراجع الشيوعية على خلاف مع الاتجاه التروتسكي، كما قد يشير البعض إلى أن الكاتب اهتم بالاتهامات الموجهة لتروتسكي من هذه المراجع في الوقت الذي بذل جهده للدفاع عن لينين رغم أن نفس الاتهامات قد طالته كذلك .

   ومثل هذا النقد قد يكون ذا مصداقية في حال تم تدوين الاتهامات السالفة الذكر دون نقد أو قراءة تحليلية للأحداث المتفق عليها حتى في المراجع المتعاطفة مع تروتسكي، والأهم أن تقييم ادعاءات كل طرف لم يكن بناء على قبول مزاجي من الكاتب بقدر ما كان حسب ملائمته لسياقات الأحداث ككل .

   إن طبيعة الأحداث التاريخية بشكل عام تعتمد على تعدد المرويات والتي تعبر عن مصالح ووجهات نظر اتجاهات مختلفة، لكن مصداقية أي مروية تاريخية تقوم على ملائمتها لسياق الأحداث العام المرتبط بالدوافع والمقدمات والنتائج النهائية، وبالرغم من أن هذه المنهجية لا تمنحنا كذلك يقيناً نهائياً مقارنة بالوثائق، خاصة فيما يتعلق بالتاريخ الحديث، لكنها في النهاية تمكننا من ترجيح أحد المرويات على أخرى، أو على الأقل ميل كافة احتمال المصداقية لأحدها دون الأخرى، وهنا سيكون على الباحث التاريخي الربط بين كل الوقائع الخاصة بالحدث كي تبدو اللوحة أكثر وضوحاً بالنسبة له .

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.


[1][1] ينتمي كاتب المقال للتوجه الماوي لكن الاعتماد على كتابات منتمية لهذا التوجه أو التوجهات المذكورة لن يكون حيادياً نظراً لكونها اصطدمت مع التروتسكية في مواقف تاريخية عديدة وبالتالي فروايتها للأحداث قد تتهم بالانحياز لمواقفها، أما التوجهات المعادية للشيوعية بشكل عام فلم تصطدم بالتروتسكية في موقف تاريخي وإن عارضتها أيديولوجياً، ولو بشكل ظاهري، لكن تبقى معلوماتها في حاجه للتدقيق ويجب التعامل معها بحذر .

[2][2] جون ريد . عشرة أيام هزت العالم . طبعة دار التقدم . موسكو (بدون ذكر تاريخ الطباعة) . ص 22 .

[3][3] تروتسكي . حياتي – النشأة والتكوين . توثيق : إندي أوكلاهان . ترجمة : عبدالرؤوف بطيخ . مراجعة : محمد أمين صالح . بدون ذكر دار النشر . القاهرة 2019 . ج 1 ص 106 .

[4][4] تروتسكي . م . س . ج 1 ص 110 . في نصه ذكر تروتسكي أنه لم يكن عضواً في أي من الفصيلين .

[5][5] تروتسكي . م . س . ج 1 ص 93، 94 ، إرفنج هاو . تروتسكي . ترجمة : نديم خوري . طبعة المؤسسة العربية للدراسات والنشر . الطبعة الأولى . بيروت 1979 . ص 22 .

[6][6] م . س . ص 27 ، توني كليف . لينين وبناء الحزب . ترجمة : أشرف عمر . وحدة الترجمة – مركز الدراسات الاشتراكية . موقع الاشتراكي https://revsoc.me . ص 169 . جدير بالذكر أن الكاتب توني كليف ينتمي للتيار التروتسكي . أما عمليات المصادرة فهي عمليات سطو مسلح على المصارف وغيرها من المؤسسات من أجل سد احتياجات الحزب المالية الملحة وذلك نتيجة تدهور مالية الحزب عقب فشل ثورة 1905 وانقطاع كافة المتبرعين الأثرياء المتعاطفين مع الحزب عن تمويله، يقول توني كليف :كانت واحدة من أهم المتعاطفين الذين تبرعوا بمبالغ كبيرة هي م. كاليمكوفا (كانوا يدعونها “العمة”)، حيث وفرت من أموالها التمويل الأساسي الذي صدرت به جريدة الإيسكرا. كانت كالميكوفا صاحبة دار نشر وتوزيع تصدر عنها كتب تقدمية وأدبيات شعبية رخيصة السعر، وكانت صديقة قريبة لكروبسكايا زوجة لينين. أما موروزوف، المستثمر الثري بالغزل والنسيج، فقد كان يتبرع للحزب شهرياً بألفي روبل عن طريق المهندس كراسين، وكذلك ابن أخيه ن. ب. شميدت، الذي سنشير إليه لاحقاً، من أكثر المساهمين في مالية الحزب البلشفي.

