المسألة البربرية في الجزائر، الطاهر المعز

مَدْخَل:

نشرت وكالة “رويترز”، يوم السادس من أيلول/سبتمبر 2021، خبر اعتقال 27 شخصًا يُشتَبَهُ بانتمائهم للحركة الإنفصالية البربرية القابائلية (الحركة من أجل الحكم الذاتي لمنطقة القبائل) “ماك”، التي دعم النظام المغربي رسميًّا، تَطَوُّرَ مطالبها من “الحكم الذاتي المحلّي” إلى “الإستقلال” والإنفصال عن الجزائر، ما سبب قطع العلاقات الدّبلوماسية بين الدّوْلَتَيْن، أواخر شهر آب/أغسطس 2021، وأفاد بيان الشرطة الجزائرية، يوم الإثنين 06 أيلول/سبتمبر 2021، أن المُعْتَقَلِين مُتّهَمُون ب”اللُّجوء لأساليب العُنف وزرع الفتنة ونشر الرّعب بين المواطنين والإعتداء على عناصر الشّرطة، والسّطو على المحلاّت والمتاجر، في بَلْدَتَيْ خرّاطة وبني ورتيلان، شمال البلاد… وتهديد الوحدة الوطنية بأمر من جهات خارجية”، وأعلنت الشرطة أنها عثرت على مُعدّات عسكرية وإعلامية وأختام مُزوّرة وهواتف محمولة وملابس عسكرية، ورايات منظمة (ماك) وغير ذلك في محلات سكن المُعْتَقَلين، الذين أحيلوا يوم الثلاثاء 07 أيلول/سبتمبر 2021، على قاضي التّحقيق بمحكمة “سيدي امحَمّد”، بحسب وكالة الخدمات الصحفية الجزائرية، يوم السابع من أيلول/سبتمبر 2021، وأفادت نفس الوكالة الجزائرية أن المُعتقَلِين ينتمون لحركة “رَشاد” الإسلامية و”حركة استقلال القبائل” (ماك)، ومُتّهمون بإشعال الحرائق، وقتل وحَرق المواطن الشاب “جمال بن إسماعل”، والتّمثيل بجُثَّتِهِ، في الفضاء العمومي، بعد اتّهامِهِ خَطَأً بإشعال الحرائق في منطقة “القبائل”، بينما كان الشاب يُساعد في إطفاء الحرائق، وذَكّرت هذه الحادثة بالقتل الشنيع والتمثيل بجثث الضحايا من قِبَل عناصر المليشيات الإرهابية في سوريا، فيما كانت السلطات الجزائرية قد أعلنت قبل ذلك أن الحرائق التي انطلقت في معظم ولايات البلاد، في عشرات الأماكن، بما فيها القريبة من مناطق سَكَن المواطنين، والتي أوْدَتْ بحياة عشرات المواطنين، كانت بفعل فاعل، واتهمت عناصر حركة “ماك” و “رشاد” بإطلاق بعض هذه الحرائق التي تسببت كذلك بإتلاف آلاف الهكتارات من الأشجار المثمرة وأشجار الغابات، فضلا عن الحيوانات والمساكن، وتضرّرت منطقة القبائل بشكل خاص…

في ذروة هذه الأزمة، قَدّمَ الممثل الدائم للمغرب لدى الأمم المتحدة، منتصف شهر آب/أغسطس 2021، ورقةً إلى حركة عدم الانحياز يدعوها لمعالجة ما وصفه بـ “تصفية الاستعمار في منطقة القبائل” بالجزائر و “تقرير المصير للشعب القبائلي”، واصفا منطقة القبائل بأنها “خاضعة للاستعمار الجزائري”، وذلك رَدًّا على الدّعم الجزائري لمنظمة “بوليساريو” التي تُطالب باستقلال الصّحراء الغربية، مُذْ كانت مُحتلّة من قِبَل إسبانيا (قبل سنة 1975)، وكانت تلك “القَشَّة التي قَصَمَتْ ظَهْرَ البعير”، إذا أعلنت الجزائر قَطْعَ العلاقات الدّبلوماسية مع المغرب.

يُعْتَبر بلاغ الشرطة وجهاز القضاء “تقليديا”، وشبيها ببلاغات الشرطة والقضاء في الوطن العربي، إمّا لتَلْبيس التّهَم لبعض الأطراف، أو لإرسال إشارات إلى أطراف داخلية وخارجية، وما هذه الإعتقالات سوى انعكاس لدرجة التّوتّر الذي ساهمت بتصعيده هذه المنظمة الإنفصالية، خصوصًا منذ الربع الأخير من سنة 2019، عند انطلاق حركة احتجاجات واسعة بالجزائر، حيث حاولت حركة “ماك”، المدعومة من أنظمة الحُكْم في فرنسا والمغرب، استغلالها لصالحها، إذ تَطَوّرت مطالبها من مطالب لُغَوية وثقافية إلى شكل من أشكال الحكم الذاتي، ضمن الدّولة الجزائرية ثم إلى الإنفصال عن الجزائر، وهي مسألة حسّاسة جدًّا، وبالخصوص في الجزائر، حيث كان ثمن الإستقلال باهضًا، وشمل النضال الوطني كافة مناطق البلاد ومعظم الشرائح الإجتماعية…

تأسست “حركة استقلال القبائل” (ماك)، بعد أحداث ربيع سنة 2001، من قِبَلِ مُغنِّي سابق (فرحات مهَنّى) وعدد من المقيمين بفرنسا، ومعظمهم من حاملي الجنسية الفرنسية، للمطالبة بالحكم الذاتي في منطقة القبائل التي تسكنها أغلبية بربرية، وأعلنت، سنة 2010، تشكيل حكومة مؤقتة لمنطقة القبائل بقيادة مُؤَسِّسِها، ما عَرّضَ قادة ودُعاة الحركة للملاحقة، بعد حَظْرِ نشاطها، واتهامها بممارسة الإرهاب، واستغل مُؤسّس ماك، حركة اجتماعية في العديد من مناطق الجزائر، سنة 2013، لمطالبة الدّول الأوروبية (وبالأخص فرنسا) بالتّدخُّل لحل الأزمة، وتكرّر الأمر سنتَيْ 2019 و 2020، ما أثار حفيظة فئات عديدة من المواطنين الذين رأوْا في ذلك “استقواءً بالقوى الإستعمارية” للتّدخُّل في شؤون البلاد الدّاخلية.

أما حركة “رشاد” فقد تأسّست في نيسان/ابريل 2007، من قبل مجموعة مِمّن كانوا ينتمون لجبهة الإنقاذ الإسلامية (فِيس) من الرافضين لما سمّيت “المُصالحة الوطنية”، أهمهم “مراد دهينة”، منسّق عام “رشاد”، المقيم بسويسرا، والمحكوم بعشرين سنة سجنًا، بتهمة تهريب الأسلحة من سويسرا إلى الجزائر، ومنهم “محمد العربي زيتوت” المُقيم ببريطانيا، إضافة إلى بعض من كانوا ينتمون لأحزاب أخرى، وتُعرّف الحركة نفسها، في موقعها الإلكتروني، “حركة مقاومة، مُعارضة للنظام”، وذكرت بعض وسائل الإعلام التّركية، المُعارضة لسلطة الإخوان المسلمين، أن الإستخبارات التركية تُشرف على تدريب عناصر من حركة “رشاد” (في أسطنبول وأنطاليا)، ووعَدَت الحكومةُ الإخوانيةُ بتركيا، حركةَ “رشاد” بتقديم الدّعم اللوجيستي والإعلامي والمالي لها…

تُمَثّل الفقرات الموالية، محاولة لعَرْض بعض الجوانب لِما يمكن وصفها “المسْألة البربرية بالجزائر”، ودور الإستعمار الإستيطاني الفرنسي، بجيشه وبمؤسساته التعليمية والبَحْثِيّة، في تأجيج هذه القضية (حيث شجّعَ الإستعمار الفرنسي الدراسات والبحوث الخصة باللغة البربرية، بينما اعتَبَرَ اللغةَ العربيةَ “لُغَةً أجنبيةً”، سنة 1936)، وفي مواصلة صبّ الزيت على النّار، بعد ستين سنة من الإستقلال، بهدف تقسيم الشعب الواحد إلى “مُكَوّنات”، لتيْسير السيطرة على الشُّعُوب، بينما تُحارب فرنسا أي محاولة لسكان كورسيكا أو بلاد الباسك أو بروتاني (الشمال الغربي) لإعادة إحياء تراثهم وثقافتهم ولُغَتِهِم، مع الإشارة أن الإمبريالية تستغل وضْعًا قائمًا، وثغرات وقرارات وممارسات غير صائبة، لنظام الحُكْم بالجزائر… 

عودة إلى الجُذُور:

