قراءة في كتاب “هذا هو أبي” لمؤلفته د. رحاب العيساوي، قراءة د.عادل سماره

  • إن أردت دليلا للمرحلة … فهذا الرجل
  • قراءة في شخصية  قديمة بكتاب جديد
  • وقود الثورة الفلاحين والعمال وورثتها من لا يستحقون

صدر مؤخراً كتاب “هذا هو أبي”  حياة المناضل الحقيقي الراحل أحمد علي العيساوي برعاية أبنته د. رحاب.

عرفت الرجل منذ عام 1965، والتقيته بشكل متقطع لا منقطع. تحدثنا في الكثير منه ما لم أقله لا في مقدمة الكتاب هذه، ولا في شهادتي عن الراحل ضمن محتويات الكتاب. وحيث انشر هنا تقديمي للكتاب أقتطف من شهادتي ما يلي ففيه عبرة.

كان هذا الرجل مبتسماً دائما ومتهكماً دائماً إلى حد يستدعي اقتناعك أن لا أحد يُعجبه ولكنك تقتنع بأنه على حق.

قال لي، إختلفت مع الشهيد عبد القادر الحسيني في أمر وكان لا بد أن نحتكم إلى الراحل الحاج أمين الحسيني في بيروت. جلست إليه وقصصت قصتي أو رايي، فقال:

“إسمع يا إبني، أنت على حق، ولكن لا تنسى أن عبد القادر إبننا”.

وأكمل أبو طارق، بعدها عرفت القضية إلى اين تذهب، وهذا كان سبباً في ذهابي إلى درجة من تقليل الدور.

وأنا اقول للقارىء اليوم، لو قسنا هذا القول على اليوم لقال الراحل الحاج أمين الحسيني: “إسمع يا أخي أو يا زميل أو يا رفيق لا تنسى أن فلان من تنظيمنا”

وليفسِّر كلٌ اليوم هذا القول كما يرى.

■ ■ ■

تقديم الكتاب:

الدارج في كتابة المذكرات أو سيرة الحياة أن يعرضها المرء بنفسه، وفي هذه يكون للمرء نفسه مساحة واسعة للصدق أو عكسه، وفي أغلب الأحيان لا يرد أحداً على مذكرات أحدٍ إلا إذا كانت له معه خصومة سياسية و/أو فكرية.

ويكون تدوين السيرة اصدق حين يكتبها الآخرون عن المرء. هذا حال ذكرى الراحل ابي طارق، أحمد علي العيساوي. ولو كان بوده كتابة مذكرات لعمر إمتد لتسعة عقود مليىء بالأحداث التي كان في عينها دوماً، لكتب إلى حد كبير تاريخ فلسطين في تسعة عقود هي الأخطر والأكثر دينامية وتناقضا وصراعا وعذابات في تاريخ هذا الجزء من سوريا وهي من الكل العربي.

وإذ فكرت في كتابة مقدمة متواضعة لرجل كبير، هاجمتني على الفور فكرة الربط أو التواصل غير المقصود بالطبع بين معنى بيت من الشعر العربي قبل خمس عشرة قرناً واكتشاف قانون الديالكتيك في القرن التاسع عشر، اي قانون وحدة وصراع الأضداد. هذ فكرة بل مسألة التضاد في قياسها على اللحظة الفلسطينية الراهنة. هي قانون الجدل أو بإحدى اللغات الأعجمية “الديالكتيك”.

في بيت شعر لدوقلة المنبجي قال من قصيدته دعد والتي مطلعها:

هل في الطلول لسائلٍ ِردَّ………أم هل لها بتكلُّمٍ عهدُ

ضِدَّان إن ما استُجْمِعا حَسُنا…..والضدُّ يُظهر حُسنه الضدَّ

عاد بِيْ هذا البيت إلى مسيرة حياة الكثيرين من قيادات العمل الوطني والإسلامي الفلسطيني على مدار قرن، وكان لا بد أن أُقارن بين مناضل لم يهدف سوى تأدية واجبه، لم يتكسب ولم يركع ولم يتذيَّل ولم ينحني، وحين اكتشف تهافت البنية القيادية عاد ليعيش حياة مواطن عادي شريف، وبين قيادات تعيَّشت وفسدت وسرقت ورشت وارتشت وساومت وحتى باعت، وفوق كل هذا افتخرت وزعمت أنها النموذج الوطني. هذا ما يميز أحمد العيساوي عن كثير من القيادات التي لم تزل تُمسك بخناق هذا الوطن كما لو أن قبضاتها قبضات عدو!

