انقلابات الأُسَر الحاكمة في الخليج: على هامش وفاة “قابوس بن سعيد”، سُلْطان عُمان، الطاهر المعز

أهمية منطقة الخليج:

بدأت الأطماع الإمبريالية تتّضح في المنطقة الممتدة من البحر الأبيض المتوسط إلى الخليج، منذ ربط البحر الأحمر بالبحر الأبيض المتوسط، بواسطة قناة السّويس، سنة 1869، ولا تزال البلدان المطلة على الخليج والبحر الأحمر والقرن الإفريقي تواجه مخاطر تُهدّد الأمن والإستقرار في منطقة شاسعة، تمتد من شرق إفريقيا إلى إيران، ومنها إلى غرب آسيا وحتى باكستان، الواقعة على حدود أفغانستان، وذلك بسبب موقعها الإستراتيجي، وأطماع الدول الإمبريالية وشركاتها، خصوصًا بعد اكتشاف احتياطي هائل من الغاز الطبيعي، في سواحل موزمبيق وتنزانيا، ومعظم سواحل الشرق الإفريقي، وهي منطقة غنية بالأسماك، وخاصة “التونة” (التُّن) في سواحل الصومال، وما حولها، وعملت الدول الإمبريالية على عَسْكَرة المنطقة، حيث تمر حوالي 23 ألف سفينة تنقل سِلَعًا بنسبة 15%  تقريبًا من التجارة العالمية، عبر البحر الأحمر…

تقع دُوَيْلات الخليج في منطقة استراتيجية، تُثير اهتمام القوى الإستعمارية، خاصة منذ نهضة أوروبا التي تلتها الحملات الإستعمارية للبرتغال وهولندا وإسبانيا، أمريكا الجنوبية وفي إفريقيا وفي آسيا، ومنطقة الخليج، بعد اكتشاف مَمَرّات بحرية جديدة (رأس الرجاء الصالح) وانتهاء دَوْر التّجّار العرب كوسطاء بين آسيا وأوروبا، فازدهرت التجارة المباشرة بين أوروبا وآسيا، مرورًا بإفريقيا، وذلك قبل المرحلة الإمبريالية التي شهدت صعود بريطانيا وفرنسا وألمانيا، وبالإضافة إلى موقعها الإستراتيجي، بين البحر الأبيض المتوسط، والمحيط الهندي، مرورًا بالبحر الأحمر وخليج العرب، أدّى اكتشاف النفط إلى جعل منطقة الخليج أكثر استهدافًا، من قِبل القوى الإمبريالية، وبعد الإستعمار المُباشر، نَفّذت الإمبريالية البريطانية مسرحية “استقلال” قَطَر والإمارات والبَحْرَيْن، سنة 1971، وتتمثل بعض فُصُول المسرحية، في تنصيب رموز القبائل، الأكثر عَدَدًا وقُوّة، لتحكم دُوَيْلات صغيرة، لا يُمكنها البقاء بدون حماية القوى الإمبريالية، وهيمنت الولايات المتحدة، خلال فترة “أزمة الكَساد الكبير”، على السعودية، منذ أكثر من تسعة عُقُود، ثم على مجمل المنطقة، وأنشأت بها قواعد عسكرية ضخمة، تحتل إحداها نصف مساحة دُوَيْلَة “قَطَر”، لتُصْبِح منطقة الخليج قاعدة عسكرية ضخْمَة للإمبريالية الأمريكية وحلف شمال الأطلسي (بعد الوَهَن الذي أصاب الإمبريالية البريطانية)، واستخدمت الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي، والدول الأوروبية، هذه القواعد العسكرية لاحتلال وتخريب أفغانستان والعراق وسوريا، وغيرها، ولِيُصْبِح حُكّامُ هذه الدّوَيْلات رأس حربة الثورة المُضادّة، وقاعدة لمحاربة التجارب القومية والتقدمية في الوطن العربي، خاصّة بعد هزيمة 1967، وقاعدة لتنمية قوى الدّين السياسي، عبر الدّعم الإعلامي والعقائدي (عبر نشر السلفية، انطلاقًا من الإمارات والوهابية، انطلاقًا من قطر والسعودية…)، وعبر التّمويل، وأصبحت الأُسَر الحاكمة في الخليج، منذ انهيار الإتحاد السوفييتي، قاعدة ارتكاز لتطبيق وتمويل وتنفيذ برنامج “الشرق الأوسط الجديد” (أو الكبير)، عبر نشر “الفوضى الخلاّقة” (بحسب التسمية الأمريكية)، وأصبحت هذه الكيانات الخليجية مَصْدَرًا لتخريب الدول والبلدان العربية، ومصدرا لإنعاش مُجمّع الصّناعات العسكرية الأمريكية والأوروبية، بفضل عائدات النفط والغاز، وتتحكم الإمبريالية في أروقة جهاز الحُكم، كما في مَسْرَح الدُّمَى، وفي تفاصيل الحياة في هذه الدّوَيْلات، وكُلّما عجز حاكم عن تنفيذ الأهداف المَرْسُومة، استبدَلَتْهُ الإمبريالية البريطانية، ثم الأمريكية (بدعم من المخابرات الفرنسية أحيانًا) بأحد أفراد الأُسْرة الحاكمة، ونُورِدُ بعض النماذج، بمناسبة وفاة “قابوس” الذي نَصّبَتْهُ بريطانيا، خلَفًا لأبيه “سعيد بن تَيْمُور”…

دواعي انقلاب “قابوس” على أبيه “سعيد بن تَيْمُور”:

