المحيط: فك الارتباط لمواجهة كورونا الصحي والاقتصادي (الجزء الأول)، عادل سمارة

  • قراءة في أطروحة سمير أمين في فك الارتباط

قد يجوز لنا تقسيم العالم اليوم إلى ثلاثة تجمعات جغرافية

  •  المحيط
  • المركز الغربي الرأسمالي
  • العالم الثاني الجديد.

في الحلقات الخمس عن الحماية الشعبية ناقشنا كيف يمكن العمل في مواجهة النظام الرأسمالي الغربي قبل جائحة كورونا وإثْرِها. وكانت بؤرة النقاش حالة وتجربة الأرض الفلسطينية المحتلة وإلى حد ما تطبيق الرؤية أو سحبها ما أمكن على الصعيد العربي وغيره.

يشكل موديل التنمية بالحماية الشعبية مقدمة لفك الارتباط على صعيد بلدان المحيط فرادى أو جماعياً. والحماية الشعبية كما أشرنا في مقالات سابقة ليست في الأساس دولانية بل قاعدية قد تبدأ عفوية طوعية ولكن لا بد لها من ناظم قيادي سياسي طبقي حزبي والمهم انها لا تعتمد على السلطة القائمة بما هي تابعة وطبقية وغالبا كمبرادورية.

صحيح ان  التطور الطبيعي للتنمية بالحماية الشعبية هو العبور إلى فك الارتباط ولكن الآلية لتحقيق ذلك تصبح أكثر تعقيداً. فالقوى الشعبية التي تنتظم وتتبنى وتطبق الحماية الشعبية ليست بعد في سدة الحكم كي تقرر فك الارتباط بالسوق العالمية و/أو تختار أسواقا بديلة لأسواق الغرب الراسمالي.

بوسع الطبقات الشعبية مقاطعة منتجات بلد ما سواء لإنتاج بدائل أو حتى لو لم يكن بوسعها إنتاج البدائل، أي لأهداف سياسية إنسانية وطنية، وهذا قد يجبر السلطات على تغيير مصادر الاستيراد، ولكن هدف الحماية الشعبية دفع السلطة إلى فك الارتباط وهذا يعني أن فك الارتباط بيد الدولة/ السلطة التي تمارس ذلك في حدود جذريتها طبقياً وتمكُّن قوى الحماية الشعبية من دفع السلطة في طريق فك الارتباط. بكلام آخر، إذا كانت الحماية الشعبية هي جماهيرية اساسا وربما تماماً، فإن موديل فك الارتباط هو تشاركيا بين الطرفين حيث يكون القرار حكوميا لكن هذا القرار لا يكون طوعياً في حالة سلطة تابعة إن لم يكن هناك موقفا شعبيا ضاغطا سواء بمقاطعة منتجات الغرب الرأسمالي أو بالضغط الشعبي على السلطة التابعة، اي بدرجة ما من النضال فالصراع الطبقي.

يعود نموذج/موديل فك الارتباط إلى المفكر الراحل سمير امين والذي يكتسب اليوم راهنية أكثر من اي وقت مضى. لذا، آثرنا توفير تحليلنا لأطروحة سمير أمين كما كنا عرضناها إثر رحيله.

■ ■ ■

إشتباك فك الارتباط إبَّان التحول من الإمبريالية للعولمة

عُجالة قراءة في أطروحة سمير أمين

د. عادل سمارة

ملاحظة:

ليس هناك من إجماعٍ على تغيُّر حقيقي في النظام الرأسمالي العالمي مما يستدعي تسمية الحقبة الجارية بـ العولمة، وهي الفترة التي بدأت، تقديراً،  مع الربع الأخير من القرن العشرين وحتى اليوم  كفترة شديدة القِصر تاريخياً. لكن قِصرَها هو تكثيف لأزمة النظام الراسمالي العالمي. أميلُ إلى وصف هذه الفترة القصيرة بالعولمة ولست مع القول بانها طور آخر من الإمبريالية أو أنها كلياً ضمن الإمبريالية[1].

هذه الورقة محصورة قدر المستطاع في فك الارتباط مع تناول القضايا الأكثر تعلقا بها فكريا وميدانياً.

(فك الارتباط  هو عدم الخضوع لمنطق  النظام الرأسمالي العالمي، وحتمية التكيف  السلبي  مع متطلبات التكامل مع النظام العالمي[2]. )

قدَّم سمير أمين مساهمات هامة في النظرية الماركسية مرتكزا ومركِّزا على مكوناتها الثلاثة، بادئاً بتوظيف قوانين الديالكتيك في مختلف تحليلاته توظيف المتمكِّن الذي يُذيب النظرية في التحليل دونما تقعَّر باللغة وتعقيدٍ  للنظرية، وموسعا في التحليل المادي التاريخي ليقدم مساهماته في فلسفة الاقتصاد السياسي.

