دور المحافل الماسونية في حرب أوكرانيا، سمير القريوتي

في الأيام التي سبقت العملية الروسية في أوكرانيا،ثم في الأيام الأولى منها كنت استمع لكل البرامج والتعليقات وأدقق في الصحف الإيطالية كما فعلت دائما وما زلت.فجأة استمعت الى ما يشبه الجدل حول أمر لمست فيه نوعا من حرف الأنظار عن الواقع وشد الانتباه الى امور تافهة وموضوع الجدل كان”هل مولت الماسونية البريطانية حملة جوزيبي غاريبالدي ” لتوحيد ايطاليا؟.

العبارة وردت اثناء برنامج صباحي للإذاعة الإيطالية مما ألزمني بالانتباه أكثر، و قلت ما علاقة تمويل الحملة في الوقت الذي نخاطر به بحرب عالمية ثالثة وخراب ديار نصف الدنيا ومع تواصل دفق الأخبار، لفت انتباهي شيء آخر وهو أن أكثر الذين هاجموا بلهجة قاسية الرئيس بوتين كان البروفسور في الفلسفة جوليانو دي بيرناردو، الذي وصف بوتين بأنه “أجير” عند الصين وأنهما اي روسيا والصين قد أبرما على حد قول البروفسور “حلف ثنائي للهيمنة على العالم وأن هدف بوتين هو ضرب العلاقة بين الولايات المتحدة وأوروبا ” والكلمات طبعا ليست غريبة لكنها صادرة عن دي بيرناردو.

من هو البروفسور هذا؟ هو زعيم محفل الشرق الكبير في ايطاليا أو الماسونية الرسمية هنا لمدة 3 سنوات وهو المعلم الأكبر أو الأعظم للمحفل الماسوني النظامي الإيطالي لمدة تسع سنوات وهو مؤسس محفل المتنورين الماسوني عام 2002 ومعلمه الأعظم لغاية الآن.

هذا دفعني الى العودة لعدة وثائق كنت ادرسها منذ سنوات عن علاقات المحافل الماسونية بأحداث العالم الكبرى وبالتحديد الى كلمات الزعيم الماسوني الإيطالي المعروف جوييل ماغالدي، الذي ألف كتابا مدويا قبل 8 سنوات عن المحافل الكبرى او العملاقة في العالم وأشار فيه الى وجود ماسونية ” تقدمية ديمقراطية” وأخرى “رجعية محافظة” يقود هذه السيد هنري كيسنجر ونشر ماغالدي عشرات القوائم لقادة المحافل الماسونية من ضمنهم معظم زعماء العالم ومسؤولي الدوائر والهيئات الدولية وشملت قوائمه ووثائقه أيضا ابو بكر البغدادي زعيم داعش السابق. لم ينفي أحد في العالم وفي ايطاليا وثائقه ومعلوماته التي نشرت في 639 صفحة كتبت بخط طباعي مكثف وصغير الحجم.

لن أطيل فموضوع الماسونية يحتاج الى صفحات وساعات وأسابيع وهو ليس موضوعي، انما صدق المثل القائل: “الحبل على الجرار” فمن غاريبالدي الى البروفسور الى حرب اوكرانيا توالت معلومات جعلتني أبحث لكي أفهم علاقة الماسونية مع هذا الحدث الجلل اي انفجار الحرب واعلان حالة الطواريء تحسبا من حرب نووية ولو بحجم مقلص. نتيجة البحث انني توصلت الى موقع ايطالي حديث العهد، لن أذكر اسمه هنا احتراما لقانون النشر لأن القائمين على الموقع غير معروفين مما يحتم الحذر وعدم الوقوع في مصيدة ما ومن الأفضل البحث عنهم في السجلات الرسمية قبل ان نورد إسمهم.