يقول بعض العرب بوجوب “ذكر المَوْتى بالخير”، ويقر آخرون بأن الناس يذكُرُون كل شخص، حي أو ميت، بأفعاله وبأقواله، بالخير أو بالسّوء، ولم يَكُن تاريخ قابوس بن سعيد ناصعًا، بل مُلطّخًا بدماء شعب “عُمان”، خاصة في إقليم “ظُفار”، كما رافَقَتْه صفات وممارسات الخيانة والعمالة، طيلة فترة حكمه الطويلة، والتي دامت خمسة عُقُود كاملة، ولذلك لا يُمكن للذاكرة الجَمْعية والشعبية العربية أن تَذْكُره، وأمثاله، بالخير، لأنه ما فَعل سوى “الشّرّ”، ولا تتعلّق المسألة بشخصٍ، دون آخر، بل تتعلق بتاريخنا، وبذاكرتنا وحضارتنا وبكرامة الشعوب التي داسها مثل هؤلاء الحُكّام، بأحذية امبريالية، داخل حدود بلدانهم، وخارجها…

يَدّعي الإعلام السّائد أن نظام عُمان “مُحايد”، ولا ينحاز لأي حلف، “بفضل حِكْمَة وحَصَافة السلطان قابوس”، الذي قام بدور الوساطة في مناسبات عديدة، وآخرها بين السعودية وإيران، بحسب الدّعاية الرسمية، ولكن تاريخ قابوس من الألف إلى الياء، هو تاريخ الخيانات والعَمالة والمذابح، وما كان لقابوس أن يحكُمَ (مكان والده) لولا الدّعم البريطاني والفارسي، بهدف اجتثاث ثورة الفُقَراء في إقليم “ظُفار”، بعد انتصار ثورة شعب اليمن، بدعم من مصر النّاصرِيّة والإتحاد السوفييتي، وبقي قابوس وَفِيًّا لنهج الخيانة، طيلة خمسة عُقُود، وبلغت صَفَاقَتُهُ حدّ دعوة رئيس حكومة العدو الصهيوني إلى “مَسْقَط”، بِرِفْقَهِ وفد ضخم من الصهاينة والجواسيس، وما كان لقابوس أن يبقى في الحُكْم خمسة عقود، أو “يتوسّط” في بعض الخُصُومات، لولا الدّوْر الذي أُوكِلَ له، والذي أَدّاهُ بتفاني وإخلاص…

حَكَمَ “سعيد بن تيمور” (1910 – 1972)، والد قابوس، إقليم “مَسْقَط وظُفَار”، أي ما سُمِّيَتْ سَلْطَنَة “عُمان”، من 1932 إلى 1970، بدعم وغطاء بريطانيّيْن، وكان طاغية مُتصلِّبًا، ذا مزاج سيّء، ولا يتمتع الرّعايا بأي حق من حُقُوق الحياة، وكان العُمانيون يعيشون في ظروف شبيهة بالقُرُون الغابرة (حَظْر التعليم والمرافق الصحية والماء والكهرباء ووسائل النقل، وحَظْر النّظّارات والأحذية والإذاعة، وغير ذلك…)، وكان الجيران في اليمن قد أشعلوا حربًا ضد الإستعمار البريطاني (من 1963 إلى 1967)، وتمكن جناح حركة القوميين العرب، بدعم النّظام النّاصري في مصر، والإتحاد السوفييتي، والصّين، من طرد الإستعمار البريطاني، ومن تأسيس جمهورية اليمن الديمقراطية، في جنوب اليمن، المُحاذي لعُمان، وفي الأثناء تشكّلت “الجبهة الشعبية لتحرير الخليج العربي المُحتل”، ثم “الجبهة الشعبية لتحرير عُمان والخليج العربي” (لها شق، أو جناح لتحرير البحْرَيْن أيضًا)، وذلك بين سنتَيْ 1964 و 1976، وتمكنت الجبهة، وهي حركة تُعرف نفسها بأنها “ماركسية لينينية”، تتبنى الحرب الشعبية كوسيلة للتحرير وبناء مجتمع اشتراكي، يُساوي بين الناس، مهما كان الجنس واللون، بدعم من اليمن الديمقراطي (جنوب اليمن) ومن حركة القوميين العرب، ومن الإتحاد السوفييتي والصين، من ضم نحو ستة آلاف مُقاتل (رجالا ونساء)، من عُمان ومن الخليج ومن الوطن العربي، ومن تحرير نحو 80% من إقليم ظُفار، حيث توجد القاعدة البريطانية الإستراتيجية في مدينة “صلالة” الساحلية، وأصبحت مَصالح بريطانيا مُهدَّدَة، بعد استقلال اليمن، وبفضل تأثير المقاومة الفلسطينية في أوساط شباب العرب، فنظّمت الإنقلاب العائلي، سنة 1970، لِيَحُلَّ قابوس، مكان والده سعيد، الذي لم يتمكّن من هزيمة الثّوّار الحُفاة الذين حَرّرُوا الجزء الأكبر من إقليم “ظُفار”، وليس من أجل نَشْر العلم والحداثة، كما تدّعي وسائل الإعلام السائد وكُتُب التاريخ الرّسمي، وأصبح الوضع الجديد (انتشار الوَعْي، والكفاح المُسلّح، وإعلان جمهورية اليمن…) يُشكّل خَطَرًا على كافة الأُسَر الحاكمة في الخليج، الخاضعة لبريطانيا وأمريكا، فأنشأت بريطانيا تحالفًا عسكريا (وسياسيا) لقوى الثورة المضادة، عماده جيش بريطانيا وإيران والأردن، وكان جيش الأردن قد تدرب على إبادة الفلسطينيين، في أيلول/سبتمبر ر1970…