ليس لديَّ وصفة جاهزة للمناضل أو القيادي الحقيقي. هذا وإن كانت هناك من العوامل ما يُفترض أن تضبط المناضل كي لا يفسُق ولا يخون ولا يتساقط، وإن حيلَ بينه وبين تحقيق الهدف، يفسح الطريق لغيره.

ربَّما كان لبعض هذه العوامل دورها في قدرة هذا الرجل على ضبط نفسه عن الأهواء ليبقى شخصية متماسكة حتى الرعشة الأخيرة. فهو من اصول ريفية في بلد حينها على الأقل كان الفلاحون لحمته وسُداه، وكانوا جمهور الثورات. يردني هذا إلى ابتكار فرانز فانون في التقاط أهمية الفلاحين في الثورة والمقاومة وخاصة في الجزائر. وفي حالة المناضل من أصل فلاحي، لا شك ان وضعه الاجتماعي يشكل عاصما له من السقوط والإِغواء، وهذا ربما كان حماية للرجل بما هو من اسرة مرتاحة معيشياً، مرتاحة بمعنى أنها لم تجُع لشيء بمعنى حياة المنتج المستقل.

هذه الخلفية الأسرية هي التي مكنت أحمد علي من تحصيل المستوى التعليمي الأعلى في فلسطين حينها الأمر الذي أهَّله باستنارة حمته من السقطات. هذا من جهة، ومن جهة ثانية، هذا جعله أقرب إلى الشعب ليكون في حياته النضالية مستقيماً وعادلا ورحيما ودقيقاً ليبقى لاحقاً في حياته العادية قنوعا واثقا من نفسه وحَكَماً ذكيا وعادلاً.

في استرجاع الفترة المبكرة من حياة العيساوي أي قبيل اغتصاب فلسطين نجد أن المشرق العربي تحت الاستعمار الإنجلو-فرنسي كان بحدود “مرنة” يتنقل عبرها المناضلون أو يُنقلون كمبعدين أو كمعتقلين،، نعم بمرونة أكثر واسهل مما هي اليوم حيث الدولة القطرية ذات حدود فولاذية. وبالطبع كان تدفق المناضلين العرب إلى فلسطين سهلا وعاديا، بينما تتدفق في هجمة تطبيعية ضد فلسطين اليوم قشرة من مثقفي الطابور السادس الثقافي وحكام النفط.  أليست هذه مفارقة؟ هذا يستدعي بالطبع مأزق الوحدة العربية الذي لا بد من كسره.

بقي أن نقول بأن الذين ينقدون آلية كتابة التاريخ عموماً، وخاصة التاريخ المكتوب بايدي أدوات السلطان، اي سلطان سوف يجدون في كتابة سيرة حياة مناضل باقلام معايشيه هي السبيل الأفضل لمعرفة دقيقة بالتاريخ.

د. عادل سمارة

21 كانوا أول 2018

أحمد علي العيساوي: لا يعرفه إلا من هو في مقامه.. د. عادل سمارة يقول كلمته:

كتب د. عادل سمارة تحليلًا لشخصية “أحمد علي العيساوي”، عَنْونها بـ: عين الصقر يحكمها ذهن الصقر. ومن منطلق الأمانة في النقل، سوف نبقي عليها كما وردت منه، سوى بعض التعديلات البسيطة لمقتضيات التحرير:

سألتني الصديقة د. رحاب أحمد علي العيساوي أن أقول شيئا في حق والدها الراحل “أحمد علي العيساوي” (أبو طارق). وبداية، بل قولاً واحداً، شهادتي منحازة للرجل، وليكن ذلك بعيداً عن أمرين لا استسلم لهما:

· البرود الأكاديمي والمنطق الفلسفي.

· وما اعتاد عليه من يتهموني بأني لا أمدح أحداً.

الأمر الأول لا متسع له حين تتحدث عن ثائر آتٍ من الطبيعة، لا طمع ولا دنس ولا ثراء، تماما كوجه فلسطين حينها، وليس اليوم.

والأمر الثاني، أنني قليل المديح لقلة من يستحق، “أليس الكرام قليلُ”!

