قراءة في كتاب “وجدت أجوبتي”، حازم جمجوم، ترجمها عن الإنكليزية: نصير عبدالله

نشرت هذه المراجعة في مجلة Liberated Texts  البريطانية

«باسل لم يقل لنا كونوا مقاومين، ولم يقل لنا كونوا ثواراً، باسل كان يقول لنا كونوا صادقين، وكفى. وإن كنتم صادقين ستكونون ثواراً ومقاومين». من كلمة خالد عودة الله في ثالث أيام العزاء في قرية الولجة، 8 آذار 2017.
لم تمر إلا بضعة أسابيع منذ بدأت منصبي الجديد في منظمة حقوق لاجئين في بيت لحم، يوم أتاني زميلٌ صديقٌ لي نهاية الدوام وقال لي: «أحد أقربائي مهتم بالسياسة مثلك، ولازم تلتقي معاه… تعال معي، قلت له أنك آتٍ معي»، فركبت سيارته وأخذ الطريق الصاعدة عبر بيت جالا والقاعدة العسكرية ونقطة التفتيش الإسرائيلية وإلى قرية الولجة، ودخل بنا إلى ما بدى لي كمنزلٍ سكنيٍّ ليتبيّن لي أنّ المبنى حوِّل إلى مركزٍ شبابيٍّ، فدخلنا غرفة الاستقبال وسطها مكتبٌ يقف خلفه رجلٌ عشرينيٌّ نحيلٌ يرتدي نظاراتٍ إطارها سميك، اسمه باسل الأعرج.

إنْ كان من الشائع أن تغلب المجاملات على لقاءات التعارف، فهذا اللقاء لم يكن بحاجةٍ لأيّ منها، وأنا وباسل أدركنا ذلك، بل وفضلناه، دون أنْ أعيَ السبب، فخلال دقائق معدودة أخذني في جولةٍ عبر الخرائط والوثائق التي جهّزها لزيارتي، ويا لهُ من قاصٍّ، قاصٌّ وإنْ كان سلطاناً على لسانه، كانت اللغة له أقربُ إلى اللعنة – فيضٌ من المعرفة والقصص ليشاركها، لكن لا متّسع للحديث عنها جميعاً في لحظةٍ واحدة. ولكنه خلال ما لم يتجاوز اللحظة الواحدة، أو لعلّ انغماري في سردهِ ـــــ المفصّل بالوثائق ــــ لم يشعرني بمرور الوقت، بيّن لي باسل أنّ الولجة نموذجٌ مصغّرٌ للكفاح الفلسطيني ككل.
قبيل النكبة سكنَ الولجة حوالي ألفي فلسطينيّ يعيشون على 20 ألف فدّان من الأراضي الخصبة بعدّة ينابيع للمياه العذبة على تلالِ طرفَي الوادي، والقرية نفسها تقع على قمّة التلّ الغربي للوادي ـــــ وادي العمالقة في العهد القديم ـــــ حيث يمرّ خطّ سكة حديد يافا – القدس في تسعينات القرن التاسع عشر، وفي تشرين أوّل 1948 طردت القوّات الصهيونية سكّان القرية كافة، واستحلّت على 12 ألف فدّان من أراضيها، فذهب أغلبُ السكّان المهجّرين إلى الجانب الآخر من الوادي، أي تلّته الشرقية التي وقعت تحت سيطرة الأردن إثر اتفاقيات الهدنة لعام 1949، وأمّا الوادي نفسه فقد انتهى جزءاً من خطّ الهدنة (أو «الخطّ الأخضر») بين الضفة الغربية والدولة الصهيونية الوليدة.
بدأت الشمس تغرب أثناء الحديث، فاتجهت جولتنا إلى الخارج وأشار باسل غرباً، وإنْ كانت ألوان الشفق أخّاذةً فما أراد أن يريني إيّاه كان ما تحتها، فأطياف الأحمر والبرتقالي اللامعة تسقط على تضاريس مستوطنة صهيونية، في ظلالها مبانٍ تبرز فيها تلك الحجارة القديمة الشهيرة التي تميّز العمارة الفلسطينية المبنية قبل 1948، فطوال هذه العقود كان الولجيّون لاجئينَ في أراضيهم، رؤيتهم الغروب مشروطةٌ بالنظر إلى بقايا قريتهم، التي أضحت مستوطنة إسرائيلية اسمها أميناداف (ومعنى الاسم، ويا للسخرية، «شعبُ كِرام»)، وينابيعهم التي أضحت آباراً تخدم شبكةَ طرقٍ للتنزّه في التلال يستخدمها الإسرائيليون والسيّاح.