بعد بدء المعارك بثمانية أيام أي يوم 2 مارس الحالي نشر هذا الموقع الإيطالي بقلم جي.ايه.زد مقالا أورد فيه النقاط التالية :

((أوكرانيا بعكس ما يعتقده كثيرون يهيمن عليها المحفل الماسوني اليهودي، “بناي بريث” والذي نفخ على نيران الحرب هناك منذ عام 2014 ويقود الحرب الحالية، بعد ساعات من بدءها في 24 فبراير الماضي، أصدر فرع بناي بريث البريطاني، بيانا شديد اللهجة ضد روسيا وتحدث البيان باسم ” اليهودية الماسونية الملتزمة”.

((عام 2014 عند اندلاع ثورة ميدان إثر تنحية الرئيس الموالي لروسيا في أوكرانيا، ثبت أن أكبر ممول لما أسمي بالثورة كان المحفل اليهودي بناي بريث المرتبط بإسرائيل ومقره الرسمي في الولايات المتحدة.

((كان هدف المحفل هو تجنيد اليهود الأوكران وأقليات أخرى مثل التتار في الاحتجاجات وتجميع كل القوى المعادية لروسيا بما في ذلك اليمين المتطرف المكون من حزب سفوبودا،المؤتمر القومي وحركة برافييه سيكتور وتشكيل تجمع كبير لها مؤيد لأوروبا وموالي للولايات المتحدة، يستطيع تخليص اوكرانيا من براثن روسيا.من خلال المنظمات الغير حكومية أو.ان.جي وناشطين محليين صعد المحفل اليهودي الماسوني احتجاجات 2014 وسلم البلاد الى العصبة الموالية لأوروبا والصهيونية وتم تعيين بيترو بروشينيكو رئيسا للوزراء، الذي سافر الى اسرائيل بعدها بسنة واحدة فقط وأبرم معها عدة اتفاقيات واعطى تصريحه المعروف :” أوكرانيا تقف الى جانب دولة اسرائيل”.

(( لم يقبل جميع مواطني أوكرانيا خلع الرئيس يانوفيتش وتنصيب حكومة موالية لأوروبا ومؤيدة للصهيونية وجرت أحداث جزيرة القرم والاستفتاء فيها ثم ضمها الى روسيا. بعد ذلك انفجرت الحرب الأهلية في اقليم دونسيك وتم هناك تأسيس جمهوريتيين ” جديدتين مستقلتين ومعاديتين للصهيونية” هما جمهورية دونسيك وجمهورية لوغانسك اللتان اتهم قادتهما ” المسؤول عن هذا الصراع هم البنائون الأحرار – الماسونيون – الأميركيون والأوروبيون.

وصرح نائب رئيس جمهورية دونسيك انذاك فلاديمير أنتيوفيف: ” لا أحد يتحمل مسؤولية اغلاق مصارفنا و متاجرنا ومطارنا في دونسيك ماعدا الفاشيون الأوكران والبنائين الأحرار في الولايات المتحدة و أوروبا. هل تعتقدون أننا لا نعي مدى نفوذ المحافل الماسونية في الغرب؟”.

(( المحفل الماسوني اليهودي بناي بريث وبدعم من المحافل الماسونية التقدمية والمجموعات اليهودية الصهيونية الأميركية، نشط في تجنيد وحشد متطوعين للعمل ضد روسيا خاصة في أوساط الجالية اليهودية الأوكرانية وهي ثالث أكبر جالية يهودية في أوروبا وخامس جالية يهودية في العالم.تم تجنيد العديد من اليهود الأوكران والحاقهم بوحدات عسكرية قومية اشتراكية مثل لواء أزوف سيء الذكر (المجهز بسلاح إسرائيلي) ومؤسسه أندريه بلييكي صرح ذات يوم علنا بقوله :

“أنا مؤيد عن قناعة لإسرائيل لأن نموذجها الاجتماعي ونظام دفاعها قريبان جدا من النموذج المثالي لأوكرانيا. العديد من اليهود قاتلوا في صفوفنا. اعتقد ان الآراء الشخصية لا تهم والأهم هو الدفاع عن البلد”.

