روسيا والصين والولايات المتحدة، قطب رأسمالي واحد أم متعدّد الأقطاب؟ الجزء الأول، الطاهر المعز

تقديم

الولايات المتحدة، سنة 2021، رئيس جديد ومخططات قديمة

أكد جو بايدن، بكل وُضُوح، قبل انتخابه “حاجة العالم إلى قيادة أمريكية”… يجب أن يخضعَ العالم لهيمنة قوة عظمى لن تكون سوى الولايات المتحدة وليس أي دولة أخرى”.

حاز جو بايدن على دعم دعاة الحرب من الحِزْبَيْن الجمهوري والدّيمقراطي، وكذلك على دعم جزء كبير من الموظفين السابقين في إدارة  جورج بوش الإبن، بالإضافة إلى رُمُوز دُعاة الهيمنة الأمريكية على العالم، من بينهم هيلاري كلينتون وكولين باول ومادلين أولبرايت التي أوصَتْ باختيار “سامانثا باور” نائبة للرئيس، بعد أن دعمتها في إدارة الوكالة الأمريكية للتعاون الدّولي (يو إس آيد) بميزانية تتجاوز 20 مليار دولار، لتمويل “التدخل الإنساني”، الذي يليه دائمًا عدوان عسكري.

لا يختلف “جو بايدن” عن الرؤساء الآخرين، حيث تم اختياره ورعايته من قِبَلِ المُجَمّع الصناعي العسكري الذي يمول حملات الرؤساء ونواب المجلِسَيْن وحُكّام الولايات، وحَظِيَ “جو بايدن” بنصيب الأسد من هذا التّمويل، خلال حَمْلَة الإنتخابات الرّئاسية، ولذلك كافأ الرئيس “جو بايدن”، بعد انتخابه، مجموعة “رايثيون” (ثالث أكبر منتج للأسلحة في الولايات المتحدة)، بتعيين “لويد أوستن” وزيراً للحرب، وهو عضو في مجلس إدارة مجموعة “رايثيون” ( Raytheon )، وجنرال في الجيش الأمريكي، خدم في أفغانستان والعراق، ومن أكبر داعمي الكيان الصّهيوني، ويضم فريق إدارة “جو بايدن” ما لا يقل عن ستة من عُتاة الصهاينة المُعْلَنِين، والعديد من الدّاعين للحرب المُستمِرّة للهيمنة على العالم بقوة السّلاح،  فيما يضغط “جو بايدن” على الاتحاد الأوروبي من أجل تعزيز الحظر المفروض على الصين وروسيا وكوبا وفنزويلا وغيرها، ويضغط على ألمانيا لتجميد بناء خط الغاز الثاني “نورد ستريم 2” الذي يربط روسيا بألمانيا وشمال أوروبا، وهي إجراءات تَضُرُّ بمصالح الدّول والشّركات الأوروبية. من جهة أخرى لا تتردّد الولايات المتحدة في إبراز مظاهر الإبتزاز والإحتقار للحلفاء، إذْ فاوضت الولايات المتحدة حركة “طالبان” الأفغانية، ووقعت اتفاقية معها، دون استشارة أوروبا التي تشارك في كل الاعتداءات الأمريكية، والتي تظل حليفا رئيسيا للولايات المتحدة في حلف شمال الأطلسي، رغم أهمية المبادلات التجارية بين أوروبا والصين، ورغم الاعتماد الأوروبي على الغاز الروسي. 

يُتَوقّعُ أن تُصبح الصين قريبا القوة الاقتصادية الرائدة في العالم، وهي التي تدافع حاليا عن التجارة الحرة، بينما تعزز الولايات المتحدة نزعتها الحمائية، وهكذا فبعد أزمة 2008/2009، وأزمة اليورو في 2009/2010، باعت دول جنوب أوروبا، منتمية للإتحاد الأوروبي (اليونان وإيطاليا وإسبانيا…) موانئها وبنيتها التحتية للصين، وأصبحت صربيا (التي لم تنضم بعد إلى الاتحاد الأوروبي) بوابة جديدة لدخول الصين إلى أوروبا، كما وقعت الصين اتفاقية التجارة الحرة، في تشرين الثاني/نوفمبر 2020، مع أربعة عشر دولة من دول المحيط الهادئ ، بما في ذلك أستراليا واليابان وكوريا الجنوبية وحلفاء آخرون للولايات المتحدة التي ترفض المُشاركة في هذه الاتفاقية، وفي كانون الأول/ديسمبر 2020، وقعت الصين على اتفاق الإستثمار مع الاتحاد الأوروبي، رغم معارضة الولايات المتحدة، ويعد ذلك استثناءً أو بداية لتمرد أوروبا، بقيادة ألمانيا التي تُؤْوِي أراضيها أكبر القواعد الأمريكية بأوروبا، والتي تعتبر أن هذه الاتفاقية تتيح للشركات الأوروبية تضخيم حصّتها من السوق الصينية الضّخمة، وربما تكون أوروبا قد بدأت في إيلاء الأولوية لمصالحها الاقتصادية والتجارية، بدل التبعية العمياء والإنجرار الآلي وراء الدعاية الأمريكية عن “حقوق الإنسان”، التي تُخْفي إهمال، بل ازدراء مصالح الحلفاء. 

تُعتَبَرُ الولايات المتحدة قاطرة الاقتصاد الرأسمالي النيوليبرالي الذي يدعو إلى سيادة السّوق، وإلى عدم تدخّل الدّولة لمكافحة الإحتكار، أو لتعديل العرض والطلب أو الأسعار، لكن في الواقع، تتدخّلُ الحكومة الإتحادية باستمرار، على المستوى التّشريعي والإقتصادي والمالي، لصالح الشركات الأمريكية العابرة للقارات، ويعترف الرئيس الأمريكي “جو بايدن” بضخّ ستة تريليونات دولار (من المال العام) في خزائن الشركات الكبرى، بالإضافة إلى خطة استثمارية بقيمة 2,25 تريليون دولارا (2250 مليار دولار) “لمواجهة المنافسة من الصين “، بحسب تعبيره. 

يُمثل وزير الخارجية الأمريكية “أنطوني بلينكين” (الصهيوني سيئ السمعة)، نموذجًا لعسكرة السياسة الخارجية الأمريكية، التي تعزّزت منذ بداية القرن الواحد والعشرين، بل منذ انهيار الإتحاد السوفييتي، وصرّح: “إن الناتو هو أساس الإرتباط بين ضفّتَيْ الأطلسي، وهو الذي يوحد مصالح أوروبا وأمريكا الشمالية”، وبالتالي، فإن تعزيز الروابط بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، يمر حتما عبر إعادة بناء الناتو، ليكون جاهزًا وعلى أتم الاستعداد لحروب الغد، وقادرًا على إرسال المزيد من الجنود إلى الخارج، بأسرع وقت ممكن، ولفترة أطول، وتعزيز تجهيزات حلف شمال الأطلسي بمختلف الأسلحة المتطورة، من طراز الطائرة الآلية بريداتور…”، وللتذكير فإن الجش الأمريكي والمخابرات الأمريكية تستخدم الطائرات الآلية لاغتيال آلاف الأشخاص من المَدنيين، في بلادهم، في أفغانستان وباكستان والعراق وسوريا واليمن وليبيا ومالي وغيرها…

بعض مظاهر العجرفة الأمريكية والأطلسية

كتب الدبلوماسي الأمريكي جورج كينان ( 1904 – 2005 )، أحد المهندسين الرئيسيين للسياسة الخارجية الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية ، وثيقة، سنة 1946، أسست مبادئ الحرب الباردة. كتب جورج كينان في نصه أن نهاية الحرب تعني عودة النضال الصريح ضد الشيوعية وضد الاتحاد السوفيتي. “يجب أن نتخذ موقفا عدوانيا تجاه الاتحاد السوفياتي ونعامله كعدو …”. أعادت منظمة “أتلانتيك كونسل”، أو “المجلس الأطلسي” ( Atlantic Council ) إلى الأذهان،سنة 2021، أي بعد 75 عامًا، عبارات جورج كينان، بشأن الصين وروسيا، باعتبارهما أعداء ،في سياق حرب باردة جديدة.