وفي 1967، احتلّت إسرائيل موقع الولجة الجديد الذي كان فعليّاً مخيّم لاجئين منذ النكبة، وسرعان ما أقيمت بعد ذلك مستوطنتا جيلو وهار جيلو، والطرق التي تخدمهما، على ما تبقى من الولجة من أراضٍ، وهي ألفا فدّان، وفي 1980 قام الكنيست الإسرائيلي بضمّ القدس رسميّاً ووسّع حدودها الإدارية لتشمل أجزاءَ من القرية الجديدة دون أنْ تمدّد حقوق الإقامة إلى سكّانها، ومنذئذٍ انتهجت الشرطة الإسرائيلية مضايقة الولجيين في تلك الأجزاء من القرية، ليبلغ ذلك في بعض الحالات اعتقالهم في منازلهم بدعوى إقامتهم في القدس دون ترخيص.
وأتت معادلة أوسلو لتزيد الطين بلّة، فعندها ضمَّ ما تبقى من الأراضي الزراعية للقرية إلى إسرائيل، وبعد ذلك بمدةٍ وجيزة نقلت حديقة الحيوانات التوراتية في القدس إلى رقعٍ من أراضي الولجة، وبدأ بناء جدار الفصل/ الضمّ الذي حوّل الولجة إلى جزيرةٍ محاطة بالمستوطنات والجدران والطرق الالتفافية المخصصة للمستوطنين، بمدخلٍ ومخرجٍ واحدٍ فقط للقرية. وفي السنوات السابقة للقائنا عمل باسل وغيره من أبناء القرية على محاولة رصف طرقٍ تبقي اتصالهم ببيت لحم، واستجاب الجيش الإسرائيلي بتدمير الطرق واعتقال أبناء القرية الذين تجرّؤوا على التصدّي لمحاولة تحويل الولجة إلى سجنٍ غير مسقوف، وبعد لقائنا الأول صرت أراود القرية كلّ شهرٍ أو شهرين، فألتقي بباسل أحيانَ، وأحيانَ أخرى ــــ أكثر ــــ لا نلتقي، وفي كلّ زيارةٍ ألحظُ تغيّراً بسيطاً ما: بقايا طريقٍ رُصِفَ فمن ثمّ هُدِم، اقترابُ السياج المحيط بمستوطنة هار جيلو بضعة أمتارٍ إلى الشارع، منزلٌ كان هنا فلم يَعُد.

وبفضلِ باسل التقيت بالعديد من وجاهات القرية وغيرهم من الأجيال التي تتذكر الثلاثينيات الثورية وتهجير عام 1948، وكنت أجمع التاريخ الشفاهي والمقابلات للتلفزيون والراديو لأحكي قصّة ما بدأت أسمّيه «النكبة المستمرة»، والولجة نموذجٌ لها. كان باسل يعرفهم جميعاً حسن المعرفة ولكنه رفض أنْ تجرى معه مقابلة، وبعد 2008 انقطع التواصل بيني وبين باسل، فقد انتقل إلى مخيّم شعفاط في القدس ليبدأ وظيفته الأولى الحقيقية كصيدلاني (فقد درس الصيدلة في مصر أثناء ذروة الانتفاضة الثانية).
ومع مرور السنوات ازداد انخراط باسل في حركة المقاومة وصار مراوداً لمسيرات تشييع الشهداء والمحاضرات السياسية، وبدأ يضع بحور معرفته في الكتابة، وانضم في 2014 إلى الجامعة الشعبية كمدرّسٍ يعطي دروساً عن تاريخ المقاومة في فلسطين ويخطط لجولات تعليمية يدلّ فيها المشاركين على تفاصيل عمليات المقاومة وتاريخها، وساعد في إطلاق «باب الواد» كمجلّة إلكترونية يشارك فيها هو وآخرين أبحاثهم التاريخية وتحليلهم السياسي لإعادة ضبط علاقة الإنتاج المعرفي بالنضال التحرّري.
وفي مطلع نيسان 2016 اعتقلت شرطة السلطة الفلسطينية باسل واثنين من رفاقه قرب رام الله بدعوى أن احتجازهم هدفه «حماية» هؤلاء الشباب من الاعتقال الإسرائيلي، لتلحق ذلك بثلاث اعتقالاتٍ أخرى، وتعرّض المعتقلون للتعذيب، حتى لزم توفير العلاج الطبي لباسل عدة مرات أثناء الأسابيع الأولى من التحقيق، وبعد أربعة أشهر من الاحتجاز دون توجيه التهم، دخل الرجال الستّة في إضرابٍ عن الطعام مطالبين بأن يفرج عنهم، ما دفع بحملةٍ عمومية تدعم مطالبهم، فاستجابت السلطة في مطلع أيلول، في عمليةٍ تنسيقٍ باتت روتيناً بين السلطة وإسرائيل حيث تقوم الأولى بتعذيب الفلسطينيين لتنتزع منهم المعلومات، فتفرج عنهم، وتسلّم ما تتمكّن من انتزاعه لإسرائيل وتسهّل على الأخيرة اعتقالهم، ولهذا لم يكن من المفاجئ أنْ بدأ العساكر الإسرائيليون بمطاردة الرجال الستّة بعد الإفراج عنهم، لتقبض عليهم جميعاً، إلّا باسل الذي ظلَّ مطارداً لستّة أشهر.