ولأن أبا طارق لم يتزلف ولم يرتزق ولم يطرق أي باب، بل بقي في مكانه كالوطن الذي مهما اغتصبه من أعداء ومن أدوات الأعداء يبقى مكانه، ولأن الرجل هكذا، لم يتلوث بالطنين الإعلامي وبأوصاف أبا كذا والقائد كذا…الخ ولذا،  لم أسمع به سوى صدفة عام 1965.

كان ذلك عام 1965 حيث زرنا المؤرخ الراحل عارف العارف في بيته في مدينة البيرة قرب منطقة الشَرَفة من أجل تقرير لحركة القوميين العرب-فرع فلسطين لصالح مجلة فلسطين ملحق جريدة المحرر اللبنانية آنذاك. كنا بشير الخيري والراحل عبد الرحمن عواد وإبراهيم النادي وأنا. ثلاثتهم لاجئون طبعا.

تحدث العارف عن الجهاد المقدس ومجمل النضال الوطني الفلسطيني والنفي والسجون والاستشهاد…الخ، وذكر أحد قيادات تلك المرحلة، “أحمد علي العيساوي”؛ الذي كان قائد فصيل في الثورة.

ذلك إلى أن تعرفت إلى د. رحاب العيساوي واقترحت أن التقي والدها.

رجل هادىء، رزين يتحدث بطلاقة وسهولة مبتسما بسخرية خفيفة، حتى لو في أكثر الأمور أهمية وقداسة. بل ويضحك حتى وهو يروي أكثرها جَدِّيةً.

واصلت زيارة الرجل كلما كان الوقت متاحاً.

كان يأخذك في الحديث عن النضال ما قبل 1948، وعن رفاق السلاح من عبد القادر الحسيني وفؤاد نصار إلى أحد القياديين (النوباني… نسيت اسمه الأول)…الخ.

لفتني ذات حديث، حين قال:

كنا في سجن عتليت في فترة الانتداب، وذات يوم أُتي بأحد المناضلين من عائلة غنية، فقام السجناء يحتفلون به ويقولون: مرحى مرحى مرحى.

فقام النوباني، ويبدو انه كان يعرف ذلك الرجل، فقال قصيدة أحفظ منها:

“أراهم يهتفون بألف مرحى… ومرحى لا تليق إلى أخينا”؟

أهمية هذه اللحظة في مضمونها الطبقي. المتمرد لا يقف عند الثروة والعائلة والجاه الشكلاني، بل يدخل إلى الفرد هل هو ذاتًا بالمعنى الفردي أم هو ذاتًا مُتذوِّتة في المجموع، أي تغلق الفجوة بين الفردية والمجموع ويتحول الثائر إلى جزء من الذات العامة.

في نقاشي معه في هذه المسألة، دون أن أذهب بعيدا وعميقا  طبقيا وماركسيا وثقافوياً، كنت أحاول استخراج المضمون الماركسي من رجل يصلي ويصوم ولكن فيه شيوعية صوفية ما، وما أقل هؤلاء.

في جلسة ما، وقف الرجل وكان غالبا في البيت ما يرتدي بنطالا وقميصا من الكاكي، (بينما خارج البيت ببدلة وهنداماً مرتباً) وقال وهو يضحك ويحرك المسبحة بيده: هل تعرف لماذا تركت الجهاد؟

قلت لا؟

قال، بعد فترة كذا وسجن كذا في العراق وسجن “كرمنشاه”  في إيران…الخ اختلفت مع الشهيد عبد القادر الحسيني الله يرحمه في بعض القضايا. واتفقنا أن نحتكم إلى المرحوم المفتي الحاج أمين الحسيني وكان في بيروت.

وبعد أن قصَّ كلا منا قصته، أخذني الحاج أمين جانباً، وقال لي: “يا ابني اسمعني أنت على حق. ولكن لا تنس أن عبد القادر إبننا”. عدت  بعدها، وقلت: إذا هي عائلية لهذا الحد. فلا فائدة. ان تبقى في المكان غير المناسب، لن تفيد.   

ما يهمني هنا هي الرؤية بدقة للتركيبة بل المراتبية الاجتماعية بل الطبقية للنضال الوطني حينها. وربما يجوز لي القول: هل تغيرت اليوم؟ ربما التغير الوحيد هو وجود عائلية المتمولين. فيمكن للشخص أن يكون من أفقر الفقراء، وإذا ما وصل منبع الريع النفطي يصبح قائدا كبيراً. أي ان الذهنية والمستوى الثقافي لم يتغير كثيرا.