المجلس الأطلسي هو منظمة تجمع بين الشركات الكُبْرى العابرة للقارات من جهة ومنظمة حلف شمال الأطلسي – الناتو – من جهة أخرى، ويضم مجلس إدارتها هنري كيسنغر وكوندوليزا رايس والجنرال كولن باول، وأمثالهم، ومنح المجلس جوائز لكل الحُكّام الأنذال من اليمين المتطرف، مثل بولسونارو في البرازيل وماوريسيو ماكري في الأرجنتين والرئيس الشيلي “سيباستيان بنييرا” والإنقلابيين في بوليفيا، وغيرهم، ويعتبر المجلس الأطلسي إن الصين تُشكّل تهديدًا لمصالح الولايات المتحدة (أي مصالح الشركات الكبرى)، وللحفاظ على مكانة الولايات المتحدة المهيمنة، يدعو المجلس الأطلسي إلى سياسة استعمارية جديدة عدوانية تهدف إلى إعاقة التنمية الاقتصادية والاجتماعية للدول الأخرى التي وجب أن يقتصر دورها على الخضوع وتصدير المواد الخام والسلع الرخيصة… تتمثل “جريمة الصين التي لا تغتفر” في عدم الخضوع والخروج من وضع éشبه المستعمرة” إلى وضع الدّولة الرأسمالية الكبرى التي تنافس الولايات المتحدة وأوروبا واليابان…

أقدمت الولايات المتحدة، منذ سنة 2012، على استفزاز الصين، وتصعيد الموقف والهجوم على الصين وروسيا، بمشاركة حلف شمال الأطلسي، ودول الإتحاد الأوروبي ودول أسيوية، ومحاصرة البَلَدَيْن بالقواعد العسكرية وبالمناورات الحربية وقوت بحرية وجوية ضخمة، واستفزاز روسيا بتكثيف حجم المناورات العسكرية، من القطب الشمالي إلى البحر الأسود، بمشاركة أو بتواطؤ دُويلات بحر البلطيق وأوكرانيا وجورجيا وبولندا، ودول أوروبا الشمالية.

أما في آسيا فعززت الولايات المتحدة تواجدها العسكري في بحر الصين، وعززت علاقاتها العسكرية مع الهند وفيتنام والفلبين وأستراليا، ناهيك عن كوريا الجنوبية واليابان، حيث القواعد الأمريكية الضّخمة، وتحاول الولايات المتحدة التضييق على الصين، عبر عرقلة مشروع “طريق الحرير الجديد”، المنافس لمشروع الشرق الأوسط الجديد، خصوصًا بعد توقيع الاتفاقية الصينية الإيرانية…

تشن الإمبريالية الأمريكية حُروبًا عدوانية، خدمة لمصالح الشركات الرأسمالية الإحتكارية، تدعمها شركات الإعلام التي تُلْبِسُ المنظمات الإرهابية، كما في سوريا (الخوذات البيضاء، أو “قسد”، على سبيل المثال ) رِداء القَداسة والإنسانية، ونشر موقع “غراي زون” الأمريكي، في آذار/مارس 2021، وثائق تفيد إشراف الشركات الإعلامية المتعاقدة مع أجهزة الاستخبارات الأمريكية والأوروبية على الدّعاية الهادفة لتضليل الرأي العام، ولتسويق المنظمات الإرهابية ك”معارضة ديمقراطية”، في سوريا، كما في إيران وفنزويلا، أو في روسيا والصين، وذكر موقع “غراي زون” أربع شركات أشرفت على التضليل الإعلامي وتزوير الوقائع في سوريا، منذ 2011، ومنها شركة “انكوسترات” البريطانية، عبر نشر مجموعة كبيرة من الجواسيس، ينتحلون صفة “المراسلين الصحفيين” أو صفة العاملين بالمنظمات “الإنسانية” (والخَيْرِية)، بهدف التحريض وانتحال الأحداث، وشركة “آرك” التي تُشرف على تصميم “العلاقات العامة” لبعض المنظمات الإرهابية، منذ 2012، بالتنسيق مع أجهزة التّجسّس البريطانية، وسبق أن كشف موقع “ذا كناري” (بريطانيا)، وكذلك صحيفة “غارديان”، التي استندت إلى وثائق حكومية بريطانية، منذ 2016، تَوَرُّطَ المخابرات البريطانية والأمريكية في عمليات تهريب شحنات الأسلحة وتدريب العناصر الإرهابية، بتمويل سعودي وقَطَرِي وإماراتي، وتقديم هذه المنظمات الإرهابية ك”معارضة مُعتدلة”، أي ليست إرهابية أو متطرفة، بل ديمقراطية (تعلّمت الديمقراطية من قَطَر والسّعودية؟)، وساهمت أجهزة المخابرات ووزارات الحرب والخارجية البريطانية والأمريكية، منذ سنة 2012، في إنشاء وإدارة مراكز إعلام إشهاري (دعائي)، أنتجت أشرطة دعاية سمعية وبصرية، بثّتها محطات الإذاعة والتّلفزيون كوثائق من إعداد “صحافيين مُستَقِلُّين”، تُلَمِّعُ صورة المنظمات الإرهابية بسوريا وليبيا، وغيرها (فنزويلا وإيران…)، بالإضافة إلى التقارير العسكرية والوثائق المُزيّفة، عمّا تدّعي حصوله في سوريا أو في إيران أو في الصين، ثم تُوزِّعُها على أهم وكالات الأخبار، وتشتري عشرات آلآلاف من الحسابات الوهمية على مواقع التّواصل “الإجتماعي”، لنفس الغرض، وكذلك لتشويه كل من يكشف حقيقة عمليات الخداع السياسي والإعلامي…

نشرت بعض وسائل الإعلام الأمريكية، نص كلمة السيناتور الأمريكي السابق “رتشارد بلاك”، في مؤتمر معهد “شيللر” بالولايات المتحدة يوم 21 اذار/مارس 2021، بصفته طيَاّرًا سابقًا في الجيش الأمريكي، لمدة 32 سنة، شارك في العُدْوان على فيتنام، قبل أن يصبح قاضيًا (مُدّعِيًا عامًّا) بالمحكمة العسكرية للجيش الاميركي في “البنتاغون”، وأدان في كلمته العدوان الأمريكي والأطلسي على سوريا، وأعلن أنه أُصيب بالذّهول من وحشية العدوان الأمريكي على سوريا…

