قراءة في كتاب جديد: “”الحركة الوطنية الأردنية – 1953-1957 ” لمؤلفه د. عصام السعدي، قراءة د. عادل سماره

قراءة في كتاب جديد:

د. عادل سماره

صدر في عمان كتاب:

“الحركة الوطنية الأردنية 1953-1957  “

وهو الكتاب الثالث في هذا المجال لِ الرفيق د. عصام السعدي.

منشورات: معهد المشرق للدراسات الجيوسياسية، عمان – الأردن

أجد نفسي في موقع أكثر من انحياز بين أهمية الموضوع وخاصة لتاريخيته والتاريخ علم ومعلمّ معاً. معلِّم قدير وقاسٍ معاً حيث يقدم للبشرية مفاتيح ومغاليق اسراره فننقسم بين من يستسلم للسر المغلق فيضيع ومن يلتقط مفاتيح التاريخ فيرتقي إلى التفاعل الديالكتيكي فيرى ويقدم رؤية ومساهمة لما هو مُقبل.

ومنحازٌ أنا للحركة الوطنية الأردنية بما هي أردنية وفلسطينية معاً وكذلك عروبية. وإذا كان الانحياز الأول علمياً فلسفيا فإن الانحياز الثاني واجب على المرء بمعنى أن هذه مهمته إن كان عروبيا فاعلاً يُهزم معها وينتصر بها.  هذا إلى جانب الانحياز الثالث وهو رفاقي لا يفترق عن الانحيازَيْن الأوَّلَيْن.

لا يسع الباحث في الشأن الأردني البدء من النهايات ولا حتى من مجريات الصراع الاجتماعي في اللحظة سواء هناك أو في اي بلد آخر.

يمكن للمرء أن يزعم بأن هناك مسألتين مفتاحيتين لفهم وتقييم وتوظيف قراءة المرحلة موضوع هذا الكتاب في الحالة العينية المعطاة: الحركة الوطنية الأردنية.

الأولى: هي قراءة واقع اي بلد بدءاًمن طبيعة النظام الرأسمالي العالمي المهيمن وموقع البلد المُعطى في هذا النظام، ذلك لأن مقتضيات القراءة بالمنظور المادي التاريخي ومجريات عمل الاقتصاد السياسي بما هو اجتماعي وطبقي تقتضي اعتماد هذا المدخل المادي التاريخي بدءاً من مركز النظام العالمي هبوطاً إلى اي بلد في محيطه، وهنا الأردن.

والثانية: وهي أسس تكوين القُطر نفسه ونظامه السياسي وآلية التكوين هل هي ذاتية داخلية أم هي بدفع خارجي ومَن مِن العاملَيْن أو المكونين هو الحاسم والمقرِّر؟

لم يكن القارىء لهذا الكتاب بحاجة لمعرفة أن هذا النظام بدأ وعاش على تناقض بنيوي مقصود مع سبق الإصرار بين:

• جغرافيته المُصنَّعة قسراً

• سلطته السياسية المُركَّبة عُنوةً

• وبناءً عليهما مكونه القومي والوطني وحتى الطبقي المحتجَز.

فرغم أن وعد بلفور صيْغ قبيل تصنيع إمارة شرق الأردن، إلا أن هذا التصنيع جاء اقتحاما لجغرافيا المشرق العربي خاصة، وسوريا تحديداً من أجل مشروع آخر هو الكيان الصهيوني وبالتالي فالاقتحام الجغرافي بتصنيع كيان شرقي الأردن كان سابقاً حتى على وعد بلفور بمعنى بناء سور شرقي لحماية الكيان الصهيوني قبيل البدء العملي في تصنيع الكيان الصهيوني نفسه. ذلك لأن تحطيم الحيِّز الجغرافي للمشرق العربي كان ضرورة قصوى لتثبيت الكيان الصهيوني بما هو التحطيم الأشد لهذه الجغرافيا.