ومع سيطرة الرجعية وتدهور الثورة، انقطع كافة المتعاطفين الأثرياء عن التبرع للبلاشفة، وفشل لينين كثيراً في جمع أي أموال آنذاك، وكذلك كروبسكايا، التي لم تكن فقط عضواً في الأمانة العامة للجنة المركزيةبل أيضاً مسئولاً لمالية الحزب ككل، أخذت تشكو مراراً وتكراراً من نقض الأموال ” .

[7][7] إسحق دويتشر . النبي المسلح .. تروتسكي 1879 – 1921. ترجمة : كميل قيصر داغر . طبعة المؤسسة العربية للدراسات والنشر . الطبعة الأولى . بيروت 1981 . ص 255 . ذكر دويتشر في هامش صفحتي 255 و256 أن تروتسكي رفض لاحقاً نشر هذه الرسالة المرسلة إلى تشخيدزه والتي وجدت في محفوظات الشرطة الروسية عام 1921، وعندما سأله أولمينسكي المسئول عن محفوظات الحزب إن كان ينبغي نشر هذه الرسالة أجابه تروتسكي بالرفض مشيراً إلى أن هناك ضرراً سياسياً يترتب على بعث جدالات قديمة .

[8][8] م . س . ص 162 . وصف لينين لتروتسكي بالبالالايكين نوع من السخرية حيث أن الأخير أحد شخصيات الكاتب الروسي الساخر سالتيكوف شيدرين فهو ثرثار، ماهر في التخطيط، مدع، ومحام، وكما يذكر دويتشر في تعليقه بهامش الصفحة على قول لينين أن الأخير وصف تروتسكي بهذا الوصف رداً على اتهام تروتسكي له بأنه محامي مشوه .

[9][9] سوبوليف . التروتسكية خصم الثورة . ترجمة : خيري الضامن . طبعة دار التقدم (بدون ذكر رقم الطبعة) . موسكو 1974 . ص 29 .

[10][10] إرفنج هاو : ناقد أدبي واجتماعي امريكي من أسرة يهودية ملدوفية مهاجرة واسمه الأصلي هاو كايرفينج هورينشتاين، بدأ تروتسكيا حتى منتصف الخمسينات قبل أن يتحول للاشتراكية الديموقراطية، ويلاحظ في كتابه الانحياز التام لتروتسكي بالرغم من تحوله السياسي . (Richard Bernstein, Irving Howe, 72, Critic, Editor and Socialist, Dies, from:

[11][11] إرفنج هاو . م . س . ص 23 .

[12][12] إسحق دويتشر . م . س . ص 264، 265 .

[13][13] م . س . ص 276، 277، 279 .

[14][14] م . س . ص 290 ، كورمييف . المنشفي تروتسكي ووقائع ثورة أكتوبر . ترجمة : مشعل يسار . مقالة بموقع الحوار المتمدن . عدد 5212 بتاريخ 3/7/2016 . شوهد بتاريخ 15/12/2019 . من الرابط : http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=522842&r=0

[15][15] م . س . ص 278 .

[16][16] م . س . ص 280 .

[17][17] م . س . ص 280 .

[18][18] م . س . ص 280 .

[19][19] م . س . ص 269 .

[20][20] تروتسكي . حياتي .. ثورة 1905، النفي وثورة 1917 . توثيق : أيندي أوكلاهان . ترجمة : عبدالرؤوف بطيخ . مراجعة : محمد أمين صالح . بدون ذكر دار النشر . القاهرة 2019 . ج 2 ص 53 .

[21][21] م . س . ص 53 ، دويتشر . م . س . ص 269 .

[22][22] Antony C. Sutton, 1974, Wall Street and the Bolshevik Revolution : From: http://www.reformation.org/wall-st-bolshevik-ch2.html .

[23][23] ديفيد فرومكين . سلام ما بعده سلام .. ولادة الشرق الأوسط 1914 – 1922 . ترجمة : أسعد كامل إلياس . طبعة شركة رياض الريس للكتب والنشر . الطبعة الأولى . لندن 1992 . ص 273 .

[24][24] تروتسكي . م . س . ج1 ص 107، 108 .

[25][25] ديفيد فرومكين . م . س . ص 273 .

[26][26] سوبوليف . م . س . ص 34 .

[27][27] ديفيد فرومكين . م . س . ص 273، 274 .

[28][28] تروتسكي . م . س . ج1 ص 108 .

[29][29] ديفيد فرومكين . م . س . ص 273 .

[30][30] ديفيد فرومكين . م . س . ص 274 .

[31][31] م . س . ص 275 .

[32][32] تروتسكي . حياتي ثورة 1905، النفي وثورة 1917 . توثيق : إندي أوكلاهان . ترجمة : عبدالرؤوف بطيخ . مراجعة : محمد أمين صالح . بدون ذكر دار النشر . القاهرة 2019 . ج 2 ص 6 .

