«اقرأوا كارل ماركس: لقاء مع إيمانويل والرشتاين»، ترجمة إبراهيم يونس

على مر ثلاثة عقود مضت، انفردت السياسات والأيديولوجيا النيوليبرالية بالمسرح العالمي. وبالرغم من ذلك، حثَّت الأزمة الاقتصادية لعام 2008 وعدم المساواة العميقة التي وجدت في مجتمعنا، خاصة بين الشمال والجنوب العالميين، والتغيرات الدراماتيكية البيئية المعاصرة، العديد من المفكرين والمحللين الاقتصاديين والسياسيين إلى إعادة فتح النقاش عن مستقبل الرأسمالية والحاجة إلى بديل. وفي هذا السياق، تقريباً في جميع أنحاء العالم، في مناسبة الاحتفالية المئوية الثانية بمولد كارل ماركس، فإن هناك “عودة ماركس”؛ عودة إلى مؤلف رُبِط خطئاً بالدوغمائية الماركسية اللينينية، ومن ثم وضع على الرف بسرعة بعد سقوط جدار برلين.

إن العودة إلى ماركس ليست فقط ضرورية لفهم منطق وديناميكيات الرأسمالية، فعمله يعد أيضاً أداة توفر لنا فحص صارم يعالج التجارب الاجتماعية الاقتصادية السابقة التي فشلت في إحلال نمطاً إنتاجياً آخر محل الرأسمالية. إن تفسير هذه الإخفاقات لبالغ الأهمية لبحثنا المعاصر عن البدائل.

مارشيللوموستو : أستاذ والرشتاين، تستمر المنشورات والنقاشات والمؤتمرات حول العالم، بعد ثلاثين عاماً من إنتهاء ما سُمّي “الاشتراكية القائمة بالفعل”، عن القدرة المستمرة لكارل ماركس على تفسير الحاضر. هل يُعد ذلك مفاجئاً ؟ أم تعتقد أن أفكار ماركس ستستمر أهميتها بالنسبة إلى أولئك الباحثين عن بديل للرأسمالية ؟

إيمانويل والرشتاين : هناك قصة قديمة عن ماركس؛ تُلقيه من الباب الأمامي، فيتسلل إليك من النافذة الخلفية. هذا ما حدث مجدداً. إن ماركس راهنٌ لأنه علينا أن نتعامل مع مسائل ما يزال لديه الكثير ليقوله عنها، ولأن ما يقوله عن الرأسمالية يختلف عما يقوله معظم المؤلفين الآخرين. إن العديد من الكتاب والمفكرين، وليس أنا فقط، يجدون أن ماركس مفيدٌ بشكل كبير، وأنه الآن في واحدة من حقبه الشعبية الجديدة، بصرف النظر عما جرى توقعه عام 1989.

مارشيللوموستو :  أدى سقوط جدار برلين إلى تحرير ماركس من أيديولوجيا ذات علاقة ضعيفة بمفهومه عن المجتمع، فقد ساعدت الأرضية السياسية التي تلت الانفجار الداخلي في الاتحاد السوفياتي في تحرير ماركس من دورٍ “صوريّ” في جهاز الدولة. فماذا عن تفسير ماركس للعالم الذي يستمر في جذب الانتباه ؟

إيمانويل والرشتاين : أعتقد أنه عندما يفكر الناس في تفسير ماركس للعالم في مفهوم معين، فهم يفكرون في “الصراع الطبقي”. عندما أقرأ ماركس في ضوء الأحداث الراهنة، فإن الصراع الطبقي بالنسبة لي يعني النضال لما أسميه “اليسار العالمي” – والذي أعتقد أنه يسعى إلى تمثيل 80% من سكان العالم وفقاً للدخل – ضد “اليمين العالمي” الذي يمثل تقريباً 1% من السكان. يدور الصراع حول الـ 19% المتبقية، إنه عن كيفية جذبهم إلى الانضمام لجانبك بدلاً من الجانب الآخر.نحن نعيش في عصر الأزمات البنيوية للنظام العالمي، ولن يستطيع النظام الرأسمالي القائم أن ينجو، لكن لا أحد يستطيع أن يعرف بالتأكيد ما الذي سيحل محله. أنا مقتنعٌ بأن هناك إمكانيتان؛ أولاهما ما أطلق عليه “روح دافوس”، المنتدى الاقتصادي العالمي الذي يهدف لإقامة نظام يحافظ على أسوء سمات الرأسمالية؛ الهرمية الاجتماعية والاستغلال، وفوق كل ذلك استقطاب الثروة. يجب أن يكون البديل نظاماً أكثر ديمقراطية ومساواة. إن الصراع الطبقي هو المحاولة الأساسية للتأثير على مستقبل ما سيحل محل الرأسمالية.

