التعليم بين البيداغوجيا والإيديولوجيا، الطاهر المعز

القسم الأول

نُمُوّ الطفل واكتساب المهارات اللُّغَوِيّة

يلاحظ الكبار، والوالدان بشكل خاص، قُوَّةَ الملاحظة لدى الأطفال الصّغار، وسُرْعَة التّعلم وتقليد الكبار، ويتساءل المُهتمُّون بعلوم التربية، وعلم النفس وبالتّعليم، عن مَسار اكتساب المهارات اللُّغُوِية لدى الطّفل، وعمومًا لا توجد دراسات كثيرة حول كيفية تطور المكتسبات اللُّغَوِية حتى تَصِلَ إلى اكتساب بُنْيَة اللُّغَة التي تمكّن الطّفل من التّخاطب ومن التّعْبِير، فيما يُمكن تسميتها “مُحادثة”، أي تبليغ ما يُريدُ التّعْبير عنه، وفِهم ما يَقُولُه الآخرون…

عند متابعة مراحل نُمُوّ الطّفل، نُلاحظ أن الطفل يتفاعل مع الأشخاص المُحيطين به، قبل النّطق، ويُدْرِكُ فوارق الشّكل والصوت والحَركة، وتعبيرات تقاسيم الوجه، كما نُلاحظ أنه يبدأ نُطْقَ الكلمات الأولى بعد نحو سنة من تاريخ الولادة، ويُقَدِّرُ الباحثون أن اكتساب اللُّغَة يبدأُ قبل النُّطْق، ويُقَدِّرُ أطباء الأطفال أن الجنين، يبدأُ تطوير جهازه السّمعي، وهو في بطن أُمِّهِ، بنهاية الشّهر الخامس، ويبدأُ التّعَرُّفَ على صوت أمه وعلى أصوات المُحيطين بها، ويختزن ذهنُهُ “لَحْن” (أو مُميّزات ) صوت الأم الذي يتحول إلى كَلِمات ثم إلى لُغَة (دَال ومَدْلُول) عند تَطَوُّر حواسّ وإدراك الطّفل، خلال السنة الأولى من العمر، ليتمكن الطفل من إدراك وجود فوارق بين “لُغة الأُم” واللُّغات الأخرى، قبل اكتساب اللغة الذي يُقاس بالقُدْرَة على التّخاطب، أو بوادر المُحادثة، ويخضع اكتساب اللُّغَة إلى مُحيط الطّفل، أو ما يُسمى “التّفاعُلات الإجتماعية”، ولذلك يُسْتَحْسَنُ أن يتم تقديم المعلومات للطفل من خلال اللَّعِب والحَديث معه، أي بطريقة “تَفاعُلِيّة”، بدل طريقة التّعلّم من خلال الصّورة وشاشة التلفزيون، أو ما يُمكن تسميتها “الطريقة المُنْفَصِلَة”، فالطريقة “التّفاعُلِيّة” تُمَكّن الطفل من الُقدْرَة على تمييز الأصوات الخاصّة باللُّغَة، والطّفل قادر منذ صِغَرِهِ على إدراك الإختلافات الصّوتِيّة بين اللُّغات، فالطّفل يُلاحظ بانتباه استخدام البالغين للُّغَة وإيماءاتهم وقسمات وُجُوههم، وهي إحدى مراحل اكتساب اللُّغَة قبل إدْراك المعنى، ويتم تحسين المهارات اللُّغَوية عبر تفاعُل الوالدَيْن أو المُحيطِين بالطّفل من خلال تسمية الأشياء أو الأشخاص الذين يُشير إليهم، وربما شَرْح وظيفة تلك الأشياء، وفي مرحلة لاحقة يقوم الكبار (الوالدان أو المُحيطين بالطفل) بالتّعْليق وبإعادة الصّياغة وإصلاح أخطاء نطق الطّفل وتركيب الجُمَل، أي “التّفاعل” شَكْلاً ومضمونًا، ما يُساعد على تطوير ملكات ومَدارك الطفل الذي يُصْبِح قبل بلوغ الثالثة من عُمُرِهِ قادرًا على اكتشاف وإصلاح سوء التفاهم، وقادرًا على طلب توضيحات، قبل أن يُتقن عملية السَّرْد والرواية أو إنتاج الخبر…

