حوار مع سماح إدريس: التطبيع العربي- الإسرائيلي

حوار مع الدكتور سماح إدريس، رئيس تحرير مجلة الآداب وعضو حملة مقاطعة داعمي “إسرائيل” في لبنان. اجرت الحوار الأستاذة رفقة العمية لصالح “بودكاست صوت غزّة” حول التطبيع العربي الإسرائيلي. الحوار يتناول جملة موضوعات، ابرزُها: حملة المقاطعة في لبنان، معايير التطبيع الثقافيّ، المقاطعة والحريّات، الفصل بين الثقافة والسياسة، دور المثقّف.

***

* دكتور سماح إدريس، العضو المؤسِّس في حملة مقاطعة داعمي “إسرائيل” في لبنان، لماذا هذا الاسم؟ لماذا ليس “حملة مقاطعة إسرائيل” كباقي أسماء الحملات في بلاد أخرى؟ هل لذلك علاقة بخصوصيّة لبنان؟

– اخترنا اسمَنا لأسبابٍ كثيرة، منها:
أ) انّ لبنان يَعتبر الكيان الصهيونيّ عدوًّا له، ولا صلات تربطه به، ولديه قانون صدر منذ العام 1955 يحظّر أيَّ تعاملٍ معه. إذًا، عندما أسّسنا حملتَنا سنة 2002، رأينا أنّ عليها أن تتوجّه إلى الشركات الداعمة للكيان، لا إليه مباشرةً، ببساطة لأنّه ليس موجودًا بشركاته في لبنان بشكل مباشر. غير أننا اكتشفنا لاحقًا أنّ هناك فعلًا شركاتٍ إسرائيليّة التصنيع، مثل سينيروم ولومينوس، تدخل لبنانَ وبعضَ الأقطار العربيّة بطرقٍ ملتوية. لكنّ الأوان كان قد فات على تغيير الاسم! وإذا توخّينا الدقّة، فإنّ اسمنا ينبغي أن يكون “حملة مقاطعة الكيان الصهيونيّ وداعميه.”
كما أنّنا لم نسمِّ حملتنا “حملة مقاطعة البضائع الأميركيّة (أو الأوروبيّة)” أو أيّ اسم آخر، لأنّ هدفَنا ليس أن نقاطعَ بلدانًا بجريرة أنظمتها الحاكمة (ولا أن نقاطعَ أديانًا بطبيعة الحال). الكيان الوحيد الذي نقاطعه بشكل ثابت هو الكيان الصهيونيّ، والأناس الوحيدون الذين نقاطعهم هم حاملو جنسيّته (من غير الفلسطينيين العرب بالتأكيد).

***

* تعريف “التطبيع” حسبما أقرّته “اللجنةُ الوطنيّة للمقاطعة” في فلسطين هو “المشاركة في أيّ مشروع أو مبادرة أو نشاط، محلّيّ أو دوليّ، مصمَّم خصيصًا للجمع (سواء بشكل مباشر أو غير مباشر) بين فلسطينيين (و/أو عرب) وإسرائيليين (أفرادًا كانوا أو مؤسّسات) ولا يهدف صراحةً إلى مقاومة أو فضح الاحتلال وكلّ أشكال التمييز والاضطهاد الممارَس على الشعب الفلسطينيّ.” ما مدى اتفاقكم مع هذا التعريف، مع علمنا أنّ سقفَ التطبيع العربيّ مرتفع عن سقف تعريف التطبيع كما أقرّته “اللجنة الوطنيّة للمقاطعة” في فلسطين. وهذا يقودنا إلى سؤال آخر: تعليقك على زيارة العرب إلى الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة بما لا يشمل غزّة؟