في صباح الإثنين 6 آذار 2017، استيقظ الفلسطينيون على خبر استشهاده: فجر ذلك اليوم حاولت وحدة تكتيكية خاصة من شرطة الحدود الإسرائيلية مداهمة منزله في البيرة اختبأ فيه باسل، وبعد ساعتين من تبادل إطلاق النار استهدفت الوحدة الشقة بصاروخين، قتلت بهما باسل الأعرج.

تاريخ الاستعمار، تاريخ المقاومة

احتجز الإسرائيليّون جثمان باسل لـ11 يوماً قبل تسليمه لأهله ليدفن في الولجة، وذهب البعض إلى مخبئه بعد المعركة، حيث وجدوا مجموعةً من كتاباته التي لم تنشر، وبعد سنةٍ من استشهاده نشرت مكتبة بيسان (الشهيرة بين محبّي القراءة من روّاد حيّ الحمرا في بيروت) مجموعةً من هذه النصوص إلى جانب نصوصٍ نشرت من قبل، وحوالي مئة صفحة من منشوراته على شبكات التواصل الاجتماعي، و12 تأبيناً ونصّاً كتبَ في ذكراه، وذلك تحت عنوان «وجدت أجوبتي: هكذا تكلم الشهيد باسل الأعرج».
يبدأ المقال الافتتاحي بعنوان «الذاكرة الجريحة للنكبة» بنقاشِ تجريديٍّ حول الذاكرة سرعان ما يتحوّل إلى سردٍ للنكبة، وإنْ كان لا يضيف الكثير على التاريخ البحثيّ للنكبة، فهو يتصدّى لها بتركيزٍ على حجم الصدمة الجماعية: توظيف المذابح والاغتصاب، والحرب الجرثومية، ومسيرات الموت، والهجمات على الأحياء العُزل، وصفّ أبناء القرى عند الجدران ورميهم بالرصاص قبل إجبار أقربائهم على حفر مقابر جماعية لهم تقيم فيها جثامينهم حتى يومنا هذا، وكلّ ذلك بهدف إرهاب الفلسطينيين. وعلى عادته لا يختتم باسل النص بخلاصة، بل يترك للقرّاء مهمّة ربطِ المقدمة النقاشية بتفاصيل المقال، ولكن على غير عادته، في سرده لتاريخ النكبة لا ينصب تركيز باسل على البطولة الفلسطينية ولا على ثقافة المقاومة، بل هي قصّة ألم وبشاعة الجرائم التي سار بموجبها التهجير القسري في 1947-1949. وعند قراءة المقال، ومع فائض الهوامش التاريخية الأكاديمية فيه، لا يسعني إلّا التفكير بباسل مُنْصتاً لقصص كبار القرية، وشعورهم عند رؤية الظلال الساقطة على منازلهم السابقة عند كلّ مغيب، كذكرى النكبة، التي عاشها كبارنا – الأحياء منهم والأموات – لحظةً بلحظة، لا مجرد جريمةٍ قانونيّة أو حدثٍ سياسيٍّ علينا السعي لردّ الاعتبار إزاءه؛ إنه حثٌّ على الشعور، يفوق ويتجاوز أيّ دعوةٍ للتفكير.