دور مُؤسسات التربية والتعليم

في الصّين بدأت، منذ ستينيات القرن العشرين، تجربة تعليم الأطفال، في سن مُبَكِّرَة، الموسيقى (حوالي السابعة من العُمر) واللغات (حوالي التّاسعة من العُمُر)، لارتباط كل منهما ب”الإيقاع”، أو المقاطع اللّفْظية في اللُّغَة والأصوات أو الدّقَّات في الموسيقى، ويعتمد تعليم كل منهما على التّركيز وعلى التّمارين المُتكَرِّرَة، ونظرًا للنتائج الإيجابية لهذه التجربة ولتأثيرها الإيجابي على تَعَلُّم الرّياضيات والعُلُوم “الصّحيحة”، تطرّقت بعض الدّراسات (الصينية والأجنبية) إلى دَوْر “الإستيعاب الصَّوْتِي” للأطفال، قبل أن يبلغوا من العمر تسعة أشهر، ليتمكّنوا من الانتباه إلى الاختلافات بين الأصوات المنطوقة من حولهم، ومتابعة تطورهم إلى أن يُصْبِحوا قادرين على إنتاج عدد هام من الكلمات عند بلوغهم ثلاثين شهرًا، مع الإشارة أن استجابة دماغ الأطفال، بين عُمر تسعة أشهر وثلاثين شهرًا، للإيقاعات الموسيقية والصّوتية، يُساعدهم على إنتاج حركات منسقة، تنم عن تطور مُبَكِّر لملكات الدماغ في التخطيط والمهارات وتفاعُلُ الطفل مع مُحيطه المادّي والذّهني والإجتماعي والعاطفي، فالموسيقى “مُتْعَةٌ” تُؤثِّر على نمو الدماغ وتعلم اللغة عند الأطفال…

من الكلام إلى القراءة

تبدأ محاولات تعلُّم القراءة قبل فترةٍ من محاولات الطّفل فك شفرة الكلمات في الكتاب، إذ يتعلم الطّفل الرضيع مُعالجة المعلومات المُتعلقة بالأصوات التي تصل أُذُنَيْه (وبالتالي دماغه) ويُدْرِك “نَغْمَةَ” أصوات الأم والأشخاص المحيطين به، وهو ما يُساعد الطفل على التقدم لاحقًا في القراءة التي تنطوي على مراحل، منها الإستماع والتواصل والتعبير، وهي المراحل التي تُؤَدِّي إلى تطوير المهارات اللغوية ونمو المفردات، والربط بين الموقف وتعبيرات الوجه أو الإيماءات والإشارات، وكذلك استخدام الصور والكلمات والأصوات، لرواية القصص وترديد الأغاني، والتفاعل مع القوافي…

يُساعد التّحدُّث إلى الأطفال ورواية القصص وتَقَمُّص الأدوار، وإسماعهم الموسيقى، على تعلّم القراء لاحقًا، وإقامة الروابط بين الكلمات وصورتها أو شكل كتابتها، خصوصًا إذا اعتاد أفراد الأُسْرة لفت الانتباه إلى الكلمة المكتوبة في الحياة اليومية، على عُلب السّلع الأساسية أو على اللافتات والشّعارات، قبل سن الثالثة، وهو ما يدخل ضمن “التّفاعل الإجتماعي”، مع المُحيط البَشَرِي والمادّي والثقافي أو الذّهني، ما يساعد الأطفال على توسيع خيالهم وإعادة إنشاء القصص.