[33][33] مجموعة من الأساتذة السوفييت . نضال حزب البلاشفة ضد التروتسكية 1903 – 1917 . تعريب : فارس غصوب . طبعة دار الفارابي . بيروت 1974 . ص 224 .

[34][34] ديفيد فرومكين . م . س . ص 541، 542 .

[35][35] دويتشر . م . س . ص 296، 270 . ذكر دويتشر أن جريدة رييش التابعة لميليوكوف نقلت رواية تقول أن تروتسكي تلقى قبل رحيله من نيويورك مبلغ عشرة آلاف دولار من الأمريكيين الألمان، الذين كلفوه بأن يدعم بهذا المبلغ التحريض الانهزامي في روسيا . وكتبت صحف أقل أهمية أن هذا المال دفعته هيئة الأركان العامة الألمانية . كما ذكر أن ميليوكوف أكد أنه تلقى هذه المعلومات من السفير البريطاني في روسيا السير جورج بوشانان .

[36][36] م . س . ص 269، 270 .

[37][37] م . س . ص 298، 301، 302 .

[38][38] Antony C. Sutton, 1974, Wall Street and the Bolshevik Revolution : From: http://www.reformation.org/wall-st-bolshevik-ch2.html . أشار أنتوني ساتون إلى إبلاغ رجال الحدود الفنلنديين لنظرائهم في روسيا وإنجلترا وفرنسا بمرور تروتسكي ورفاقه مستخدمة تعبير أشخاص مشبوهين يحملون جوازات سفر أمريكية .

[39][39] د.أحمد عبدالرحيم مصطفى . الولايات المتحدة والمشرق العربي . كتاب عالم المعرفة عدد أبريل . الكويت 1978 .  ص 49، 50 .

[40][40] د. محمد القنطار . قراءة في سياسة الولايات المتحدة الأمريكية حيال القضية الفلسطينية من روزفلت حتى ترومان . دراسة بمجلة دراسات تاريخية . جامعة دمشق . عدد : 127 – 128 . تموز – كانون أول 2014 . ص 390 .

[41][41] ناهد إبراهيم دسوقي . دراسات في التاريخ الأمريكي . دار المعرفة الجامعية . الطبعة الأولى . الإسكندرية 1998 . ص 145 .

[42][42] م . س . ص 145 ، ديفيد فرومكين . م . س . ص 283 . في بيان باسم الخزينة البريطانية أمام مجلس الوزراء قال كينز : ” ستكون السلطة التنفيذية الأمريكية والشعب الأمريكي في وضع لإملاء إرادتهما على هذه البلاد “ .

[43][43] رياض محمود الأسطل . تصريح بلفور (دراسة تحليلية لمضمون النص، في ضوء الحقائق التاريخية) . دراسة بمجلة كلية التربية الصادرة عن كلية التربية الحكومية بغزة . المجلد 4 العدد الأول يناير 2000 . ص 67 – 71 . ربما كان الدليل الأهم على رغبة البريطانيين في العمل على تسهيل هجرة اليهود الروس هو قيامهم بتوزيع نص تصريح بلفور بالطائرات على كل التجمعات اليهودية في أوروبا وبخاصة روسيا .

[44][44] Kerry Bolton, Wall Street & the November 1917 Bolshevik Revolution,From: ttps://www.counter-currents.com/2013/10/wall-street-and-the-november-1917-bolshevik-revolution/ .

[45][45] Ibid.

[46][46] لينين . المختارات . ترجمة : إلياس شاهين . طبعة دار التقدم . موسكو 1978 . ج 10 ص 551، 557 .

[47][47] Kerry Bolton, Wall Street & the November 1917 Bolshevik Revolution, Ibid.

[48][48] نيكولاي ستاريكوف . الأزمة كيف تفتعل ؟ . ترجمة : د. سعيد الباكير . طبعة مؤسسة رسلان . الطبعة الأولى . دمشق 2015 . ص104 .

[49][49] Kerry Bolton, Wall Street & the November 1917 Bolshevik Revolution, Ibid.

[50][50] نيكولاي ستاريكوف . م . س . ص 102 .

[51][51] م . س . ص 104، 105 .

[52][52] م . س . ص 106 .

[53][53] م . س . ص 108 .

[54][54] م . س . ص 108، 109 .

[55][55] م . س . ص 111 .

[56][56] م . س  . ص 114 .

[57][57] م . س . ص 113 .

[58][58] David Allen Rivera, 1994, Final Warning : A History of the New World Order, form:  https://modernhistoryproject.org/mhp?Article=FinalWarning&C=7.3

[59][59] Carl Marklund, The Icons of “the Red Banker” Olof Aschberg and the transactions of social capital, form : http://balticworlds.com/the-icons-of-the-red-banker/

[60][60] نيكولاي ستاريكوف . م . س . ص 100 .