ومن بين نصوصه نصٌّ واحدٌ آخر عن النكبة، هو أيضاً النص الوحيد حيث الولجة هي مركز الاهتمام، ولكن ما يميّز «غربة، حيث ولدت وحيث لن أموت» هو كونه النصّ الإبداعي الوحيد في مجموعة المقالات. فيه يكتب باسل من منظور شخصٍ ولدِ لأسرة الأعرج في 1937، وكثمرةِ أحاديثه المطولة مع الكبار ومع عائلته، يسرد النص حكاية احتلال الولجة أثناء النكبة، وتهجير أهلها وتدميرها. ولعلّ كلّ سطرٍ منها يحتوي تحليلاً عميقاً للتفاوتات الطبقية والعشائرية والجندرية، والدور الذي أخذته في الترحيل القسريّ للفلسطينيين من فلسطين، نصٌّ فنّيٌ يمزج معياراً متقناً للنثر الفصيح مع دارجةِ القرية وبعض الكلمات الإنكليزية المعدّلة التي دخلت على لسان الناس.
أحدُ الأمثلة البارزة على الانشراح الموجز في سرده يُشهد في وصفه تخاذل الدول العربية المجاورة في توفير الحماية اللازمة للفلسطينيين في وجه الهجمة العسكرية الصهيونية: «بعد أسبوعين جاءت القواتُ المصرية لترابطَ في القرية، الأغلبيةُ هم من العساكر النظاميين وبعض المتطوّعين، المتطوّعون قاتلوا بشراسة والنظاميون أكلوا كلّ دجاجات القرية». هذه القصة القصيرة تكشف عن مخيّلة ثريّة بحياةِ القرية في لحظةٍ – كما تشير خاتمة القصة – كان واضحاً فيها أننا «أصبحنا لاجئين وراحت البلاد».
ويسبقه في الكتاب مقاله البحثي حول «الكفاح المسلح في ثورة 1936»، لكنْ تغلب عليه نبرة تميّز أغلب كتابات باسل الأخرى، يبرز فيها تاريخ المقاومة الفلسطينية كمنجزٍ مهولٍ وبطوليٍّ وينبوعٍ تُنهل منه الدروس للنضالات القادمة، ويسلط الضوء في هذا النص على حجم الثورة، وآلاف العمليات التي تضمّنتها، والمستوى العالي للتنسيق والتنظيم بعد آب 1936 رغم (أو: بسبب؟) لا-مركزيّتها، ويسلط الضوء بنحوٍ ممنهج على فعالية استراتيجية حرب العصابات في وضعية عدم توازن مهولٍ للقوة، فيذكّرنا بأنّه «على الرغم من أنّ استراتيجيّتها استراتيجيةٌ دفاعيةٌ إلا أنّ تكتيك هذه الحرب هجوميّ»، فلم تقتصر ثمار ذلك على تمكين الثوريين من تخريب البنية التحتية لمواصلات الاحتلال البريطاني، بل أيضاً من استرداد وتحرير رقعٍ شاسعة من البلاد، منها مدن نابلس وبير السبع والقدس وإبقاؤها تحت سيطرتهم لعدة أشهر في 1938.

وتحتوي نصوصٌ أخرى على مداخلات تأريخية قيّمة حول المقاومة الفلسطينية، ففي مقاله حول جماعة «الكفّ الأسود»، المسمّاة تيمّناً بالمجموعة الصربية التي اغتالت ولي العهد النمساوي في 1914، يبدأ باسل باستدراكٍ حول قلّة المراجع البحثية الرصينة حول الجماعة وتضارب ما هو موجودٌ من روايات عنها، فأخذ على عاتقه التأريخ لها، فوصل إلى أنّ جماعة «الكفّ الأسود» الرئيسة كانت منظمة مقاومة سرّية عملت في ثلاثينيات القرن الماضي وركَّزت بنحوٍ أساسٍ على رصد واستهداف الفلسطينيين المتواطئين مع الاحتلال البريطاني، بمن فيهم العملاء وسماسرة الأراضي العاملين لصالح المنظمات الصهيونية. واتصفت الجماعة بتنظيمها غير الهرمي، فقد بُنِيت بنحوٍ حيث كلّ عضوٍ لا يعرف أكثر من أربعة آخرين، وأدت النساء فيها دوراً مهمّاً، خصوصاً في إخفاء الأسلحة وفي تأمين الاتصالات، بما في ذلك بعث رسائل التهديد ومطالب التنظيم، ليقوم باسل بعد ذلك بمسحٍ عامٍ لذكر مسمى «الكفّ الأسود» في فلسطين (ومصر وليبيا وسوريا أيضاً) ذاهباً إلى أنّ المسمى استخدمته جماعاتٌ عديدة مختلفة وغير متصلة منذ العشرينيات وحتى منتصف الخمسينيات، وهذه الإشارة تحلّ مصدراً محدداً للارتباك التأريخي لتاريخ المقاومة الفلسطينية أثناء فترة الانتداب.
ومنظور باسل حول تاريخ المقاومة لا يحصره في تاريخ الكفاح المسلّح والمعارك الشرسة وخلايا التنظيمات السرّية، فمقاله «الفن في فلسطين» يحيي تاريخاً يكثر تغييبه للإنتاج الثقافي الفلسطيني في فترة الانتداب، يركز أساساً على الشعر والأغاني والمسرح، ويعرّج فيه على مجالات أخرى للفنون الراقية، وإنْ لم يكن المقال مستفيضاً بالطبع، فهو يشير إلى ازدهار ثقافيٍّ فلسطيني متّصل بكلّ مفاصله بالمنطقة ككل، وتحديداً بمصر التي اعتاد مغنّوها ومجموعاتها المسرحية على مراودة فلسطين، وحيث درس العديد من الرسّامين والنحّاتين في أكاديميات الفن حديثة العهد.