لعلَّ أحد الأسئلة التي علينا أن نسألها لأنفسنا بما أننا امتداد للحركة الوطنية الأردنية، أو في الأردن كي نشمل الشعب الواحد الذي تصر الثورة المضادة على اعتباره شعبين، والسؤال هو:

هل كان في ذهن وحُلم وثقافة وبالتالي سلوك وموقف هذه الحركة الوطنية يقيناً بأن هذا النظام ليس وطنياً باي معنى ولا حال بما هو:

• نظام وافق على تقسيم ما وُعد به الحسين بن علي بدولة عربية، فقبل ابناؤه بتعيينهم وتنصيبهم على أجزاء من الدولة الموعودة للأب؟ وقّبِل هؤلاء الأبناء بأن يتخذوا ممن نكث بوعده واستغلهم حليفاً بلا تردد وبلا حَدٍّ زمني مما أكد أن بُنى أو كيانات كهذه تم تصميمها وبرغبة حكامها لتكون مستعصية على تغيير مسار تبعيتها! وهذا بالطبع ما جعل هذه الأنظمة على تناقض تناحري مع الحركة الوطنية في كل قطر وقطر أو كيان وكيان.

• نظام تفتقر جغرافيته لمقومات البقاء فما بالك بالتطور

• نظام، بناء على خصائصه هذه هو جزء من استراتيجية الاستعمار الراسمالي الغربي التي قضت، ولم تتوقف، بأن يتم تطوير اللاتكافؤ بين الأنظمة العربية مما يجعل الوحدة أمراً خارج اية أجندة.

هل جرى التفكير بما هي الخيارات أمام نظام في هذا الحال؟ بمعنى، أنه يجب أن يرتكز على سند ما، فإما أن يعود كجزء من الهلال الخصيب، سوريا الكبرى…الخ أو يرتكز على الأجنبي؟

هنا لا بد من تذكُّر النزوع للسلطة، وخاصة من نظام لم تلده البلد،لم ينمُ في البلد، اي ليس من إفرازاتها الاجتماعية الطبقية بل تم تلبيسه عليها مما يعني أن في داخله ويقينه الحذَر إن لم نقل العداء للبلد نفسه.

وهذا يعني أن ولائه مُحِضَ لمن يدعمه ويحميه لا سيما وان البلد يفتقر لمقومات إنتاج البقاء، اي بلد ريعي من طراز نادر. فالريع ، كما نظَّر له ماركس، كان اساسا من باطن البلد، من موهوبية البلد نفسه، ريع الأرض مما يعني أن الأرض منتجة لما يُعيل اهلها ويكون الخلاف أو الصراع الطبقي على من يتحكم بالريع.

أما الأردن، فالريع من الأرض محدود جدا، على الأقل حين تكوين الإمارة، ناهيك عن إصرار المتحكمين بالنظام على عدم الدخول في باطن الأرض بحثا من ما يولد ريعا للبلد ربما ينقله إلى بلد ريعه ذاتي وربما يصبح ثرياً.

كان المستعمِر البريطاني على علم بأنه يُقيم سلطة مفروضة على بلد فقير مما يجعل هذه السلطة بحاجة لتغذية من بريطانيا نفسها أي سلطة تعيش على التنفس الاصطناعي. ولأن هذه السلطة/النظام متمسكة، طبقا لمصالحها ومبرر وجودها وبقائها، بان تكون سلطة، فهي لا بد ان تكون على تضاد مع محيطها العربي، أي مع الجغرافيا التي ليست بحاجة لاقتصاد الأردن بل هو بحاجة لها، وهو أي الأردن كما لبنان والكيان الصهيوني مقتطع من الجغرافيا الأم سوريا على الأقل.

لذا، كان التوافق على العلاقة الريعية بين الاستعمار والنظام هو إكسير حياة النظام، ريع نقدي آت من الخارج، اي :

• ليس من ريع الأرض

• ولا من تحويلات أردنيين يعملون خارج الوطن.

وعليه، يكون ولاء النظام لمصدر عيشه وثرائه هو وليس الشعب.

حتى الآن، يبدو التحليل للمراقب من خارج المنطقة واللحظة التاريخية وكأن الاستعمار قام بعمل خيري لإعاشة بلد فقير! وهذه مهزأة بالطبع. فما أنفقه الاستعمار على هذا النظام هو استثمار استراتيجي صغير لصالح استثمار استراتيجي هائل.

فإقامة كيان يحمي الكيان الصهيوني من الشرق هو كلفة ضئيلة مقارنة مع الدور الذي قام ويقوم به الكيان الصهيوني في خدمة سيطرة الاستعمار على الوطن العربي وخاصة نهب موارده من جهة واحتكاره كسوق من جهة ثانية.