[61][61] م . س . ص 111 .

[62][62] سوبوليف . م . س . ص 29،30 . هذا ما ذكره سوبوليف لكن الصحيح أن الانضمام للبلاشفة تم في أغسطس .

[63][63] إسحق دويتشر . م . س . ص 280 .

[64][64] ديفيد فرومكين . م . س . ص 275 .

[65][65] م . س . ص 275 .

[66][66] م . س . ص 275 .

[67][67] علي الأسدي . التروتسكية … في الحركة الشيوعية المحلية والعلمية … . مقال بموقع صوت اليسار العراقي . شوهد بتاريخ 15/12/2019 . من الرابط :

[68][68] م . س . ص 348، 349 .

[69][69] نيكولاي ستاريكوف . م . س . ص 110 .

[70][70] Lenin, Collected Works, Sub: Yurisdobnikov, Second printing 1976,Vol 45, P.555 .

أغلقت هذه المجلة في يونيو من نفس العام .

[71][71] نيكولاي ستاريكوف . م . س . ص 106، 107 .

[72][72] إسحق دويتشر . م . س . ص 351 .

[73][73] م . س . ص 352، 353 . قدم المتخاذلون استقالتهم بشكل جماعي من اللجنة المركزية للحزب ومن الحكومة مبررين تصرفهم برفض إصرار الحزب على تشكيل حكومة بلشفية خالصة، وفي المقابل وصفهم لينين بالفارين، ومع تعنت الأحزاب الأخرى في قبول المصالحة اضطروا جميعاً للتراجع وكان أول من بدل موقفه هو زينوفييف، وكان من نتيجة هذا التصرف هو إزاحة كامينيف من رئاسة الهيئة التنفيذية المركزية للسوفييتات وانضمام الاشتراكيين الثوريين اليساريين للحزب البلشفي .

[74][74] إرفنج هاو . م . س . ص 63، 64 . كان كامينيف وزينوفيف ينتميان للاتجاه اليميني في الحزب، وكان منذ البداية لديهما تخوفات من استلام البلاشفة للسلطة وعارضا آراء لينين وسجلا آرائهما في بيان موجه للجنة الحزب المركزية عشية شهر أكتوبر أي قبل نجاح الثورة بأيام .

[75][75] ديفيد فرومكين . م . س . ص 277 .

[76][76] إسحق دويتشر . م . س . ص 352، 353 .

[77][77] لابد من الإشارة إلى أن لينين في هذه الفترة كان يعاني من آثار محاولة الاغتيال التي تعرض لها في 30 أغسطس 1918 والتي قامت بها فانيا كابلان التابعة للاشتراكيين الثوريين، واليهودية كذلك، وبالرغم من نجاة لينين من المحاولة لكن الإصابة التي تعرض لها أثرت على حالته الصحية وتسببت له في عدة سكتات دماغية حتى وفاته في يناير 1924 . محمد مدني . فانيا كابلان … المرأة البائسة . مقال بموقع ساسة بوست https://www.sasapost.com . بتاريخ 10 سبتمبر 2015 . شوهد بتاريخ 12 ديسمبر 2019 . من الرابط : https://www.sasapost.com/opinion/fanny-kaplan/

[78][78] Antony C. Sutton, 1974, Wall Street and the Bolshevik Revolution, Ibid, form : http://www.reformation.org/wall-st-bolshevik-ch10.html

[79][79] Antony C. Sutton, 1974, Wall Street and the Bolshevik Revolution, Ibid, form : http://www.reformation.org/wall-st-bolshevik-ch9.html

[80][80] نيكولاي ستاريكوف . م . س . ص 117 .

[81][81] م . س . ص 118، 119 .

[82][82] م . س . ص 120، 121 .

[83][83] م . س . ص 117، 118 .

[84][84] عداء الكاتب للشيوعية عموماً لم يدفعه إلى محاولة تبني ما تذكره الكتابات الغربية حول ستالين بخصوص هذه القضية حيث تحمله المسئولية بشكل كامل .

[85][85] سوبوليف . م . س ص 30 . تتهم المراجع الستالينية والسوفيتية بشكل عام تروتسكي بأن انضمامه للبلاشفة كان بهدف تخريب الحزب البلشفي وتطبيق تكتيك الكفاح من الداخل بحسب تعبير الكاتب السوفيتي سوبوليف، وبغض النظر عن مصداقية هذه الاتهامات فيما يتعلق بشخص تروتسكي، فإن كل من مارس العمل العام في مصر، على سبيل المثال، يلاحظ أن هذا التكتيك يرتبط بفصيلين سياسيين محددين، التروتسكويون والإخوان المسلمين، ومن الغريب أنه مع اختلاف أيديولوجية الفصيلين السياسيين ومرجعيتهما الفكرية فهناك دائماً تحالف بينهما .