تُناقض شهادة هذا الضابط الأمريكي ما يُرَوّجُهُ بعض الباحثين المَحْسُوبين على التيارات التقدمية (بدعم من التيارات التروتسكية)، الذي يَدْعُون منذ سنين لقلب أنظمة العراق وسوريا وليبيا وإيران، وغيرها بالقوة العسكرية الأمريكية والأوروبية، ويدّعون أن دَوْرَ الإمبريالية في تخريب سوريا ثانوي، أو غير أساسي، ما يجعلهم حُلفاء للإمبريالية، مُنْدَسِّين في صفوف التّقدّميين، ومن هؤلاء “نوعام شومسكي” الذي بَرَعَ في الكتابة ضدّ الإمبريالية، بشكل فضفاض، في حين يُعارض (بشكل صريح) حق عودة اللاجئين الفلسطينيين ويُعادِي حملة مقاطعة الكيان الصهيوني، الذي عاش في إحدى مستوطناته (كيبوتس) سنوات عديدة في شبابه، ويقوم بتدريس الضباط الأمريكيين العاملين في مناطق الحرب، لكي يُساعدهم على فهم المُحيط التاريخي والإجتماعي لهذه الشعوب المُضْطَهَدَة، ومنهم “ميشال فارشافسكي”، جندي صهيوني سابق، خدم في الضفة الغربية، ويدّعي أنه تقدّمي، وجلبير أشقر، أحد مُنَظِّرِي “الأُمَمية الرابعة” التروتسكية، الذي أيد “نداء دمشق”، وهو نموذج لتحالف بعض القوى التي تدعي التقدمية، وحتى الشيوعية، مع الإخوان المسلمين، واستدعاء الإمبريالية للتدخل في البلدان العربية، والإطاحة ببعض أنظمتها، في تونس ومصر وسوريا، باسم الدفاع عن الديمقراطية (2005)، ودعا جلبير أشقر القوى الإمبريالية، منذ 2011 إلى الإطاحة بأنظمة ليبيا وسوريا، وهو يقوم بنفس مهمة الإعلام والإرشاد التي ينفذها “نوعام شومسكي” (مع الجيش الأمريكي)، لكن مع القوات الخاصة للجيش البريطاني…

اختلاف المصلحة بين أمريكا وحلفائها:

تمكّنت الولايات المتحدة من حشد الحلفاء في حلف شمال الأطلسي والإتحاد الأوروبي وفي آسيا، لتشكيل جبهة مُعادية للصين ولروسيا، ومن ورائهما إيران وفنزويلا وكوبا وسوريا وغيرها، باسم “الدّفاع عن قيم الحرية والدّيمقراطية”، لكن الدافع الأول اقتصادي وجيواستراتيجي، في وقت أصبحت الصين الشريك التجاري الأول لكُتلة دول الإتحاد الأوروبي، وتستورد أوروبا أكثر من ثُلُثِ حاجتها من الطاقة من روسيا، وسبق أن أدّت العقوبات المفروضة على إيران إلى خسائر للشركات الفرنسية والألمانية (شركات صناعة السيارات وشركات النفط وغيرها)، كما تضررت الشركات الأوروبية من الحَظْر المفروض على روسيا.

أشرفت الولايات المتحدة على اجتماعات ضمّت الإتحاد الأوروبي وأستراليا والهند واليابان وكوريا الجنوبية، لتعزيز العقوبات الإقتصادية ضد الصين، وكثيرًا ما تذرّع الإعلام السائد، الأمريكي والأوروبي، بعدم احترام الديمقراطية وحقوق الإنسان في منطقة الحكم الذاتي “شيجيانغ” حيث يسكن المُسلمون “الإيغور”، وهي المنطقة التي تنطلق من عاصمتها أورومتشي “مبادرة الحزام والطّريق”، التي تحاول الإمبريالية الأمريكية إحباطها أو تعطيلها.

يعسُر تطبيق مقاطعة الإقتصاد الصيني، في حين أصبحت الصين شريكاً تجارياً مهمّاً لعدد من الدول الحليفة لأميركا، ومنها أوروبا، كما ذكرنا آنفًا، ويرتبط الإتحاد الأوروبي مع الصين “باتفاقية الاستثمار” التي تم توقيعها، في بداية سنة 2021، ويحاول الإتحاد الأوروبي خلق توازن صعب، فهو من ناحية يصطف وراء المواقف السياسية الأمريكية، ومن ناحية أخرى يحاول الحصول على مكاسب اقتصادية وتجارية. أما أستراليا، الموالية للولايات المتحدة فإنها قد تكون الخاسر الأكبر، اقتصاديًّا، من معاداة الصين، مع الإشارة أن أستراليا جزء من التحالف الرباعي الذي تقوده الولايات المتحدة مع اليابان وأستراليا والهند، ضدّ الصّين.  

 الولايات المتحدة أكْبَرُ مُصدّر عالمي لأدوات القَتْل

تُقَدَّرُ ميزانية وزارة الحرب الأمريكية المُعْلَنَة ب740 مليار دولارا، لتبلغ الميزانية الفعلية حوالي تريليون دولارا، ولا تُستخدَم التّرسانة العسكرية الأمريكية للدّفاع، فلم تَخُضْ الولايات المتحدة حربًا دفاعية واحدة في تاريخها القصير، بل لتهديد واستفزاز حكومات وشعوب العالم، وقلب أنظمة الحكم التي لا ترضى عنها، وتفوق ميزانية الحرب الأمريكية قيمة إجمالي نظيراتها للدول العشر التي تليها في الترتيب، أي روسيا والصين والهند واليابان وبريطانيا وفرنسا وغيرها، مجتمعةً…

تبيع الولايات المتحدة السّلاح لنحو 96 دولة أكبر مصدر للأسلحة في العالم، بحسب تقرير معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)، بنهاية شهر آذار/مارس 2021، عن صناعة الأسلحة ومبيعاتها خلال خمس سنوات (2016 – 2020)، وكان حجم وقيمة صادرات الأسلحة الأمريكية السنوية، سنة 2020 أعلى مما كانت عليه بين عامي 2011 و 2019، مع زيادة حصة أمريكا من الصادرات العالمية من 32% ( خلال الفترة 2011 – 2019 ) إلى 37% خلال الفترة من 2016 إلى 2020. في المقابل، انخفضت صادرات الأسلحة الروسية بنسبة 22% خلال السنوات الخمس 2016 – 2020، إذْ كان إجمالي صادرات الأسلحة الأمريكية أعلى بنسبة 85% من صادرات روسيا – ثاني أكبر مصدر – مقارنة بـ 24% في الفترة 2011-2015. “

كانت نسبة حوالي 47% من صادرات الأسلحة الأمريكية بين عامي 2016 و 2020 متجهة إلى الدول العربية، بزيادة قدرها 28% عن السنوات الخمس السابقة (2011 – 2019)، وزادت صادرات الأسلحة الأمريكية إلى الكيان الصهيوني (+ 335%) وقطر (+ 208%) والسعودية (+ 175%)، فيما ارتفعت واردات الأسلحة (مهما كان مصدرها، وليس الأمريكية لوحدها)، مقارنة بالسنوات الخمس الماضية، لقطر (+ 361%) ومصر (+ 136%) والسعودية (+ 61%) والجزائر + 64% … تمثل السعودية 11% من سوق استيراد السلاح، بين عامي 2016 و 2020، وهي أكبر مستورد للأسلحة الأمريكية والبريطانية والكندية.

تمثل دول أمريكا الشمالية وأوروبا، أعضاء حلف شمال الأطلسي، 86% من صادرات الأسلحة. وزادت الصادرات الفرنسية بنسبة 44% بفضل عقود شراء الزوارق الحربية وطائرات “رافال” التي وقعتها الهند ومصر وقطر. أما ألمانيا فإنها تدعم بالمال العام ( رُسُوم وأداءات دافعي الضرائب) ، ثمن الغواصات السّبعة التي تبيعها للكيان الصهيوني، بنسبة لا تقل عن 33%، وهي غواصات قادرة على حمل صواريخ مُجهّزة برؤوس نووية، وسَدّدت ألمانيا “دِيّةً” للكيان الصهيوني، بقيمة 85 مليار دولارا، بين 1953 و 2010، أي نَصَّبَت الكيان الصهيوني مُمثِّلاً ليهود ألمانيا، أي مواطني ألمانيا، (وأوروبا) الذين أبادَهم النّظام النّازي، ويوازي هذا المبلغ ما أنفقه الكيان الصهيوني على كافة الحُرُوب العدوانية ضد البلدان والشعوب العربية، ما يجعل ألمانيا، أهم مركز للجيوش الأمريكية ولحلف شمال الأطلسي، وعدوًّا لدودًا للشعوب العربية، مهما كان إسم الحزب الذي يقود الإئتلاف الحاكم.  