ونقاشه للشعر والأغنية يوفر نقاشاً معمّقاً لبعض الشعراء المغنّين الشعبيين المغمورين اليوم، إذ يركز النصّ على الدور الذي أدته بعض هذه الشخصيات في تعليم الأحداث التاريخية المتصلة بالكفاح ضد الاحتلال البريطاني والاستعمار الصهيوني كجزءٍ من التعبئة الشعبية بـ«استخدام الشعر كبيانات عسكريةٍ وأداةٍ لنشر المعرفة والثقافة العسكرية، وكصوتٍ صادحٍ في نشر استراتيجية وأوامر القيادة للشعب»، وفي فقرةٍ لا تنسى، يناقش باسل الاستخدام التكتيكي للأغاني، كالشفرات الغنائية التي غنّتها النساء لنقل الرسائل بين المعتقلين والثوّار في البال، منها نسخةٌ لأغنية «دلعونا» يبلغون بها الثوّار بأن جنود الاحتلال البريطاني يستخدمونهن كدروعٍ بشرية وفي الوقت نفسه تخبرهم بمواقع الجنود.

سيرٌ ثورية

واهتمامه بالسير الثورية، كما يشهد على ذلك مقال «الفن في فلسطين»، يحتل الساحة في مقالين آخرين: «عبد القادر يظلُّ يعود إلى فلسطين» (حول عبد القادر الحسيني) و«فوزي القطب: أن تعشق البارود»، وفيهما يعمّق باسل مشروعه الهادف لإعادة تصوير الشخصيات التاريخية الشهيرة (فالحسيني له منصبه الراسخ في قائمة القادة والشهداء الفلسطينيين) و – مثلما فعل مع جماعة الكف الأسود وشعراء المقاومة ومغنّيها المنسيين السابق ذكرهم – تسليط الضوء على اللحظات والشخصيات المنسية وتاريخها ذو الأهمية التثقيفية والمستحقّ لمكانته في تلك القائمة.

ويعطي اهتماماً خاصاً للسيرة الثورية كنوعٍ أدبيٍّ في مقاله «الخروج عن القانون والدخول إلى الثورة» الذي يفتتحه بتذكيرنا بأنّ الشخصيات الثورية الفريدة عادةً ما ينقسم الناس بين اعتبارهم مجرمينَ أو أبطالاً، وبعدَ صولةٍ في الأدبيات حول المجرمين-الثوريين يتطرّق فيها لصعاليك الجزيرة العربية قبل الإسلام، وفرانز فانون، وعز الدين القسام، وإيرك هوبسباوم، يستقرّ باسل في تحليلٍ للقانون كـ«أداة تطبيع وهيمنة في يد السلطة»، تستخدمها الدولة لتمنح نفسها احتكار تحديد الحق من الباطل، وبذلك تضع المنظمات الثورية السرّية والتنظيمات «الإجرامية» في خانة واحدة هي خانة «الخروج عن القانون»، فتحفّز كلا الطرفين على التنقيب في حقلٍ واحدٍ للاستراتيجيات والتكتيكات بهدف تحدّي السلطة وتجنّب الأسر.
وبعد مقدمته هذه يناقش باسل عدداً من الخارجين عن القانون، ابتداءً بالفتى إبراهيم حكيم أوغلو الذي اشتهر بالخروج عن الدولة العثمانية مستهدفاً الإقطاع بالسرقة، بقصة أشبه (كما يشير باسل) إلى قصّة روبن هود، ويليام والاس، وهينري مارتيني، والبطل الثوري العراقي صويحب الفلاح (الذي خلّده شعر مظفر النواب)، والمصري أدهم الشرقاوي (محور العديد من الأغاني الشعبية). وفي كل هذه الحالات يتنبه باسل إلى ابتلاع سرديات الدول لهذه الرموز وتدجينها للاستهلاك الشعبي ولاشتقاق الشرعية لسلطة الدولة عبر هذا التدجين. وينتهي المقال بنقاشٍ مطوّلٍ لمالكوم إكس وعلي لابوانت وكلاهما بدءا سيرتهما خارج القانون كلصوصٍ وصقلوا مهاراتهم التي أهلتهما ليأخذان دورين قياديين تاريخيين في النضالين التحرريين الأسود والجزائري في منتصف القرن العشرين.

