أُسْطُورة الديمقراطية الأمريكية، الجزء الثاني والأخير، الطاهر المعز

تعرض الجزء الأول إلى هيمنة الولايات المتحدة على المنظومة العسكرية والإعلامية على مستوى عالمي، وهو ما تُظْهِرُهُ الأحداث الحالية المُتعلِّقَة بأوكرانيا، فيما يتعرّض الجزء الثاني إلى الوضع الدّاخلي، من خلال التّأكيد على الإستغلال الطبقي وعلى الإضطهاد الذي يتعرّضُ له المواطنون السُّود

الجزء الثاني

نضالات يُشَوّهُها ويَطْمُسُ  أخبارها الإعلام الأمريكي

دَوْر الأمريكيين السُّود في النضالات الطّبقية ومن أجل المُساواة

 نشأت الحركة العُمّالية الأمريكية على أُسُسٍ إثنية غير مُعْلَنَة، وتجاهلت مسألة اضطهاد السود، ولما تأسّست النقابات ضمن الفيدرالية الأمريكية للعمل ( AFL ) خلال الرُّبع الأخير من القرن التّاسع عشر، كان عمودها الفقري يتألف من نقابات المِهَنِيِّين والعمال المَهَرَة من ذوي التّأهيل العالي، وكانت ترفض انضمام العُمال غير المَهَرة والعُمّال السُّود، خصوصًا خلال الفترة المتراوحة بين 1880 و 1930، حيث ساهمت الفيدرالية الأمريكية للعمل في تأبيد ونَشْر وممارسة الاضطهاد العرقي، بنفس الدّرجة التي كانت تُمارسها مؤسسات المجتمع الرأسمالي الأمريكي. في المُقابل، كان حوالي 30% من منتسبي نقابة عُمّال الموانئ (تأسست سنة 1902) من العُمّال السُّود، كما كانت نقابة “عمال المناجم المتحدة” (تأسّست سنة 1890) تضم نحو عشرين ألف عاملا من السود، ما اضطرّ قياداتها إلى إثارة مواضيع شبه مُحَرَّمة آنذاك، منها الفوارق في الرواتب وفي الرُتَب بين العُمّال السود والبيض، وكان النضال من أجل المُساواة أحد أسباب محاولات القضاء على هذه النقابة، كما قَمَعت السُّلُطات نقابة ناشري الخشب في لويزيانا، بسبب عدم التفرقة بين السود والبيض.

ساهم العُمّال الإشتراكيون، سنة 1905، في تأسيس منظمة “عمال العالم الصناعيين”  (IWW)التي كانت تُعارض الإتجاه “المُحافظ” (الرجعي) للفيدرالية الامريكية للعمل ( AFL ) وكانت تضم كل عمال الصّناعات كيفما كانت درجة تأهيلهم ولون بشرتهم وجنسيتهم، وبلغت نسبة العمال السود بها نحو 10% أو حوالي مائة ألف عامل بقطاع الصناعات، من إجمالي مليون عامل منتسب إلى  ( IWW ) وقمعت السُّلُطات بشدّة هذه النقابة بعد مُعارضتها مشاركة الولايات المتحدة في الحرب العالمية الأولى.

منذ بداية القرن العشرين، ارتفعت وتيرة التّصنيع بالولايات الشمالية، بينما كان معظم السود يعيشون في الجنوب، وهاجر نحو مليون منهم من الجنوب إلى الشمال خلال الفترة السابقة للحرب العالمية الأولى، وتواصلت حركة تنقّل السكان السود من الجنوب إلى الشمال، ليعيش جُلُّ السود بولايات الشمال والغرب، قبل نهاية الحرب العالمية الثانية، إذْ كان المَيْز العنصري سائدًا، بتشجيع من الدّولة، رغم غياب الإطار القانوني، حيث أنشأت الدّولة المركزية، خلال أزمة 1929-1933 (رئاسة “روزفلت”) مُجَمّعات سكنية ومدارس ومستشفيات للبيض، بعيدًا عن مناطق سكن السود التي كانت تتعرض للحرق والتّفجير في العديد من الولايات.   

على الصعيد النّقابي، تأسس اتحاد النقابات  (CIO)سنة 1935 خلال موجة من الإضرابات، وكان يُعارض الميز في الحقوق أو ما كان يسميها “ممارسات انعزالية”، وحاول تنظيم العمال السود لإحباط مُخطّطات شركات ولايات الشمال التي تعمل على تأجيج المُنافسة بين العُمّال على أساس العرق واللّون، وتشغيل السّود للقيام بالأعمال الأكثر صعوبة، والأدنى أجرًا، ونجحت الشركات من تقسيم الطبقة العاملة ومن استخدام جُزْءٍ من الطبقة العاملة ضد الجزء الآخر، خصوصًا أثناء الإضرابات، وعلى سبيل المثال، أضرب العُمال البيض بقطاع صناعة السيارات بديترويت، سنة 1943، ونفذوا اعتداءات عنصرية عنيفة ضد العُمّال السّود الذين هاجروا من الجنوب، كما أضْرَبَ العُمّال البيض بخط الترامواي في فيلادلفيا، سنة 1944 ضد تشغيل العمال السود لقيادة القطارات، وأعلن البيض رفض ترقية زملائهم السود الذين تعلموا القيادة.

