قراءة في كتاب: “”سيد اللعبة: هنري كيسنجر وفن دبلوماسية الشرق الأوسط”، لمؤلفه مارتن إنديك، مراجعة سعيد عريقات

في كتابه الجديد ، سيد اللعبة : هنري كيسنجر وفن دبلوماسية الشرق الأوسط، يضع مارتن إنديك، سفير أمريكا السابق لدى إسرائيل، وأحد أهم المدافعين عن إسرائيل في واشنطن، الذي قدم إليها من أستراليا ليعمل في أروقة اللوبيات الإسرائيلية القوية؛ يضع الكاتب وزير الخارجية الأميركي، الأسبق هنري كيسنجر في درجة مميزة كالدبلوماسي الأول في العصر الحديث؛ وفي مستوى الدبلوماسي أللألماني الأعرق في التاريخ، كليمنز فون ميتيرنخ، الذي حقق “قرنا من السلام الأوروبي” في القرن التاسع عشر.

وفيما يضع كتاب إنديك “سادة اللعبة” عن هنري كيسنجر، يضع الدبلوماسي الأميركي اليهودي المخضرم (كيسنجر) في هذا الموقع الخاص جدا – بمحاذاة ميتيرنخ- ، فليس هو أول من يقوم بذلك؛ كيسنجر ، وهو شخصية نرجسية بامتياز ، هو أفضل من وضع نفسه في هذا الموقع المتميز ، فقد كتب أكثر من 15 كتابا مثيرا عن نفسه، تسويقا لنفسه، خاصة أكثر من 3000 صفحة من مذكراته ، والتي نشرت في ثلاثة مجلدات.

منذ البداية، يرسم إنديك بوضوح صورة هنري كيسنجر كشخص لديه تفان تبشيري في تلبية حاجات ورغبات إسرائيل. لكن مثل الأب المفرط في تدليل طفله، يجد نفسه من وقت لآخر مضطرًا إلى اتخاذ موقف أكثر صرامة مع طفله المدلل ، ولكن سرعان ما سيعود ليصبح أبا مفسدا مطيعا. لا مفاجأة بذلك، فلقد فعل إنديك بنفسه الشيء ذاته مع إسرائيل طوال حياته المهنية.

إنديك يضع أقوى حجة (لبطولة) كيسنجر، في إنجازاته الدبلوماسية في الشرق الأوسط ، والتي تم تأريخها بتفاصيل رائعة يومًا بيوم عبر كتاب إنديك “سيد اللعبة” ، كونه “وكيل السياسة الخارجية للرئيس ريتشارد نيكسون” وفق إنديك، الذي حول سلسلة من المآسي والمشاكل، إلى فرص لإعادة تشكيل المنطقة، بعد أن كاد الهجوم المصري السوري على إسرائيل أن يدمرها في حرب رمضان عام 1973، (وفق إنديك) “تمكن كيسنجر من إعادة الإمداد الطارئ للقوات العسكرية الإسرائيلية من قبل الولايات المتحدة، وعندما قلب الجيش الإسرائيلي التيار ودخل الأراضي المصرية والسورية ، غاص كيسنجر في دوامة من أجل التفاوض على إنهاء الصراع”.

يصف إنديك كيف أمضى كيسنجر الجزء الأكبر من ثلاث سنوات في اجتماعات ماراثونية مع قادة إسرائيليين ومصريين وسوريين ، والتي غالبًا ما تحولت إلى نقاشات ساخنة وجلسات مساومة ممتدة. واكتسب كيسنجر زمام الأمور في التفاصيل الدقيقة حول الحدود والمستوطنات ، “حيث هدد نظراءه وكسب ثقتهم في نفس الوقت”، وكيف فعل كيسنجر كل ذلك أثناء تنقله بين القاهرة ودمشق وتل أبيب ، وإدارة مجموعة من أزمات السياسة الخارجية الإضافية في نفس الوقت في فيتنام وتشيلي وجنوب إفريقيا وغيرها من النقاط الساخنة في الحرب الباردة.، “فيما كان مسؤوله، الرئيس ريتشارد نيكسون متقلبًا ومدمرًا للذات ويغرق في ألاكتئاب خلال تحقيقات فضيحة ووترغيت، وفيما لم يكن هناك لدى خليفة نيكسون ، الرئيس جيرالد فورد ، سوى القليل من المعرفة والخبرة في المنطقة، مما وضع كيسنجر في موقع صياغة السياسة الخارجية الأميركية بشكل حصري، ويشرحها للرئيس (فورد) لاحقًا”.