هذا عن المستوى الطبقي، فماذا عن المرأة؟ ربما ذكر هذه الواقعة شديد الأهمية لنرى كيف يمكن للثوري أو المتمرد أن يقدم بلا قصد أو بلا ادعاء، بل بفطرة المتمرد درسا قاسياً للجندريات اللائي يسابقن الريح لالتقاط أي مصطلح رأسمالي غربي ليحشرن المرأة العربية فيه حتى لو اختنقت ويسابقن الرجال على المال عبر طوفان الأنجزة.

كنت ألاحظ علاقته بزوجته (فاطمة الحسن أم طارق) ببناته كيف هي علاقة مفتوحة وبسيطة ومرحة  يخالطها المزاح ومحترمة. وكنت أقول، طبيعي أب وأسرته.

ولكن في 7 نوفمبر من عام 1976، اعتقلت ابنته “رحاب” عن الجسر عائدة من الأردن من قبل سلطات الاحتلال، وكانت تحمل حقيبة في بطانتها منشورات لتنظيم ما جلبتها لي.

لم يكن مناسباً من قبيل الحس الأمني أن أزور بيتاً مراقباً لا شك. وبيت اسرة تعرف ولو بالتقدير أن لي علاقة ما بالحدث. لكنني شعرت بأن هذه الأمور لا تخضع للحسابات العقلانية. فاخترت أن أزورهم في وقت هو ربما تغيب فيه الرقابة أو تقوم بالتبديل أي مع بزوغ الشمس.

في الزيارة الأولى، كنت شديد الاهتمام بمعرفة موقف أبا طارق.

وجدت الرجل كما هو تماما، هادئا مبتسما مرحِّباً. لم يناقش الموضوع، ولم يسأل.

لم يُثر مثلاً، اعتقال ابنته كأنثى بين أيدي العدو. لم يبدو عليه أي تأثر أو اعتراض من هذا القبيل. وبالطبع لم يستثمر هذا كما يفعل البعض حتى في الاستثمار بدم الشهداء.

بعد خروج رحاب من السجن، روت ما يلي:

” تم إحضار الوالد وطُلب منه إقناعي بالاعتراف ووضعنا في غرفة جدرانها زجاجية، وأبقى المحقق المسدس على الطاولة، وطلب والدي من المحقق اخذ المسدس فرفض. وبعد نصف ساعة عاد المحقق ولم يتفوه والدي معي ولا بكلمة، إلا انه أغمض كف يده ووضع الأخرى فوقه وأسندهما أمامه؛ وكانت الرسالة لي بان أصمد وأكون قوية.

 سأل المحقق والدي هل أقنعتها؟

 فكان رد والدي: عمرها فوق ١٨ سنة، ولو ضربتها بتعتقلوني وتركت المسدس امامي حتى استخدمه، هي امامكم ومسؤوليتكم.

أترك للقارئ التقاط هذه القوة النفسية، وصولا إلى رجل يجمع ثلاثاً:

· النضال الوطني.

· الرؤية الطبقية.

· تحرر المرأة، وليس فقط حقها في المساواة.

لا يكون لك إلا القول بأنه سابق لزمانه، أو إبن التاريخ. لذا، يمكنك فهم روحه المرحة والساخرة. بل شخصيته النمطية التي تبقى كما هي وعلى ما هي لأنه يعرف  ما يريد وما عليه أن يعمل.

لم يترك ايا مما كتبت كتبا أو في مجلة كنعان إلا وكان يقرأها.

هذا الرجل حالة كارزمية حالت دون استكمال دورها عوامل عدة منها  الأصل الريفي وغير العائلي في مجتمع تقليدي من حيث مستوى التطور، وبالطبع بنيته الثقافية وطبيعة السلطة الأردنية.

وقد يكون من أهم الأسباب  عجز الأحزاب السياسية عن استيعاب الروح المتمردة كما عجزها عن استيعاب المثقف النقدي المشتبك أيضًا، أو الشخصية الحرون ما لم تقتنع بعمق.

وإلى أن تلتقط القوى السياسية أو يفرز الشعب قوى سياسية قادرة على التقاط الروح الشعبي مع التمرد السياسي، سيبقى أبو طارق خارج السرب، ولذا رحل هكذا. ذلك لأن عين الصقر يقودها ذهن وقامة وطنية  لا تنحني رغم هزيمة العديد.

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.