تمثل صادرات الأسلحة الصّهيونية 3% من تدفقات الأسلحة العالمية، وسجلت زيادة بنسبة 59% خلال الخمسية 2016- 2020، مقارنة بالسنوات الخمس السابقة، وأصبحت الهند، ثاني أكبر مستورد للأسلحة في العالم، وأكبر مستورد للأسلحة الإسرائيلية، خصوصًا منذ وصول حزب “نانيدرا مودي” إلى السلطة، وهو حزب يميني متطرف وعنصري، عزّزَ التحالف والعلاقات مع الكيان الصهيوني، نظرًا لتَعَدُّدِ القواسم المشتركة…

بالإضافة إلى ما تقدّم، تُهَوِّلُ وسائل الدّعاية الأمريكية قيمة الإنفاق العسكري للصين وروسيا، وتُضخّمُ القوة العسكرية للصين وروسيا، لتبرير الإنفاق العسكري الأمريكي الضّخم (740 مليار دولارا مُعْلَنَة)، وعلى سبيل المثال، تخصيص قرابة 260 مليار دولارا من ميزانية 2019، لتطوير أسلحة فائقة السُّرْعة (أسْرَعَ من الصّوت)، وبلغت قيمة الإنفاق على الأسلحة الأكثر فَتْكًا وأجهزة الرّصْد في الفضاء، حوالي تريليون دولارا، بين 2018 و 2020، ولتبرير الإستفزازات العسكرية المُسْتَمِرّة للجيش الأمريكي، ولجيوش حلف شمال الأطلسي، على حدود روسيا والصّين.

يمتلك الجيش الأمريكي (للمحافظة على التفوق العسكري الأميركي) عددًا قياسيا من حاملات الطائرات والسفن الحربية الأخرى، والتي تحمل صواريخ “كروز”، ويعمل بعضها (ما لا يقل عن 12 حاملة طائرات) بالطاقة النووية، فيما لا يمتلك جيش روسيا سوى حاملة طائرات واحدة مُزَوَّدَة بالطّاقة النّوَوِيّة، غير أن روسيا أعلنت منذ سنة 2016 تطوير صاروخ “أفنْغارد” الذي يعمل بالطاقة النووية وتفوق سرعته سرعة الصّوت، وكذلك صاروخ “زيركون”، المُجَنَّح، المُضَادّ للسفن…

اضطرّت الصين بدورها، لمواجهة الإستفزازات الأمريكية في المياه القريبة من حدودها، إلى الإنفاق على إنتاج صواريخ أسرع من الصوت، باستخدام تقنيات عالية، وبكلفة منخفضة، لتستطيع إطلاق عدد كبير منها، دفاعًا عن أراضيها ومياهها وحدودِها ضد الطائرات والصواريخ التي تحملها حاملات الطائرات والسفن الحربية الأمريكية المتواجدة باستمرار في بحر الصين…  

حلف شمال الأطلسي، استنفار دائم

استعراض أهم المناورات الإستفزازية للحلف خلال السنوات الخمس الأخيرة.

أعلنت قيادة سلاح البحر لحلف شمال الأطلسي تنفيذ مناورات ضخمة تحت مُسمّى “ديناميك مانتا 2021″، جنوب السواحل الأوروبية، أي قُبالَةَ سواحل البلدان العربية، من المغرب إلى سوريا، استمرت إحدى عشر يومًا، من 23 شباط/فبراير، حتى الخامس من آذار/مارس 2021، وتمثّل هدفها المُعْلَن في “تطوير التعاون الجوي وعلى سطح البحر وتحته (السّفن والغواصات الحربية) لحرب دفاع الغواصات”، وهي النّسخة الواحدة والعشرون التي تنطلق من قاعدة “سيغونيلاَّ”، بجزيرة “صقلية” الإيطالية، باستخدام السفن السطحية، والغواصات، والطائرات، من ثماني دول (الولايات المتحدة وإيطاليا وألمانيا وبلجيكا وفرنسا وإسبانيا واليونان وتركيا ) إضافة إلى حاملة الطائرات “شارل ديغول” الفرنسية، وأعلنت قيادة الحلف أنها تريد “تزويد جميع عناصر الجيوش المشاركة بتدريب حربي قاس من أجل زيادة قدراتها وقابليتها للعمل المشترك في مهارات الدفاع عن الغواصات والحرب السطحية”. 

تعدّدت وتزايدَ عددُ المناورات الضخمة التي يجريها حلف شمال الأطلسي على حدود روسيا، حيث أعلنت حكومة أوكرانيا، يوم الثالث من نيسان/ابريل 2021، حصول اتفاق مع قوات حلف شمال الأطلسي، لتنفيذ  مناورات عسكرية بمشاركة أكثر من ألف عسكري من خمس دول أعضاء في الحلف، ولم يقع الإعلان عن تاريخ بدايتها، بحسب وكالة “رويترز” (04 نيسان/ابريل 2021)، ما قد يزيد من توتُّر العلاقات مع روسيا التي تُعارض إجراء مثل  هذه المناورات على حدودها، لأنها تُهَدّد أمن روسيا والمنطقة، خصوصًا منذ سنة 2014، عندما أسفرت الحرب الخاطفة التي أطلقتها أوكرانيا عن هزيمتها (أوكرانيا) وخسارة جزء من الأراضي التي يسكنها الرُّوس وكان الإتحاد السوفييتي قد ألحَقَها بجمهورية أوكرانيا الإشتراكية السوفييتية آنذاك، حيث لم تكن للحدود سوى أهمية إدارية…

نفذ حلف شمال الأطلسي، خلال الأسبوع الأول من حزيران/يونيو 2016، واحدة من مناوراته الإستفزازية التي لا يُحصى عددها، تحت مسمّى “أناكوندا”، في بولندا، على حدود روسيا، بقيادة مِظَلِّيِّين من جيوش الولايات المتحدة وبريطانيا وبولندا، وهي أكبر مناورات عسكريّة في أوروبا الشرقيّة منذ الحرب العالميّة الأولى، واستمرت عشرة أيام، بمشاركة 31 ألف جندي، “بهدف تعزيز الأمن في الخاصرة الشرقيّة من التحالف”، حيث تخشى الدول الأعضاء في الحلف من تزايد أعمال روسيا العدائيّة، بحسب ناطق باسم الجيش الأمريكي، القائد الفعلي للحلف، الذي اختار تاريخ هذه المناورة، قبل شهر من القمّة التي عقدها “حلف شمال الأطلسي” في وارسو (عاصمة بولندا ومقر حلف وارسو سابقا)، بهدف دراسة نشر المزيد من الجنود في دول أوروبا الشرقيّة الأعضاء في الحلف…

أجرى حلف شمال الأطلسي مناورات عسكرية ضخمة، بالنرويج، على حدود روسيا، حملت إسم “الرمح الثلاثي 18” (ترايدنت جانكتشير 18)، دامت أكثر من أسبوعَيْن، بمشاركة جيوش 31 دولة، وساهم الجيش الأمريكي بأربعة عشر ألف جندي، وبحاملة طائرات،. بحسب برقية لوكالة الصحافة الفرنسية، بتاريخ 25 تشرين الأول/اكتوبر 2018، لتذكير روسيا بأن الحلف لا يزال قائمًا وموحدا وفاعلاً ، وشارك في المناورات نحو 50 الف جندي و10 آلاف مركبة و65 بارجة و250 طائرة، ويتمثل التدريب في “الدفاع عن دولة عضو تتعرض لاعتداء من عدو محتمل” ، أي من روسيا التي تتشارك مع النرويج بحدود طولها قرابة 200 كيلومترا، واعتبرت السفارة الروسية بأوسلو (عاصمة النرويج)  إن هذه المناورات الإستفزازية ليست ذات طبيعة دفاعية، بل موجهة ضد روسيا ، خاصة بعد انضمام كل من السويد وفنلندا (جيران النرويج ) الى التدريبات بالإضافة إلى الدّول الأعضاء، وعددها 29 دولة.