مداخلة ثقافية

الدافع الأساسي في منهج باسل لبحثه الثوري يتضح هنا: ليس التحليل التاريخي كممارسة أكاديمية أو لسدّ الثغرات في الأدبيات الموجودة، ومع أهميته التثقيفية على المستوى التنظيمي، فقيمته الحقيقية تكمن في قدرته تحويله طريقة نظرنا – وتفسيرنا – للعالم حولنا، وسيان كان ذلك عبر وضع تفسيرٍ جديدٍ لتاريخٍ مألوفٍ، أو وضع حياتنا قِبال سِير الشخصيات التي يسرد تاريخها، فباسل يدفعنا لإعادة التفكير بعلاقتنا بأمور كالسلطة، والمسموح، والممكن. وتاريخه لـ«العونة» يكشف عن مشروعه للتحويل الثقافي. والعونة هي – بنحوٍ أساسٍ – مفهومٌ فلسطينيٌّ ريفيٌّ يشبه مفهوم المساعدة المتبادلة، دخل في الاستخدام العربي منذ 1994 فما بعد مع سعي منظمات المجتمع المدني المدعومة غربيّاً لإيجاد مفاهيم تماثل مفاهيمهم، فاستقرّوا على هذا المصطلح كمرادفٍ لـ«العمل التطوعي».
في صيغتها النيوليبرالية، قامت منظمات المجتمع المدني بمسخ «العونة» بتحويلها لنسخةٍ مفخّمة من العمل التطوعي، كطريقٍ تستخرج بها هذه المنظمات عملاً مجانيّاً بذريعة أنّ هذا جزءٌ من «الثقافة المحلية»، ورأى باسل الخطر في ذلك فعمل على مقاومته بتقديم تاريخٍ فعليٍّ للعونة يميّزها عن المفاهيم المتعالية لـ«الإيثار» ذات الأهمية المركزية في العمل التطوعي، وبتبيان كونها جزءاً من جملةِ مفاهيم (مثل الفزعة) ظهرت في سياقاتٍ سياسية اقتصادية للمجتمعات الريفية تلاحمت فيها لمواجهة الحرمان والعقوبات الجماعية التي فرضها المُلّاك، ويذهب باسل بعد ذلك إلى تبيان مركزية المساواة الجندرية والتنظيم اللا-هرمي للمفهوم، وأنه – في جوهره – معنيٌّ بالبقاء، لا بتطوع المرفهين بإغاثة من سواهم، ويدعّم مقولاته بسَعَة بديعة من المصادر الممتدة من النصوص الإيتومولوجية، والأمثال الشعبية، والأغاني، والتاريخ الشفاهي.

وفي مقاله ذي الإطار الأوسع عن «حزب الكنبة الفلسطيني» يقوم بمداخلةٍ شرسة ينتقد فيها مقولاتٍ فلسطينية متشائمة حول الانتفاضة المصرية لعام 2011، إذ يقارنها بتدنّي مستوى المشاركة السياسية في فلسطين في وجه عنفٍ ونهبٍ استعماريٍّ استيطانيٍّ متسارع، يوصله مباشرةً باتساع نفوذ السلطة الفلسطينية، والتحويل النيوليبرالي للاقتصاد الفلسطيني، وتشظية المجتمع إلى وحداتٍ اقتصاديةٍ منكفئة على ذاتها نتيجة البنية التحتية لنظام الفصل العنصري الإسرائيلي.

دروسُ الماضي، وقود المستقبل

في مقال «الاقتصاد في الانتفاضة»، يصف باسل المقاومة بأن لها ثلاثة أوجه: الفعل المباشر (المظاهرات، التخريب، إلخ) والتعبئة والتنظيم الشعبيين، والاكتفاء الذاتي والتنمية الاقتصاديين. والمقال يركّز على ما يذكره عنوانه: المحور الثالث في سياق الانتفاضة الأولى، لكن تشديده قائمٌ على التحام هذه الأعمدة الثلاثة وضروريّتها لنجاح الأخريات، ولنجاح الحركة ككل. ومثل مقاليه حول العونة والكف الأسود يتنبه باسل لمثالب التنظيم اللا-هرمي أو حتى الضد-هرمي، مشدداً على أنّ عدم المركزية وعدم الهرمية لا يستلزم غيابَ التنظيم.
يمدد باسل تمجيده للتنظيم غير المركزي ليبلغ المستوى التكتيكي المباشر في نقاشه للانتفاضة الأولى، فيذكر القرّاء بأنّ الاشتباكات في الشوارع بين الفلسطينين العزّل غالباً والجنود الإسرائيليين المدججين بالسلاح لم تكن منسّقةً من أي مكرزٍ محدد، لكنها لم تكن عفويةً أو فوضوية أو دون هدفٍ واضح أبداً، بل على العكس من ذلك: المقاتلون في مخيّمات جبلية ولاته وضيشه ونصيرات وغيرها استحوذوا على أسلحة بسيطة واستخدموها في مواجهاتهم مع الجيش الإسرائيلي، وتمكّن المقاتلون من محاوطة قوات الاحتلال في شوارع وأحياء يمكنهم مهاجمتها من كل الجهات، وفي حالاتٍ كثيرةٍ وجد أفرادٌ من جيش الاحتلال أنفسهم وحيدين في أزقّة في المخيمات اقتادهم إليها رُماة الحجارة، في حين تموقعت قوّات الصدمة الفلسطينية استراتيجيّاً على سطوح المباني إمّا لدعم ضربة دفاعية معينة تستهدف جنود الاجتياح أو لفكّ الحصار عن جماعة معينة من المقاتلين الفلسطينيين، وهنا يستشهد باسل بتقارير عسكرية إسرائيلية ذكرت فيها قوّات الاحتلال أن الحال انتهى بها تحت هجومٍ منسّقٍ مكثّف، يعمل على إرهاق قوات الاحتلال عبر «مطاردة من شارع لشارع» بالحجارة وزجاجات المولوتوف، وذلك بعد أنْ اطمأن الجنود إلى «هدوء» المنطقة المعنية، وهذا المستوى عالي اللامركزية للتنظيم التكتيكي حوّل التفوق العسكري الإسرائيلي البديهي لأضحوكة.