ماذا يمكنك الاستنتاج إذن من بناء/ اقتطاع جغرافيا لتكون دولة لا يمكنها إعالة نفسها؟ غير أنك أمام حالة مكتب خدمات ، مكتب حكومي، حالة وظيفية خدماتية لا ترتكز على الإنتاج بل على الدور.(تحضرنا هنا معترضة ضرورية هي تكرار الحالة الأردنية بإقامة سلطة أوسلو-ستان في الضفة الغربية وقطاع غزة لتكون ناقلة لتوسع الكيان في المشرق العربي توسعاً اقتصاديا، وتكنولوجياً، إلى أن يحين التوسع الجغرافي) طبقاً لمعطيات إقامة هذا الكيان، فهو لا بد أن يكون في تضاد وعداء مع محيطه الجغرافي والسياسي وهو محيط عربي.

ومن المهم الإشارة إلى أن هذا المحيط مختلف من حيث مقومات البقاء وحتى التطور الذاتي عن الأردن. فسوريا والعراق ومصر، هي البلدان التي تتمتع بموهوبية ثرواتية بداية الأرض وريعها ومن ثم فرص التصنيع وهذا يعني الاعتماد على الذات حتى لو كانت هذه البلدان غير متحدة. وهذا هو المنحى التطوري العربي الذي بطبيعته أفرز أنظمة قومية تقدمية بخلاف الصحارى العربية والممالك التي افرزت أنظمة تابعة للأجنبي، هدف منها، كما أشرنا أن تقوم وتواصل “تطوير اللاتكافؤ فيما بينها”.

ولأن تصنيع الأردن ككيان غير طبيعي فقد بقي نظامه على حذر وعداء للأقطار العربية المحيطة الثلاثة هذه.

بل إن سوريا تحديداً هي القطر العربي الذي جرى تقسيمه/تجزئته هو نفسه إلى أربعة أجزاء احدها الكيان الصهيوني والكيانين الآخرين ، الأردن نفسه ولبنان “الكبير”! صيغت لهما انظمة مضادة بالضرورة لسوريا بما هي أنظمة تم تنصيب سلطات عليها ذات توجهات إقليمية متخارجة بالضرورة. هذا إن لم نُشر إلى اقتطاع اراض سوريا للاستعمار التركي ودور هذا الاستعمار في تهديد سوريا قديما واليوم.

كان لافتاً في مجريات إنتاج هذا الكتاب ذلك التناقض بين طموحات الحركة الوطنية في الوحدة مع هذه الأنظمة المحيطة اقتناعا منها بان الأردن كيان غير طبيعي أي مُجتزء من أصل، ورفض النظام القطعي لهذه الوحدة. لكن، هل استثمرت الحركة الوطنية هذه الحقيقة كما يجب؟ لنرى لاحقاً.

تفيد مجريات نضال الحركة الوطنية في الأردن أنها لم تكن تُصارع نظام حكم من توليد البلد. ولكن مجريات الأحداث ، أي عملها ونضالها السياسيين تشي بغير ما يجب أن يكون.

فالانتماء الوطني والعروبي الذي اتسمت به الحركة الوطنية في الأردن، بغض النظر عن درجات الإنتماء والمواقف الفكرية النظرية وراء انتماء كل مكون من مكونات هذه الحركة، إلا أنها لم تكن قد قطعت نهائياً مع حقيقة أن هذا النظام ليس وطنيا ولا عروبياً. هذا رغم أن مناخ تخليقه واضحة تماماً.

لذا، كان تعاطي الحركة الوطنية وخاصة الحكومة الوطنية مع النظام على أرضية دستورية لا على أرضية ثورية اي لم يكن التعاطي على أرضية التحرر الوطني والطبقي. ومن هنا، كانت المسألة الدستورية والإصلاحية عامل امتصاص/إجهاض للشحنة الثورية التي يجب أن تدفع الحركة الوطنية للقطع نهائيا مع النظام.

فاللجوء إلى القانون ليس عملاً ثورياً، طالما كان القانون قد صِيْغ لمصلحة من وضعه من جهة، كما أن اللجوء إليه هو عامل تبريد وتسويف للحلول من جهة ثانية. لذا، لاحظنا أن الحركة الوطنية كلما لجأت للقانون كلما خسرت مادة الشكوى من جهة وخذلت الجماهير التي تسندها من جهة ثانية.