يتّفق الباحثون والمُؤرّخون أن البربر هم السّكّان الأصليون لشمال إفريقيا (المغرب العربي)، وللمنطقة المُمتدّة من الحدود المصرية-الليبية إلى المغرب، على ضفاف المُحيط الأطلسي، ومن الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط إلى الصّحراء الكُبْرى، ثم اختلط البربر بشعوب أخرى، خصوصًا من ضفّتَيْ البحر الأبيض المتوسّط (الرومان واليونانيون والفنيقيون والبيزنطيون والعرب… )، حيث تزدهر التجارة البحرية والبرّية، كما تعدّدت الغزوات والحروب، من أجل السيطرة على هذه المنطقة، واختلط البربر (مثل كافة شعوب العالم) بغيرهم من الشعوب، وخاصة بالفنيقيين (بداية من 880 قبل الميلاد) والرومان والوندال، ثم بالعرب المسلمين (قبائل بنو هلال وبني سليم…)، منذ عقبة بن نافع في القرن السابع والفاطميين في القرن العاشر، ودخول البربر في الإسلام وإقبالهم على تعلّم اللغة العربية التي كانت لغة السلطة (الدّولة) ولغة التجارة ولغة العقيدة الإسلامية (القرآن)، وتعزّزت اللغة العربية مُبكِّرًا بقواعد ثابتة تُيسِّرُ تعلُّمَها، فضلا عن كونها لُغَةً اشتقاقية، تُمكن ابتكار واشتقاق الأسماء والصفات انطلاقًا من الفعل الثلاثي أو المَصْدَر، وأدّى الإختلاط إلى فقدان بعض المُقومات الأصلية، باستثناء المناطق الجبلية المعزولة نسبيا، وأصبحت القبائل البربرية الكبيرة، مثل “زناتة” و “صنهاجة” و “مغراوة”، جزءًا من الحُكم العربي الإسلامي، وساهمت في نشر الدّين الإسلامي واللغة العربية، في مالي والنيجر وتشاد وغيرها، ولا تزال لغة الخطاب اليومية بالمغرب العربي تتضمّن كلمات من أصل بربري وكذلك كلمات عربية فصيحة اندثرت من الكُتُب، خصوصًا في مناطق “وادي سُوف” (الجزائر) و”الجريد” و”نفزاوة” (تونس)، وفي بعض مناطق ليبيا…

يعْسُرُ الإدّعاء بوجود “جنس صافي”، خاصة في منطقة البحر الأبيض المتوسّط، فهي منطقة تبادل تجاري، اختلطت بها الأجناس والأعراق على الضّفَّتَيْن، ولذلك فقد اختلط البربر، كما الشعوب والأثينات الأخرى، على مَرّ العُصُور، بغيرهم، ويَصْعُبُ تمييزهم عن غيرهم، لولا بعض السّمات المُشترَكة لهم، مثل اللغة والأهازيج والقصص الشعبية، ويُطْلَقُ إسم “البربر” على السّكّان الأصليين لشمال إفريقيا الذين سبقوا الفنيقيين والعرب، ويُطْلِقُ سُكّام منطقة القبائل الجزائرية على أنفسهم صفة “إقْبَايْلِين”، أو “إيزْوَاوِنْ”، أما لفظ “أمازيغ” (“إيمازيغن”، بصيغة الجَمْع، أي الرّجال الأَحْرار) فهو اختراع حديث، كما أن الرّاية متعددة الألوان اختراع حديث، وأصبح استخدامُهُ، منذ بضعة عُقُود، ذا صبغة سياسية استفزازية، لأن التّوق إلى الحُرّيّة طُمُوح إنساني، غير مَقْصُور على فئة من البشر، دون أُخْرى، فكل الناس أحرار في الأصل، ثم يقع استعبادُ واستغلالُ واضطهادُ بعض الفئات، من قِبَلِ فئات أخرى، من داخل نفس المُجتمع، أو من خارجه، ويمكن إطلاق صفة “الأحرار” على كل الناس، رجالاً ونساءً… كما أن قبيلة “كتامة” البربرية كانت من الأعمدة التي ساهمت في إرساء الدّولة الفاطمية بالمغرب العربي.

أما أول من استخدم عبارة “أمازيغ” فهو “عبد الحميد بن باديس”(1889 – 1940) في ثلاثينيات القرن العشرين، باعتبار الجزائريين “أبناء يَعْرُب وأبناء أمازيغ… جمع بينهم الإسلام”، ويُشير ابن باديس، وهو من أُصُول بربرية، ومُؤسّس “جمعية علماء المسلمين” بالجزائر، إلى امتزاج واندماج عناصر الشعب الجزائري، وأكّد إن القومية ليست لها أية علاقة بالعرق، وإنما أساس القومية هو وحدة اللغة والثقافة المشتركة والعقيدة الدينية…” ويُؤَكّدُ على قُرُون العيش المشترك، التي تُوحّد عناصر الشعب الجزائري “في السراء والضراء، منذ أحقاب بعيدة”.

حَقَّقَ عبد الرحمان بن خلدون (1332 – 1406)، وهو من أصُول بربرية أيضًا، نَسَبَ البربر، وكتب في “المقدمة”: إن نَسَبَهُم لا يعود إلى أصل واحدٍ وإنّما إلى جِذْرَيْن كبيرَيْن هما: برنس، ومادغيس الذي يلقب بالأبتر، ولا يتكلمون لغة واحدة وإنما عدة لغات، منها الريفية والشلحة والسوسية والقبايلية والمزابية والشاوية، وأن إسم “البربر” سابق للإسلام، بحسب ما كتَبَ عبد الرحمان ابن خلدون، في مقدّمة كتاب ” العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر”- دار الكتاب اللبناني، بيروت، طبعة 1968.

من جهة أخرى، نُشير أن المُقاوم محمد بن عبد الكريم الخطابي (1882 – 1963)، مُؤسس جمهورية “الريف” (1921 – 1926)، هو بَرْبَرِيُّ الأصل، وهو من أوائل الزعماء السياسيِّين المُقاومين مِمّن استخدَموا باستمرار عبارة “المغرب العربي”، ودعا إلى تحريره كاملاً من الإستعمار الفرنسي والإسباني، دون تفريق، ودون اعتراف بالحدود المُصْطَنَعَة بين المغرب والجزائر وتونس وليبيا.

يُطالب بربر المغرب العربي (شمال أفريقيا) بحقوقهم وهي حقوق مشروعة، إذا بقيت ضِمن إطار وحدة الشعب والوطن، ولكن المطالب تفقِدُ مَشْرُوعِيّتَها عندما يستنجد أصحابُها بالقوة التي استعمرت المغرب العربي (فرنسا) من أجل تحقيق الإنفصال، فالبربر مجموعة سُكّانية لها حقوقها الإقتصادية والإجتماعية والثقافية، ومن واجب كل وطني دعمها، ودعم مطالب الكادحين والفُقراء، عندما لا تتحول إلى حركات انفصالية، فهم السّكّان الأصليون للمغرب العربي، واندمجوا مع الإمبراطورية الرومانية، وارتقى ثلاثة منهم إلى مرتبة القيصر خلال الفترة الطويلة للإحتلال الروماني، كما اندمجوا فيما بعد (بعد مُقاومة شديدة) مع الدّولة العربية التي تدعوا لِنَشْر وهيمنة العقيدة الإسلامية، وأصبح بعضُهُم جزءًا من “النُّخْبَة” الحاكمة، ومن قيادات الدّولة والجيش والقضاء، ومن المُؤسّسة الثقافية والعِلْمِيّة والدّينية، لأن الفَرْز لم يكن أثنيا، وإنما كان عقائديا (مُسلمون وغير مسلمين) أو طبقيا، بين مُستغِلِّين ومُسْتَغَلِّين، بين مُضْطَهِدِين ومُضْطَهَدِين، خلافًا للإستعمار الفرنسي (والأوروبي عمومًا)، في مرحلة لاحقة، والذي كان يُمارس المَيْز والإضطهاد ضدّ مُواطني البُلدان التي وقَع استعمارُها، مع إدماج أقلّيّةٍ تخدم أهدافَهُ ومصالح المُستعمِرِين والمُسْتوطِنِين، بالتّوازي مع ممارسة سياسة “فَرِّقْ تَسُدْ”، وخلقت الإمبريالية كيانات هزيلة، كما لُبنان، ثم تيمور الشرقية وكوسوفو وغيرها من الكيانات المُصْطَنَعَة.

العلاقة بين الإستعمار والصراع “الهَوِيّاتي”:

إن البربر، كما أسْلَفْنا، هم السّكّان الأصليون لمنطقة المغرب العربي، المُمتدّة من المحيط الأطلسي إلى شرق ليبيا، على حدود مصر، وتُعتبر الهوية البربرية جُزءًا من هوية شُعوب المنطقة وتاريخها وتراثها الثقافي والحضاري، لكن المَسْألة طُرِحَتْ بحِدّة في الجزائر، وبلغت حدّ المُطالبة بالإنفصال، فما هي الأسباب؟

كانت لُغة “تافيناغ”، أي البونيقية، المنحدرة من الفنيقية (والقرطاجنيون من أصل فينيقي) هي السأئدة في شمال إفريقيا، قبل الإسلام، ويبدو أنها قريبة من العربية، التي انتشرت لأن لها بعض القواسم المُشتركة مع لُغة السّكّان الاصليين، ولأنها لُغة القرآن. 