يوسف زيسيلس أحد مسؤولي المنظمات اليهودية الأوكرانية أكد أنه بعد أحداث 2014 تغيرت الى الأفضل نظرة الأوكرانيين الى اليهود: ” لأنهم كانوا نشيطين خلال احتاجاجات ساحة ميدان، ثم تجندوا عسكريا للقتال في الجبهة. برهن اليهود أنهم يتماثلون مع الدولة الأوكرانية، مع مستقبلها ومع تحدياتها وأنهم على استعداد لتحمل مسؤولياتهم”.

من كل ما ورد أعلاه يتضح تماما أن المحفل اليهودي الماسوني يسعى لتحقيق أهداف و أغراض تتعدى الدعم والتأييد والتي يمكن الإشارة لها بخطوط عريضة كتبها ووثقها بشكل دقيق كاتب المقال جي.ايه.زد الذي سنعلن اسمه الكامل فور تحققنا من مالكي الموقع ونوردها هنا بإيجاز :

الطريق الى القدس الجديدة مرصوفا بالمال:

الجزء الأعظم من ديون أوكرانيا السيادية تم شراءه عام 2015 من قبل الصندوق المالي الأميركي فرانكلين تيمبليتون وهو من صناديق عائلة روتشيلد الكثيرة، ونقطة التحول المثيرة جاءت في إبريل 2016 حين قرر محفل بناي بريث واليهودية العالمية الملتزمة، اختيار الصهيوني اليهودي، فولدميير غرويسمان رئيسا للوزراء، الذي اعلن عن هدفه ومعه رفيقه بروشينكو وهو تنفيذ الأوامر الثورية والطموحة الصادرة عن محفل بناي بريث وهذه الأوامر هي – تهويد أوكرانيا يوما ما كما تصورت اليهودية الحسيدية لخلق إسرائيل الجديدة – .

عام 2017 كشف الجنرال غريغوري أوميلشينكو للعالم عبر صحيفة محلية، المخطط السري لمحفل بناي بريث الرامي لإقامة “القدس الجديدة” وقال ان حكومة غرويسمان – بروشينكو تسعى لإقامة القدس الجديدة بمشاركة مدن مثل أوديسيا، زابورزهزهيا، دنيبربيتروفسك، ميكمولاييف وشيرسون أي جمهورية جديدة مع عاصمة ثقافية في اوديسيا ، تسعى لإزالة الطابع الروسي الذي فرضه بوتين.

 إنها “القدس الأوكرانية” التي سيتم جلب 5 ملايين يهودي اليها من إسرائيل ومن بلدان أخرى. أعدوا الأطر اللازمة للجمهورية الجديدة ومن ضمنها 12 قيادي وقرروا مبلغ 500 يورو كمرتب شهري لكل مواطن فيها بغض النظر عن مهنته، لكن استمرار مشكلة دونباس جمد الخطة بانتظار أوقات أفضل لتنفيذها.

زلينسكي وحلم إنشاء إسرائيل الصغرى

 بعد 3 زيارات قام بها بوروشينكو للقدس العربية المحتلة وتوقيع عدة اتفاقيات ثنائية مع دولة إسرائيل، جرت في مايو 2019 الإنتخابات الرئاسية التي جاءت بالصهيوني المحسوب على محفل بناي بريث أي فولديمير زيلنسكي، الذي أصبح أول رئيس يهودي في تاريخ أوكرانيا.

زلينسكي كان مغرما بالمشروع القديم المسمى ” القدس الأوكرانية” وقام على الفور بتوثيق العلاقات مع إسرائيل وفي شهر اغسطس من نفس العام وقع على اتفاقية مع بينامين نتينياهو – لتشجيع دراسة اللغة العبرية في جميع المرافق التعليمية في أوكرانيا.على الصعيد العملي كانت بداية تعليم اللغة العبرية في جميع المدارس هناك -.

في تلك الفترة قالت دراسة لمركز بي.ايي.دبليو ريسيرش في واشنطن أن أكثر الأمم صداقة لليهود في أوروبا هي الأمة الأوكرانية، ووصل الحد بالجنرال أوميلشينكو الذي كان نائبا عن حزب فيرخوفنا رادا الى تلخيص الموقف بقوله :

” أوكرانيا هي الجائزة الرئيسة للصهيونية العالمية لأنها تتحول حاليا الى إسرائيل الصغرى”.