يقول إنديك “على الرغم من كل التحديات ، أقام كيسنجر نظامًا سياسيًا جديدًا في الشرق الأوسط. كانت أعمدة صرحه هي الأطراف المتحاربة الرئيسية في حرب عام 1973 – إسرائيل ومصر وسوريا – الذين تملقهم كيسنجر في مجموعة من اتفاقات فك ألارتباط بين جيوشهم القتالية القوية وأقامت حدودًا مستقرة؛ لم يتفاوض كيسنجر على اتفاق سلام شامل ، ولكن بدلاً من ذلك مجموعة من التفاهمات التي سمحت لقادة كل دولة بالشعور بالأمان من الهجمات المستقبلية. أزالت وساطة كيسنجر الاتحاد السوفييتي من موقعه النافذ ، أو الأكثر نفوذا في المنطقة ، وجعل الولايات المتحدة مصدرًا مسرفًا للمساعدات العسكرية والاقتصادية لكل من إسرائيل ومصر ، اللتان تواصلان الاعتماد على الهبات الأميركية في يومنا هذا”.

يرصد مارتن إنديك العديد من التحولات والانعطافات في دبلوماسية كيسنجر المذهلة ، وهو يشعر بالرهبة من الرجل. يعلق كثيرًا على مخزون كيسنجر اللامتناهي من الطاقة ، ومثابرته العنيدة ، وقدرته الخارقة على سحر الأشخاص الأقوياء، وكيف جمع وزير الخارجية الأميركي (كيسنجر) بين الاستخبارات والدهاء ، لم يستطع أن يفعله أحدا من قبل أو منذ ذلك الحين.

عندما يحلل إنديك العقبات التي تغلب عليها كيسنجر ، فإنه يتحدث من معرفة قوية بالموضوع، فقد لحق إنديك بعد عقود من مغادرة كيسنجر وزارة الخارجية ، بركب العمل بالخارجية الأميركية والعمل مع قضايا مماثلة مثل سفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل ، وانخراطه من هذا الموقع في مفاوضات كامب ديفيد بين الفلسطينيين وإسرائيل في عام 2000 ، والمبعوث الرئاسي الخاص لمفاوضات السلام لمدة 9 أشهر عامي 2013-2014 ، والحق يقال أن إنديك في كتابه ، يعتمد على خبراته بالإضافة إلى أبحاث مكثفة في الأرشيفات الأميركية والإسرائيلية. إنديك يحاول في كتابه تجسيد الكثافة الفريدة من نوعها للدبلوماسية في هذه المنطقة ، “حيث يتم التعامل مع كل إيماءة بريبة ، وكل تنازل هو مسألة حياة أو موت” والتي مكنت كيسنجر هذه الفرصة التي لا ترحم إلى منصة اكتساب السلطة والشهرة.

إنديك في كتابه يوضح أن كيسنجر كان لديه ثلاثة أهداف: إنهاء الحروب ، وإزالة السوفييت ، وحماية إسرائيل ، وكيف أن كيسنجر “حقق الأولين ، لكن الثالث لا يزال إشكاليًا”. يوضح المؤلف أنه على الرغم من أن كيسنجر اختلف في كثير من الأحيان مع القادة الإسرائيليين ، “إلا أنه شاركهم رغبتهم في حماية الدولة اليهودية من الجيران المعادين لها. في المقابل ، لم يكن لديه ارتباط مماثل بالمجتمعات العربية والإسلامية، كانت الخلفية اليهودية لكيسنجر ومعاناة عائلته أثناء الهولوكوست مهمة للغاية ، وكثيراً ما أشار إلى هذه الموضوعات. عندما قدمت إسرائيل تنازلات إقليمية محدودة جدا لمصر وسوريا ، عوض (كيسنجر) إسرائيل بالأسلحة والتكنولوجيا الأميركية التي أعطتها الغلبة والتفوق على العرب؛ ولم يكن ذلك خطأ، كان جزءًا من إستراتيجيته”.

مرارًا وتكرارًا ، يظهر كيسنجر (عبر الكتاب) من خلال محادثته ألدبلوماسيته المكوكية الشهيرة على تعامله مع إسرائيل على أنها نجمة العرض، والمحاورين العرب (في مصر وسوريا) على أنهم ليسوا أكثر من دعائم مسرحية. كما يبين إنديك كيف حاول كيسنجر “إسكات المزاعم الفلسطينية ضد إسرائيل، ورفض التفاوض مع منظمة التحرير الفلسطينية ، حتى عندما كان القادة الإسرائيليون يفكرون في بدء محادثات شبيهة مع المنظمة، كما امتنع عن المفاوضات مع الأردن التي ربما كانت تحمي المصالح الفلسطينية” وهو ما ينتقده إنديك.