 “قابوس” رَمْزٌ التحالف الإمبريالي الرجعي:

أعلن “قابوس” والإعلام العالمي الدّاعم له، أنه أزاح والده لكي تُصْبِح عُمان دولة متمدّنة، يُسمح فيها بالبث الإذاعي وبالعلاج الطّبّي والتعليم، وبإنارة المنازل ليلاً، ولبس النظارات والأحذية، وغير ذلك “لمن استطاع إلى ذلك سبيلا”، وما كانت هذه الإجراءات “الثّورية” (بحسب وسائل الإعلام المُهَيْمِن) سوى قِشْرة أو غلاف للبرنامج الحقيقي، المُتمثّل في إنقاذ الخليج من نيران الثورة، فأعلن “قابوس” العفو عن كل من حمل السلاح ضد والده، ودَمْج “التّائِبِين” في قوات غير نظامية، لإعادة تأهيلهم، وغسيل أدمغتهم، وتوفير دَخْلٍ لهم ولأُسَرهم، ولكن الثورة لم تهدأ، بين سنتَيْ 1970 (تاريخ انقلاب قابوس على والده) و 1976، تاريخ المجازر ضد الثوار وسُكّان إقليم “ظُفار”، وساهم الجيش الإيراني في سَحْق الثورة، بنحو ثلاثة آلاف جندي و16 طائرة حربية مُقاتلة وحاصرت السفن الحربية طرق الإمدادات البحرية، خاصة بين 1973 و 1976، كما ساهم الجيش الأردني في تدريب جيش عُمان ضد الثورة، انطلاقًا من تجربة سحق المقاومة الفلسطينية في الأردن سنة 1970 و 1971، وتغيّر ميزان القوى العربي، بعدما أصبح السادات رئيسًا وبعدما تقارب نظام العراق مع شاه إيران، أثناء التفاوض في الجزائر الذي أسفر عن مجموعة من الإتفاقيات، بداية بين 1973 و 1975، وسحبت الصين دعْمها، بداية من سنة 1974، إثر تحسّن علاقاتها مع نظام إيران، وبعد التقارب الصيني – الأمريكي (الذي بَدَأَ منذ 1971)، فيما وفّرت بقية الأنظمة العربية، وفي مقدّمتها السعودية، الغطاء السياسي والدّعاية لصالح الثورة المُضادّة، ولحُكْم “قابوس” الذي تمكّن من إلحاق الهزيمة العسكرية بالثورة (الجبهة الشعبية لتحرير عُمان والخليج العربي)، سنة 1976، بدعم من جيش الأردن، والطيران الحربي الإيراني، ودعم السعودية وبقية الأنظمة الرجعية العربية وبريطانيا والولايات المتحدة، لكنه تمكن أيضًا من إغراء بعض القيادات، فاحتواهم، بعَرْض مناصب في الدولة، ومن رموزهم “يوسف بن علوي” الذي تحَوّل من ثائر ضد النظام (كان عضواً بالمكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير عمان) إلى وزير دولة (أو وزير مساعد) للشؤون الخارجية، واحتفظ قابوس برئاسة الوزراء وبوزارة الخارجية، ومناصب أخرى لنفسه.

تُوُفِّيَ السلطان قابوس، صباح السبت 11/01/2019 (79 سنة)، بعد خمسين سنة من الحُكم، وبعد إصابته بمرض السّرطان، منذ سنوات عديدة، ونُذَكِّرُ أنه أصبح سُلطانًا، إثر انقلاب نظمته المخابرات البريطانية ضد والده “سعيد بن تيْمور”، سنة 1970، وبوفاة “قابوس”، أصبح ابن عَمّه “هيثم بن طارق آل سعيد” سلطانا جديدا لسلْطَنَة “عُمَان”، وهو من مواليد سنة 1954، وشغل العديد من المناصب الرسمية منذ 1979، ما يجعل منه امتدَادًا منطقيا لفترة حكم قابوس، وهو ابن “طارق بن تيمور”، الذي كان منفيًّا، خلال فترة حكم سعيد بن تيمور (أخ طارق ووالد قابوس)، وعاد بعد انقلاب قابوس على أبيه، ليصبح رئيسًا للوزراء، لفترة قصيرة، خلال عملية مُصالحة داخل الأُسرة، بهدف حصول قابوس على تأييد أعضائها، ثم احتل قابوس منصب رئاسة الوزراء وعدد من المناصب الأخرى بنفسه، ويملك السّلطان الجديد مع أخيه طلال شبكة مؤسسات تجارية ومشاريع عقارية ضخمة في “عُمان”، ما يجعل منه رمزًا للتطبيع ولمولاة الإمبريالية، ورَمزًا للثراء الفاحش الذي أثار غضب شباب السَّلْطَنَة، سنة 2011، بسبب ارتفاع نسبة البطالة والفَقْر، بينما تتعلّلُ الحكومة بانخفاض إيرادات النفط…

ينتمي قابوس وهيثم إلى أسرة “آل بوسعيد” التي أسست الدولة البوسعيدية، وتولى “أحمد بن سعيد”، حُكْم “عُمان”، سنة 1741، بالتحالف مع القوى الإستعمارية الخارجية، بريطانيا والبرتغال، وهي القوى المُهَيْمِنَة آنذاك على منطقة الخليج وعلى الموقع الإستراتيجي لعُمان، بين الخليج العربي والمُحيط الهندي…