كان طَرْح المسألة البربرية، في الجزائر، متزامنًا مع الإستعمار الفرنسي، ولم يقع طرحها سابقًا، كما أنها ليست وليدة الإستقلال، وبحسب “محمد حربي”، وهو كاتب جزائري ومُؤَرّخ، يمتلك وثائق عديدة ونادرة، شارك في حرب التحرير، وشارك في مُفاوضات “إيفيان” التي أفضت إلى استقلال الجزائر، وخَصّصَ محمد حَرْبِي في كتابه “جبهة التحرير الوطني 1954-1961- الأسطورة والواقع”، فصلاً كاملاً للمسالة البربرية، فقد هَمَّشَ الإستعمارُ الفرنسيُّ اللغةَ العربيةَ، ومَنَعَ تدريسها، باستثناء القرآن، كما هَمّشَ لُغات البربر، لكن رَكَّزَ الإستعمار الفرنسي، خلال العقد الثالث من القرن العشرين، على “المسألة البربرية”، وخصوصًا بعد مُظاهرات الثامن من أيار/مايو 1945، المُطالبة بالإستقلال، وبد تزييف نتائج انتخابات 1947، واستغل الإستعمار الصراع داخل حزب الشعب الجزائري (بقيادة مصالي الحاج) سنة 1949، لتحويل الصراع، وهو صراع سياسي بالأساس، إلى صراع أثني، من شأنه تحويل الأنظار عن مسألة النّضال ضد الإستعمار، والتركيز على قضايا ثانوية، مقارنَةً بقضية التّحرّر من الإستعمار، وليس من قبيل الصُّدَف انطلاق هذا الصراع من فرنسا، بين قيادات الحزب التي كانت تُقيم هناك، وتطور الصراع إلى إقصاء رُمُوز النّزْعة البربرية التي لم تندثر، بل تطورت، لِتُفْرِزَ تيّارَيْن رئيسِيّيْن، الأول تيار يُطالب بإدماج وتطوير اللغة والثقافة البربرية، والثاني تيار فرنكوفوني انفصالي، يُفضّل لغة الإستعمار الفرنسي على استخدام اللغة العربية، وهي لُغة أغلبية سُكان البلاد، وتطورت الخلافات بعد الإستقلال، رغم قيام السّلطة على أُسُسٍ وطنية، غير عرقية، بل كان بعض المسؤولين عن قطاعات الثقافة والتعليم وتعريب الإدارة وبرامج التّدريس، من منطقة القبائل البربرية، منهم مولود قاسم نائت بلقاسم ومحمد الشريف الخروبي وغيرهم، وكان بعض رؤساء الحكومات والعديد من الوزراء على رأس الوزارات السيادية، من البربر، فالنظام طبقي، وليس أثني، ويُراعي في تركيبته وفي هَرم السّلطة، العديد من التوازنات الجغرافية والثقافية، داخل أجهزة السّلطة.

كان حسين آيت أحمد (1926 – 2015)، أحد مؤسسي جبهة التحرير الوطني، وهو من أُسْرة مُثَقّفة بربرية، مَيْسُورة، ساهمت في نشر اللغة والثقافة العربية، وكذلك في مقاومة الإستعمار، وكان آيت أحمد أول من اقترح مشروع التعريب على أول مجلس نيابي جزائري، سنة 1962، ثم أصبح مًعارضًا للنظام، كما أصبح يرفض الحديث باللغة العربية، بل تحدث وخَطَبَ باللغة الفرنسية، لُغَة المُستعمِر، أثناء مُشاركته بالحملة الإنتخابية، حتى في جنوب البلاد، حيث لا يُتقن الناس اللغة الفرنسية، وعلى نفس النّهج، أصبح “سعيد سَعْدي”، مؤسس حزب “التّجمّع من أجل الثقافة والدّيمقراطية” (وكان معه فرحات مهنى، زعيم “ماك” حاليا)، أحد غُلاة النّزعة البربرية، خصوصًا بعد استقراره بفرنسا كمَنْفى اختياري، مع الإشارة أن العديد من المنظمات “غير الحُكُومية”، التي تحصل على تمويلات أوروبية وأمريكية، تُساهم بقسط كبير، خصوصًا بعد 2010، في تضخيم المَسْألة البربرية في المغرب العربي عمومًا، وفي تونس وليبيا، خُصُوصًا، أما في مَصر فقد حاول التيار الفرعوني، وبعض التيارات الرجعية المسيحية سَلْخَ مصر عن عُروبتها، خلال فترة حكم محمد أنور السادات (َ1970 – 1981) بالتزامن مع التّطبيع مع الكيان الصهيوني، ومع تصفية الإرث التقدّمِي الناصري…

تتخذ مسألة الهوية أبعادًا خطيرة في البلدان الواقعة تحت الإستعمار أو الهيمنة، يُمكن للإستعمار والإمبريالية النّفاذ عبرها، لتقسيم الأُمم والشعوب، وتَيْسِير عملية السيطرة عليها، بعد تغْييب المسألة الوطنية، والقواسم المُشتركة للشّعوب، وهو ما يحصل حاليا في المشرق العربي، حيث تدعم الإمبريالية الأمريكية والأوروبية القوى السياسية الإنعزالية (الكتائب والقوات اللبنانية…) والأقليات القومية والإثنية والدّينية، بهدف تفتيت الشّعوب، لأن الإمبريالية لا تدعم حركات التّحرر، وإنما حركات الإنفصال، ذات المضمون الرّجعي. أما في المغرب العربي، فإن الإمبريالية الأمريكية والفرنسية، بشكل خاص، استخدمت قضية البربر، وحوّلت الحُقُوق الثقافية المَشْرُوعة إلى مطالب انفصالية، وأصبحت بعض فصائل الإنفصاليين من الطوارق ومن البربر تُمَجّدُ الإمبريالية وتُقيم علاقات عَلَنِيّة مع الكيان الصّهيوني الذي هَجّر شعبًا بكامله، وأقام دولة لقيطة على وطن الفلسطينيين، ما يُؤكّد رجعية وعمالة هذا الصنف من الحركات الإنفصالية. لذا لا يُمكن فَصْل بُرُوز مثل هذه الدّعوات في المغرب العربي، من المغرب إلى ليبيا، عن الوضع العربي عُمومًا، وعن استهداف الوطن العربي، كمنطقة واسعة وثَرِيّة، وذات مُقوّمات مُشتَرَكة تجعل منها أُمّةً واحدة، تَظُمّ عددًا من الأقليات التي تعايشت طيلة قُرُون، وتُمثّل دعوات الإنفصال، وكذلك ممارسات الأنظمة القائمة، تقويضًا للتّنوّع الحضاري والثقافي والدّيني في إطار الوطن الواحد، في بُلدان الوطن العربي…

مخططات الإستعمار الفرنسي لتقويض عُرُوبة الجزائر:

يُعتبر “بلقاسم بن سديرة” (1845 – 1901) نموذجا للمثقف العضوي، الذي كرّس جُهْدَهُ وعِلْمَهُ وثقافته لخدمة مؤسّسات الإستعمار، يرفُضُ الكتابة باللغة العربية التي يُتقنها، ويكتُبُ عنها دراسات بلُغَةِ المُستعمِر التي يفتخر بها، وألّف كُتبًا عديدة في البحث اللغوي والنحو والتدريس، وجميعها في خدمة الاستشراق ومناهضة للغة وللثقافة وللحضارة العربية، ومَوّلت وزارة الحرب الفرنسية بحوثه وإنشاء قسم “الدّراسات البربرية” وتَكْوين “نُخْبَة مُثَقّفَة تُدافع عن تناقض الهوية البربرية مع الهوية العربية” للشعب الجزائري، وكان بن سديرة (مع الهاشمي بن سي لونيس، وسعيد بوليفة) من أوائل الجزائريين الذين أصبحوا فرنسيين (من غير اليهود الذين وقع تجنيسهم بعد صُدُور مرسوم كريميُو 24/10/1870)، وممن دَرَسُوا بمؤسسات التعليم العالي بفرنسا، على نفقة وزارة الحرب الفرنسية، خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وممّن أسّسُوا للإُطْروحات الإستعمارية المُشجّعة للنّزعة الإنفصالية البربرية بالجزائر، ولاندماج الجزائريين في مؤسسات ومخططات الإستعمار الفرنسي، وفق المؤرخ الجزائري “بلقاسم سعد الله” (1930 – 2013)، مؤلف “الموسوعة الثقافية الجزائرية” (أو “تاريخ الجزائر الثقافي”)، وبالتّوازي مع التّرويج للنزعة البربرية، أصبح مُدَرّسًا للغة العربية العامية، ليتعلّم الجنود والمُسْتَوْطِنُون الفرنسيون كيفية التّعامل مع الجزائريين، بداية من سنة 1869، ثم كلّفته وزارة الحرب بتدريس البربرية، سنة 1884، مع أُستاذَيْن فرنْسِيَّيْن آخريْن، وألّف كُتبًا ومعاجم في إطار خطط استعمارية لتشجيع البربرية و”الدّارجة” (العربية المَحْكِيّة) على حساب اللغة العربية الفُصْحى، وفي إطار الإهتمام الإستعماري بتقسيم الشعب الجزائري، الذي قاوم الإستعمار منذ بداياته، وخصّصت وزارة الحرب الفرنسية مِنَحًا مُرتفعة القيمة للباحثين المُتخصّصين بالدّراسات البربرية واللهجات العامّيّة، خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، مع الإشارة أن البرامج والمُقَرّرات ليست مُوحّدة بل تختلف باختلاف المناطق، وفق أهداف الإستعمار، وعلى سبيل المثال فقد كانت الجهود كبيرة لتعليم الفرنسية والبربرية، وإلغاء العربية، في منطقة “القبائل”، قبل تعميم منع تدريس العربية، باستثناء القرآن، ولم تكن بمدينة “الجزائر” سوى مدرسة واحدة “للعرب” (حي باب جديد)، خلال العقد ما قَبْل الأخير من القرن التاسع عشر.