يدعي إنديك في كتابه أن القادة العرب الذين تم تمكينهم لكيسنجر ، “أنور السادات في مصر وحافظ الأسد في سوريا” ، أظهروا القليل من الاهتمام بالفلسطينيين ، وكان كيسنجر يعلم ذلك، كما عززت دبلوماسيته إسرائيل على حساب الملايين من غير اليهود الذين يعيشون داخل الدولة (إسرائيل 48) والأراضي الفلسطينية المحتلة.

ويشير إنديك إلى كيف نمت أهمية اللوبي اليهودي الأميركي خلال فترة كيسنجر، حيث يشير إنديك إلى الضغوط التي فرضتها المنظمات اليهودية على كيسنجر ، غالبًا من خلال الكونجرس. وكان السناتور جاكوب جافيتس من نيويورك وهنري “سكوب” جاكسون من واشنطن اثنين من كثيرين ممن هددوا بمنع التشريعات وقطع الأموال إذا لم يقدم كيسنجر المزيد لإسرائيل وكانت تجمع كيسنجر مع رئيس وزراء إسرائيل آنذاك يتسحاق رابين علاقات قوية بشكل خاص، كما احتفظ رابين بعلاقات خاصة وقوية مع العديد من أعضاء الكونجرس ، وقد اعتمد عليهم لعرقلة دعوات كيسنجر لتقديم تنازلات. “وفيما لم تملي المنظمات اليهودية الأميركية سياسة الولايات المتحدة ، لكنها وضعت حدودًا ثابتة”.

وبالمناسبة ليس هناك أي ذكر في كتاب إنديك لأي من المنظمات ألأميركية العربية، أو استخدامه كمصدر لمادة الكتاب.

كيف أفادت دبلوماسية كيسنجر الولايات المتحدة؟ إنديك لا يعالج هذا السؤال مباشرة. جعل كيسنجر الولايات المتحدة اللاعب الأجنبي المهيمن في المنطقة ، وكان ذلك انتصارًا في الحرب الباردة على منافسه الاتحاد السوفيتي. لكن هل ساعد هذا المصالح الأمريكية على المدى الطويل؟ بينما أرسلت واشنطن مليارات الدولارات إلى إسرائيل ومصر ، حولت العديد من الجماعات في المنطقة غضبها ضد الولايات المتحدة. عندما قمع الديكتاتور في القاهرة المعارضين ورعت الحكومة في تل أبيب مستوطنات يهودية جديدة ، أصبحت واشنطن هدفاً للساخطين. لم تمنح المساعدة الأمريكية الولايات المتحدة الكثير من النفوذ لأن كل من إسرائيل ومصر تدعي الآن أنها حق ، مع وجود مؤيدين أقوياء في الكونجرس. يصف إنديك مدى صعوبة تهديد الرؤساء بأي تخفيضات في مساعدة هؤلاء الحلفاء. اشترت الولايات المتحدة لنفسها معالين مرهقين والعديد من الخصوم المعادين.

لا شك أن دبلوماسية كيسنجر تبدو أكثر نجاحًا من الناحية الشخصية وليس السياسة الأميركية. كما فعل طوال حياته المهنية غير العادية ، عزز كيسنجر شبكة من العلاقات بين القادة الأقوياء التي جلبت الاستتباب، بالقمع غالبا، إلى المشهد المضطرب في المنطقة، كما وجد وسيلة لسحب خيوطهم، كما في مسرح العرائس. ومع ذلك ، فإن تلاعباته لم تغير المجتمعات التي ظلت في حالة نزاع ، غالبًا لأن القادة أنفسهم الذين وقعوا الاتفاقيات ما زالوا يستخدمون الخطاب العدائية ضد شعوبهم ، وفعل كل ما هو ممكن لإبقاء أنفسهم في السلطة، كما استمرت الحروب بوسائل أخرى.

يشير إنديك إلى أن دبلوماسية كيسنجر ركزت بقلق شديد على الرجال القلائل في القمة لدرجة أن أولئك الذين عاشوا تحتهم تم إهمالهم واستفزازهم في كثير من الأحيان.

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.