قدّمت العقل واتّخذت منهجاً وسطاً … عن الماتريدية، مذهب حركة طالبان العقائدي، محمد يسري

مع الصعود الأخير لحركة طالبان في أفغانستان، ترددت الكثير من التساؤلات حول حقيقة مذهبها العقائدي المتمثل في الماتريدية، الأمر الذي ألقى الأضواء من جديد على تاريخ ذلك المذهب المنتشر بكثافة في شتى أنحاء الهند وأفغانستان وتركيا وبلاد آسيا الوسطى.

على الرغم من الذيوع الكبير للماتريدية في الأقاليم المشرقية، إلا أن نوعاً من أنواع الغموض يحيط باسمه في أغلبية البلاد العربية، تلك التي لم تعرف شعوبها الكثير عن شخصية المؤسس، أبي منصور الماتريدي، وعقائد مذهبه، وكيفية انتشاره وارتباطه بالسلطة السياسية عبر القرون.

علم الهدى وإمام المتكلمين… مَن هو أبو منصور الماتريدي؟

على الرغم من الشهرة الكبيرة التي حظي بها أبو المنصور الماتريدي في الأوساط الأصولية والكلامية الإسلامية، فأننا لا نعرف إلا القليل من المعلومات عن حياته، ولعلّ سبب ذلك يرجع في المقام الأول إلى تأخّر تدوين تراجم الفقهاء الأحناف إلى القرن الثامن الهجري، إذ يُعَدّ كتاب “الجواهر المضية في طبقات الحنفية”، لابن أبي الوفا القرشي الحنفي (ت. 775هـ) أول كتاب يترجم أعلام المذهب الحنفي.

يذكر الباحث الدكتور بلقاسم الغالي، في كتابه “أبو منصور الماتريدي حياته وآراؤه العقدية”، أن مؤسس المذهب الماتريدي هو أبو منصور محمد بن محمد بن محمود الماتريدي السمرقندي، وتتحدث بعض المصادر عن أصله العربي، وعن أن نسبه يتصل بالصحابي أبي أيوب الأنصاري.

وُلِد الماتريدي في قرية ماتريد، وإليها يُنسب، وهي قرية صغيرة تقع في أرض سمرقند، الواقعة في أوزبكستان الحالية، ومن غير المعروف تاريخ ولادته، وإنْ ذهبت أغلب الأقوال إلى كونه قد وُلِد في عصر الخليفة العباسي المتوكل على الله، والذي حكم بين عاميْ 232هـ و247هـ.

بحسب ما ورد في الكثير من كتب الماتريدي، فإنه تتلمذ على يد كبار الشيوخ الحنفية في بلاد آسيا الوسطى وما وراء النهر، ومنهم كل من محمد بن مقاتل الرازي، وأبي نصر العياضي، وأبي بكر أحمد بن إسحاق الجوزجاني، ونصير بن يحيى البلخي.

في فترة شبابه، درس الإمام الماتريدي علوم القرآن والحديث الشريف، كما قرأ كتب الإمام أبي حنيفة النعمان ومن بينها الفقه الأكبر، والفقه الأبسط، والعالم والمتعلم، وفي الوقت نفسه درس أفكار المعتزلة والشيعة والقرامطة، واطّلع على معتقدات الأديان المنتشرة في آسيا الوسطى ومنها الزرادشتية، والمانوية، والمزدكية، والمسيحية، فضلاً عن اطّلاعه على الكثير من كتب الفلسفة اليونانية.

في ما بعد، وصل أبو منصور إلى مرحلة الاجتهاد، تلك التي أهلته للتصنيف والتأليف، فدوّن العديد من المؤلفات التي لاقت حظاً من الانتشار والذيوع، ومنها كتاب في تفسير القرآن الكريم بعنوان “تأويلات أهل السنّة”، وهو الكتاب الذي وصفه العلامة محمد زاهد الكوثري في كتابه مقدمة إشارات المرام بأنه “كتاب لا نظير له في بابه”، ومنها كتاب “الجدل في أصول الفقه”، أما في ما يخص كتاباته في علم الكلام فقد دوّن الكثير من الكتب المهمة، ومنها كل من التوحيد، والمقالات، وبيان وهم المعتزلة، ورد الأصول الخمسة.

مما يشهد على مكانة أبي منصور الماتريدي العلمية المتفردة في آسيا الوسطى في القرن الرابع الهجري، أنه عُرف بالكثير من الألقاب التي تعبّر عن عِظَم مكانته عند أهل السنّة والجماعة، ومنها على سبيل المثال، كل من إمام الهدى، وعلم الهدى، وإمام المتكلمين، ومصحح عقائد المسلمين، ورئيس أهل السنّة، وقدوة أهل السنّة والاهتداء، ورافع أعلام السنّة والجماعة، وقالع أضاليل الفتنة والبدعة.