اعتبر بلقاسم بن سديرة” أن اللغة البربرية الخاصة بمنطقة “القبائل” ليست بلغة مكتوبة وحروفها قديمة لم تعد تستجيب للتطورات التاريخية،وكُتِبَتْ كلماتها، منذ القرن الثامن ميلادي (بالتوازي مع أَسْلَمَة المنطقة) بالحرف العربي، لأنه الأفضَلُ لِنطق الأصوات والكلمات البربرية، ولكن بلقاسم بن سديرة يعتمد (استجابةً لطلب أولياء نعمته من مؤسسات الإستعمار) كتابتها بالحرف الفرنسي لأسباب عقائدية، فهو يدعو إلى تعميم اللغة الفرنسية وجعلها “لغة وطنية” بالجزائر، ولذلك فإن تفضيله للبربرية وللعامّيّة وللفرنسية، ولكتابة البربرية بالأحرف اللاتينية (الفرنسية) غير علمي وغير عملي، لأن الأبجدية الفرنسية تفتقد إلى بعض الأصوات (الثاء والحاء والخاء والذّال والضاد والظاء والقاف…)، وكان العرب قد ترجموا كتُبًا عديدة من العربية إلى البربرية المكتوبة بحروف عربية…

تُعْتَبَرُ الجزائر نموذجًا خاصًّا للإستعمار، حيث كان استعمارًا استيطانيًّا، واعتبرت الإمبريالية الفرنسيةُ الجزائرً جُزْءًا من فرنسا، وقسّمتها إداريًّا إلى ثلاث ولايات (فرنسية)، خلافًا لما حصل في المغرب وتونس، حيث اعتبرت احتلالها “حمايةً”، أما في الجزائر، فقد ركّز الإستعمار (ومعه الكنيسة وعلماء الآثار والأنثربُولوجِيُّون)، منذ البداية على منطقة “زواوَة” (منطقة “القبائل” الحالية) لتقريب أهلها من المُسْتَعْمِرِين الفرنسيين، ولِسَلْخ المنطقة عن بقية البلاد، عبر التّنْصِير، ونَشْرِ اللغة الفرنسية، ففي نهاية القرن التاسع عشر، كان ثُلُثُ المدارس الفرنسية بالجزائر، يُوجدُ في منطقة القبائل، بهدف “فَرْنَسَة” السّكّان، وتحويل الاختلاف اللغوي والثقافي إلى حُروب أثنية، وكان الضابط المُشرف على مؤسسات التعليم بالجزائر يوصي مُديري المدارس بإبعاد البربر عن اللغة العربية، بكل الوسائل، فيما أوصى مُؤتمر التّبشير المسيحي بالجزائر (1867) بتكثيف حَمَلات تنصير الجزائريين، وخصوصًا في منطقة “زواوة” (القبائل)، لكن فشلت هذه الخطة، بحسب الوثائق الفرنسية، وكانت منطقة “زواوة” ( القبائل) أرضًا لمُقاومة الإستعمار… كما تجدُرُ الإشارة إلى اختيار ضاحية قرطاج (تونس) لعقد المؤتمر الأفخارستي الثّلاثون (مؤتمر دوري لرجال الدّين المسيحيين الكاثوليكيين) من السابع إلى الحادي عشر من شهر أيار/مايو سنة 1930، بتمويل من الدّولة “العلمانية” الفرنسية، احتفالاً بالذكرى المائوية لاحتلال الجزائر، وهي نفس السنة التي صَدَر خلالها ما سُمِّيَ “الظّهير البربري” (قرار سياسي-إداري) بالمغرب، وشكّل المُؤتمر الضّخم استفزازًا مقصودًا لشعوب المنطقة الواقعة تحت الإستعمار الفرنسي، فأضْرب عُمال الموانئ والطلبة بتونس وألقت السلطات الإستعمارية القبض على عدد من المُتظاهرين.

رسّخ بعض العملاء الجزائريين، مثل بلقاسم بن سديرة، بإشراف بعض الباحثين الإستعماريين (المُستشرِقين، و”المُسْتَعْرِبِين”)، النزعة البربرية، وأسّسُوا للسياسة البربرية الإستعمارية، وفق أُسُسٍ ومناهج عِلْمِيّة، من خلال التركيز على منطقة “القبائل”، وإفرادها بمنهج دراسي خاص وبميزانية خاصّة، بهدف سَلْخ أجزاء من الشعب الجزائري عن تاريخهم ومُحيطهم ومناخهم الحضاري والثقافي، ونشر اللغة والثقافة الإستعمارية الفرنسية، ونَشْرِ الدّيانة المسيحية، من قِبَلِ فرنسا العلمانية، بطلة اللائكِيّة، لكن تحوّلت “الزّوايا” والمدارس التقليدية لتعليم القرآن إلى مدارس سِرِّيّة لتعليم اللغة والحضارة العربية، وتاريخ الجزائر، وإلى مدارس لمقاومة الإستعمار.

لا يكتفي الإستعمار الفرنسي باحتلال الأرض ونهب الثروات، بل يُحارب الثقافة واللُّغة، لأنهما وعاء تاريخ وحضارة الشّعوب والأُمَم، وفَرَضَ الإحتلال الفرنسي ثقافته ولُغَتَه التي لا تزال سائدةً في المغرب العربي وفي دول إفريقيا المحيطة بالصحراء، والمُستعمرات الفرنسية التي لا تزال تابعة للإمبريالية، بينما يضطَرُّ الباحثون الفرنسيون لنَشْرِ بُحوثهم ودراساتهم وبُحُوثهم الأكاديمية باللغة الإنغليزية، لُغَة الإمبريالية الأعْظَم، كما تَجْرِي مُداولات مجالس إدارة الشركات الكُبْرى ذات المَنْشَأ الفرنسي، باللغة الإنغليزية، في المُقابل تدعم الإمبريالية الفرنسية تعليم ونَشْرَ اللغة البربرية، شرط كتابتها بالأحرف اللاتينية، وليس بالأحرف العربية، الأكثرَ مُلاءَمَةً، كما تَدْعَم الإمبريالية الفرنسية المنظمات البربرية الأكثرَ رجعية، مثل حركة “ماك”.

تأسست حركة “ماك ” (حركة استقلال منطقة القبائل) بحجة تقرير مصير منطقة القبائل سنة 2002، ويتواجد مؤسسوها بالخارج (فرنسا أساسًا)، ولها أنصار بالجزائر، رفعوا يافطاتها وشعاراتها أثناء احتجاجات 2019 و 2020، ويتعرض عناصر الحركة للملاحقة، بسبب الدّعوة للإنفصال، بدعم خارجي، والتعامل مع الإمبريالية والكيان الصهيوني، حيث تتصل قيادتها بالسفارات الأجنبية، وذهب مُؤسِّسُها إلى فلسطين المحتلة، في ضيافة المُحْتَلِّين الصّهاينة، وتتلقى الحركةُ الدّعْمَ منهم ومن مؤسسات بعض الدول التي لها خلافات مع النظام الجزائري، مثل المغرب وفرنسا.