أفادت مجريات الطرح في الكتاب أن الحالة السياسية الوطنية الأردنية كانت، وإن بدت متحدة، فهي مفككة إلى:

• شارع أو جماهير أو طبقات شعبية سابقة على قياداتها

• تنظيمات وأحزاب هي نفسها لم تشكل جبهة وطنية، اي مفككة من داخلها، وإن بدت متحدة. (نستذكر فشل فصائل م.ت.ف في الانخراط في جبهة وطنية)

• جيش وطني ولكن لا تقوده، رغم تقاطع أهدافهما، حركة أو جبهة وطنية متحدة وذات رؤية ثورية وحدوية واضحة.

هذا الواقع المنقسم سمح للنظام الذي كان ضعيفاً كلما اشتد عود الحراك الشعبي كلما تلطى النظام داخليا من جهة، ولجأ إلى تكتيك وتعليمات الاستعمار من جهة ثانية.

ولكن، إذا اتفقنا بأن الأردن ليس مؤهلا ليكون بلداً مستقلاً بما هو جزء من سوريا الكبرى والوطن العربي، فإن عيباً كبيرا وقاتلا كان يحكم مسار الحركة الوطنية الأردنية وهو أن الواقع العربي المحيط لم يكن ثوريا بما يكفي كي تقتدي به الحركة الوطنية الأردنية وهذا ينطبق على نظامي سوريا ومصر اللذين كان يجب أن يدفعا الحركة الوطنية الأردنية إلى التشكيل الجبهوي من جهة وإلى القطع بوجوب تغيير النظام وليس ترقيعه دستوريا من جهة ثانية.

ماذا يمكنك أن تتوقع من حركةوطنية، وأنظمة وطنية نعم، ولكنها تخشى أن تُتهم بالشيوعية وتَخشى المكون الشيوعي فيها او لدى جاراتها؟ وهذه الخشية هي مسالة طبقية تبيِّن في حدها الأدنى أنها ليست ديمقراطية.

من هنا مثلا، كان طبيعي أن يُقسِم الوطني الاشتراكي أو البعثي أيماناً بأنه ليس شيوعياً. وأن يطالب بعلاقة مع السوفييت في نفس الوقت الذي يؤكد للملك بأنه حذر من الحزب الشيوعي.

وماذا يمكنك أن تتوقع من شرائح طبقة غنية، قد تكون برجوازية، حين تقود حركة وطنية في صراع مع نظام تحالفه مع الرأسمالية العالمية/الاستعمار قوي ورؤيته لمصالحة شديدة الوضوح، اي نتحدث عن معسكرين:

• معسكر الثورة الذي يفتقر للتماسك الداخلي وللقدرة على استثمار نهوض الشعب، وداعمه القومي ليس ثوريا كما يجب

• ومعسكر الثورة المضادة حيث تماسكه قوي ورؤيته واضحة. ويكفي أن نرى أن النظام

حتى الآن على نفس النهج، وأن حلفائه من قوى الدين السياسي على نفس النهج وأشد عداء للتحرر الوطني والاجتماعي. هذا دون أن نتحدث عن “ثبات”الصهاينة والعثمانيين على نهجهما.

وماذا بعد؟ ماذا عن اليوم؟

يكفي هنا القول، بأن متاعب وهبوط السقف الوطني والقومي والطبقي والاشتراكي في الحركة الوطنية الأردنية اليوم هو من تراث ما مضى. كما أن الشارع الأردني اليوم يسبق القوى في حراكه!!

لستً مُطَّلا بما يكفي على تركيب الحركة الوطنية في الأردن حالياً، ولكن الحراك الشعبي الذي بدأ بالتوازي مع أحداث ما يسمى “الربيع العربي” كشف بأن هذا الحراك كان بلا قيادة حزبية منظمة وعميقة الجذور في المجتمع، الأمر ألذي أودى بالحراك إلى خمود. وهذا خلل يمكن ان ينسحب على مجمل القُطريات العربية حيث كان الحراك بلا راس مما جعل من السهل على الثورة المضادة أن تضع له راساً لحُيته إسلامية تُمثِّل الدين السياسي ودماغه متصل بالإمبريالية والصهيونية وتغطي رأسه قبعة تؤكد للغرب الراسمالي تخارجها.

وإذا كان لنا تعميم التشابه والترابط بين الحراكات العربية، وهو ما حصل،، فإن لنا الحق في الإصرار على أن التغيير في الوطن العربي يجب أن يكون جماعياً. وهذا يعيدنا إلى الكتاب الذي أتقن الكاتب فيه تبيان بأن الحركة الوطنية الأردنية لا يمكنها العمل، فما بالك بالانتصار، بعيدا عن حركة التحرر العربية من أجل تغيير شامل.

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.