للتعريف بقابوس بن سعيد، تكفي الإشارة إلى تصريح رئيس حكومة العدو الصهيوني بأنه “قائد كبير عمل لنشر السلام والاستقرار في المنطقة، وباتتْ عُمان، في ظل قيادته، دولة محورية ومتطورة”، وكان قابوس قد استقبل في “مَسْقط”، رئيس حكومة العَدُوّ، ودَعم مساعي الكيان الصهيوني للهيمنة على مَشْيخات الخليج، بذريعة “تعزيز السلام والاستقرار في المنطقة”…

قطر:

يُنسب إلى جمال عبد الناصر قوله أن قطر هي “نخلَتان وخَيْمَة”، فهي دُوَيْلَة صحراوية، رغم ناطحات السحاب، ورغم وجودها على ساحل الخليج، كشبه جزيرة، يُحيط بها الماء من ثلاث جهات، ولا تتجاوز مساحتها الإجمالية 11,5 ألف كيلومتر مربّع، تحتل نصف مساحتها الإجمالية قاعدة أمريكية واحدة، بالإضافة إلى قواعد أمريكية وفرنسية وأطلسية أخرى، تُنْفِقُ قَطَر على إنشائها وعلى إدارتها، ولا يتجاوز عدد سُكّانها 2,4 مليون نسمة، سنة 2018، بحسب إحصائيات البنك العالمي، لا يتجاوز عدد القَطَرِيِّين 8,5%، والبقية عُمّال مُهاجرون من جنوب وشرق آسيا، وبعض الأمريكيين والأوروبيين (خارج القواعد العسكرية) لإدارة المَصارف والشركات والإشراف على استخراج النفط والغاز، حيث تُعد الإمارة أكبر مُصدّر عالمي للغاز، وتنافسها روسيا، وتمتلك احتياطي غاز ضخم، ويُقدّر نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، بنحو 146 ألف دولارا، ما يجعله الأكبر في العالم، في حين يعيش العُمّال المُهاجرون في ظروف سيئة جدًّا، في مبيتات غير صالحة للسكن، خارج حُدُود العاصمة “الدّوحة”، ويعملون لساعات طويلة، يوميا وأسبوعيا، مقابل رواتب منخفضة وبدون حُقُوق فردية أو جَمْعِيّة…

كانت الحدود الحالية غير موجودة عندما احتلت بريطانيا قطر والبحرين وعُمان وبقية مَشْيَخات الخليج، التي كانت تحكُمُها أُسَرٌ تمكّنت من فَرْضِ هيمنتها على البقية، وفي سنة 1971، وفي إطار تغيير شكل الإستعمار، أصبحت دُويلة قَطَر “مُستقلة” (أو انتقلت من الإستعمار المُباشر إلى غير المُباشر)، وتَتَلت الإنقلابات، داخل الأُسْرة الحاكمة (أُسْرة “آل ثاني”)، بإشراف القوى الإمبريالية، فتولى الحكم سنة 1971، الأمير “أحمد بن علي آل ثاني”، ولكن ابن عَمِّهِ “خليفة بن حَمَد آل ثاني”، الذي كان يشغل منصب الوزير الأول، انقلب عليه، سنة 1972، وبينما كان “خليفة” في رحلة سياحية في سويسرا، في حزيران/يونيو 1995، انقَلب عليه ابنه الوزير الأول “حَمَد بن خليفة آل ثاني”، بدعم من المخابرات الفرنسية، واضطر الأب إلى البقاء فترات قصيرة في فرنسا وإيطاليا، قبل اللجوء إلى سوريا والإقامة بها، حتى سمح له ابنه سنة 2004، بالعودة إلى قَطَر، وأصبحت فرنسا تمتلك قاعدة عسكرية في قَطَر، وتبيعها السلاح، وتعمل العديد من الشركات الفرنسية في العديد من القطاعات (الإنشاء والمحروقات والأمن…)، وانتسبت قطر إلى منظمة “الفرنكفونية”، رغم طغيان اللغة الإنغليزية، وغياب الفرنسية من برامج التعليم ومن الحياة اليومية…

اتّسمت فترة حكم “حَمَد بن خليفة آل ثاني” بارتفاع عائدات الغاز، بالتوازي مع تَضَخُّم دَوْر هذه الإمارة الصغيرة، والثّرِيّة، عبر تمويل وسائل إعلام، أهمها قناة “الجزيرة” وصُحف تصدر خارج الدُّوَيْلة، ومراكز بحث ودراسات، وأصبحت دُويلة قَطر الرّاعي الأول للإخوان المسلمين الذي صنّفَتْهُم الإمبريالية الأمريكية ضمن “الإسلام السياسي المُعتدل”، والوسيط بين الإمبريالية الأمريكية والمنظمات الإرهابية، من “طالبان” إلى “القاعدة” (النّصْرة وفُرُوعها) و”داعش” وغيرها، وتَفَنّنتْ الإمارة في التّطبيع مع الكيان الصهيوني، عبر قناة الجزيرة، وعبر العلاقات المتطورة مع حركة “حماس”، وخُصُوصًا بفضل إشراف “عزمي بشارة”، النائب السابق، لعدة دورات، في الكنيست (مجلس نواب المُسْتَوْطِنِين الصهاينة) على الشبكة الضخمة للإعلام، والدعاية، واستقطاب باحثين وإعلاميين عرب من المغرب والمشرق العربِيَّيْن، فضلا عن وسائل الإعلام والدراسات الناطقة بغير العَرَبِيّة…   