في منتصف سنة 2020، أجرى حلف شمال الأطلسي مناورات عسكرية في جنوب وَوَسَط بحر البلطيق، على حدود روسيا، تحت إسم “بالتوبس – 2020″، وهي مناورات انطلقت منذ سنة 1972، وأصبحت تجري في بحر البلطيق، منذ 1993، أي بعد انهيار الإتحاد السوفييتي، وبعد ضم دول من أوروبا الشرقية والوُسْطى إلى الحلف، بدل حَلِّهِ، ودامت مناورات 2020 من السادس إلى التاسع عشر من حزيران/يونيو 2020، وادّعت الولايات المتحدة (العمود الفقري لحلف شمال الأطلسي) “إن هذه المناورات لا تُشكّل تهديدًا لأي دولة”، وشاركت بالمناورات، تحت قيادة الولايات المتحدة، جيوش كل من ألمانيا وإيطاليا وبولندا والبرتغال ودنمارك والسويد وتركيا وفرنسا والنرويج وفنلندا وكندا ولاتفيا وليتوانيا وبريطانيا وهولندا واليونان…

نقل موقع محطة “بي بي سي” عن مقال نشرته صحيفة “تايمز” (21 كانون الأول/ديسمبر 2019)،   بمناسبة مناورات عسكرية أطلسية “لِرَدْعِ روسيا” (على حُدُودها، وليس على حُدُود الولايات المتحدة !!! )، خلال نفس الشهر من سنة 2019، أن مناورات مماثلة كادت تُؤَدِّي إلى حرب نووية، سنة 1983، خلال فترة رئاسة رونالد ريغان للولايات المتحدة، ودامت تلك العملية من الثاني إلى الحادي عشر من تشرين الثاني/نوفمبر 1983، بمشاركة أربعين ألف جندي أطلسي، تحت إسم “أبل آرتشر”، بمحاكاة صد قوات الناتو لهجوم عسكري سوفييتي (أي أن أمريكا وحلف شمال الأطلسي قوة دفاعية، والإتحاد السوفييتي قوة هجومية !!! )، ونشرت قوات الحلف الأطلسي أسلحة حقيقية، بالتوازي مع تصريحات مُستفزّة للرئيس الأمريكي “رونالد ريغن”، الذي كان ينعت الإتحاد السوفييتي ب”إمبراطورية الشّرّ”، وكأن المسألة “أخلاقية”، وصراع بين قوى الخَيْر (أمريكا وحلفاؤها) وقوى الشر (الإتحاد السوفييتي وكل من ليس مع أمريكا)، ما جعل الإتحاد السوفييتي يعلن حالة الإستنفار، لقوات حلف وارسو، في بولندا وألمانيا الشرقية، كما وضعت منصات الصواريخ على أهبة الاستعداد…

تكررت مثل هذه الإستفزازات بعد انهيار الإتحاد السوفييتي واستفراد الإمبريالية الأمريكية بالعالم، وامتدّت مناورات حلف شمال الأطلسي جغرافيا وتضاعف عددها مرات وارتفع عدد الدول المنتمية للحلف، ما جعل القادة العسكريين الرُّوس ينبّهون، في كانون الأول سنة 2019، إلى خطورة ارتفاع عدد مناورات الناتو العسكرية قرب الحدود الروسية، في بحرِ ودويلات البلطيق، وفي بولندا والبحر الأسود، ما قد يُشكّل مقدمة لحرب حقيقية مُدَمِّرَة.

بعد هدوء نسبي، إثر انهيار الإتحاد السوفييتي، عملت الولايات المتحدة على ضمّ كافة أعضاء حلف وارسو المُنْحَلّ إلى حلف شمال الأطلسي، ويُفترض أن دَوْرُ حلف شمال الأطلسي انتهى منذ 1991، لكن الولايات المتحدة عملت على توسيعه وعلى تكثيف المناورات، بالتزامن مع حملات التشويه لأنظمة الحُكْم التي تختلف مع أو تُنافس الولايات المتحدة، لتصبح زعزعة استقرار روسيا والصين هدفًا استراتيجيا أمريكيا، وتنتهج الولايات المتحدة عدة أساليب، منها التشويه الإعلامي المُستمر وتقارير منظمات تدّعي الدّفاع عن حقوق الإنسان، وتمويل أحزاب معارضة ومنظمات “غير حكومية” وغير ذلك من الأساليب، إلى جانب الإستفزاز العسكري، وهو أحد ثوابت السياسة الخارجية الأمريكية، منذ ما يزيد عن سبعة عقود، ويختبر الجيش الأميركي، منذ سنة 2014، إعادة الإنتشار العسكري بأوروبا، والقدرة على نقل الجنود عبر الأطلسي إلى بلجيكا وهولندا، ثم نقلهم سريعا إلى شرق أوروبا، عبر القواعد الأمريكية الضخمة بألمانيا باتجاه بولندا ومن ثم بحر البلطيق والحدود الروسية، وسبق أن اختبرت الولايات المتحدة هذه التدريبات الإستفزازية، خلال عقد الثمانينيات من القرن العشرين، ثم كرّرت التجربة سنة 2019 و 2020، بنقل العتاد وعشرات الآلاف من الجنود الأمريكيين، الذين يلتحقون بآلاف الجنود الأمريكيين المتمركزين بأوروبا، وجيوش أعضاء الحلف الأطلسي، والتمرين على إعادتهم بسرعة، بعد انتهاء المناورات، وأجرت جيوش حلف شمال الأطلسي (بقيادة الولايات المتحدة) بنهاية نيسان/ابريل، وبداية شهر أيار/مايو 2020، أضخم مناورة عسكرية في أوروبا، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، بمشاركة ما لا يقل عن عشرين ألف جندي أمريكي، أو حوالي نصف عدد الجنود المُشاركين في المناورة، وتزامنت هذه المناورات مع الهجوم الذي شنّه الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب”، ببَذاءَتِهِ المَعْهُودة، على حُلفائه، وخاصة في ألمانيا، مُدّعِيًا أنهم خفضوا الإنفاق العسكري…