بدأت الحركة الإشتراكية، منذ سنة 1853، أي قبل تأسيس الأُمَمِيّة الأولى، حملةً لِمُعَارَضةِ اضطهاد السود، وأعلنت عصبة العمال الامريكيين في شيكاغو، “حَقَّ جميع العمال الذين يعيشون في الولايات المتحدة، ودون تمييز في المهنة واللغة واللون او الجنس، أن يصبحوا أعضاء”، وحاولت تَوْحِيدَ الطبقة العاملة، ورَفْضَ استخدام التفرقة والتمييز من قِبَلِ الرأسمالية الامريكية، بهدف زيادة استغلال كل العمال، لكن الحزب الإشتراكي الأمريكي، كان يضم في بداية القرن العشرين، جناحًا يمينيًّا عُنصُرِيًّا، عَرْقَل النّضال من أجل المُساواة، رغم جهود العديد من القيادات والفُرُوع التي كانت تُكافح العنصرية داخل الحركة العمالية.

عندما تأسّس الحزب الشيوعي، سنة 1919، أنشَأَ منظمات مُختلطة، تناضل ضد اضطهاد السود، وشدّدَت الأممية الشيوعية على ضرورة النضال من أجل المُساواة، والنشاط والدّفاع عن قضايا العُمّال السُّود والإهتمام بالمشاكل الخاصة بهم وتحسيس العُمّال البيض بهذه الخصوصيات، خدمةً لقضايا الطّبقة العاملة، وقام الحزب الشيوعي الأمريكي، سنة 1931، بحملة عالمية ونجح في تبرئة ثمانية شبان سود، تم اعتقالهم والحُكْم بإعدامهم ظُلْمًا، بتهمة اغتصاب شابّتَيْن من البيض بولاية آلاباما، في حين أنهم كانوا أبرياء من ذلك، ورفضت “الجمعية الوطنية لترقية الملونين” الدفاع عنهم، فتحمّل الحزب الشيوعي مسؤولية إظْهار الحقيقة وتبرئتهم، ما اكسبه شعبِيّةً لدى المواطنين والعُمّال السُّود.