أهم تطورات طرح المسألة البربرية:

انطلق الصراع بين التيار العُروبي والتيار البربري قبل انطلاق الثورة، داخل حزب الشعب الجزائري، سنة 1949، بعد تقديم مؤسس الحزب، مصالي الحاج مذكرة إلى الأمم المتحدة (سنة 1948)، تتضمن تعريف هوية الشعب الجزائري بالعروبة والإسلام، ولم تتضمن الهوية البربرية، وتكررت مثل هذه الخلافات داخل جبهة التحرير الوطني، أثناء مقاومة الإستعمار، ثم تطور الخلاف بعد الإستقلال حَدَّ مطالبة حركة “ماك” باستقلال منطقة القبائل عن الجمهورية الجزائرية، وفي أواخر ستينيات القرن العشرين أسست فرنسا (بباريس) “الأكاديمية البربرية”، وأصبحت فرنسا معقَلاً للبربريين الفرنكفونيين الذين يُحاربون تعريب التعليم والحياة الثقافية، وتجاوز الدّعم الفرنسي حُدُود التّحفُّظ الدبلوماسي، بين سنتي 1980 و 1985، إثر تحركات احتجاجية، استغلّها أحيانًا بعض دُعاة العنصرية والإنفصال، بجامعة “تيزي وزو”، واعتقال العديد من مُنَظِّري الأمازيغية…

قبل انطلاق عشرية الإرهاب، أطلق أحد مقاومي جبهة التحرير الوطني سابقا، حركة رجعية مُسلّحة بمنطقة القبائل، وبعد سنة 1990، استغل دُعاة البربرية ضُعْفَ الدّولة، واهتمامها بجبهة الإرهاب، لتصعيد الموقف، وشن إضرابات من أجل تدريس اللغة البربرية (وهي إحدى اللغات البربرية) في مدارس منطقة القبائل، والإعتراف بالبربرية كإحدى مقومات الهوية الجزائرية، وهو ما تم إدراجه في الدّستور، سنة 1996.

لا يُشكّل بربر الجزائر مجموعة واحدة، ولا يتواجدون في منطقة واحدة، بل ينْتَمُون إلى عدّة مجموعات، ويسكنون مناطق مُتَباعدة جغرافيا في أنحاء الجزائر، إذ يقطن “الشناوة” في منطقة شرشال، غربي العاصمة، و”القبائل”،  في شرق العاصمة، والشاوية في منطقة الأوراس (جنوب شرق العاصمة) وبني مزاب في منطقة غرداية بالجنوب، والطوارق بأقصى الجنوب، على حدود مالي والنيجر، كما توجد مجموعة أخرى على حدود المغرب، قد تكون منحدرة من “الشّلوح” الذين يقطنون المغرب، ولكل مجموعة لُغتها، وخصوصيتها، وينفرد انفصاليو بربر منطقة “القبائل” بالعداء للغة والحضارة العربية وبالتبعية، لُغَةً وسياسةً لمؤسسات الإمبريالية الفرنسية…

تحالف الفرنكفونية والنزعة البربرية، وإعلان الحرب على اللغة والثقافة والحضارة العربية:

حاول العديد من المثقفين والشباب مغادرة الجزائر، أثناء عَشْرِيّة الإرهاب، وعمدت القُنصليات الفرنسية بالبلاد إلى فَرْز البربر لمنحهم عددًا كبيرًا من تأشيرات الدّخول إلى فرنسا، يفوق بكثير نسبتهم من طالبي التّأشيرة، ومن عدد سُكّان الجزائر، وحصلوا على تسهيلات للإقامة بشكل قانوني بفرنسا، كما اجتاحت الكنائس الإنجيلية الأمريكية مناطق عديدة من الجزائر، لتنصير المواطنين، وبالأخص في منطقة القبائل الكُبرى (ولاية تيزي وزو وولاية بجاية)، كما حصل آلاف الطلبة على تأشيرات ومنح في فرنسا وبريطانيا وأمريكا الشمالية…

شكّل هؤلاء المُهاجرون “الجُدُد” أحد الروافد الهامة للمنظمات الإنفصالية البربرية، وأهمها “ماك” (وهم متواجدون بفرنسا التي يحمل معظمهم جنسيتها) التي يتفق زُعماؤها مع الإمبريالية الفرنسية في العداء لكل ما يتصل بالعروبة، ومنها اللغة العربية (واللغة جُزْءٌ من الحضارة والتاريخ والهوية) التي أصبحت مُطارَدَة وشبه محظورة في فرنسا، واتفقت أحزاب اليمين واليسار البرلماني على مُطاردة اللغة العربية، في إطار اضطهاد أبناء وأحفاد المهاجرين من المُستعمرات العربية والإفريقية، الذين يقدّر عدد الناطقين منهم بالعربية بنحو ثلاثة ملايين شخص، واعتبر رُموز اليمين أن تعليم اللغة العربية في المدارس الرسمية (بدل استغلال تعليمها من قِبَلِ تيارات الدين السياسي) « مُحاولة لتعريب فرنسا »، واعتبرت نائبة برلمانية من حزب الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي « إن تدريس اللغة العربية يمكن أن يقوض اللحمة والتماسك الوطنيّيْن »، وأدى هذا العداء للغة العربية إلى إلغائها من معظم مؤسسات التعليم في فرنسا، ما أدى إلى انخفاض عدد مُتعلميها إلى أقل من 15 ألف في المرحلة الإعدادية والثانوية، في بداية العام الدراسي 2019، وفقًا لوزارة التربية الفرنسية، من إجمالي أكثر من 5,6 ملايين طالب، بينما يبلغ عدد مُتعلمي اللغة الصينية، خلال نفس السنة، حوالي 15,5 ألف مُتعلّم، بحسب بيانات نفس الوزارة، ويضطر حوالي خمسين ألف تلميذ (تعليم ابتدائي) لدراسة اللغة والحضارة العربية، خارج أوقات الدّراسة، بالشراكة مع حكومات الجزائر والمغرب وتونس، التي ترسل مُدرّسين (يقع اختيار معظمهم بالوساطة والرّشوة) وتُسدّد هذه الدّول رواتبهم، ويلجأ أولياء التلاميذ لهذا الشكل، بسبب رفض وزارة التعليم الفرنسية فتح فصول اللغة العربية، وبسبب الهجوم المنهجي والحط من قيمة تدريس اللغة العربية، من قبل الدولة الفرنسية وإعلامها، وكذلك من قِبَل بعض العُملاء أصيلي المُستعمَرات، منهم البربر المُرتبطون بتيارات اليمين المتطرف، كما بتيار الحزب « الإشتراكي » الفرنسي، وهو حزب استعماري.

امتزج الماضي الإستعماري بحاضر الهيمنة الإمبريالية، الإقتصادية والثقافية، بواسطة « الفرنكفونية »، إذ تعمل فرنسا على فَرْض اللغة الفرنسية في المغرب العربي وفي إفريقيا، وأطلق الرئيس الفرنسي « إيمانويل ماكرون » دعوة لمراقبة تعليم العربية، لكي لا تسيطر عليها الجمعيات الإسلامية وأئمة المساجد، وقدّرت مصادر حكومية أن هذه الجمعيات الدينية تستقبل نحو ستين ألف من الأطفال الذين يتعلمون اللغة العربية، بواسطة تعليم القرآن، بسبب اعتراض الدّولة على تعليمها في المدارس الرسمية…في مقابل العداء للغة والحضارة العربية، تعمل الدّولة الفرنسية على نشْرِ (بل فَرْض) « الفرنكفونية »، وهي مسألة تتجاوز اللغة الفرنسية، لتشمل الإستعمار الثقافي أو الهيمنة الثقافية، والقُرُوض المَشْرُوطة بدعم تعليم اللغة الفرنسية في مختلف مراحل التعليم، لأن اللغة جزء من الهوية ومن تكوين شخصية المُتَعَلِّم، ومَحْو اللغة والثقافة والحضارة العربية، في المغرب العربي ولبنان وبلدان أخرى، لم تستعمرها فرنسا مباشرةً، مثل مصر… كما تعمل على تشجيع النزعات الإنفصالية، وكل ما من شأنه إضعاف الدولة الوطنية للبلْدان الواقعة تحت الهيمنة (الجزائر بشكل خاص)، عبر تشجيع عوامل التّفتيت وانفصال بعض الأجزاء.

لم يعُد الدّفاع عن الفرنكفونية، وعن لُغة وثقافة المُسْتَعْمِر، مقصورًا على بعض الحاكمين العُملاء، من أمثال بورقيبة وسنغور، بل تعدّاهم إلى شخصيات كانت تحوز على تقدير واحترام كبيرَيْن، مثل الراحل “حُسين آيت احمد”، وإلى عُملاء صغار مثل مُؤسِّسِي وقادة الحركة البربرية الإنفصالية “ماك”، الذين لم يكتفوا بالعمالة لفرنسا، بل تجاوزوا ذلك ليصبحوا عُملاءَ صهاينة، باسم “الإنفتاح” و قِيَم “الحداثة”، فيما تستخدم الإمبريالية والصّهيونية هؤلاء العُملاء الصّغار، وكذلك بعض المنظمات “غير الحكومية”، لاختراق المجتمع وتأهيل برجوازية و”نُخبة” عميلة، بإمكانها إفشال مخططات التعريب بالجزائر، فرغم التّأكيد على اللغة العربية كلغة رسمية أو وطنية في الدستور الجزائري، ورغم قوانين التعريب المتتالية، بقيت العربية مُهْمَلَة، وبقيت اللغة الفرنسية سائدة، بعد ستة عُقُود من الإستقلال، بل تَمّ تجميد قانون تعميم اللغة العربية، ووقع إقرار البربرية كلغة وطنية، بنفس درجة العربية..