ومن بين الأمور التي تتفق عليها الأغلبية الغالبة من الباحثين، أن الماتريدي توفى عام 333هـ ودُفن في سمرقند. ويذهب الماتريدية إلى أن جميع العقائد التي أعلن عنها الإمام أبو منصور الماتريدي في القرن الرابع الهجري، هي نفسها العقائد التي قال بها الإمام أبو حنيفة النعمان في القرن الثاني الهجري، وعلى ذلك فإن الماتريدي ليس أوّل مَن قال بتلك العقائد ولكنّه كان أوّل مَن قدم عليها الشواهد والبراهين العقلية.

بين المعتزلة والأشاعرة… أهم العقائد الماتريدية

إذا كانت النسخة الأولى من العقائد الماتريدية قد ظهرت في أفكار المؤسس، أبي منصور الماتريدي، فإن المذهب، كغيره من المذاهب، تعرّض للكثير من عمليات التطوّر على مر القرون، حتى وصل إلينا الآن في نسخته الرسمية المعتمدة.

من أشهر علماء الماتريدية الذين أسهموا بشكل كبير في صياغة معتقدات المذهب، كل من نجم الدين عمر النسفي (ت. 537هـ)، الذي دوّن عقيدته المعروفة بالعقيدة النسفية، وهو المتن العقائدي الأكثر شهرة وقبولاً بين عموم الماتريدية؛ ونور الدين الصابوني البخاري (ت. 580هـ)، والذي دخل في مناظرات عدة مع العالم الأشعري فخر الدين الرازي (ت. 606هـ)، وحاول أن يثبت صحة عقائد الماتريدية من خلال تلك المناظرات؛ وسعد الدين التفتازاني (ت. 792هـ) الذي اشتهر بشرحه الوافي لمتن العقيدة النسفية.

فما هي أهم عقائد الماتريدية التي تتباين مع معتقدات باقي المذاهب الإسلامية؟

رغم الخلافات الكبيرة التي تدور حول فهم العقائد الماتريدية، فإن رجل الدين المصري، الإمام محمد أبو زهرة، عمل في كتابه “تاريخ المذاهب الإسلامية” على الإجابة عن السؤال السابق من خلال طرحه مجموعة من النقاط المحددة، أولها موافقة الماتريدية للمعتزلة في القول بوجوب النظر العقلي، وقولهم إن العقل مصدرٌ مهم للتعرف على العقائد، واعتقادهم بالتحسين والتقبيح العقليين، بمعنى أن للأشياء حسناً أو قبحاً ذاتياً، وأن العقل قادر على التعرف على الحسن/ القبح بدون الرجوع إلى الشرع، ولكنهم في الوقت ذاته يرفضون القول إن التكليف يكون بالعقل، إذ أن المعتمَد في مذهبهم هو أنه لا تكليف إلا بالشرع “لأن العقل لا يمكن أن يستقل بالتكليف الديني قط”.

النقطة الثانية أن الماتريدية أخذوا مكاناً وسطاً بين المعتزلة والأشاعرة في ما يخص مسألة تعليل أفعال الله، فلم يقولوا إن أفعال الله لا تُعلل كالأشاعرة، ولم يقولوا إن الله يجب عليه فعل الأصلح لعباده كالمعتزلة، بل قالوا إن الله منزّه عن العبث، وإن لكل فعل من أفعاله حكمة وعلّة، ولكن لا يجب عليه شيئاً، لأنه فوق عباده ولا يمكن أن يوجبوا عليه أمراً من الأمور.

النقطة الثالثة تتعلق بمسألة الوعد والوعيد، والتي ذهب فيها الماتريدية إلى موافقة المعتزلة، فقالوا إن الله لما كان حكيماً، فقد كان ثواب الطائع أو عقاب العاصي لحكمة قصدها، ومن غير الجائز أن يخلف الله وعده ووعيده اللذان تواترا في مواضع مختلفة من القرآن الكريم.

أما في ما يخص النقطة الرابعة، وهي معضلة الجبر والاختيار، فقد وافق الماتريدية الأشاعرة في قولهم إن الله يخلق أفعال العباد، وإن العبد يُحاسَب على الكسب، وإنْ فهموا الكسب بطريقة تختلف عن الفهم الأشعري له.