– معايير الرفاق الأعزّاء في “اللجنة الوطنيّة للمقاطعة” في فلسطين تشكّل طرحًا متقدّمًا بالنسبة إلى السياق العالميّ، لكنّها لا تتماشى تمامًا مع المعايير التي ترى حملتُنا أنّه يجب أن نتبنّاها خصوصًا في بلدٍ مثل لبنان – – لبنان الذي لا يعترف بـ “إسرائيل،” وطردَها من معظم أراضيه، وألغى اتفاقَ 17 أيّار 1983 معها، ويمتلك 150 ألف صاروخ موجّهة ضدّها. ومن هنا، فإنّنا لا نرى أنفسَنا ملزَمين بالاقتداء بمعايير “اللجنة الوطنيّة للمقاطعة” التي تطلب إلى المتضامنين مع فلسطين حصرَ مقاطعة إسرائيل “بالمؤسّسات الإسرائيليّة” المتواطئة مع نظام الاضطهاد الاستعماريّ الإسرائيليّ.
كما أنّنا لا نحصر رفضَنا لأيّ علاقةٍ مع أيّ جهةٍ إسرائيليّة بأن تكون من”خارج سياق مقاومة الاحتلال والاضطهاد” كما تقول اللجنةُ الوطنيّةُ للمقاطعة في فلسطين؛ فهذا التحديد في رأينا قد يَسمح للمطبِِّعين العرب بأن يزعموا أنّ علاقتَهم ليست خارج ذلك “السياق،” وأنّها قد تكون في “خدمة مقاومة الاحتلال” (كما يزعم زياد دويري مثلًا). 
كما نرى أنّ مسؤوليّة الاحتلال لا تقع على “المؤسّسات الإسرائيليّة” وحدها؛ ذلك لأنّ أفرادًا يهودًا إسرائيليين، وبمساعدة وكالاتٍ ومؤسّساتٍ صهيونيّةٍ وداعمةٍ للصهيونيّة، هم الذين يحتلّون أراضي الفلسطينيين أو منازلَهم.
ووفقًا لذلك، تقترح حملتُنا التعريفَ الآتي للتطبيع: إنّه المشاركة في أيّ نشاطٍ يَجمع بين عربٍ وإسرائيليين ما دامت “إسرائيلُ” قائمةً. وينطبق هذا على كلّ أشكال “التعاون” العلميّ أو المهنيّ أو الفنّيّ أو النسويّ أو الشبابيّ. كما ينطبق على إجراء المقابلات مع وسائل إعلام العدوّ أيًّا كانت لأنّها جزءٌ من آليّة اغتصاب فلسطين. وينطبق أيضًا على الموافقة على النشر في دُور نشرٍ ومواقعَ إلكترونيّةٍ إسرائيليّة. ولا يُستثنى من ذلك أيُّ منبرٍ إسرائيليّ لأنّه، شئنا أمْ أبيْنا، يستفيد من احتلال فلسطين. كما لا يُستثنى منه أيُّ فردٍ إسرائيليّ ما لم يتخلَّ عن جنسيّته الإسرائيليّة ويعلنْ رفضَه لشرعيّة دولة “إسرائيل.” غير أنّه يُستثنى من ذلك، طبعًا، فلسطينيّو مناطق العام 1948، ما لم يروّجْ بعضُهم للتطبيع مع العدوّ.
إذًا، سقفُنا أعلى من سقف “اللجنة الوطنيّة للمقاطعة” في فلسطين. وهذا قد يؤدّي أحيانًا الى اصطدامنا بعضنا ببعض. مثلًا، نحن ضد أيّ زيارة للفنّانين العرب إلى فلسطين المحتلّة عام 48 أيًّا كان الداعي أو المضيف، وايًّا كانت مظلّةُ الدعوة، وأيًّا كانت نوايا الزائر الحسنة، لأنّ هذا سيَفتح البابَ أمام الانتهازيين الذين يدّعون “زيارةَ فلسطين خدمةً للفلسطينيين” (او القول إنّ “زيارة السجين ليست كزيارة السجّان”!) ولأنّ زيارتَهم في النهاية – بغضّ النظر عن نواياهم وتاريخهم – إقرارٌ بسلطة الاحتلال الإسرائيليّ وإجراءاته الأمنيّة ومطاراته وسلطاتِه ورقابته، وتعطي فرصةً للاحتلال كي يتغنّى بـ”ديمقراطيّته” و”تسامحه” في استقبال الجميع من كلّ المشارب والتوجّهات والأديان! 
بل نحن نرى أنّ زيارة الفنّانين والمثقّفين العرب إلى الضفّة الغربيّة تنطوي، هي الأخرى، على نوعٍ من التطبيع لأنّ الزائر لا بدّ من أن يحظى بموافقة الاحتلال كي يَدخل، ولأنّ السلطة الفلسطينيّة (التي تدّعي السيادةَ على المعابر) متعاونةٌ مع الاحتلال ومنسِّقة معه أمنيًّا. 
ولذلك، فإذا أردنا فعلًا “التضامنَ” مع فلسطين من دون الوقوع في فخّ التطبيع، فهذا يتمّ عبر وسائل أخرى، منها:
1) زيارة غزّة، حيث أنتم الآن، إنْ أمكن.
2) إقامة الندوات وورشاتِ العمل مع أهلنا في فلسطين عبر وسائل التواصل الاجتماعيّ (أليس من واجبنا استغلالُ هذه الوسائل لنصرة الحقّ؟)
3) إقامة مهرجانات دعمٍ لفلسطين في الخارج، يعود ريعُها إلى شعبنا في فلسطين، سواء جاء هذا الريع على شكل دعم مادّيّ أو عرائض شاجبة للاحتلال والإجرام والعنصريّة.