صراع ” الهوية “، بوابة للإستعمار؟

من الأجْداد المُقاومين إلى الأحفاد المُطبّعين:

تزامنَ تصعيد صراع الهوية، بين البربرية والعُرُوبة، مع  ظهور جيل من المُثَقّفين والفنانين الإنتهازيين، المُسَبِّحين بحَمْد الإستعمار، والمُطبِّعِين مع الكيان الصهيوني، خلافًا للموقف الرسمي الجزائري، الظّاهر، وكان بعض هؤلاء المُثقفين والفنانين محسُوبًا على اليسار، وشارك المخرج السينمائي « إلياس سالم » في مهرجان « أسدود » المحتلة، قبل انسحابه، بسبب الإنتقادات، وشارك المُخرج « مرزاق علواش »، عديد المرات، منذ سنة 1994، بأشرطته السينمائية الممولة من الدولة الجزائرية بنسبة 85%، في مهرجانات سينمائية ينظمها الإحتلال الصهيوني، بفلسطين المحتلة، ما أثار نقدًا حادًّا له، بعد مشاركة أشرطته للمرة الثالثة في مهرجان « حيفا » الصهيوني، لكنه ليس الوحيد، ممن يعتقدون أن التطبيع أقصر طريق للشُهرة الشخصية، فقد أصبح الكاتبان « بوعلام صنصال » و « كمال داوود » (الفرنكفونِيّيْن) مشهورَيْن بفرنسا، حيث لم يكلاَّ من كَيْل المدائح للإستعمار وللكيان الصهيوني ولبرنار هنري ليفي الذي مَكّنَهُما من الشُّهْرَة في باريس، كما في تل أبيب، ويبالغ هؤلاء في الدفاع عن اللغة والحضارة الفرنسية، وعن فرنسا الإستعمارية، بانتهازية، فهما، وغيرهما، ينتميان لما يُسمّى في المغرب العربي « حزب فرنسا »، أي الدفاع عن اللغة والثقافة والسياسات الفرنسية، كما يُدافعون عن التيارات الإنعزالية البربرية، وكان الروائي “رشيد بوجدرة” قد وَصَفَ في كتابه « مهربو التاريخ »، بعض الكُتاب والصحافيين والفنانين الجزائريين (بوعلام صنصال وياسمينة خضراء وكمال داود وسليم باشي، و كوثر عظيمي، والمخرجين السينمائيين أحمد راشدي ومحمود زموري…)، ب »الكتاب والمُثَقّفين التلفيقيين » الذين يُزيّفُون التاريخ الجزائري، لأنهم مُصابون بعُقْدَة المُستعمَر، وباحتقار الذّات، و »انبهار المنهزم بالمنتصر »، وتزامنت هذه الحملة التطبيعية مع نَشْر أبناء وأحفاد عُملاء وجلاّدي الإستعمار، العديد من الكُتب التي تُمجّدُ هؤلاء العُملاء، ومنهم وسيلة تامزالي (كان والدها عميلاً أعدمته الثورة) وفريال فيرون، التي عَذّبَ  جَدُّها « بوعزيز بن غانة »، الشهيد الشيوعي « المَكِّي شباح »، حتى الموت، بشكل بَشع، سنة 1936…

تركز الصحافة الفرنسية على مجموعة من الكتاب الفرنكفونيين الجزائريين الذين برعوا في الدفاع عن « محاسن » الإستعمار، وعن الحضارة و المدنية الفرنسية، وخصصت مجلة “لوبوان” اليمينية الفرنسية، في منتصف نيسان/ابريل 2019، عددا خاصا للكاتب كمال داود، ليطرح موقفه المعادي للعروبة وللثقافة العربية في الجزائر، واعتبارها استعمارا، بينما يعتبر الثقافة الفرنسية، ولُغتها التي لا تزال مسيطرة على الأجهزة الرسمية للدولة، إرثًا حضاريا، وليس استعمارا، وما كمال داوود سوى نموذج لمجموعة من العملاء الذين مكّنتهم فرنسا (القوة المُسْتَعْمِرَة) من البُرُوز ونَيْل الشُّهْرَة، ما داموا يُمَجّدُون الإستعمار والصهيونية، ويُعلنون العداء لكل ما هو عربي، وكتب « كمال داوود باللغة الفرنسية في صحيفة « يومية وهران » ( 17/12/2009): « نحن الجزائريون لسنا عربا، واللغة العربية التي استعمرتنا لُغة مَيِّتَة… »، ثم كتب، بعد خمس سنوات: « أنا أكتب بالفرنسية، ولا أكتب بالعربية، لأن هذه اللغة (أي العربية) مُفَخّخَة بالمُقَدَّس » ( الملحق الأدبي لصحيفة « لوفيغارو » اليمينية جدًّا 16/10/2014)، ولهذه الأسباب وغيرها، دافعت الأوساط الإستعمارية والصهيونية على هؤلاء الكُتاب ومنحتهم الجوائز…

بمناسبة الإنتفاضة الشعبية (سنة 2019/2020) التي أفْضتْ إلى تدخّل الجيش وإبعاد بوتفليقة وأقاربه عن السلطة، حاولت وسائل الإعلام الأجنبية، وخاصة الفرنسية، تقديم بعض الرموز الموالية لها كبدائل، فيما استغلت بعض القوى الإنفصالية المتصهينة (والفرنكفونية والمعادية لكل ما هو عربي) هذه الإنتفاضة لتُعزّز التقارب مع الصهاينة، لكن لا يَفُوت المتابعين للشّأن الجزائري، الحُضُور الدائم للراية الفلسطينية، وللشعارات الدّاعمة للشعب الفلسطيني، كما كان العلم الجزائري مرفوعًا في مُظاهرات الفلسطينيين في غزة، وبقيت الجزائر، رغم مظاهر التطبيع الرسمي أو غير الرسمي، ورغم تطور العلاقات مع الولايات المتحدة، من الدّول العربية التي لم تطرح بناء علاقات مع الكيان الصهيوني، ولذلك تُركّز الأوساط الصهيونية على الجزائر…

ورد في موقع إخباري صهيوني ( “جي. أس.أس نيوز” 20 أيلول/سبتمبر 2016 )، إقامة الكاتب والشاعر الجزائري كريم عكوش (أحد مُنَظِّرِي الإنفصاليين الأمازيغ)، رفقة وفد من الصحافيين والكُتاب الجزائريين، لمدة أسبوع كامل، في فلسطين المحتلة « للإطلاع على إنجازات أكبر دولة ديمقراطية في العالم »، بحسب الموقع الصهيوني، ومنذ انطلاق الإحتجاجات الشعبية في الثاني والعشرين من شهر شباط/فبراير 2019، اهتمت بها مراكز البحوث والدراسات الصهيونية، ونشر هذه المراكز عددًا من الدّراسات، التي تُحاول طَرْح كافة الإحتمالات، وتأثير كل منها على الكيان الصهيوني، وعلى علاقاته الرسمية وغير الرسمية، مع المُحيط، أي مع المغرب وموريتانيا وتونس، وبعض القوى والمليشيات في ليبيا، كما في بلدان إقريقيا، جنوب الصحراء الكُبرى، وتأثير الأحداث في الجزائر على الوضع في المشرق العربي، ومُحيط فلسطين المُحتلّة، واقترحت بعض المقالات في الصحف الصهيونية ضرورة اغتنام فرصة الإحتجاجات، لتكثيف الإتصالات، سواء في الجزائر، أو في دول إقامة المهاجرين الجزائريين (فرنسا بشكل خاص)، بهدف ربط أو تعزيز العلاقات مع مُمثلي ” الأقليات “، ومع بعض الشخصيات، التي قد تخدم الأهداف الصهيونية، بشكل مباشر أو غير مباشر.

شكّلت مُعارضة “التّعريب” قاعدة لتحالف دعاة الفرنكفونية والبَرْبَرِيّة، بمعنى ( Berberism ) أي التّعصّب ل”عِرْق” أو “أثنية” حقيقية أو مُفْتَرَضَة، والمشروع السياسي والثقافي الهادف إلى إلغاء العربية من هوية وثقافة شعب الجزائر، بعلاقة بما فعلته سلطات الإستعمار الفرنسي التي منعت تعليم العربية، واعتبرها القانون الفرنسي بالجزائر لُغَةً أجنبية، سنة 1936، كما سَلَفَ ذِكْرُهُ، فيما يعتبر بعض دُعاة البربريةِ (خصوصًا من خريجي المدرسة الإستعمارية الفرنسية)، العُروبةَ واللغةَ العربيةَ “دخيلة على الجزائر”، ما يُؤَدِّي إلى سَلْخ الجزائر عن مُحيطها المغاربي والعربي، وارتباط مصير البلاد وسكانها بأوروبا الإستعمارية، بعد التضحيات التي قدّمها الشعب الجزائري من أجل الإستقلال، بدعم من الشعوب المُجاورة بالمغرب وتونس، ومن مصر الناصرية.