مارشيللوموستو : إن إشارتك عن الطبقة الوسطى تذكرني بفكرة أنطونيو جرامشي عن الهيمنة، لكني أعتقد أن الموضوع أيضاً عن فهم كيفية تحفيز جماهير الناس، الـ 80% الذين ذكرتهم، ليشاركوا في السياسة. هذا تحديداً مُلِح في ما يسمى الجنوب العالمي، حيث يتركز معظم سكان العالم، وحيث أصبحت الحركات التقدمية، في العقود الماضية، وبصرف النظر عن الزيادة الدراماتيكية لللامساواة الناتجة عن الرأسمالية، أكثر ضعفاً عما كانت عليه مسبقاً. ونحن نشهد، بالمثل، وبشكل متزايد، تصاعد هذه الظاهرة في أوروبا.السؤال هو : هل يساعدنا ماركس في فهم هذا السيناريو الجديد ؟ فالدراسات المنشورة حديثاً عرضت تفسيرات جديدة لماركس قد تساهم في فتح “نوافذ خلفية” في المستقبل وفق تعبيرك. إنها تكشف عن مؤلف أمدَّ فحصه لتناقضات المجتمع الرأسمالي إلى مجالات أخرى فيما هو أبعد من الصراع بين رأس المال والعمل. في الحقيقة، كرَّس ماركس الكثير من وقته لدراسة المجتمعات غير الأوروبية ودور الاستعمار المدمر في أطراف الرأسمالية. في الأساس، وعلى العكس من التفسيرات التي تعادل مفهوم ماركس عن الاشتراكية بتطوير القوى المنتجة، فقد ظهر الاهتمام بالبيئة بشكل بارز في أعماله.وأخيراً، كان ماركس مهتماً بشكل واسع بمواضيع أخرى مختلفة، عادة ما يتجاهلها المفكرون عندما يتحدثون عنه، ومن بينها إمكانات التكنولوجيا، ونقد القومية، والبحث عن أشكال لملكية جماعية لا تتحكم فيها الدولة والحاجة إلى الحرية الفردية؛ كل القضايا الأساسية لعصرنا. لكن بجانب هذه الوجوه الجديدة لماركس، التي تجدد الاهتمام بفكره، وتعد ظاهرة تبدو متجهة للاستمرار في السنوات القادمة، هل يمكنك الإشارة إلى ثلاثة أفكار معروفة لماركس تعتقد أنها تستحق أن يُعاد النظر فيها اليوم ؟