لعبت دُويلة “قَطَر” دورًا محْوريا، خلال العدوان على العراق، سنة 1991، وأرسلت جنودًا ومرتزقة وعتاد، إلى جانب السعودية ومصر وبقية الإمارات، وأصبحت قطر مركزًا للقيادة المركزية، أو قيادة الأركان المسؤولة عن العمليات ضد العراق، قبل توقيع اتفاقية رسمية (سنة 2002) لتصبح قاعدة “العِيديد” الجوية قاعدة رسمية أمريكية، بالإضافة إلى قاعدة “السِّيلِيّة” الجوية، كما ساهمت دُويلة قَطر في كافة الحُروب العدوانية ضد البلدان العربية، فأرْسَلت طائرات حربية لقصف ليبيا، منذ سنة 2011، ومَوّلت وسلّحت المنظمات الإرهابية في سوريا والعراق، وشاركت في العدوان على شعب وأرض اليمن، إلى جانب السعودية والإمارات، وقوى حلف شمال الأطلسي، وتُساهم مع تركيا الأطلسية الإخوانية في تخريب عدد من البلدان العربية (المغرب وتونس ومصر…)، وفي الأثناء، حصل انقلاب داخلي، “سَلِس” أو “ناعم”، حيث أدّى اختلال ميزان القُوى داخل الأسرة الحاكمة، وضغط الشيخة “موزة”، زوجة الأمير “حمد” إلى تنازل ولى عهد دولة قطر الشيخ جاسم بن حمد آل ثانى (ابن حَمَد من زوجة أُخرى)، عن منصبه لصالح أخيه تميم بن حمد، ليُصبح تميم بن موزة وابن حَمَد، وليا للعهد، وفى 25 حزيران/يونيو 2013، أصبح تميم بن حمد أميرًا لقطَر، مكان والده الذي أُجْبِرَ على التّنازل لصالح ابنه وزوجته، بذريعة “المشاكل الصحية” لِمحَمَد، وتواصلت سياسة التبعية للإمبريالية والإنفاق على المنظمات الإرهابية، وسياسة تخريب البلدان العربية والتطبيع مع الكيان الصهيوني، والتحالف مع تركيا، التي يحكمها حزب العدالة والتنمية (الإخوان المسلمون)، لتخريب معظم البلدان العربية، من المغرب إلى سوريا، مرورًا بليبيا والسودان وغيرها…

الإمارات:

بعد اكتشاف النفط، وارتفاع صادراته، بداية من سنة 1969، أنشأت بريطانيا، بنهاية سنة 1971، اتحادًا لسبْع إمارات صغيرة، على الساحل الشرقي للجزيرة العربية (أبو ظبي ودبي والشارقة وعجمان وأم القيوين ورأس الخيمة، والفجيرة)، وأهمها “أبو ظبي”، وهي أَثْرى الإمارات وأكْبَرها مساحة، إذ تحتل حوالي 75% من إجمالي مساحة الدولة الإتحادية للإمارات السبع التي لا يصل العدد الإجمالي لسكانها، سنة 2019، إلى عشرة ملايين نسمة، من بينهم أكثر من 8,7 ملايين عامل وعاملة من مُهاجِري ومُهاجرات الدول الآسيوية، غير العربية، ما جعل أبناء وبنات الإمارات يتكلمون لغات الهند وغيرها، قبل إتقان العربية…

تحَالَفَ شيخ إمارة “أبو ظبي”، زايد آل نهيان، (الذي حَكم الإمارات من سنة 1971، حتى تاريخ وفاته سنة 2004) مع حاكم إمارة دبي الشيخ راشد آل مكتوم، للهيمنة على بقية الإمارات الأَصْغَر، بدعم بريطاني، ولعبت الإمارات المُتّحدة دورًا كبيرًا (كما بقية إمارات الخليج) في رفع العُزلة عن النظام المصري، إثر توقيع اتفاقيات الإستسلام (كمب ديفيد)، واستخدم حُكامها، وبالأخص أبناء زايد (محمد وعبد الله وسيف)، عائدات النفط لتسليح وتدريب المُرتزقة في منطقة البلقان (البوسنة والهرسك، وكوسوفو وألبانيا…) وفي مناطق عديدة من العالم، وخصوصًا في الدول العربية، حيث تدعم الإمارات (مع السعودية) الأنظمة، أو أجنحة من الأنظمة الرجعية في معظم البلدان العربية، وبداية من سنة 2011، أصبحت الولايات المتحدة (التي تحتل العراق بشكل مباشر) تعتمد على وُكلائِها في المنطقة، أي حكام مجمل الإمارات، بالإضافة إلى النظام المصري، لتخريب اليمن وسوريا وبلدان المنطقة، غير الخاضعة تمامًا لها، ويمتلك الجيش الأمريكي، منذ سنة 1994، قاعدة عسكرية بحرية وجوية في ميناء “جبل علي” (إمارة دُبَي)…

يعتمد اقتصاد الإمارات على النفط، رغم ادّعاء وجود اقتصاد مُتَنَوِّع، لكن الإمارات لا تُنتج ولا تَصْنع شيئًا، بل تحتوي على احتياطيات ضخمة من النفط، وبلغ معدّل إنتاجها 3,4 ملايين برميل يوميا، سنة 2018، ويعتمد اقتصاد الإمارات على صادرات النفط (حوالي 65 مليار دولارا سنويا) وعلى الوَساطَة التجارية، عبر إعادة تصدير السلع القادمة من بلدان أخرى، كالذهب والماس والمُعدّات والسلع الإستهلاكية، وغيرها، ما يرفع قيمة إجمالي صادرات الإمارات إلى حوالي 150 مليار دولارا سنويًّأ، دون أن تُنتج البلاد شيئًا يُذْكَرُ، إذ تبلغ قيمة وارداتها نحو 220 مليار دولارا (سنة 2017)، كما يعتمد الإقتصاد على العقارات الفاخرة وعلى سياحة الأثرياء ورجال الأعمال، وعلى غسيل الأموال، بحسب الإتحاد الأوروبي الذي صنّف الإمارات ضمن “الملاذات الضريبية”، وهذا لا ينفي أن الإتحاد الأوروبي يَضُمّ أكبر الملاذات سواء في أوروبا أو في المُستعْمَرات…