ويضع باسل بعض التقديم التاريخي لما يصفه بالعفوية المنظمة، ويبيّن أنه طوال السبعينيات، أثناء الفعاليات السنوية، مثل ذكرى وعد بالفور أو النكبة، ومسيرات تشييع الشهداء التي صارت فرصاً للمسيرات الكبرى. ومع مرور الوقت اتسعت تكتيكات المقاومة لتشمل العمليات النوعية شارك فيها الشباب الجريء سريع الخطوة بتطوير تكتيكاتٍ لإعاقة الدوريات والغارات العسكرية الإسرائيلية، ومع مرور الوقت كان للمقاتلين أنْ يطمئنوا إلى أن طلّاب المدارس سيعيقون رؤية جنود الاحتلال عبر حرق الإطارات مع نهاية كل يوم دراسي، فيما قام الشعب المشتبك بتطوير التكتيك الجماهيري للمسيرات الكبرى لإضراباتٍ قطاعية أو عامة شملت بضعة مدنٍ أو البلد بأكملها، لتبلغ ذروتها في الإضراب عن الضرائب والعمل وتسديد الإيجار والأعمال التجارية ورفض تسديد المخالفات والغرامات التي استخدمت كسلاحٍ رئيسٍ في الانتفاضة الأولى. والنتيجة المباشرة لعدم التعاون هذا، الذي ركز على مقاطعة كل شيء متصل بالاحتلال (موازياً بذلك استراتيجية استحالة الحكم في النضال التحرري الجنوب أفريقي) كانت تشديده على الاقتصاد المحلي في هيئة الزراعة ورعاية المواشي المنزلية، وانتشار التعاونيات التجارية والحرفية والزراعية والصحية والتعليمية.
بتبحره الواسع بالقراءة والمعرفة، فأحد أبرز طبائع كتاباته هو سلاستها وسهولة قراءتها، ففي أحد مقالاته الظريفة يحيك خيطاً يمرّ بين الأدبيات العلمية حول النيص والبراغيث وقصص الفلّاحين وتفاعلاتهم مع هذه الكائنات ومقولاتٍ لماو تسي تونغ وفريدريك إنغلز، ليطرح عظةً يغلب عليها طابعٌ أسطوريٌّ: «عِشْ نيصاً وقاتل كالبرغوث». فقد كان قادراً على جرِّ أشدِّ الكتابات العلمية تخصّصيةً إلى إطار اللغة العامة، ولا يفعل ذلك إلّا لهدف. وفي مقالٍ آخر عنوانه «لا حبّ للمقهورين» لم يستشهِد فيه بأيّ مرجع، يتأمّل فيها في دروساً تعلمها من حبيبةٍ سابقة ليصل إلى فهمه الخاص لطرق تشويه القهر الاستعماري الاستيطاني للرجولة الفلسطينية لتصير نرجسية تحيل النساء إلى مكانةٍ بين «عاهرات ومشاريع تكاثر لإنتاج عبيد صغار» (وفي مقالٍ في المجموعة، حول علاقات القوة الجندرية، عنوانه «لا تقف مع الاحتلال ضدّهن»، ينهل باسل من التحليل النفسي ليذهب إلى أنّ الرجال الفلسطينيين يستفرغون إحباطهم من إخصائهم على النساء الفلسطينيات اللاتي يقاومن، لكنه يعبّر عمّا يجده من صعوبة في التصدّي لذلك دون تنفير «المجتمع الأوسع»).