إيمانويل والرشتاين : أولاً وقبل أي شيء، فسَّر لنا ماركس، أفضل من أي شخص آخر، أن الرأسمالية ليست الطريقة الطبيعية لتنظيم المجتمع. ففي كتابه “بؤس الفلسفة” الذي نشر وهو ما يزال في التاسعة والعشرين من عمره، سَخَر بالفعل من الاقتصاديين السياسيين الذين جادلوا بأن العلاقات الرأسمالية “قوانين طبيعية مستقلة عن تأثير الزمن”، وكتب ماركس أن بالنسبة إليهم “نعرف أن ثمَّة “تاريخ” حين نجد في مؤسسات الاقطاع علاقات إنتاج مختلفة تماماً عن تلك لدى المجتمع البرجوازي” لكنهم لم يطبقوا التاريخ على نمط الانتاج الذي أيدوه؛ لقد قدموا الرأسمالية على أنها “طبيعية وأبدية”. حاولت في كتابي “الرأسمالية التاريخية” توضيح أن الرأسمالية هي ما حدث تاريخياً، على النقيض من الأفكار الخاطئة وغير الواضحة التي يعتنقها عدة اقتصاديين سياسيين من التيار السائد. وجادلت عدة مرات بأنه لا توجد رأسمالية ليست تاريخية، إن الأمر بهذه البساطة بالنسبة لي، ونحن ندين بهذا الصدد بالكثير لماركس.ثانياً، أريد أن أشدد على أهمية مفهوم “التراكم البدائي” الذي يعني نزع ملكية الفلاحين عن أراضيهم، والذي يعد أساس الرأسمالية. فهم ماركس جيداً أن ذلك كان بمثابة العملية الرئيسية في تشكل هيمنة البرجوازية، لقد وجدت في بداية الرأسمالية ومازالت موجودة حتى الآن.وأخيراً، أود أن أدعو إلى مزيد من التفكير في موضوع “الملكية الخاصة والشيوعية”، ففي النظام الذي تأسس في الاتحاد السوفياتي – خاصة تحت قيادة ستالين – كانت الملكية في يد الدولة، ولا يعني ذلك أن الناس لم يكونوا مستغَلين ومقموعين، لقد كانوا كذلك. إن الحديث عن اشتراكية في بلد واحد، كما فعل ستالين، كانت أيضاً شيئاً لم يدخل قط عقل أي أحد، بما فيهم ماركس قبل ذلك. تعد الملكية العامة لأدوات الإنتاج إحدى الخيارات، لكن علينا أن نعرف، إذا كنا ننوي إقامة مجتمع أفضل، من الذي ينتج ومن الذي يستقبل فائض القيمة. ومقارنة بالرأسمالية، علينا إعادة تنظيم ذلك بشكل كامل كبديل للرأسمالية، وهذه بالنسبة لي المسألة الرئيسية.

مارشيللوموستو : يوافق العام 2018 الذكري المئوية الثانية لمولد ماركس، وقد أنتجت كتب وأفلام جديدة عن حياته. هل هناك فترة ما في حياته تجدها أكثر جذباً للاهتمام ؟

إيمانويل والرشتاين : كانت حياة ماركس شاقة للغاية، فلقد عانى من الفقر الشديد، وكان محظوظاً بوجود رفيق مثل فريدريك إنجلز الذي ساعده على المعاش، ولم يكن لديه حياة عاطفية سهلة أيضاً. فإصراره على محاولة القيام بما اعتقد أنه عمل حياته، أي فهم كيفية عمل الرأسمالية، كان مثيراً للإعجاب حقاً. هذا ما رأى نفسه يفعله، فلم يسعى ماركس إلى تفسير العصور القديمة أو تعريف كيف ستكون الاشتراكية في المستقبل، فلم تكن هذه المهام التي وضعها على عاتقه، لقد أراد أن يفهم العالم الرأسمالي الذي عاش فيه.

مارشيللوموستو : لم يكن ماركس، على مدى حياته، مجرد مفكر معزول بين كتب المتحف البريطاني بلندن، بل كان دائماً مناضلاً ثورياً مشتبكاً مع نضالات عصره. وبسبب نشاطه نُفيَّ في شبابه من فرنسا وبلجيكا وألمانيا، وفرض عليه العيش في منفاه في إنجلترا عندما هزمت ثورات عام 1848. لقد دعم صحف ومطبوعات، ودائماً ما دعم الحركات العمالية بكل ما استطاع. ولاحقاً بين عامي 1864 و1872 أصبح زعيم “رابطة الشغيلة العالمية” (الأممية الأولى) التي تعد أول منظمة عابرة للحدود للطبقة العاملة، ودافع عام 1871 عن كوميونة باريس التي تعد أول تجربة اشتراكية في التاريخ.

إيمانويل والرشتاين : نعم هذا صحيح. إنه لمن الجوهري ذكر نضالات ماركس. وكما نوّهت أنت في كتابك “أيها العمال اتحدوا” (!Workers Unite)، كان لماركس دوراً استثنائياً في الأممية، وهي تنظيم شكّله أناس كانوا بعيدين عن بعضهم جغرافياً في وقت لم يشهد أي وسائل تواصل سهلة. وتضمن النشاط السياسي لماركس الصحافة أيضاً، حيث استمر فيها طوال حياته كوسيلة للتواصل مع عدد أكبر من الجمهور. عمل صحفياً ليحصل على دخل، لكنه رأى مساهماته بمثابة نشاط سياسي. لم يكن حيادياً بأي شكل من الأشكال، وكان صحفياً ملتزماً.