اعترضت شركات العقارات والمصارف الإماراتية صعوبات عديدة، جعلتها تطلب إعادة جَدْوَلَةَ ديونها عدة مرات، نتيجة الأزمة المالية لسنة 2008/2009، التي أضرت بالإقتصاد “الليبرالي” الإماراتي، حيث يتبجّح الحُكّام بإرساء مبدأ الإقتصاد الحر وعلى المناطق التجارية الحرة العديدة، لاجتذاب رؤوس الأموال الأجنبية، ويطمح أُمراء أبو ظبي ودُبَيْ لإنشاء مركز تجاري وسياحي عالمي في دُبَيْ (بحكم بُعْد “أبو ظبي” عن البحر)، بادّعاء “إرساء التنوع الاقتصادي”.  

قبل اكتشاف النفط، الذي بدأ تصديره سنة 1962، كانت الإمارات تتشكل من كثبان رملية، إلى جانب مجموعة من القُرى والمناطق الصحراوية حيث يُمارس السكان زراعة نخيل التّمْر، وفي المناطق الساحلية كان سكان الإمارات يُمارسون الصيد البحري، وتجارة اللؤلؤ، وخلال القرن التاسع عشر، استعمرتها بريطانيا، بسبب كثرة الجزر والموانئ البحرية، وبسبب موقعها على الطريق التجارية، بين الهند والصين من جهة، وأوروبا من جهة أخرى، وعيّنت بريطانيا، سنة 1966، زايد بن سلطان آل نهيان أميرًا على “أبو ظبي”، أول الإمارات التي بدأت تصدير النفط، تَلَتْها إمارة “دُبَيْ”، سنة 1969، واتفق الأميران (بدَعْمٍ بريطاني) على إنشاء اتحاد، بعد انسحاب بريطانيا، يَضُمُّ الإمارات السبع الحالية، وكذلك قطر والبحرين…

 الإنقلابات العائلية:

تحكم قبيلة “بني ياس” إمارة أبو ظبي (الأقوى والأوسع ضمن الإمارات السّبع) منذ تأسيسها سنة 1761، وحكمها ذياب بن عيسى بن نهيان، من سنة 1761 إلى 1793،ولا تزال أُسْرَتُهُ تحكم “أبوظبي” والإمارات، وتعرض ذياب بن عيسى بن نهيان للإغتيال، كما تعرّضَ خَلَفُهُ، أي ابنه “شخبوط”، للموت المشبوه، بعد أن حَكَم من سنة  1793 إلى 1816، كما تُوفِّيَ “محمد” بن “شخبوط”، بعد أن حَكَم عامَيْن، للموت المفاجئ والمشبوه، وخَلَفَهُ شقيقه “طحنون”، بين 1818 و 1833، قبل أن يتم اغتياله، واستمر الحُكم داخل نفس الأسرة، ونادرًا ما تُوفِّيَ الحاكم بشكل طبيعي…   

بعد اكتشاف النفط بكميات هامة، طلبت بريطانيا، سنة 1966، من “شخبوط بن سلطان”، حاكم “أبو ظبي” الذي يتمتع باعتراف شعبي، وبسلطة قانونية، تحت الاحتلال البريطاني، امتيازات نفطية واسعة للشركات البريطانية، وعندما رَفَضَ شخبوط، لأسباب وجيهة، إذ كان يعتقد أن تطوير المنطقة على يد الشركات الأجنبية لن يخدم السّكّان المَحلِّيِّين، بل سوف يجعل المنطقة تحت سيطرة الشركات (وكانت كل المنطقة آنذاك تحت سيطرة القوى والشركات الأجنبية)، وقرّرت بريطانيا إزاحته، فنَظّمت انقلابا عسكريًّا، يوم السادس من آب/أغسطس 1966، ونَصّبت مكانه شقيقه “زايد بن سلطان آل نهيان”، الذي كان مواليا للمُسْتعمِر البريطاني، وأُعلنت بريطانيا حالة الطوارئ، ونقلت “شخبوط بن سلطان آل نهيان”، على متن طائرة عسكرية، إلى لندن، حيث بقي تحت الإقامة المَحْرُوسة، في قصره، ولم يسمح له أخوه “زايد” (وبريطانيا) بالعودة، سوى بعد توطيد أركان الحكم، وبقي تحت الإقامة الجبرية في مدينة “العين”، إلى أن تُوفّيَ سنة 1989، أما زايد فقد توفي سنة 2004، وخَلَفَهُ ابنه خليفة بن زايد بن سلطان آل نهيان، سنة 2004، وأصبح حاكم إمارة “أبو ظبي”، ورئيسًا للإمارات، وهو كما “سَلْمان” في السعودية، لا يحكم بالفعل، بسبب المَرض، منذ سنوات، بل يَحْكُمُ باسمه شقيقه، “محمد بن زايد”، ومن ورائه والدته فاطمة، ولي عهد “أبو ظبي”، مثلما يحكم “محمد بن سَلْمان” السعودية باسم أبيه، ويُسيطر محمد بن زايد على عدد من المناصب الحسّاسة في مجالات السياسة الدّاخلية والخارجية والإقتصاد والجيش (المَدعُوم أمريكيا)، وأصبح الظّهور العَلَني ل”خليفة بن زايد” نادرًا، منذ 2014، تاريخ الإعلان عن مَرَضِهِ…