هكذا بدأت ماركسية سمير أمين، أو شيوعيته إن شئت، سواء في بداية حياته في الحزب الشيوعي المصري ومن ثم مرحلة دوره بين مُنظِّري التبعية مدرسةDependency School ، التي أسست لتركيزه على قراءة متواصلة للتشكيلات المحيطية/الطرفية، وصولاً إلى دوره المميَّز في مدرسة النظام العالمي  The World System حيث كان أحد الرباعي (سمير أمين، إيمانويل وولرشتين، أندريه جوندر فرانك وجيوفاني أريغي). وهي المدرسة في الماركسية، بل في الاقتصاد السياسي الماركسي، التي تُحلل النظام الرأسمالي العالمي بدءاً من بنية النظام باتساعها وصولا أو نزولاً  إلى الجغرافيا موضوع البحث، أي هذا البلد أو ذاك. ذلك لأن هذه المدرسة رأت أن العالم بمعظمه مُهيمَن عليه رأسمالياً ومن هنا وجوب أخذه كوحدة مترابطة، وإن كانت هذه المدرسة، تأخذ المتغيرات والخصوصيات بالاعتبار.

تولدت نظرية التبعية Dependency Theory  خلال ستينيات القرن العشرين من مجموعة/ مدرسة مدرسة  إكلا  United Nations Economic Commission for Latin America and the Caribbean    ECLA”. التي أسس لها راؤول بريبتش حيث طورت أفكاره في البنيوية إلى نظرية التبعية التي وصلت إلى أن تطوير المحيط هو تقريباً واجب مستحيل.

 ما يهمنا هنا هي أطروحة بريبتش بأن شروط التبادل المتدهورة بين المركز والمحيط تكرِّس تبعية المحيط، وفي هذا يمكن العثور على تأثير هذه الأطروحة على تطوير أمين لنظرية فك الارتباط، واتصالاً بمساهمة جوندر فرانك لا سيما في مسألة التخلف، و”تطوير التخلف- Developing of Underdevelopment”  بمعنى وجود طبقات اجتماعية/سياسية حاكمة وذات مصلحة في مواصلة التخلف ومن ثم التبعية[3].

لم يُغيِّب أمين دور التقسيم العالمي للعمل في تكريس تخلّف  المحيط، وهو ما دفعه لنقد الحركات القومية التي لم تَرَ تناقضاً بين التقسيم العالمي للعمل وتنمية بلدانها، مما أبقاها في مصيدة المفهوم البرجوازي لرتق الفجوة التاريخية، عبر المساهمة في التقسيم العالمي للعمل وليس عبر نفيه أي بفك الارتباط.[4]

يقود البحث في التخلف بل يعني قراءة عوامل التنمية بالمقابل. من هنا كانت قراءة تنمية المراكز أساسية في تفكير أمين، وهي التي قادته وآخرين لنظرية التنمية المتمحورة على الذات، والاعتماد على الذات إقليمياً إلى أن توصل ورفاقه إلى استحالة تكرار مناخات التنمية التي أنجزتها المراكز الغربية وخاصة دور هذه المراكز في الحيلولة دون تمكين المحيط من اللحاق بالمركز، إنه تناقض مُكوِّنَيْ النظام الراسمالي العالمي أي مركز/محيط. وعليه، كان من الطبيعي البحث عن طريق آخر، وهو الذي كان الاشتباك بفك الارتباط.

واصل أمين متابعته النقدية عبر قراءة وتحليل مادي تاريخي لمجمل النظام العالمي وأزماته بما فيها أزمته الممتدة منذ 2007 وحتى رحيله هذا العام، إلا أن مسألة التخلف بقيت محورية في قلقه وهمومه ومن ثم إنتاجه. ولذا كانت أطروحته الأساسية في “التطور اللامتكافئ” والذي يولد ويحافظ على التخلف ويُرسي التبعية واستمرارها. وهذا ما أغراه بأن يواصل حياته فكراً وعملاً في العالم الثالث ليصبح ضمن مدرسة العالمثالثية Third Worldism والتي تُعتبر الماوية مؤسِّستها.

هذا إلى أن وصل أمين إلى بلورة نظريته في  فك الارتباط Delinking كشرط حَدِّيٍّ إذا كان لبلد في المحيط أن يتطور. وهو وصول قطعي تعرَّض بالطبع للتشويه من مفكري البرجوازية بينما انقسمت تيارات الماركسية بين مع وضد أيضا:

  • مؤيدو نظرية “التطور اللارأسمالي- non-capitalist path”، التي كانت من علائم التهالك النظري، ومن ثمَّ الوجودي، لأنظمة الاشتراكية المحققة.
  • ماركسيون في الغرب توهموا أن المحيط قد انتقل إلى تطور رأسمالي كما المركز، نظرية اللحاق، بيل وارين مثالاً: “… على الرغم من مختلف تلك السياسات الخاطئة، أصبح هناك اعتراف واعٍ بأن إنجازات البلدان الأقل تطورا قد تحسنت بشكل عام خلال الستينيات،  وهو العقد الذي شهد النمو الأعلى في  البلدان الأقل تطورا خلال القرن.  وإذا ما أخذنا في الاعتبار أن القوة الشرائية الفعلية  لصادراتها قد ارتفعت بنفس نسبة ارتفاع الإنتاج المحلي الإجمالي 5.5% (إلى جانب ثبات في شروط التجارة)، فإن الصادرات قد ازدادت  بشكل سريع أكثر من الواردات  في الستينيات، …هذه المؤشرات  الإيجابية استمرت في السبعينيات[5]“.