يتطور الأطفال بمعدلات مختلفة، وهم عُمُومًا يستطيعون فِهْم الكثير مما لا يستطيعون التّعْبِيرَ عنه، ويبدأون “الثَّرْثَرَة” في سن ستة أشهر تقريبًا (وهي عملية إصدار أصوات، غير مفهومة)، وينطقون كلماتهم الأولى و”التّحدّث” بين عشرة وخمسة عشر شهرًا، ثم تبدأ عملية إثراء مُعجَمْهم، لِيَفْهَمُوا عددًا متزايدًا من الكلمات التي يعيدون استخدامها في جمل بسيطة، بداية من سن 18 شهرً، دون أن يُتْقِنوا ترتيب الكلمات وفهم سياق كل جملة، ثم تبدأ عملية تنمية المهارات الخاصة بكل طفل، بحسب المُحيط الإجتماعي والثقافي لكل طفل وقُدْرَة الأولياء على مُتابعة تطور أبنائهم، فأطفال الفُقراء وذوي المستوى التعليمي المُتدني يُعانون بنسبة تتراوح بين 70% أو 80% من تأخر لغوي في سن الرابعة. ، ما قد يُؤَدِّي إلى نتائج سلبية على مدى متوسط أو طويل وتمتد مظاهره إلى مرحلة البلوغ.، مع الإشارة أن الباحثين في مجال التربية والتعليم لم يتوصّلوا إلى معرفة الحدود بين “التأخير البسيط” الذي يمكن تلافيه، قبل المدرسة الابتدائية، واضطراب اللُّغَة، وهو أكثر صعوبة لأنه وجب الإنتباه مُبَكِّرًا إلى الطفل الذي يُعاني من الفهم، فهو يحتاج إلى الدعم، بين 18 و 30 شهرًا، خصوصًا إذا كان يستخدم القليل من الإيماءات للتواصل، ويُعاني من بُطْءٍ في تعلم الكلمات الجديدة، كما يمكن للآباء وللبالغين المُحيطين بالطفل إجراء مناقشات عابرة معه، فهي عامل مُساعد لاكتشاف بعض جوانب الخلل في نمو الطفل، وعامل مُساعد لتقوية مهارات الاتصال وتطويرها.

 القسم الثاني

العلم في خدمة المَيْز الطّبَقي والعُنصري؟

هل توجد علاقة بين حجم الدماغ والذكاء؟

يقوم النظام الرأسمالي (وبعض المنظومات السابقة له) على مبدأ عدم المُساواة وعلى التّسلسُل الهَرَمِي بين الطّبقات، ونجحت الإيديولوجية السّائدة في إقناع ذَوِي المراتب الدّنيا (الفُقراء) لقُبُول هذه العلاقات الهَرَمِيّة، واعتبار رَفْض هذه الفَرَضِيّة من المُحَرّمات، وبذلك استعْبَد النّظام الرأسمالي السّواعد، وسيطَرَ على العُقُول، لِنَبْذِ الأفكار الثورية، ومفاهيم الحُرّيّة والعدالة والمساواة بين البَشَر، بل تَمَيَّزت الرأسمالية، منذ نهاية القَرْن الثّامن عشر، باستخدام الحُجَج العِلْمية لتبرير التمييز العُنْصُرِي، ولنبذ الزواج المُختلط، أو التزاوج بين الأعراق “المتباعدة” لأنه يمكن أن يؤدي إلى ما سُمِّيَ “التنافر الجيني”، وبذلك تم استخدام العِلْم لتبرير القمع ضدّ السّكّان الأصليين في أمريكا الشمالية وأستراليا، وجنوب إفريقيا، ولا تزال مجموعات النازيين الجدد تدّعي أن الزواج المختلط بين المُسْتَوْطِنين الأوروبيين والسّكّان الأصليين يُضْعِفُ “العرق الأبيض”، ولذلك وجب استمرار أو توسيع سياسات المَيْز (بل الفَصْل) العُنْصُرِي…

أخيرًا ، اسْتَخْدَمَ العلمُ النظريةَ القائلةَ بأن بعض المجموعات تَتَمَيَّزُ بسمات معرفية وسلوكية أقل تطورًا من المجموعات الأخرى، وذلك بهدف تبرير التمييز العنصري، وأضْفَتْ هذه النّظريات وأسْلافُها، منذ فترة طويلة، صفة الشرعية “العلمية” على أعمال القمع وتدّعي أن هذه السمات وِراثية، ولا علاقة لمسائل النّمُو والتّعلّم والنّجاح العلمي بقضايا المساواة الاجتماعية أو الوضع الإقتصادي أو الطّبقي للمُتَعَلِّمِين أو لأفراد المجتمع، وتم تعميم هذه النّظريات العنصرية على مجمل سُكّان العالم، حيث استخدمت الفئة الأكثر عُنصُرِية، ضمن المجموعات الرأسمالية الحاكمة، خلال الرّبع الأول من القرن العشرين، اختبارات الذّكاء، بِشَكْلٍ مُوَجَّه، وزعمت أن هذه الإختبارات أظهرت أن سُكّان جنوب وشرقي أوروبا أقل ذكاءً من سُكّان أوروبا الشّمالية، وبالتّالي فهم غير قادرين على حُكْمِ أنفُسِهم، ما يُبَرِّرُ استعمارهم من قبل الأوروبيين الشماليين، الذين يتميزون بالذّكاء الفائق وبالحزم والتصميم، كجزء من طبيعتهم الجِينِيّة.أما الشُّعُوب الأخرى، من خارج القارّة الأوروبية فهي تكاد لا تُصَنَّفُ ضمن فئة البَشَر. 