والمقالات ومنشورات شبكات التواصل الاجتماعي الأخرى التي يتضمّنها الغلاف تنهل دروساً من النضالات التحررية الأخرى مثل حركة التحرر الفييتنامية وحركة تحرر السود في أميركا، وفيها مداخلات حول حركة المظاهرات في أوائل العقد الماضي التي استهدفت السلطة الفلسطينية ويقدّم تأريخاً مفصلاً لعمليات المقاومة الفلسطينية، وغيرها تقدم تعليقاً على عددٍ من المواضيع منها تزويج القاصرات والأبطال المنسيين، وكيفية التعامل مع غاز الفلفل ذي الفعالية الثلاثية (triple action pepper spray)، ومع تنوّع هذه المنشورات طولاً وأسلوباً، فكلٌّ منها يحتوي درساً، وكلٌّ منها أخّاذٌ بقدرِ ما يعكس عمق التفكير والإتقان في التقديم، ويترك القارئ متعجباً من عقلٍ فكّر بجدّية في مسائل مثل: «كيف نتحرر؟»، أو «كيف نتغلب على القوّة المنيعة ظاهريّاً لأحد أقوى جيوش العالم الذي يتمتع بحصانة كاملة من المحاسبة؟» و«كيف نتحرر كشعب دون أن نصبح مجتمعاً ما بعد استعماريٍّ سلطويٍّ أبويٍّ آخر؟»، وفي وجه ذلك يجادل باسل أنّ المعرفة والتحليل النقدي والعمل كلّها ذات أهمية جوهرية لإيجاد هذه الأجوبة، وكتابته تكشف عن العمق والالتزام الذي أتى به هذه المهمة.

نحو إعادة السحر للعالم

من كتاباته الأخيرة – التي عثر عليها مع كتاباتٍ أخرى في تلك الشقة في البيرة حيث قاوم الجنود الإسرائيليين – تبرز اثنتان على وجه التحديد، إحداهما عنوانها، «لماذا نذهب إلى الحرب؟»، والمفاجأة في جوابه على هذا السؤل يرجع إلى كونه شخصاً يعرف جرائم الاستعمار – وفي كل مكانٍ آخر – حق المعرفة: الرومانسية، ذاهباً إلى أنّ رومانسية الحرب هي أكثر ما يغري فيها، ويدعّم إجابته بأمثلة من أفلام هوليوود وبوليود والسرديات الكبرى للنضال من كل أرجاء العالم: «كل المقولات التفسيرية لإيجاد جواب السؤال ليست الجواب، بل هي هروب من الجواب، هي عقلنة الرومانسية». أحاط باسل نفسه بالمثقفين المناضلين، وفي آخر كلمة له لأولئك الذين يضعون كل شيءٍ على العقل، ويقولون بأنّ أي إضفاء لطابع رومنسيّ على البطولة والشهادة والعزة دافعٌ طفوليٌّ في أفضل الأحوال، ليس أهلاً للنضال الفلسطيني، كانت آخر كلماته هي:

«أنتم عموم الأكاديميين تنزعون دائماً لنزع السحر عن الأشياء بتعريفها وتفسيرها، ظناً منكم بأنكم ستصلون إلى الحقيقة. في هذه الأيام الماطرة سأقول لك أني لا أحتاج لإطارٍ تفسيريٍّ لكيف نزل المطر. إنْ كانت مطرقة ثور السبب أو رحمة الله بعباده أو تفسير العلم له. لا أريد كل هذا، ما أريده فقط هو دهشتي المستمرة وابتسامتي البلهاء كلما نزل المطر، كلما أراه كأنها المرة الأولى، دهشة الأطفال وسحر العالم».
وفي الثانية كتب باسل شهادته الأخيرة حينما تيقن من أن الجنود الإسرائيليين المطاردين له سيقتلونه، ومن فقرةٍ من هذه الشهادة أخذ عنوان الكتاب، فقرةٌ تقول كلّ شيءٍ عن أين وصل في مسعاه الرومانسي المحرّك بالأسئلة:

«تحية العروبة والوطن والتحرير، أما بعد..
إن كنت تقرأ هذا فهذا يعني أني قد مِتُّ، وقد صعدت الروح إلى خالقها، وأدعو الله أن ألاقيه بقلبٍ سليم مقبل غير مدبر بإخلاص بلا ذرة رياء. لكم من الصعب أن تكتب وصيتك، ومنذ سنين انقضت وأنا أتأمل كل وصايا الشهداء التي كتبوها، لطالما حيرتني تلك الوصايا، مختصرة سريعة مختزلة فاقدة للبلاغة ولا تشفي غليلنا في البحث عن أسئلة الشهادة.
وأنا الآن أسير إلى حتفي راضياً مقتنعاً وجدت أجوبتي، يا ويلي ما أحمقني وهل هناك أبلغ وأفصح من فعل الشهيد، وكان من المفروض أن أكتب هذا قبل شهورٍ طويلة إلا أن ما أقعدني عن هذا هو أن هذا سؤالكم أنتم الأحياء فلماذا أجيب أنا عنكم فلتبحثوا أنتم أما نحن أهل القبور فلا نبحث إلا عن رحمة الله».

* طالب دكتوراه في التاريخ الحديث للشرق الأوسط بجامعة نيويورك

:::::

“الأخبار”، 6 آذار 2022

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.