يُجسّد قادة حزبَيْ “جبهة القوى الإشتراكية” و “التّجمّع من أجل الثقافة والديمقراطية” وبعض رُمُوز الدفاع عن “البربريزم” هذا التّحالف المتين بين دُعاة الفرنكفونية والبربرية، فهم لا يتحدّثُون ولا يكتبون بالبربرية، بل بالفرنسية الفصيحة، أما العربية فإنهم يُحاربونها، لُغةً وحضارةً وتاريخًا، ويُنْكِرُون الهوية العربية وانتماء الجزائر للأمّة العربية، ما قَرّبَ بعض الفرنكفونيين والبربريين، السياسيين والمُثَقّفين، من الصّهاينة، ليُعزِّزوا صُفُوفَ عملاء الإمبريالية والصّهيونية، ولمُكافأة هؤلاء العُملاء، أسست الدّولة الفرنسية، “الأكاديمية البربرية”، منذ سنة 1966، و”مجموعة الدّراسات البربرية” (1973) التي حاولت البحث (ولا زالت) عن إرث أدبي بربري، فلم تجد غير الأشعار والأساطير الشعبية المَرْوِيّة شفَوِيًّا، ولم تعثر على أثر ثقافي وأدَبي مكتوب، وما هذه المُؤسّسة البحثية الأكاديمية (بجامعة باريس) سوى مواصلة لجهود الكنيسة المسيحية ومجمل روافد الإستعمار الفرنسي لسَلْخ البربر كجزء من الشعب الجزائري، وتعزيز الطابور الخامس المُتَفَرْنِس، الذي تُقيم رُموزُهُ بفرنسا، التي تدعم حُكُوماتها المختلفة التيارات الإنفصالية والتي لها علاقات مُباشرة مع الكيان الصهيوني، مثل “المؤتمر العالمي الأمازيغي” الذي يضُمُّ انفصاليِّي الجزائر والمغرب، وتدعمه الإمبريالية الأمريكية والفرنسية والكيان الصهيوني، عَلَنًا، وحصلت العديد من المنظمات البربرية (وغير البربرية من الجزائر أو من بلدان عربية أخرى) على تمويلات مشبوهة من الولايات المتحدة وكندا وأستراليا واليابان والإتحاد الأوروبي وغيرها، بذريعة “نشر الديمقراطية والحَوْكَمَة الرشيدة والدفاع عن حُقُوق الإنسان، وما إلى ذلك، ودعمت المنظمات الأمريكية المشبوهة، الرّموز الرجعية الجزائرية، التي ساعدتها على اختراق حركة الإحتجاجات، منذ سنة 1980، وتحريف مسارها، وتحويل وجهتها نحو زعزعة الإستقرار الهش في البلاد الواسعة، والمُحاطَة ببلدان غير مُستقرة، حيث تعددت التدخلات العسكرية الأطلسية، في ليبيا وتشاد ومالي والنيجر، ولا تزال المنظمات الإرهابية تتربص بالبلاد، خاصة في الجنوب، حيث تَعْسُرُ مراقبة الحُدُود الموروثة عن الإستعمار الفرنسي…

انتقلت “حركة تقرير مصير منطقة القبائل” (ماك) التي تأسست في 2001، من الدعوة إلى الحكم الذاتيّ، داخل الدولة الجزائريّة إلى الدعوة للإستقلال، واعتبار الدّولة الجزائرية قوة استعمارية، تحتل منطقة القبائل، وأعلن مُؤسّسُها، من لندن، في الثالث من حزيران/يونيو 2021، شباب “القبائل” إلى إنشاء مليشيات مُسلّحة لمقاومة أجهزة أمن الدولة الجزائريّة.

يأتي هذا التصريح الخطير ضمن سياق أوروبي وفرنسي بالخصوص (حيث يُقيم فرحات مهنى، والمُنَظِّر البربري سالم شاكر ) مُعاد للعرب وللمُسلمين، وضمن إعاد انتشار القوى الإستعمارية بالوطن العربي وبإفريقيا، من القرن الإفريقي إلى غربي القارة، مرورًا بمنطقة الصحراء الكُبرى، جنوب الجزائر والمغرب العربي، وقد يكون الدّعم السياسي والمالي والإعلامي الفرنسي والصهيوني والمغربي، من بواعث هذا المُنعرج المُتطرّف، لإعاقة ظهور دولة قوية وغنية بالموارد في المغرب العربي، وبخاصة في الجزائر…

دور الإمبريالية ومنظماتها “غير الحكومية”

استغلّت المنظمات الأمريكية المشبوهة، الرسمية وشبه الرسمية، عَشْرية الإرهاب في الجزائر، ونجحت في إنشاء شبكة من المُثقّفين، وتولى ” الوقف القومي للديمقراطية ” تأهيل وتدريب العديد منهم، ومن بينهم سعيد سعدي، مؤسس حزب ” التّجَمّع من أجل الثقافة والديمقراطية “، وهو صديق الصهيوني ” برنار هنري ليفي “، وومنهم الهواري عدّي ومُصطفى بوشاشي وكريم تَبُّو وزبيدة عَسُّول، وحكيم عدّاد (مؤسس تجمّع العمل الشبابي، سنة 1992، وتموله الحكومة الأمريكية، بشكل غير مباشر، منذ 1997)، وغيرهم، ممن نَصّبتهم وسائل الإعلام الفرنسي والأمريكي زُعماء “الحراك الجزائري ” (2019/2020) ، وكان ” المنتدى الدّولي لبحوث الدراسات الديمقراطية ” الأمريكي (أحد فُروع ” الوقف القومي للديمقراطية “)، قد تكفّل بصَقْل مواهبهم في الخطابة والمُراوغة، وفي تَحْسين صورة الإخوان المسلمين (لقاء مصطفى بوشاشي مع علي بلحاج، أحد الزعماء الإسلاميين الأكثر تطرفا في الجزائر)، وتقديم التطبيع مع الكيان الصهيوني، وخيانة الوطن، بمثابة “وجهة نظر، يمكن مناقشتها وقبولها والتعايش معها “، وشارك معظم قادة المنظمات الجزائرية التي تحصل على تمويل أمريكي، في دَوْرَات تدريب وتأهيل، بداية من سنة 2005، في مؤسسات البحث والدراسات التابعة لشبكة “الوقف القومي للديمقراطية “، كما مَوّلت منظمة ” راند ” الأمريكية، وهي منظمة بحثية، في خدمة الحكومة الأمريكية والشركات الكُبرى، عددا من الدراسات والبحوث السياسية التي أعدّها باحثون جزائريون، لإثراء ملف الجزائر لدى الحكومة الأمريكية، وخاصة وزارة الحرب الأمريكية، واستفاد ” مصطفى بوشاشي ” (الذي نصبته فرنسا مدافعًا عن حقوق الإنسان في الجزائر) من تمويلات الوكالة الأمريكية للتعاون الدولي (حكومية أمريكية)، منذ سنة 2000، لإعداد ملفات عن الجزائر وفلسطين، كما فرضت فرنسا منذ سنوات بوتفليقة عددًا من الوزراء، وأشهرهم وزيرة التعليم المناهضة لتعليم اللغة العربية…

لعبت هذه المنظمات والرُّموز الجزائرية، التي تحصل على تمويل أوروبي وأمريكي وياباني، دورًا هامّا في نَشْر الولاء للقبيلة والأثنية والولاء لقوى أجنبية، قبل الولاء للوطن، وفي لعب دور “غسّالة ” جرائم الإسلام السياسي، ونَصّبتهم الإمبريالية ووسائل إعلامها ناطقين باسم الحركة الإحتجاجية بالجزائر، كما بالمغرب وتونس وليبيا ومصر وسوريا واليمن والأردن، وغيرها، حفاظًا على مصالح الشركات العابرة للقارات، وتمكين هذه الشركات من حصة إضافية في ثروة البلاد من المحروقات ومن المعادن غير المُستَغَلّة، ويُشكل بعض رُموزُ حقوق الإنسان (مصطفى بوشاشي) ومنظمات الشباب (  حكيم عدّاد) والتيارات الثقافية والأكاديمية والسياسية ” العلمانية ” ( الهواري عدّي، وسعيد سعدي) وغيرها، غطاءً وضَمانة لمن يُذَكِّرون بمسؤولية الإخوان المسلمين وفُرُوعهم في المجازر وفي الدّمار الذي حَل بالبلاد، خلال ” العشْرِية المُظْلِمة”.