مارشيللوموستو : في الاحتفالية المئوية للثورة الروسية عام 2017، عاد بعض المفكرين إلى التفريق بين ماركس وبعض من أتباعه الذين كانوا في السلطة إبّان القرن العشرين. ما الفرق الرئيسي بين ماركس وبينهم ؟

إيمانويل والرشتاين : إن كتابات ماركس أكثر دقة وتنوعاً من التفسيرات التبسيطية لأفكاره. إنه لمن الجيد دائماً أن نتذكر المزحة الشهيرة التي قال فيها ماركس “إذا كانت هذه هي الماركسية، فما هو مؤكد أنني لست ماركسياً”. كان ماركس مستعداً دائماً للتعامل مع واقع العالم على عكس الكثيرين الذين يفرضون آرائهم بشكل دوغمائي، فعادةً ما غيَّر آرائه. كان يبحث باستمرار عن حلول للمشكلات التي رأى أن العالم يواجهها، ذلك سبب بقائه للآن مُساعداً جداً ودليلٌ مفيد.

مارشيللوموستو : في النهاية، ماذا لديك لتقوله للأجيال الصغيرة التي مازالت لم تكتشف ماركس ؟

إيمانويل والرشتاين : أول شئ أود قوله للشباب هو أنه عليهم أن يقرأوه هو، لا تقرأوا عنه، لكن اقرأوا ماركس. قليل من الناس – بالمقارنة مع الكثيرين الذين يتحدثون عنه – قرأوا بالفعل ماركس. وهذا صحيح أيضاً في حالة آدم سميث. عامةً، يقرأ المرء فقط عن هذه الكلاسيكيات، فالناس يعرفونهم من خلال ملخصات الآخرين، إنهم يريدون بهذا أن يوفروا الوقت، لكن ذلك في الحقيقة مضيعة الوقت. على المرء أن يقرأ لكُتّاب مثيرين للاهتمام، وماركس هو أكثرهم إثارةً للاهتمام في القرنين التاسع عشر والعشرين، وليس هناك أي شك في ذلك. فلا أحد يساويه فيما يخص عدد الأشياء التي كتب عنها، ولا في جودة تحليلاته. إذن، فرسالتي للأجيال الجديدة أن ماركس فعلاً يستحق أن يُكتشف، لكنه يجب أن يُقرأ، اقرأوه. اقرأوا كارل ماركس.

::::::

 ملاحظات:

*إيمانويل والرشتاين (1930-2019) هو أحد أعظم علماء الاجتماع، ويُعد أحد أهم منظّري نظرية النظم العالمية بجانب سمير أمين وأندريه جوندر فرانك وجيوفاني أريجي، ألَّف أكثر من ثلاثين كتاباً ترجم معظمها إلى العديد من اللغات، وأبرز تلك الكتب “النظام العالمي المعاصر” (Modern World System) الذي يؤرِّخ فيه ويُشرِّح نشأة الرأسمالية منذ القرن السادس عشر وحتى مطلع القرن العشرين، ويقع هذا الكتاب في أربعة مجلدات نشرت بين عامي 1974 – 2011.

*مارشيللوموستو هو أستاذ علم الاجتماع بجامعة يورك في تورونتو بكندا، وله العديد من المؤلفات التي يركز فيها على إسهامات ماركس وسيرته الذاتية ونضالاته.

* لا يقصد – هنا – بـ “الماركسية اللينينية” أفكار لينين، بل الأيديولوجيا التي تبنتها الدولة السوڤيتية منذ منتصف ثلاثينيات القرن الماضي وما طرأ عليها كأيديولوجيا رسمية للدولة بعد تسميم خروتشوف وأعضاء المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفيتي لستالين والانقلاب عليه الذي حقق مبتغاه في بداية الستينيات.

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.