 كان يجب أن يتأخر الرحيل المبكر لـ بيل وارين ليرى ماذا حل بالعالم الثالث وكيف تمفصل عنه العالم الرابع، ولا سيما النمو المتسارع لاقتصادات المضاربة والريع وتمويل بلدان الريع لإرهاب أنظمة وقوى الدين السياسي.

 لم يُغفل أمين الرد على بيل وارين وبتلهايم وفرانك:

“… هل السمة الأساسية لتاريخنا هي توسّع رأس المال عالميا؟ إن بل وارين وجوندر فرانك وتشارلز بتلهايم، كلٌّ بطريقته يعتبرون الثورات الروسية والصينية “رأسمالية” ويرونها فقط كمرحلة، حتى لو محددة، لهذا التوسع”[6]

يبقى السؤال، أيهما الأدق: قناعة أمين بأن روسيا والصين فكّتا الارتباط بما يكفي بحيث أصبحتا منيعتين محصنتين ضد العودة للرأسمالية، أم حماسة بتلهيام ووارين وفرانك بأن الثورتين الروسية والصينية مرحليتان وجزء من التوسع الرأسمالي؟.

  • أطروحة نقل التكنولوجيا إلى المحيط على شكل “رأس المال العامل الإنتاجي”، لكن دون التورط في الاعتقاد برسملة وتصنيع ولحاق المحيط بالمركز، تاماس سنتش: “… فمقارنة مع معظم البلدان المتقدمة، فهي، أي البلدان المصنعة حديثا، ما تزال في برزخ إنتاج وتصدير  المنتجات الأولية. لقد وصلت هذه البلدان المصنعة حديثا  موقعا أفضل في الاقتصاد العالمي. ولكن رغم أن  النمو الصناعي قد حصل ، لكن لم يرافقه تأسيسٌ لقاعدة صناعية وطنية متقدمة إلى جانب كفاءات البحث والتطوير. فحلقات الإنتاج عبر مجمل الاقتصاد الوطني لم تحصل. وبدلا من ذلك فإن أعشاشها الصناعية  البسيطة لم تؤكد أو تضمن فوائد أفضل  ومستويات معيشة أفضل للأكثرية. فهي ربما تحولت لتكون مجرد إعادة إنتاج التخلف[7]“. 
  • دُعاة وجوب تغلغل الاستعمار في المحيط بشكل أعمق لأن تغلغله لم يكن كما يجب أو لم يكن كافياً (جيفري كاي[8])
  • وأخيراً وليس آخراً المدرسة القديمة الجديدة الواسعة في “الاستعمار الإيجابي”، بل إيجابية الاستعمار في الفكر الاقتصادي السياسي البرجوازي والتي وصلت مع المحافظين الجدد، بمن فيهم قيادات تروتسكية انضمت لهذا التيار الديني السياسي، إلى احتلال بلدان لـ “دمقرطتها”، حال العراق، ليبيا…الخ .

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.


[1] See Adel Samara, Beyond De-linking: Development by Popular Protection vs. Development by State, especially Chapter Seven, Beyond Delinking, p.p. 159-171. Published by: Al-Mashriq Al-A’amil for Cultural and development Studies, Ramallah and Palestine Research and Publishing Foundation, Glendale, CA. 2005.

[2] Amin S. Beyond US Hegemony? Assessing the Prospects for a Multipolar World, Zed Books, 2006, p. 27

[3]  أنظر عادل سمارة، تطوير اللاتكافؤ في الوطن العربي، مجلة المستقبل العربي، العدد 197، تموز 1995، ص ص 16-27.

[4] Amin Delinking: Towards a Polycentric World, zed books, 1985.p.91

[5] Warren Bill, Imperialism Pioneering of Capitalism, Verso, 1980. P. 178. See also Chapter 8.  The Illusion of Underdevelopment: Facts of-Post War Progress, in the same book.

[6] Amin Delinking: Towards a Polycentric World, zed books, 1985.p.75

[7]  Tamas Szentes, The Transformation of the World Economy: New Directions and New Interests, Zed Books, 1986. P.74

[8] See, Kay. Jeffry, 1975, Development and Underdevelopment: A Marxist Analysis. London Macmillan, New York: St Martins.