بوتين أجير وبايدن عميل والحرب في بدايتها

عام 2020 مضى بخير بالرغم من التركيز على جائحة كورونا،ووقعت بعض التوترات في دونباس ولم تكن هناك تحولات. عام2021 وصل جو بايدن – العميل السري لمحفل بناي بريث ورجل إسرائيل في واشنطن – (نقلا عن جي.ايي.زد) الى البيت الأبيض وعلى الفور تغيرت الأوامر والتعليمات بشكل جذري .

بايدن وبأوامر من الماسونية الغربية – من ضمنها بناي بريث – أصدر عدة قرارات لمساعدة حكومة وجيش أوكرانيا: ” بطريقة تستفز فلاديمير بوتين وتجعله يفقد أعصابه على أمل دفعه الى البدء بعملية اجتياح عسكري يفهمها الرأي العام العالمي انها اعتداء من روسيا على أوكرانيا”.

الهدف المركزي لمحفل بناي بريث هو إعادة جزيرة القرم وأراضي دونباس إلى أوكرانيا، بشكل يؤدي لإضعاف روسيا وإدخال أوكرانيا الى حلف شمال الأطلسي ناتو. مقابل هذا الإستفزاز الأميركي – الأوكراني قرر بوتين إعلان الحرب على أوكرانيا بهدف الوصول الى كييف، وشدد في خطاب طويل له ان سبب الحرب هو منع توسع حلف شمال الأطلسي ناتو أكثر مما هو الحال عليه اليوم.

وبرأي كاتب هذه الدراسة جي. إيه.زد فإن محفل بناي بريث حقق هدفه : هاهي أوكرانيا في حرب مع روسيا والسؤال برأيه كيف يكون الاجتياح الروسي بهدف اجتثاث النازية من أوكرانيا بينما لا يوجد نائب نازي واحد في البرلمان ؟

الحرب ما زالت في بدايتها بعد 22 يوما من هجمات لم يشاهدها أحد ولقطات يبدو بعضها من نتاج التزوير المشهدي لأحداث ووقائع يمكن تصنيعها في المختبر او أستوديو المونتاج، لكن دور الماسونية في الأحداث الكبرى ربما بدأ يتكشف أكثر، ويحتاج الى بحث أعمق وفي هذه الأثناء ترتفع الأسعار في كل مكان ويختلط الحديث عن إسرائيل الكبرى وإسرائيل الوسطى وإسرائيل الصغرى. تغير الكثير هذه الأيام وانقلبت المعادلات وتعقدت أبسط البديهيات.

 شيء واحد لم يتغير ولن يتغير على المدى المنظور: بقاء فلسطين محتلة واستمرار غياب العرب عن الزمان والمكان حتى في حقل الماسونية الشائك، كل الماسونيات تفاخرت بما قدمته لأوطانها في آخر قرنين من الزمن الا الماسونيات العربية باعت كل أوطانها بأبخس الأثمان وتكفي مشاهدة التلفزيون وقرأة صحيفة الصباح لإدراك ذلك.

في الختام كلمة أقولها لصديق متمرس يصر على استجوابي بكل مناسبة إن كنت اتفق مع روسيا في غزوها لأوكرانيا واحتلال بلد مجاور وقتل المدنيين.جوابي:أنا ضد الإحتلال الإسرائيلي لأرض فلسطين العربية ، أنا لا اوافق على التنكيل بمدينة القدس الكنعانية العربية التي ستبقى قدس العالم لأنها مدينة الله ولن ينقلوها او يستنسخوها، أنا مع عودة اللاجئين الفلسطينيين الى أرضهم بدون مناقشة ، أنا مع فلسطين حرة ديمقراطية تضم الجميع على كافة معتقداتهم دون تمييز، أنا مع الشعوب في حقها المشروع للدفاع عن أرضها وحريتها ومستقبلها وثرواتها وكرامتها وكفى.

:::::

المصدر: “الخط المستقل”، 19 مارس 2022

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.