في النصف الثاني من القرن العشرين، أصْبح الجدل يرتكز على السمات الفكرية والأخلاقية لتبرير الإختلافات بين السود والأعراق الأخرى، بهدف الحفاظ على هيمنة الأقلية البيضاء في إفريقيا والفصل العُنْصُرِي القانوني في الولايات المتحدة، واضطهاد شُعُوب آسيا وإفريقيا وأمريكا الجنوبية، واخترع العُلماء العُنصريون (مثل غلايد ويتني وغي فليب راشتون وغيرهما) “قانون التّطوّر الأساسي” الذي يُبَرِّرُ العنصرية “لأن أسبابها كامنة في سلوك السود، سواء في إفريقيا أو في الشتات، وستميّز هذا السُّلُوك بانخفاض درجة الذّكاء وعدم الإهتمام بتربية الأبناء وبارتفاع معدلات الجريمة وانخفاض مهارات التعلم وانتشار الأمراض…”

بادرت منظمة الأمم المتحدة للعلوم والتربية والثقافة (اليونسكو)، بعد الحرب العالمية الثانية، إلى عَقْدِ مؤتمرَيْنِ حول العِرْق والجنس، بمشاركة علماء مشهورين عالميًا، واتفقت المجموعتان المُشارِكتان، على “إن المساواة في الحقوق حقٌّ لجميع أفراد المجتمع، ووجب تطبيق المبادئ الواردة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة”، ويُعتَبَرُ هذا “الإعتراف” خطوة إيجابية، رغم عدم إدْراج المُساواة الإقتصادية والسياسية الفِعْلية، وليس في مجرد “الحقوق”، ضمن  المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان…

تأثير الفوارق الطبقية

لم تُؤثِّر إعلانات حقوق الإنسان في واقع التمييز والإستغلال والإضطهاد، إذ بقي الإعلان مُجَرّد واجهة، ففي الولايات المتحدة، خلال فترة العُدْوان على شعب فيتنام، أجرت لجنة من العُلماء، بإشراف وزارة الحرب، بحْثًا استقصائيا، شمل عَيِّنَة من الجُنود الرجال السود حصراً، وهم من الجنود الشُّبّان غير الُحاصلين على مُؤهلات علمية عالية وغير مُدَرّبين، وجميعهم من أُسَر فقيرة، مقابل عينة أخرى من الجنود والضُّبّاط البيض الأكبر سنًّا، ومن ذوي المُؤهلات المرتفعة والتّأهيل العلمي والمهني، ومن أُسَر ميسورة الحال، واستنتجت الدّراسة أن السُّود أقل ذكاءً، لأن حجم دماغهم أصْغَرَ من حجم دماغ البيض، الأكثر ذكاءً، وعمّمت هذا الإستنتاج ليشمل جميع السود وجميع البيض، وهكذا ، فإن العلاقة التي لوحظت لم تكن بين حجم الدماغ ومعدل الذكاء، ولكن بين معدّل الذّكاء وظروف المعيشة وما تبعه من تدريب أو تأهيل، وإذا كانت النتيجة صحيحة من ناحية رياضية (نَظَرِيّة بَحْتَة) بحكم اختيار أفراد العيِّنَتَيْن بشكل غير مُتوازن، فإن الإستنتاجات أو التّفسيرات خاطئة، لأن البيانات المُستخدَمَة في الدّراسة كانت من أساسها متحيزة، وتهدف تأكيد وتَبْرِيرَ نَظَرِيّة أو فِكْرَة عُنْصُرِيّة مُسبقة…