والنقطة الخامسة والأخيرة التي يشير إليها أبو زهرة في كتابه، هي تلك المتعلقة بمبحث الذات والصفات، ويؤكد فيها أن الماتريدية أثبتوا صفات الله، وقالوا إنه لا يوجد لها وجود مستقل عن الذات الإلهية، وفي السياق ذاته اعتقدوا بتنزيه الله عن الجسمية وعن المكان والزمان.

من تيمورلنك إلى طالبان… انتشار الماتريدية والعلاقة بالسلطة

انتشرت العقائد الماتريدية بشكل كبير في الكثير من جنبات العالم الإسلامي، ولا سيما في الجهة الشرقية منه، إذ لاقت قبولاً واسعاً في أقاليم آسيا الوسطى والهند وأفغانستان وتركيا والصين.

في الحقيقة، لا يوجد سبب واضح يفسّر انتشار الماتريدية على تلك الصورة، خصوصاً أن بعض الباحثين رفضوا تفسير ذلك الانتشار بالعامل السياسي، ومنهم على سبيل المثال الباحث بلقاسم الغالي الذي أكد في كتابه عن أبي منصور الماتريدي أنه “لم تتدعم المدرسة الماتريدية كما تدعمت الأشعرية بقوة سياسية مكنتها من النصر”.

على الجهة المقابلة، فسّر الكثيرون من الباحثين انتشار الماتريدية باقترانها القوي بالمذهب الحنفي، فأكدوا على أنها انتشرت في الأقاليم المشرقية بالتزامن مع انتشار مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان.

ويذكر العلامة الهندي الحسن بن عبد المحسن المشهور بأبي عذبة في كتابه “الروضة البهية فيما بين الأشاعرة والماتريدية” أن الماتريدية انتشرت “في بلاد الهند على كثرتها، وسعتها، وبلاد الروم على كثرتها وسعتها، مع كونهم بأسرهم حنفية”. ولنا أن نتخيل قوة ونفوذ الفقه الحنفي في تلك البلاد إذا ما رجعنا إلى ما ذكره العلامة محمد زاهد الكوثري في كتابه تأنيب الخطيب، عندما تباهى بأعداد الأحناف الكثيفة في تلك الأصقاع قائلاً: “الحنفية في السند لا تقلّ عن خمسة وسبعين مليوناً، وفي الصين عن خمسين مليوناً، وفي بلاد الروس، والقوقاس، والقزان وبخارى، وسيبريا، وما والاها عن خمسين مليوناً أيضاً، وفي بلاد الرومان، والعرب، ودربوسنا، وهرسك، والألبان، والبلغار، واليونان، والبلاد العثمانية القديمة في القارات الثلاث، يعني آسيا، وأوروبا، وإفريقيا، عن خمسين مليوناً أيضاً، سوى من بلاد الأفغان، وبلاد الحبشة، ومصر، وطرابلس الغرب، وتونس، وإفريقيا الجنوبية، وغيرها”.

لفهم تاريخ الارتباط المبكر بين الحنفية والسياسة، ينبغي الرجوع إلى القرن الثاني الهجري، عندما دخل القاضي أبو يوسف (ت. 182هـ)، وكان أحد أهم أصحاب أبي حنيفة وأكثرهم خبرة ودراية بفقهه وآرائه، في خدمة الخليفة العباسي هارون الرشيد، فعيّنه الأخير قاضياً للقضاة في دولته، وصار أبو يوسف أول مَن حمل لقب “قاضي القضاة” في تاريخ الإسلام.

هذا النفوذ سرعان ما وجّهه قاضي القضاة في سبيل خدمة مذهبه، فكان لا يعيّن قاضياً في أي ولاية من ولايات الدولة إلا إذا كان من أتباع المذهب الحنفي، حتى صار هذا المذهب بمنزلة المذهب الرسمي للدولة العباسية، حسبما يذكر المستشرق الألماني كارل بروكلمان في كتابه “تاريخ الشعوب الإسلامية”.

وسيجد الباحث في المصادر التاريخية أن علماء الماتريدية-الأحناف حظوا برعاية الكثير من السلاطين والحكام على مر القرون، الأمر الذي أسهم بقوة في تمكين عقائدهم. على سبيل المثال، اشتهرت كتب السعد التفتازاني وذاعت بشكل كبير في بلاد العجم بسبب تأييد السلاطين لها، ومن ذلك ما قيل عن أن تيمورلنك أمر بتعليق كتابه المعروف باسم “المطول” على باب قلعة هراة، الأمر الذي نتج عنه اعتماد هذا الكتاب للدراسة في العديد من المدارس والمعاهد التعليمية في بلاد ما وراء النهر.