***

* في لبنان، مُنع فيلم “المرأة الخارقة” – ما شَجّع على منعه في مناطق أخرى في العالم العربيّ. الفيلم من بطولة الممثّلة الصهيونيّة غال غادوت التي خدمتْ في جيش الاحتلال، وشاركتْ في الحرب على لبنان سنة 2006، وصلّت من أجل قتل نساء وأطفال غزّة في تغريدة على تويتر؛ لكنّ الفيلم يصوِّرها كأيقونة للحبّ والجمال والإنسانيّة! ذلك المنع خلق ضجّةً كبيرة، وسمعنا انتقاداتٍ لمبدأ “المنع” بأنّه بمثابة “حَجْر فكريّ” و”خنْق لحريّة التعبير.” كيف تردّ على مثل هذه الانتقادات لأننا نسمعها بشكل متكرّر في كلّ حملةٍ للضغط من أجل منع عرض عمل تطبيعيّ. 

– لقد قتلتْنا هذه الليبراليّةُ وذلك التغنّي بـ”الحريات”ّ! باختصار، على مَن يروِّج منتوجًا أن يراعي قناعاتِ المستهلِك، وإلّا فمن حقّ هذا الأخير أن يقاطِعَ ذلك المنتوج. وعلى مَن يروِّج منتوجًا ما أن يلتزمَ بقوانين الدولة التي يرسله إليها، وإلّا صار من حقّ الدولة أن تحْظرَه.
المنع والمقاطعة لا يقتصران على الدول الديكتاتوريّة، أو “النامية” شأن دولنا. ففي كلّ دول العالم “المتحضّر” حملاتٌ تقاطع مهرجاناتٍ أو أفلامًا لأنها تروِّج لـ “رُهاب المثليّة” أو بسبب “عدائها للساميّة” مثلًا. وهناك أفلامٌ وكتبٌ مُنعتْ في تلك الدول بقرارٍ قضائيّ بسبب حضّها على القتلِ أو الاغتصاب أو إنكار المحرقة النازيّة. المنع أو المقاطعة، إذًا، ليسا دائمًا قرارًا قمعيًّا، بل هما حقٌّ سياديّ، من حقّ أيّ دولةٍ أن تمارسه.
كما أنّ المقاطعة، بل المنع أيضًا، نوعٌ من المحاسبة (المجتمعيّة أو القانونيّة)، ما قد يدفع بأصحاب الشركات أو المخرجين او المنتجين إلى تغيير سياساتهم استجابةً لحساسيّاتنا وقوانيننا.
ثم إنّ المقاطعة تتّبع أسلوبًا متدرّجًا لا مباشرًا مرّةً واحدة: فتُعْلم الجهاتِ المعنيّةَ بجرائم “إسرائيل،” مفترضةً أنّها لا تعْلم بها، وتدعوها من ثمّ إلى رفض إكمال دعمها لهذا الكيان. فإذا استجابت تلك الجهاتُ للرسائل، كان ذلك خيرًا؛ أمّا إذا تجاهلتْها، فمن حقّنا الدعوةُ إلى مقاطعتها إلى حين استجابتها. وهذا يعني أنّ المقاطعة مشروطة: فإذا زالت أسبابُ المقاطعة، زالت الدعوةُ إليها.
وهنا علينا التذكيرُ بأنّ حملات المقاطعة (في لبنان وخارجه) تضمّ عاملين على نشر الأدب ومواجهةِ الرقابات. إذًا، الحرصُ على حريّة التعبير يستوجب مقاطعة (أو منع) مَن يستغل “حريّة التعبير” من أجل ترويج الاحتلال والعنصريّة!