 الإمارات أداة للتدخل الأجنبي:

يدّعي الإعلام الرسمي للإمارات انتهاج سياسة  “حفظ الجوار”، و”الحياد”، و”النّاْي بالنّفس”، وعدم التدخل في الأزمات الخارجية، لكن الإمارات تدخّلت في سوريا، قبل التراجع، إثر الهجوم المُضاد للدولة السورية وجيشها، واستعادة مناطق واسعة من البلاد، من المجموعات الإرهابية، ودعمت الإمارات شقًّا من جهاز الحُكْم في تونس ومصر، مقابل دعم قَطَر لشق الإخوان المسلمين، وتتدخل عسكريا في الصومال وفي مالي، مع السعودية إلى جانب الجيش الفرنسي، وتُمول تدريبات وتسليح قوة عسكرية استعمارية، وكذلك في ليبيا، أما في اليمن فإنها تحتل موانئ وجُزُر ومناطق ساحلية، وأسّست وسَلّحت مليشيات مُؤَلَّفَة من المُرتزقة الأجانب والمَحَلِّيِّين…

تمتلك دول عديدة (الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا…) قواعد عسكرية ومستشارين عسكريين ومدنيين في الإمارات (كما في بقية مَشْيَخات الخليج)، وأصبحت أراضيها مُهدّدة مباشرة، بعد التّصعيد الأمريكي ضد إيران (بعد سوريا والعراق)، ما قد يُحوّل الخليج برمّته إلى ساحة حرب دولية…

السعودية:

توفي يوم 23/01/2015، عبد الله بن عبد العزيز آل سعود، وبذلك أصبح أخوه “سَلْمان” ملكًا، وبعد فترة قصيرة عيّن الملك سَلْمان ابنه محمد وليًّا للعهد، مكان ولي العهد السابق، في مخالفة واضحة وصريحة لقواعد الحكم بين أبناء عبد العزيز آل سعود، الذي لا يزال ابنه أحمد حيًّا، وفي مخالفة لقواعد التوازن بين مختلف فُرُوع أُسْرة آل سعود، التي تحالف مُمثِّلُها “محمد بن سعود”، سنة 1745، مع الإمام “محمد بن عبد الوهاب”، لإرْساء سُلطة تَدّعِي تطبيق الإسلام الأصيل، أو ما سُمِّي “الوهّابية”، وتأسست الدولة، بقوة السلاح، سنة 1932، وأصبح عبد العزيز بن سعود ملِكًا، بدعم من بريطانيا والولايات المتحدة، التي سيطرت على النفط، وفي سابقة تاريخية، سُمِيَت الجزيرة العربية باسم “السعودية”، على إسم آل سعود، بعد معارك عديدة بين مختلف قبائل الجزيرة العربية، دامت حوالي قرن، وانتهت بانتصار آل سعود وحُلفائهم في مناطق الرياض (1824) والمنطقة الشرقية (1913) ومكة والمدينة (غرب البلاد، سنة 1925)…

بعد وفاة الملك عبد العزيز بن سعود (1953)، أصبح ابنه سعود ملكًا، لكن مجلس الأُسرة الحاكمة، بقيادة “فيصل” (الأخ غير الشقيق لسعود)، انقلب عليه وعَزَلَهُ، سنة 1964، بتهمة “سوء الإدارة”، ليُصبح فيصل ملكًا، حتى تاريخ اغتياله من قِبَل ابن أخيه، سنة 1975، ليخلفه أخوه “خالد”، حتى سنة 1982، وفهد، حتى سنة 2005، ليصبح الملك “عبد الله” ملكًا، حتى وفاته، سنة 2015، وخَلَفَه أخوه سَلْمان، لكن الحاكم الفعلي للبلاد هو ابنه “محمد بن سَلْمان”، الذي قام بإبْعاد كل منافسيه ومُخالفيه من الأمراء…