تركيز على “العَدُوّ الخارجي”، بدل مُعالجة جُذُور الفقر والبطالة

تجاوز حجم الإقتصاد (الناتج المحلي الإجمالي) الأمريكي 21 تريليون دولارا، وهو أكبر اقتصاد عالمي، غير أن قيمة الدّيْن الحكومي تجاوزت 23 تريليون دولارا، منتصف سنة 2020، أو ما يوازي 105% من إجمالي الناتج المحلي الأمريكي، لكنها دُيُون مُقَوَّمة بالدّولار، أي بالعملة المحلّية التي تطبع أمنريكا منها ما شاءت، دون تبعات تُذْكَر، وتخصّص الولايات المتحدة ميزانية ضخمة للبحث العلمي، المُوَجّه في مُعظَمه لمصلحة الشركات الخاصة، في مجالات البيولوجيا والتقنيات المتطورة، أو لمصلحة شركات تصنيع الأسلحة، فلا يستفيد الفُقَراء من التقدّم العلمي في مجالات الطّب وتوفير المسكن الصّحّي والرّخيص، لأن التقدّم العلمي والتّكنولوجي لم يَكُنْ مُصَمّمًا في الأصل لخدمة الكادحين والفُقراء، بل للعدوان على الشُّعوب، ولإثراء أصحاب الأسهم في الشركات الكُبْرى، مثل شركات تصنيع وبيع الأسلحة، وتُعتَبَرُ الشركات الأمريكية العابرة للقارات، من أضخم شركات العالم، حيث تحتل سبعة مراكز من ضمن أكبر عشر شركات عالمية. أما عن حجم الإقتصاد، فإنه مُؤَشِّرٌ لضخامة الإقتصاد الشُّمولي، وكذلك نصيب الفرد من الناتج الإجمالي، فهو يفوق 55 ألف دولارا للفرد في السنة، ولئن كان أكبر معدّل فإن توزيع الدّخل يُظْهر الفوارق الطّبقية المُجحفة، والعدد الكبير من الفُقراء ونسبتهم من العدد الإجمالي للسّكّان، ما دفع هؤلاء الفُقراء للإحتجاج، لكن نظام الحُكْم لا يُدْرِج التظاهر والإحتجاجات ضمن حُرّيّة التّعبير في دولة ديمقراطية، بل يُدْرِج الفُقراء والمناضلين المُعارضين للحروب وللعدوان على الشعوب، ضمن الأعداء الدّاخليين الذين تتوجّب مجابهتهم بالسلاح وبالقمع والقَتل، إن تَطَلّب الأمر ذلك، مثلما حصل منذ عقد الستينيات من القرن العشرين ضد مناضلي حركة المُطالبة بالحقوق المدنية للمواطنين السّود، وضد مُعارضي العدوان على شعب فيتنام ودُوَل جنوب شرقي آسيا، ومناضلي الأحزاب اليسارية، مثل “بلاك بانتيرز”، وصولا إلى قمع احتجاجات سنة 2020، بعد اغتيال الشرطة لأحد المواطنين السود (جورج فلويد)، وهي اغتيالات مُتكررة ومستمرة على مر السنين، وكشفت الشعارات واليافطات التي رفعها المُحتجّون، فداحة الفوارق الطبقية في المجتمع الأمريكي، ما يُقَوِّضُ أُسْطُورَةَ “الحُلم الأمريكي”، والنّجاح الفردي لمن يعمل بجدّ، وغير ذلك من الأساطير عن احترام الحُرّيات الفردية والجمْعِيّة، لكن الواقع يُبَيِّنُ أن الميز مُتَجَذِر في مُؤسسات الدّولة الأمريكية، وأن حجم الثروة يَرْسم حدود هذه الحُرّيّات، وحدود خدمات الرعاية الصحية، وأكدت مؤسسات أمريكية “مُعتدلة” (هي جزء من “النّظام”)، مثل “بروكنغز” أن ملايين الأمريكيين يعيشون بأقل من دولارَيْن في اليوم، أي تحت خط الفَقْر الذي حَدّده البنك العالمي للبلدان الفقيرة، وقدّرت دراسة لمنظمة التعاون الإقتصادي والتنمية، وأخرى لمؤسسة الإحصاء “ستاتيكا”، سنة 2018، أن حوالي أربعين مليون أمريكي يعيشون في فقر مُدقع، أو ما يُعادل 18% من العدد الإجمالي للسكان، وأظْهَر انتشار وباء “كورونا” أن الفُقراء والسود أكثر تعرُّضًا للمَوت، بسبب الإهمال الحكومي، وبسبب غياب المستشفيات أو اكتظاظها، ففي ولاية “إيلينوي”، على سبيل المثال، يُشكّل المواطنون السُّود 14% من سُكّان الولاية، ولكنهم يمثلون 42% من إجمالي عدد الوفيات بوباء “كوفيد 19″، سنة 2020، بسبب سوء حال المنظومة الصّحّية والمستشفيات وقلة عدد الأطباء وخصخصة التّأمين الصّحّي، وانخفاض ميزانيات الرعاية الإجتماعية، وأشارت دراسات نشرتها منظمات أمريكية، مثل مؤسسة “غالوب” و “كونفرونتين بوفرتي” و”كارنغي” وغيرها، إلى تخلّي ملايين الأمريكيين عن علاج ضروري بسبب ارتفاع التكلفة…

أظْهَرَت حادثة اغتيال المواطن الأسود “جورج فلويد” التمازج القائم بين الميز الطّبقي والميز العُنصري، وتُعزّز القوانين الحالية التمييز وعدم المساواة، رغم مرور أكثر من 55 سنة على إقرار قانون الحقوق المدنية ( سنة 1964)، فالتفاوت الاجتماعي ناجم عن الميز العنصري والطبقي، ورغم قانون الحقوق المدنية لسنة 1964، لا يزال متوسط عيش السّكّان البيض ومستواهم التّعليمي، ورعايتهم الصحية أعْلى وأفْضَل من السكان السود، وفقًا للبيانات الرسمية، وتسببت العنصرية البنيوية بانخفاض دخل متوسط السود بنسبة 25% مقارنة بزملائهم البيض من نفس الفئة الإجتماعية، ويظهر عدم المساواة في التعليم والرعاية الصحية والتوظيف والملاحقات القضائية، وحتى في مُتوسّط الأعمار (أو الأمل في الحياة عند الولادة)، فيما تُجابه أجهزة الدّولة الأمريكية الفَقْرَ والفُقراء بالقمع، وتعتبر الكادحين والفُقراء الذين يُعَبِّرُون عن غضبهم ويُطالبون بحقوق متساوية لجميع الأمريكيين، عَدُوًّا داخليا، وجب رَدْعُهُ ونشر الجيش لاحتواء احتجاجات الفقراء، واستخدام أشكال عديدة أخرى، منها السّجن، حيث يضطر المساجين للعمل بدون راتب تقريبًا (رواتب ضعيفة جدّا) لصالح الشركات العابرة للقارات، فلا يسكن الولايات المتحدة سوى أقل من 5% من سكّان العالم، لكن نسبة السجناء فاقت 22% من إجمالي مساجين العالم، أو ما يفوق 2,3 مليون سجين، سنة 2020، وبلغ حيْف القضاء الأمريكي حدّ محاكمة أطفال يبلغون ثماني سنوات من العمر، في بعض الولايات، بحسب تقرير مُبادرة “بريزون بوليسي”، وكذلك مبادرة “إكوال جسْتِسْ”، الذي يُؤكّد أن نظام الإعتقال التّحَفُّظِي (قبل الإدانة النهائية النّافذة) يشمل حوالي ثلاثة أرباع العدد الإجمالي للمساجين الفُقراء الذين لا يملكون المال لتعيين محامي من اختيارهم، أو لتسديد مبلغ الكفالة، ما يُبْقِيهم في السّجن للعمل شبه المجاني لصالح الشركات الأمريكية، وتعكِسُ السّجون صورة هذا النظام السياسي الذي تأسّس على مبدأ الدّفاع عن امتيازات الأثرياء، مقابل سَحْق العاملين والفُقراء، ويُجسّد “رونالد ريغن” أو “بوش الإبن” أو “دونالد ترامب”، الجانب المفضوح من هذا النظام، فقد وعد “دونالد ترامب” خلال حملة الإنتخابات الرئاسية، سنة 2020، بتقليص الإنفاق على برامج الرعاية الإجتماعية والصحية بنحو 1,6 تريليون دولارا (من إجمالي الميزانية الإتحادية البالغ حجمها 21 تريليون دولارا)، وأدّت سياسات دونالد ترامب إلى ارتفاع عدد المحرومين من التأمين الصّحّي إلى أكثر من ثلاثين مليون أمريكي، سنة 2018…