تَحْدُثُ الزيادة في حجم الدماغ بالتوازي مع اكتساب مهارات جديد، ولا يتعلّق الأمر بالذّكاء، ولكن يتعلق، في تاريخ الإنسانية، باكتساب المهارات لتصنيع الأدوات التي تُيَسِّرُ عَمَلَ الإنسان، فكان تصنيع الأدوات من الحَجَر، ثم من المعادن، كما ظهرت أشكال من الكتابة والتّعبيرات الرّمزية، التي يمكن إدراجها في باب أدوات التّخاطب، أو في باب الثقافة والفُنُون التي سمحت بتطوير القدرات المعرفية وإتقان العَمَل ومختلف المَهام من الدّفاع عن النّفْس، واتّقاء شر الطبيعة والبرد والحر والأمطار والثلوج، أو لجمْع القُوت اليومي من الصّيْد ثم من الزراعة…

يوجد رابط بين الخلفية الاجتماعية والاقتصادية من ناحية، والتدريب ونتائج اختبارات معدل الذكاء من ناحية أُخرى، فالمعايير الإيديولوجية وحجم الجمجمة أو لون الجلد لا يحدد القدرات الفكرية للإنسان، أما حجم الدّماغ فهو مُرتَبِطٌ بالمناخ الطبيعي والإجتماعي، ومن الناحية العلمية فالارتباط المحتمل ليس دليلاً على وجود علاقة سببية، وعمومًا لا يُؤَثِّرُ حجم الدّماغ أو الأصل العرقي أو الجنس أو اللّون في تطور ملكة الإدراك والتّطَوُّر والنّقد، وفي تطور ذكاء الإنسان وحصوله على مُؤَهّلات علمية أو دراسية عالية، وأكدت العديد من الدراسات في علوم التربية َتأثير المُحيط العائلي والمُجْتَمَعِي، وكذلك المُستوى المادّي والثقافي للآباء على تعلم وتفوق الأطفال في مختلف مراحل الدّراسة.

يمكن للآباء المُتعلِّمين مساعدة أبنائهم على النمو السليم وعلى تعلّم القراءة والكتابة في مرحلة مبكرة، وهو أمر غير مُتاح للآباء غير المتعلمين أو من يمارسون أعمالاً مُرهقة أو من يقطنون في مساكن ضيّقة وغير صحّيّة، ولا يُتْقِنُون قواعد اللغة المكتوبة أو الرياضيات والعُلوم، وبالتّالي فإن العديد من الآباء يعجزون عن تعزيز المُكتسبات الأساسية التي يحصل عليها الطفل في المدرسة، وعن إثراء معارفه، وفضلا عن ذلك فإن قاعات الدراسة مُكْتَظّة في الأحياء الفقيرة وفي الأرياف، فضلا عن المسافات البعيدة التي يقطعها الأطفال للوصول إلى المدرسة، خلافًا للأحياء المُتْرَفَة، حيث عدد الأطفال مُحدود، وحيث تتوفّر الوسائل البيداغوجية ومُختبرات التّجارب العلمية، ما يجعل من الأُصُول الطّبَقِيّة للتلاميذ عاملاً مُساعدًا على النّجاح أو الفَشل، وقد يكون مُحدّدًا في معظم الحالات…

أما المُدَرِّسُون فإنهم مُقَيَّدُون بقرارات وإملاءات السُّلْطة السياسية ( الحكومة ومُمثلي سلطة الدّولة)، ويمْكن للمُدَرّسين التّجديد واختيار إحدى الطّرُق أو المناهج المُجَدِّدَة، إن سُمِحَ لهم بذلك، لكنهم لا يستطيعون تجاوز هامش ضَيِّق من الحُرِّيّة، وتبقى جُهُودُهم الفَرْدِية هامشية، لأن المدرسة جُزْءٌ من سُلْطة الدّولة التي تستخدمها لتكوين مواطني المستقبل المُتَكَيِّفين مع الإقتصاد الرأسمالي الليبرالي…