أيضاً، حظي العالِم الماتريدي الشهير علي بن محمد الجرجاني (ت. 816هـ)، برعاية الحكام من آل المظفر، وهم الذين حكموا مناطق يزد، وكرمان، والعراق، وفارس في القرن الثامن الهجري، فقد عيّنه شاه شجاع مدرساً في شيراز، وظل في منصبه هذا حتى دخل تيمورلنك إلى شيراز، فصحبه معه إلى سمرقند، وكانت له حظوة في مجلسه، حسبما يذكر طاش كبرى زاده (ت. 968هـ) في كتابه “الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية”.

في السياق نفسه، يتحدث طاش كبرى زاده عن العالم الماتريدي المولى فخر الدين العجمي (ت. 860هـ)، والذي حظي بمكانة متميزة في الدولة العثمانية، حتى “صار مفتياً في زمن السلطان مراد خان وعين له كل يوم ثلاثون درهماً…”. ويحكي زادة قصة توضح مكانة العجمي في البلاط العثماني، وملخّصها أن السلطان محمد الفاتح لمّا تولى السلطة، فإن أحد أتباع الطريقة الحروفية، وهي إحدى الطرق الصوفية البدعية بحسب وجهة النظر السنّية، تمكنوا من الاقتراب منه والتأثير عليه، فلما عرف العجمي بذلك، ولمس تخاذل السلطان وميله لتابعه، ناقش هذا الحروفي وجادله حتى تبينت بدعته أمام الجميع ثم قتله حرقاً، ولم يتمكن السلطان من معارضته.

في شبه القارة الهندية أيضاً، نجد أن السلطان أبو المظفر محي الدين محمد أورنك زيب (ت. 1119هـ)، آخر سلاطين المغول في الهند، لعب دوراً مهماً في إقرار ثنائية الحنفية-الماتريدية في شبه القارة الهندية، وذلك عندما أمر مجموعة من العلماء الماتريدية، وعلى رأسهم نظام الدين البرنهابوري، فجمعوا الفتاوى الحنفية-الماتريدية في موسوعة واحدة، وهي التي عُرفت باسم “الفتاوى العالمكيرية”، وتم تعميم تدريسها في ما بعد في مختلف المدارس الهندية، الأمر الذي مكّن من ترسيخ أقدام الماتريدية وترسيخها كعقيدة رسمية، حسبما يذكر علي الطنطاوي في كتابه “رجال من التاريخ”.

في العصر الحديث أيضاً، ظهرت العلاقة الوثيقة بين الماتريدية والسياسة. ففي منتصف القرن التاسع عشر، لعب علماء الماتريدية دوراً مهماً ومؤثراً في أحداث الثورة الهندية عام 1857م، عندما شارك بعضهم، ومنهم على سبيل المثال محمد قاسم النانوتوي (ت. 1297هـ)، في قيادة الثوار المسلمين ضد السلطة البريطانية. ورغم الفشل الذي لحق بالثورة في نهاية الأمر، إلا أن علماء الماتريدية الذين كُتب لهم النجاة، تمكنوا من تأسيس مدرسة دار العلوم الشهيرة بديوبند، والتي اشتهر أمرها في ما بعد حتى عُرفت باسم أزهر الهند، بحسب ما ورد في “الموسوعة الميسّرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة”.

ولا تزال العلاقة قائمة بين الماتريدية والسياسة حتى اللحظة. فبحسب ما ورد في كتاب “طالبان أفغانستان: من حلم الملا إلى إمارة المؤمنين”، لرجل الدين الباكستاني مولاي حفيظ الله حقاني، فإن مدرسة دار العلوم الديوبندية الماتريدية كانت نواة لمئات المدارس الدينية التي انتشرت في شتى أنحاء شبه القارة الهندية وأفغانستان في ما بعد.

وفي هذه المدارس التي اعتادت أن تدرّس العقائد الماتريدية بجانب الفقه الحنفي، تخرّج الرعيل الأول من طلاب حركة طالبان الأفغانية، تلك التي تمكنت من الوصول إلى الحكم في العاصمة الأفغانية كابول عام 1996 وظلت بها حتى الغزو الأميركي عام 2001، وتوارت بعدها في معاقلها الجبلية حتى عادت إلى فرض سيطرتها من جديد مؤخراً، بالتزامن مع عملية إجلاء القوات الأمريكية من أفغانستان.

:::::

المصدر:

https://raseef22.net/article/1084301

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.