في الذكرى السنوية الأولى لاغتيال “جورج فلويد” على يد عناصر الشرطة، وقبل انتهاء محاكمة الشرطي الذي قَتَلَه، عادت الإحتجاجات ضد عنف وعنصرية الشرطة، في مينيابوليس (ولاية منيسوتا)، منتصف نيسان/ابريل 2021، حيث قتلت الشُّرْطة، يوم الأحد 11 نيسان/ابريل 2021، شابًّا أسود ( دنتي رايت – 20 سنة )، ما يشير إلى العنف المُتَجَذِّر في المجتمع وفي مختلف مؤسسات الحكم الأمريكية، وهو عُنْفٌ طَبَقِي ضد الفُقَراء، جابهته سلطات الولاياة بفَرْضِ منع التّجوال ليلا، وإطلاق الغاز الخانق على المتظاهرين، بدعم من وسائل الإعلام التي ادّعت أن المتظاهرين لم يحترموا حظْر التجوال، ونهبوا المحلاّت، ما يُبَرِّر استخدام الشرطة العُنفَ ضدهم…      

دور أوكرانيا في التّحَرُّش بروسيا:

بدأت مناورات حلف شمال الأطلسي (ناتو ) “Iniochos 21” في اليونان منذ 12 نيسان/أبريل 2021 ، بمشاركة طائرات هجومية نووية من طراز  F-16الأمريكية، والطائرات والأسلحة الموجودة بالقواعد الأمريكية في اليونان ، إلى جانب مقاتلات F-16 و F-15 من الإمارات والجيش الصهيوني، وتجري التدريبات في بحر إيجه، غير بعيد عن البحر الأسود وأوكرانيا، وأَوْضَحَ رئيس اللجنة العسكرية للناتو، البريطاني “ستيوارت بيرش”، إن هذه المناورات العسكرية موجهة ضد روسيا “للدفاع عن وحدة أراضي أوكرانيا”.

دعمت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، سنة 2014، كتائب اليمين المتطرف الأوكراني من النازيين الجدد التي هاجمت مواطني شبه جزيرة “القرم” (وهم من الرّوس)، وقتلت مواطني منطقة “دونباس”، وهم من الروس أيضًا، واستُخدمت كتائب اليمين المتطرف كقوة هجومية في انقلاب “الميدان” ( أهم ساحة بكييف، عاصمة أوكرانيا)، بمساعدة القناصين الجورجيين الذين أطلقوا النار على المتظاهرين و قام ضباط الشرطة بعد ذلك بارتكاب مذابح في القرى ، وأحرقوا المسلحين والمواطنين العُزّل المعارضين للانقلاب، في دار النقابات أوديسا، وفي ماريوبول، وقاموا بقصف السكان بالفوسفور الأبيض في دونيتسك ولوغانسك. قادت الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي ذلك الإنقلاب الدموي، بهدف عزل روسيا، مع تعزيز نفوذ الولايات المتحدة والوجود العسكري الأمريكي في أوروبا.

استأنفت الحكومة الأوكرانية الهجمات المسلحة في دونباس، بدعم من الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي، وقال رئيس الأركان الأوكراني “خومتشاك” إن جيش كييف “يستعد للهجوم في شرق أوكرانيا ، بمشاركة الناتو.”

تزامن استئناف الصراع المسلح في دونباس مع تعيين وزير الخارجية الأمريكي أنطوني بلينكين، وهو من أصل أوكراني، وكان المنظم والمُشرف الرئيسي على انقلاب “الميدان”، عندما كان نائب مستشار الأمن القومي في إدارة الرئيس باراك أوباما ونائبه جو بايدن، أما نائب وزير الخارجية الجديد ، المعين من قبل جو بايدن، فليس سوى فيكتوريا نولاند التي شاركت سنة 2014 في تنظيم انقلاب “الميدان”، تحت اسم “عملية الولايات المتحدة”، والتي كلفت أكثر من خمسة مليارات دولار، لتأسيس “الحكم الرشيد” في أوكرانيا ، وفقًا للسيدة فيكتوريا نولاند ..، وللتذكير فإن حكومة أوكرانيا قدّمت طلبًا للإنضمام لحلف شمال الأطلسي (وهي الواقعة على بعد آلاف الكيلومترات من المحيط الأطلسي)، منذ سنة 2008.

في 24 آذار/مارس 2021 ، وقع الرئيس الأوكراني زيلينسكي إعلان حرب ضد روسيا “لاستعادة شبه جزيرة القرم”، وبالتالي لم تكن روسيا (الشِّرِّيرَة، بحسب الدّعاية الأمريكية والأوروبية) هي التي تعلن الحرب. في أوائل أبريل 2021 ، تعهد وزير الحرب الأمريكي لويد أوستن (عضو مجلس إدارة شركة رايثيون لصناعة الصواريخ، وأحد جنرالات الإحتلال في أفغانستان والعراق) للرئيس الأوكراني زيلينسكي بـ “دعم الولايات المتحدة الثابت لأوكرانيا”، كما اتصل الأمين العام لحلف الناتو “ينس ستولتنبرغ” بالرئيس الأوكراني زيلينسكي يوم الثلاثاء 13 نيسان/أبريل 2021 لدعمه، ما يُشير أن أوكرانيا تلقّت الإذن (أو الضّوء الأخضر) لتصعيد عمليات استفزاز روسيا، وزودت الولايات المتحدة الجيش الأوكراني بالدبابات والطائرات بدون طيار وأنظمة الحرب الإلكترونية والأنظمة المضادة للدبابات وأنظمة الدفاع الجوي المحمولة  ( MANPADS ) ، إذ تريد الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي السيطرة على شبه جزيرة القرم، ثم السيطرة على البحر الأسود…

في منتصف نيسان/أبريل 2021 ، أصبحت أوكرانيا وروسيا على شفا الحرب، مما يشكل تهديدًا بزعزعة الاستقرار في المنطقة بأكملها التي تربط أوروبا وآسيا (أوراسيا)، وبعد إعلان الحرب هذا (من قبل أوكرانيا)، نشرت روسيا قوات إضافية في شبه جزيرة القرم وعلى الحدود الروسية مع دونباس، فيما تظل حالة الحرب هذه مخفية وغير مرئية للرأي العام العالمي، الذي يسمع (أو يرى أو يقرأ) كل يوم أن “الروس الأشرار يريدون غزو أوروبا، ويدعمون الشّرّير بشار الأسد، بينما تدعم الولايات المتحدة الإرهابيين الطّيِّبِين”.