من أجل تعليم ديمقراطي

من الوهم الإدّعاء بإمكانية فَرْض تعليم ديمقراطي (أو مدرسة ديمقراطية) في ظل نظام طبقي، قَمْعِي أو استعماري وعُنْصُرِي، لكن يُمكن تحسين العلاقات بين إدارة المدرسة والمُدَرِّسِين وأولياء التلاميذ، وبين ممثِّلِي المُؤسّسة التعليمية والتلاميذ، وتشجيع الأطفال والطّلبة على العمل الجماعي، لتدريبهم على التّعاون وتبادل الأفكار والآراء، وخفض درجة التعامل العنيف فيما بينهم، وعلى تقْوِيم عمَلِهِم، ما يُساعدهم على تنمية شخصيتهم وتطوير المهارات الاجتماعية كالتنظيم الذاتي الجماعي، والتّدريب على التّسْيِير الذّاتي، ويكمن دور المُعلِّم في تحفيز الفُضُول والرغبة في اكتساب المعارف، وتحويل التّعَلُّم من واجب ثقيل إلى مُتعة، بحسب تعبير “باولو فريري” ( 1921 – 1997)، صاحب مدرسة “بيداغوجيا المقهورين” و”بيداغوجيا الإستقلالية” الذي زاد إصراره على تطوير “بيداغوجيا المُضْطَهَدِين”، بمُوازاة مُقاومة الدّكتاتورية العسكرية بالبرازيل، ثم في بلدان أخرى من أمريكا الجنوبية، وتعليم المُضْطَهَدين الثّقة بالنّفس وتحفيز وتطوير كفاءاتهم وقُدُراتهم الكامنة والتي احتجزت الدّكتاتورية والنّظام الطّبقي تَطَوُّرَها…

أظْهَرت تجارب المُعلّمين والمُرَبِّين بُطْلان النظريات العُنصُرية، رغم تغليفها بالعِلم، إذْ ترتبط درجة تطوير الكفاءة والمهارات الدّراسية بعوامل عديدة، (وليس بالوراثة وحدها) منها الأصل الاجتماعي والثقافي وبالانتماء الطبقي للمُتعَلِّمِين، ولا علاقة للجنس واللّون بالتّطوّر الذهني وبتنمية مستوى المعارف والقُدُرات العِلْمية، وبالأخص في المرحلة الثانوية والجامعية من التعليم.

هناك إشكالات عديدة أخرى، ترتبط بالميزانيات التي تُخصّصها الدّولة لمؤسسات التعليم، وللبحث العلمي وتأهيل المُدرِّسِين، وعلى سبيل المثال، لا توجد دراسات كثيرة حول العلاقة بين عدد التلاميذ في الفصل الواحد والنتائج، لكن نشرت نقابات التعليم في دول عديدة بعض الإحصائيات الجُزْئِيّة، تُبيّن أن الفُصُول ذات الأعداد الأصغر من التلاميذ (خصوصا في التعليم الثانوي والجامعي) تسمح بمناخ عمل أكثر هدوءًا وتركيزًا ومتابعة، حيث يكون لدى المعلم المزيد من الوقت لتكريسه لكل مُتَعَلِّمٍ، ما يزيد من فُرَص الإستيعاب وربما النجاح الأكاديمي، لكن عادة ما تكون المدارس مُكتظّة في الأحياء الفقيرة وفي الأرياف، وبذلك تتداخل مسألة الإنتماء الطّبقي بنوعية أو جودة التعليم التي يتلقاها أبناء كل طبقة، وتُطالب نقابات التعليم بتحسين ظروف العمل لتحسين جودة التعليم.

تُصنّف نظريات “سيلستين فرينيت” و”ماريا مونتيسوري” و”رودولف شتاينر”” وأوفيد ديكرولي” ضمن “المدرسة الجديدة” أو “التّعليم البديل”، وتم تطبيق بعض هذه التجارب منذ النصف الأول من القرن العشرين، وتم اعتبارها أيضًا بمثابة “رد الفعل على الطّرق البيداغوجية التقليدية”، ومحاولة لإعادة تعريف العلاقات التربوية بأكملها، لكن بعض هذه “المدارس” أو “الإتجاهات البيداغوجية” يتكيَّفُ تمامًا مع قيم الليبرالية الإقتصادية، ويُطبّق “المنافسة الحُرّة”، باسم “تحرير التّعليم”، فيما يناضل آخرون من أجل تعليم ديمقراطي، يسمح بتساوي الفُرَص بين أبناء الميسورين وأبناء الفُقراء، فالتعليم ليس قضية بيداغوجية أو أكاديمية “مُحايدة”، بل قضية سياسية، فإما يكون التعليم ديمقراطيا أو يكون نخبويًّا…  

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.