***

* هناك من يقول إنّ الفنّ شيء والسياسة شيء آخر.

– إذا كان ذلك كذلك، فلماذا يَصرف العدوُّ ملايينَ الشيكلات سنويًّا على مهرجاناته ومعارضه الفنيّة وأفلامه وملكاتِ جماله؟ هو بنفسه يعترف بأنّه يفعل ذلك لتغيير الصورة المرسومة في أذهان العالم عن احتلاله وعنصريّته. إذًا، علينا نحن أيضًا ألّا نفصل بين الفنّ والثقافة والجمال والرياضة من جهة، ومقاومة الاحتلال من جهةٍ أخرى. في معركتنا ضدّ الاحتلال، علينا نحن أيضًا أن نوظّفَ ذلك من أجل تكريس الحقّ الفلسطينيّ والعربيّ.

***

* المثقّف العربيّ اليوم، إلى أين؟ وما هو الدور المطلوب منه والتحدّيات التي يواجهها، وبخاصّةٍ بعد طرح “صفقة القرن”؟ نريد سماعَ رؤيتك بالذات لكونك رئيسَ تحرير مجلة الآداب التي نعتبرها أهمَّ المجلّات الثقافيّة والأدبيّة في العالم العربيّ؟

– المثقّف العربيّ مسؤول، بدرجة كبيرة، عن البؤس الحاليّ. لقد أضاع – في قسمٍ لا يستهان به – صوتَه النقديَّ لصالح الطائفة، أو المذهب، أو النظام، أو الوظيفة، أو الأمان. صحيح أنّ علينا ألّا نقدّسَ “المثقفَ” العربي؛ فهو كائنٌ مثل غيره. لكنْ ينبغي أن يتحلّى بأشياءَ لا يتمتّع بها غيرُه: الجرأة، الوعي اللاطائفيّ، الابتعاد عن المصلحة الفرديّة،… والّا فلماذا يوجد أصلًا هذا “المثقف” العربيّ؟
ليست مهمّةُ المثقف، كما أرى، تبريرَ الواقع، أيْ تبريرَ الأمر الواقع. مهمّتُه اجتراحُ سُبل للخروج من الواقع، ولو بدا ذلك مستحيلًا. مهمّة المثقف الأساسيّة، كما أعتقد، هي الإسهامُ في تقريب الحلم إلى الإمكان أو الاحتمال، وإلّا أسهمَ في إبقاء الحلم محضَ حلم! 
لا يمكن أن يوافق المثقّفُ الحقيقيّ على صفقة القرن، وإلغاءِ حقّ العودة، و”حلّ الدولتين” العنصريّ (كما وصفه الرفيق د. حيدر عيد)، والعنصريّة الإسرائيليّة، والاستبداد العربيّ، والتبعيّة للدول الكبرى. نعم، دورُه ضعيفٌ هذه الأيّام، خصوصًا لأنّه قبِل بـ”الواقع،” ولأنّ الأنظمة العربيّة دجّنت القسمَ الأعظمَ منه، ولأنّ جزءًا مهمًّا منه صار عضوًا في منظّماتٍ غير حكوميّة تساهلتْ مع كلّ المبادئ القوميّة والجذريّة.
لكنّ هذا ليس قدرًا. ومجلة الآداب تسعى بكلّ قوّتها إلى أن تحافظَ على دور المثقف الحقيقيّ، مع أنّها تعلم – مسبّقًا – أنّ مصطلح “دور المثقف الحقيقيّ” في حدّ ذاته بات غريبًا مستهجَنًا. غير أنّ الاحتلال موجود، والاستعمار موجود، والظلم موجود، فلماذا يغيب المثقّفُ عن مهامّه الأصليّة في مقاومتها جميعها؟

:::::

“الأداب”

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.