خلاصة:

تجدر الإشارة إلى سيطرة مؤسسات البحث، والأكاديميين الفرنسيين والأجانب بشكل عام، على الدّراسات المتعلقة بالمسألة البربرية في الجزائر وفي المغرب العربي، بما في ذلك البحوث الألْسُنِيّة، لكن خرج موضوع دور اللغة البربرية بالجزائر، في الكثير من الأحيان، عن الإطار اللُّغَوي والثقافي، إلى طور إقصاء العربية والعُروبة، بهدف سَلْخ البلاد عن مُحيطها وتاريخها وثقافتها، وإنجاز ما عَجِز الإستعمار الفرنسي عن تحقيقه، خلال 132 سنة، ولا بدّ من تحميل النظام الجزائري مسؤولياته، لأنه لم يستخدم ريع المحروقات من أجل تطوير قطاعات الإقتصاد المُنتج، وتشغيل المُعَطّلين عن العمل، ومن أجل تحقيق الإستقلال الإقتصادي والسيادة الغذائية، وَوَسَّعَ بالتّالي جبهة الغاضبين ضدّهُ، وبقيت منطقة “القبائل”، كما مناطق ريفية أخرى عديدة، تفتقر إلى النشاط الإقتصادي وإلى البُنْيَة التّحتية، ما جعل العديد من أبناء البربر يهاجرون إلى العاصمة، أو إلى فرنسا، حيث تُقدّر مكاتب الإحصاء الفرنسية عدد البربر، من أصل جزائري، ممن تَفَرْنَسُوا أو ممن بقوا يحملون الجنسية الجزائرية فقط، بنحو نصف مليون مُهاجر في فرنسا.

يندرج طرح المسألة البربرية بهذه الحِدّة، ضمن مُخطط “الشرق الأوسط الكبير” (أو “الجديد”)، الذي يستهدف الوطن العربي، فالجزائر مُستهدَفَة، بعد تقسيم العراق وسوريا واليمن وليبيا والسودان، وسبق أن تجرَّأ وزير خارجية مَشْيَخَة “قَطَر” (النّاطق باسم ضُبّاط القواعد الأمريكية بالمَشْيَخَة) على تهديد وزير خارجية الجزائر، في اجتماع للجامعة العربية (العِبْرِيّة؟) بأن دَوْرَ الجزائر قادم، بعد سوريا وليبيا!

يتوزع بربر الجزائر على ثلاث مناطق: منطقة “القبائل”، شمال البلاد، ومنطقة “مزاب” وأهم مُدُنها “غرداية”، جنوب البلاد، ومنطقة الطوارق بأقصى الجنوب، وتنحصر المطالب الإنفصالية والأطروحات العنصرية، التي تُهدّد وحدة الوطن والشّعب، في بعض منظمات منطقة القبائل، وحاول الإستعمار الفرنسي إشعال الفتنة، داخل “حزب الشعب الجزائري” الذي تَعَرّضَ إلى القمع والإضطهاد الإستعماري، خاصة بعد المجازر التي تاستهدفت مُتظاهري الثامن من أيار/مايو 1945، من أجل الإستقلال، وبعد تزييف الإستعمار الفرنسي لانتخابات 1947، لأزمة عميقة سُمّيَت “الأزمة البربرية”، سنة 1949، وأُطلق عليها “الأزمة البربرية” وليس “الأزمة الأمازيغية”، رغم وجود العديد من القادة الوطنيين البربر في حزب الشعب، كما في الحزب الشيوعي وفي قيادة جبهة التحرير الوطني لاحقًا، ولم تكن تلك الأزمة الوحيدة، بل تعددت الأزمات، بين 1949 و 1962، أثناء فترة الكفاح من أجل الإستقلال، ويتلخّص الصراع داخل حزب الشعب الجزائري (راجع فقرة سابقة)، سنة 1949، بين مصالي الحاج رئيس الحزب ووطنيين شباب ينحذرون من منطقة القبائل من ضمنهم “رشيد علي يحي”، وفي جبهة التحرير الوطني كان الخلاف بين قادة من نفس منطقة القبائل، حيث يسكن البربر، وكان “كريم بلقاسم” و”عَبّان رمضان” والعقيد “عميروش” من منطقة القبائل، وندّدوا بالقادة (بعضهم من أقاربهم) الذين أظهروا نوايا وميولاً وممارسات انفصالية، قبل الإستقلال، من ضمنهم “حمودة” و”علي بناي” وغيرهم، لأنهم “قَدّموا قضايا تهم السّكّان البربر على قضية الوطن”، واعتبر معظم قادة جبهة التحرير الوطني آنذاك أن طرح “المسألة البربرية” قبل الإستقلال “مؤامرة استعمارية”، ولا يزال التّقدّميون الجزائريون يعتبرونها قضية مُفتعَلَة، ونُسب ل”كريم بلقاسم” (وُلِدَ سنة 1922  واغتيل سنة 1970 في فرنكفورت بألمانيا الغربية)، أحد قادة جبهة التحرير الوطني (من منطقة القبائل) قوله: “إن فكرة تمييز البربر، والتّأكيد على الهوية البربرية هي فكرة استعمارية بامتياز، يستغلُّها الإستعمار الفرنسي لتشتيت الشعب وتقسيم البلاد…”

تُعاني معظم مناطق سكن البربر الجزائريين من ضُعْف النّشاط الإقتصادي، ومن نقص برامج التنمية، ويمكن تلخيص مطالب أحزاب وجمعيات البربر الجزائريين في اتجاهَيْن، يُطالب أولهما بالإعتراف بالهوية البربرية كعنصر أساسي لتشكيل الوطنية الجزائرية، وثانيهما اتجاه عُنصري وانعزالي، يعتبر بقية السكان دُخَلاء لأنهم “أحفاد الغُزاة العرب”، وهو تيار تدعمه مُؤسسات الدولة الفرنسية التي استعمرت الجزائر لفترة 132 سنة، كما يدعم الكيان الصهيوني هذا التّيّار.

أنشأت الإمبريالية الفرنسية، بدعم أمريكي وصهيوني ” المؤتمر الأمازيغي العالمي”، الذي اعتمد رسميّا في الثلاثين من آب/أغسطس 1996، خلال مؤتمره الأول، بأرخبيل “كناري” (الخالدات)، العلم متعدد الألوان، الذي تتوسطه “شَوكة أكل”، كما يُسميها الجزائريون، وهو العلم الذي أنشأته فرنسا، في أوائل سبعينيات القرن العشرين، بعد تأميم الجزائر للمحروقات التي كانت تستغلها شركات فرنسية، وفَرَضَ مُنظِّمو المؤتمر هذا العلم، دون مناقشة، كما فرض “المؤتمر الأمازيغي العالمي” الاحتفال بـ “العلم الأمازيغي” في 30 أغسطس من كل عام.

نَصَّبَ المؤتمر الأمازيغي العالمي نفسه متحدثًا رسميًّاباسم بربر شمال إفريقيا، وهي منظمة “غير حكومية” تم إنشاؤها بباريس، حيث يقع مَقَرُّها، وهي مدعومة سياسيا وإعلاميا ومالِيًّا من قبل الإمبريالية والكيان الصهيوني لزعزعة استقرار منطقة المغرب العربي، وتنشُرُ وتُطَوِّرُ الأطروحات والمُمارسات الانفصالية والعنصرية التي روجتها الإمبريالية الفرنسية أثناء احتلال الجزائر، فلم تعد المطالب تقتصر على الحقوق اللغوية والثقافية، بل تعدّتها إلى “الاعتراف بالشعب الأمازيغي وحقوقه التاريخية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية واللغوية والثقافية”

تعتبر الباحثة الأمريكية “باتريسيا لورسين” في كتابها “القبايل والعرب والفرنسيين والهويات الإستعمارية” (2005) أن ثنائية المعارضة بين “العرب “وبربر القبائل” هي افتراء استعماري فرنسي يهدف إلى تقسيم الشعب المستعمر وكسر وحدته في وجه المحتل الأجنبي.

لم يُطرح نقاش مسألة وجود البربر ولُغَتَهُم وثقافتهم، بشكل علني بتونس، قبل انتفاضة 1010/2011، واقتصرت على التعبير الثقافي، خلافًا لمجموعات البربر في الجزائر والمغرب، حيث تطوّر المطلب الثقافي إلى مسألة هوية ومطالب سياسية، وتجاوزت المسألة الدوائر الثقافية الهامشية.

في ليبيا يتجمع البربر في جبل نفوسة في الشمال الغربي ومنطقة الطوارق في الجنوب والغرب، وهما أهم مجموعتيْن بربريتَيْن.

ساهمت مُجمل الأحداث السياسية بالمغرب العربي في إهمال قرارات مؤتمر “طنجة” (1958) وفي اندثار فكرة عبد الكريم الخطابي بخصوص توحيد المُقاومة ببلدان المغرب العربي ضد الإستعمار، وتوحيد هذه البلدان بعد الإستقلال، لتتمكّن من بناء دولة قوية وموحّدة، تُدافع عن ثرواتها وعن استقلال قرارها، ضد الأطماع الإستعمارية… 

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.