تُساهم دُويلة الإمارات في مناورات عسكرية استفزازية امريكية باليونان، بمعية الكيان الصهيوني، وتُساهم كذلك دُوَيْلَة “قَطَر” (تحتل نصف مساحتها قاعدة أمريكية، وبها قواعد أخرى أمريكية وأوروبية وتركية) وتركيا في تسعير نيران الحرب، حيث زار الرئيس الأوكراني “زيلنسكي”، الدّوحة يوم الإثنين 12 نيسان/ابريل 2021 (قبل زيارة تركيا يوم الإثنين 19 نيسان/ابريل 2021) لتوقيع اتفاقيات، منها شراء أوكرانيا الغاز القَطَرِي، بدل شراء الغاز الرّوسي، واستئجار قطر لميناء أوكراني، وتدشين خط نقل جوي مباشر بين كييف والدّوحة، و”اتفاقيات عسكرية أخرى”، يمكن تأويلها (بالإضافة إلى خط النقل الجوي المباشر) كالتالي: “نقل الطائرات القَطَرية مجموعات إرهابية من سوريا وليبيا، عبر تركيا، نحو أوكرانيا، لمحاربة روسيا”، بمساعدة الجيش التركي (عضو حلف شمال الأطلسي) الذي يحتل أجزاء من سوريا وليبيا، والذي يُشرف تدريب ودعم المجموعات الإرهابية…

تَشُن الولايات المتحدة حربًا اقتصادية على روسيا، وتمكنت من عرقلة إنجاز خط أنابيب الغاز “نورث ستريم 2″، الذي ينقل الغاز نحو ألمانيا وأوروبا الشمالية، بهدف بيع الغاز الصّخري الأمريكي، وهو أقل جودة وأغلى ثمنًا من الغاز الروسي، وتضغط أمريكا على الشركات الأوروبية التي اضطرت للإنسحاب من أشغال بناء خط أنابيب الغاز الروسي، كما تضغط على دول الإتحاد الأوروبي، حيث تنتشر القواعد العسكرية الأمريكية، لإقرار العقوبات ضد روسيا، وتُعوّل أمريكا على الحكومات العميلة، منها بولندا ورومانيا…

في هذه الظروف المُكَهْرَبَة يُجري الجيش الأمريكي مناورات “ديفندر 21″، لفترة حوالي ثلاثة أشهر (من نيسان/ابريل، حتى نهاية حزيران/يونيو 2021)، بمشاركة قرابة ثلاثين ألف جندي أمريكي، يستخدمون الأسلحة والمعدّات المخزّنة في قواعد الجيش الأمريكي بإيطاليا وألمانيا وهولندا، لقيادة المناورات التي تُشارك في تنفيذها جيوش 25 دولة “حليفة للولايات المتحدة ولحلف شمال الأطلسي”، ومن بين الأهداف غير المُعْلَنَة لمجمل مناورات الجيش الأمريكي وحلف شمال الأطلسي، وقف تصديرر الغاز الروسي نحو أوروبا وتدمير العلاقات بين ألمانيا وروسيا ووقف أشغال خط الأنابيب “نورث ستريم 2” بشكل نهائي، بالإضافة إلى إضعاف روسيا في مناطق أخرى من العالم، ومنها سوريا… 

العُنف الإمبريالي المُسلّح في الخارج والعُنف الطّبَقِي في الدّاخل:

ذكرنا في فقرة سابقة أن عدد الفقراء يُقدّر بحوالي ثمانية وثلاثين إلى أربعين مليون أمريكي، نصفهم في حالة فَقْرٍ مُدْقَعٍ، سنة 2019، أو أكثر من 12% من العدد الإجمالي للسّكّان، من بينهم ما لا يقل عن 13 مليون طفل، يعيشون تحت خط الفَقْر (حوالي 16,5% من أطفال أمريكا)، بحسب صندوق الدفاع عن الأطفال (منظمة أمريكية غير حكومية)، في بداية شهر أيار/مايو 2019، ويضطر قرابة 14,5 مليون أمريكي لشراء الغذاء المُدعّم بواسطة قسائم الغذاء (فائض الإنتاج الزراعي الذي تشتريه الحكومة من كبار المزارعين وتوزعه وزارة الفلاحة على الفقراء بأسعار مدعمة)، ويُقدَّرُ عدد المُشَرَّدِين الفاقدين للمأوى، في أكبر اقتصاد رأسمالي عالمي، بنحو 553 ألف وقع إحصاؤهم، سنة 2017، وقد يرتفع عددهم إلى 1,5 مليون نسمة، بسبب جائحة كورونا وارتفاع عدد المُعْوزين وارتفاع إيجار المسكن، وارتفاع حجم الدّيون المصرفية وفوائدها، وعجز المواطنين عن تسديدها، ما يجعل العديد منهم يفقد المسكن، ويسكن عشرات الآلاف من هؤلاء داخل سياراتهم، أو في مآوي مؤقّتة تُديرها المنظمات الإنسانية، وسبق أن أشار تقرير للأمم المتحدة (أيار/مايو 2018) أعدَّهُ مقرر الأمم المتحدة بشأن الفقر المدقع وحقوق الإنسان “فيليب ألستون” إلى أن “إن الفقر في الولايات المتحدة واسع النطاق ويستفحل في ظل إدارة ترامب الذي يبدو أن هدف سياساته هو تحفيز الأثرياء، وإلغاء شبكة الأمان التي تحمي الفقراء”.

لم تطرح مختلف الإدارات الأمريكية المتعاقبة في برامجها، وفي جدول أعمالها، مكافحة الفَقْر والحدّ من الفجوة الطبقية، لأن مكافحة الفَقْر تُؤَدِّي إلى انخفاض طفيف في أرباح رأس المال، ولئن قال الرئيس ليندون جونسون، قبل حوالي 55 سنة: “نَشُنُّ حربًا وطنية على الفَقْر، وسوف ننتصر عيه”، وفي الحقيقة لم يشن الحرب على الفَقْر بل عَزّز مناخ الحرب العدوانية، وأرسَلَ مزيدًا من فُقراء الولايات المتحدة للمشاركة في العدوان على شعب فيتنام وكمبوديا ولاوس…

طرحت مجلة “إيكونوميست” السؤال: كيف يمكن لأغنى دُول العالم أن تضم هذا العدد الكبير من الفقراء؟ ويؤكّد مُعدُّو التّقرير الذي نشرته الصحيفة (نهاية شهر أيار/مايو 2018)، أن تخصيص مبلغ إضافي يقل عن خمسة آلاف دولار سنويا للفرد يمكنه إنقاذ شخص من الفقر، بدل إنفاق إنفاق 167 ألف دولار، سنويًّا، على السجين الواحد (صيانة المبنى ورواتب الحرّاس وعمليات الرّقابة، وغير ذلك )…

ارتفع عدد من يلجأون إلى “بنوك الغذاء” بنسبة 65% بين 2002 و 2017، وبلغ عددهم حوالي 16 مليون أمريكي، بالإضافة إلى من يستخدمون “قَسائم الغذاء”، ويبلغ متوسط قيمة كل قسيمة 1,4 دولارا للوجبة الواحدة لكل فرد، بحسب بيانات المسح السنوى لمكتب الإحصاء حول الأمن الغذائى، سنة 2017، ويُشير التّقرير أن شبكة بنك الطعام تُقدّر عدد من استفادوا من خدماتها لتوزيع الطّعام، بشكل غير دوري، بنحو 46 مليون أمريكي، سنة 2017، وجمعت المنظمات الخَيْرِيّة لمكافحة الفقر في الولايات المتحدة 428 مليار دولارا، سنة 2018، تم استخدامه في مُساعدة الفُقراء على توفير الغذاء والدّواء وعلى البقاء في مساكنهم، وتؤكّد العديد من هذه المنظمات أن الحل يكمن في توفير العمل المُستقر برواتب تكفي لمجابهة المصاريف الضرورية، وما المُساعدات سوى حل مُؤَقّت وظَرْفِي، فمعظم الوظائف المتوفرة، منذ عدة سنوات هي وظائف بدوام جزئي وبرواتب منخفضة وعقود هشّة…

هذه بعض القضايا والمشاكل التي يُعاني منها المواطنون الأمريكيون الفُقراء، والتي تُهْمِلُها الحُكومات المتعاقبة، فيما يتزايد الإنفاق على السلاح وعلى الحروب العدوانية الخارجية، بالتوازي مع تكثيف القَمْع الدّاخلي لكل حركة احتجاج ضد التفاوت الطّبقي الهائل وضد الإجرام المُؤَسّساتي (جرائم عناصر الشرطة) وانحياز جهاز القضاء لصالح الأثرياء…

_________

الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.