بدأت الشركات الأمريكية، وأهمها “أرامكو” استغلال النفط في السعودية، منذ حوالي تسعة عثقُود، وكانت أمريكا تمتلك منذ ذلك الوقت قاعدة عسكرية ومُستشفى عسكري في “الظّهران”، التي لا تزال قاعدة أمريكية لحد الآن، وكانت الإدارة الأمريكية والمهندسون والفَنِّيُّون يُعاملون السعوديين العاملين في حقول النفط، كالعبيد، فانتفض العُمّال السعوديون وأسسوا نقابات ونفذوا إضرابات عديدة، خلال عقْدَيْ الأربعينات والخمسينات من القرن العشرين، إلى غاية سنة 1958، وعانى النقابيون والمُعارضون من القمع والإعتقال والنّفْي… بالتوازي مع هذه الفترة من النضال السياسي والنقابي، أسّسَ بعض أعضاء الأُسْرة الحاكمة، ومن بينهم طلال ومشاري وبدر وتركي وفواز، أبناء عبد العزيز بن سعود، حركة سياسية إسمها “الأُمراء الأحرار” (ترأسها الأمير طلال بن عبد العزيز آل سعود)، بين سنَتَيْ 1958 و 1964، على خلفية الصراعات بين أجنحة السّلطة (أي الأسرة الحاكمة وبعض شُيُوخ القبائل)، وبعلاقة بالخلافات والتوترات بين الملك سعود، الذي تدعمه مجموعة من أُمراء الأسرة الحاكمة، وبعض شيوخ القبائل، وأخيه الأمير فيصل الذي تدعمه مجموعة من الأمراء ومن رجال الدين المُحافظين، وذوي النّفوذ من تجار الحجاز، وأصبح فيصل ملكًا بعد انقلابه على أخيه سعود، سنة 1964، وحازت حركة “الأُمراء الأحرار” على تأييد بعض مُوظّفي الدولة وبعض المُثقّفين المتخرجين من الجامعات الأجنبية، وقام الملك سعود بالتنكيل بإخوته المُعارضين، الذي اضطروا إلى اللجوء إلى مصر (خلال فترة حكم جمال عبد الناصر) وإلى لبنان، وسحَبَ منهم أخوهم الملك جواز السفر الدبلوماسي، وتضمّن برنامج الأُمراء الخمسة “إنشاء حكم دستوري وبرلماني في البلاد وفصل الأسرة الحاكمة عن الحكم، والمساواة بين الرجال والنساء، وإلغاء العبودية…”، وأعلنوا تنازلهم عن لقب “أمير”، بحسب ما ذَكَروه في ندوتهم الصحفية في بيروت، يوم 15 آب/أغسطس 1962، وعندما نفذ أخوهم “فيصل” انقلابَهُ واستتب له الحُكْم، تمتعوا بالعفو، وعادو إلى السعودية، وتولى أحدهم (فواز) إمارة مكّة (1970 – 1980)، وكانت هذه المُعارضة “الأميرية” هَشَّة، وقابلة للمُساومة بالمناصب…

تُعتبر السعودية، منذ تأسيسها، وخاصة منذ سنة 1932، رأس حربة الإمبريالية، وفي مقدمتها الإمبريالية الأمريكية، وأداة تخريب، ليس في منطقة الخليج فقط، بل في كافة أنحاء الوطن العربي، وخَصّصت أُسْرة آل سعود، جزءًا من إيرادات صادرات النفط، ومن السياحة الدّينية (الحَج والعُمرة) لشراء السلاح الأمريكي الذي لم يُوجّهْ يومًا لتحرير فلسطين، أو الأراضي المحتلة الأخرى، من “سبتة” و”مليلة” في المغرب، إلى “الجولان” السوري المُحتل أو العراق، واستخدم آل سعود السلاح ضد شعوب عربية (وغير عربية) كثيرة، من سوريا إلى اليمن وليبيا، وغيرها، كما عملت السعودية ما في وسعها لتنفيذ المخططات الأمريكية، كالإطاحة بالإتحاد السوفييتي، عبر إغراق الأسواق العالمية بالنفط الرخيص، بداية من سنة 1985، وعبر إنفاق مليارات الدولارات على تدريب وتسليح المنظمات “الجهادية الإسلامية” في أفغانستان وفي داخل روسيا الإتحادية (منطقة الشاشان)…      

خاتمة:

تُشكّل دُويلات الخليج حلقة في سلسلة الهيمنة الإمبريالية، ورُكنًا من أركان مخططات “صراع الحضارات” وقرارات الحَظْر والحصار والعُقُوبات التي أقرّتها القوة الإمبريالية الطاغية (الإمبريالية الأمريكية) ضد الشعوب والحكومات التي قد تُعرقل مخططاتها، واختلقت لها عبارة “محور الشّر” (مُقابل محور “الخير”، ممَثَّلاً بالإمبريالية وأعوانها)، في محاولة لاختلاق مبررات “أخلاقية” للهيمنة، بدعم من قوى الدين السياسي الصهيومسيحي والإسلامي، وأصبح دَوْرُ دُويْلات الخليج مُكمِّلاً لمؤسسات “بريتن وودز” (صندوق النقد الدولي والبنك العالمي ومنظمة التجارة العالمية…)، لتأبيد التّبَعِيّة، عبر الدُّيُون وشروطها، وعبر “احتجاز التنمية” والتّطوّر، واستخدمت كيانات الخليج عائدات النفط لتمويل الإسلام السياسي، ولتخريب البلدان العربية ولتمويل إنشاء القواعد العسكرية الأجنبية الضّخمة على الأراضي العربية، لمهاجمة العرب، بشكل شبه حَصْرِي، ثم انتقلت من التحالف الضِّمْنِي أو شبه السِّرِّي، إلى التحالف العَلَنِي مع الكيان الصهيوني، وشكّلت الأُسَر الحاكمة في الخليج أكبَرَ داعم للتيارات الأكثر رجعية، سواء على مستوى العالم (المحافظون الجدد والصهيومسيحية)، أو على مستوى الوطن العربي، من تيارات السلفية إلى الإخوان المسلمين، مرورًا بالمجموعات الإرهابية التي تستهدف الفُقراء من العرب والمُسلمين، وتخدم بذلك أهداف الإمبريالية الأمريكية والكيان الصهيوني والشركات العابرة للقارات، للسيطرة على المنطقة ومواردها، وتعميق وضع التبعية، وعرقلة استقلالها ونموها وتطورها…  لهذه الأسباب وغيرها، وجبت مُقاومة هذه الأُسَر الحاكمة، ومن يقف وراءها، لأنها جُزْءٌ من ثالوث أعداء الشُّعوب العربية: الإمبريالية والصهيونية والرجعية العربية، أنظمة وقوى سياسية ومنظومة عقائدية…     

 _________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.