جَنّدت الحكومة الأمريكية، خلال الحرب العالمية الثانية، حوالي ثلاثة ملايين شاب، وأرسلت منهم نصف مليون إلى أوروبا، وبعد الحرب عزّز هؤلاء (أو من بقي منهم حيًّا) أعداد الفُقراء في الحَواضِر، وبقوا مَحْرُومين من حق التصويت ومن السّكن اللائق ومن العديد من الحقوق السياسية والمدنية والإنسانية، بل كانوا يتعرضون للقمع والملاحقة القضائية والإعدام ضمن إطار القضاء وخارجه، وعبّر العديد من الجنود العائدين عن استيائهم من التمييز في صفوف الجيش، بينما كانت حياتهم مُعَرّضَة للخطر، وبدأت تظهر بعض الأشكال الجديدة للمقاومة ومن التعبير عن رفض الخضوع، ففي شهر شباط/فبراير 1946 تشاجر في كولومبيا (تينيسي) شخصان، أحدهما أسود والآخر أبيض، وكان الأسود مُتغلِّبًا، قبل تدخّل أربعة من عناصر الشرطة (وهم من البيض طبعًا) وانحيازهم إلى جانب المواطن الأبيض، فتظاهر السّكّان السود وهاجموا رجال الشرطة، وتعددت مثل هذه الحوادث التي تُظْهِرُ ارتفاع دَرَجَة غضب المواطنين السّود ورفضهم الخضوع، وبالتوازي مع مظاهر التّمرّد، تعدّدت الاحتجاجات من أجل المُساواة والحُقُوق المدنية والتعليم المختلط، لتتحول بداية من سنة 1955 إلى حركة شعبية، إثر ملاحقة السّلُطات للسيدة “روزا باركس” (1913 – 2005) وإلقاء القبض عليها يوم الأول من كانون الأول/ديسمبر 1955 في “مونتغمري” بولاية “ألاباما”، لرفضها التخلي عن مقعدها بالحافلة لرجل أبيض، فقد كانت مُرهقة بعد انتهاء عملها في خياطة الملابس التي يرتديها السّكّان البيض، وأظْهرت “روزا باركس” أن السود لم يعودوا خائفين، وهم يُدافعون عن حقوقهم الأساسية، بل هم قادرون على تنظيم انتفاضة واسعة، إذ أدّى اعتقالها إلىمُقاطعة السكان السود للحافلات طيلة 381 يوما، فكان حوالي خمسين ألف مواطن أسود بالمدينة يقطعون مسافات تصل إلى عدة كيلومترات بين منازلهم وأماكن عملهم، وكان بعض من لديهم سيارات يتعاونون لنقل بعضهم البعض للذهاب إلى العمل، وسجنت السلطات ما لا يقل عن مائة من هؤلاء  المناضلين السِّلْمِيِّين، بتهمة تنظيم حركة المقاطعة، وفَجَّرَ العُنْصُرِيُّون البيض أربع قنابل في كنائس السود، وانتهت حركة المُقاطعة، بإعلان المحكمة العليا حظر الفصل العنصري في وسائل النقل العام، ما شكّل انتصارًا رمزيًّا لحركة المُقاطعة، كفعل جماعي في مسار الكفاح الجماهيري (كنقيض للنّخبوي) ضد الإضطهاد ومن أجل المُساواة، وبقيت حركات الإحتجاج سِلْمِيّةً، لكنها تنوعت وأصبحت أكثر جرأةً، إذ شارك حوالي سبعين ألف طالب أسود في خَرْق الحظر المفروض على الطلاب السّود ارتياد الأماكن المُخَصّصة للبيض، طيلة سنة 1960، وتم اعتقال 3600 من هؤلاء “العُصاة”، كما ألقت الشرطة القبض، سنة 1961 على المواطنين السّود والبيض الذين كانوا يُشاركون في رحلات الحرية ( freedom rides ) دون التّقَيّد بالفصل العُنصري في الحافلات وقاعات الإنتظار ودورات المياه، ما عرّضهم إلى قمع المُنَظَّمات العُنْصُرِيّة والشرطة، ومع توسُّع حركة المُقاطعة، وعدم التّقَيُّد “بقواعد” الفصل العنصري في الفضاء العام والمؤسّسات، بدأت أجهزة الدّولة تعمل، منذ منتصف ستينيات القرن العشرين، على استبدال الإضطهاد المفضوح باضطهاد أخْبَثَ وأقل ظُهُورًا للعيان، للتّحكّم في المواطنين بشكل أفْضَلَ، ولخنق كفاح السُّود وللتّفرُّغ لمحاربة الشيوعية، مع استمرار عمليات اغتيال المواطنين السُّود وممارسة الميز العنصري في مجالات العمل والسّكن والتّعليم، بتواطؤ من النقابات أحيانًا، وظهر جيل جديد من المناضلين السود، منهم “مالكوم إكس” ( 1925 – 1965) الذي أدّى اغتياله إلى احتجاجات عنيفة، وتكررت انتفاضات السّود المحصورة في مدينة أو في ولاية، لكن عدد القتلى والمُعتقَلِين كان مُرتفعًا جدًّا، ففي مدينة “ديترويت”، عاصمة صناعة السيارات، قمع الجيش، سنة 1967، ما لا يقل عن 43 مواطن أسود، وأصاب ما لا يقل عن 1200 بجروح مختلفة الخُطُورة، واعتقل قرابة 7200 متظاهرًا، ودَمَّرَ نحو أَلْفَيْ مسكن ومبنى، إثر عصيان نفذه سُكّان المدينة احتجاجًا على عمليات القمع والإغتيال، ومن هذه الأجيال الجديدة للمقاومين، ظهرت حركة “قُوَّة السُّود” ( بلاك بُوِر ) إثر انتفاضة المَعَازل، أو الغيتوهات، حيث يتم عَزْل السكان السُّود بعيدًا عن مناطق سكن البيض وعن المرافق الضّرورية للحياة اليومية، ومزجت حركة “بلاك بور” النضال ضد العنصرية بالنضال ضد حرب فيتنام، حيث كان عدد القتلى من الجنود السود الفُقراء مُرتفعًا، وكانت مختلف تيارات حركة “بلاك بُوِر” تُعبِّر عن تقدّم أو تَجَذُّر وعي المواطنين السّود، ولكنها، تُمثّل (سياسيا)  طموحات البرجوازية الصغيرة المُتعلّمة السوداء، التي تُريد الحصول على حصّة من النمو الإقتصادي، ولذلك لم تكن منخرطة في نضالات الحركة العُمّالية ولا في حركة الصراع الطبقي، خلافًا لحركة “الفُهود السُّود” (بلاك بانترز”) التي انتقدت الحركة العمالية الأمريكية لأنها “لم تطرح مسألة السلطة”…

تأسَّسَ حزب الفهود السود سنة 1966، “للدّفاع عن النّفس” وضد حرب فيتنام وضد سحق حركات تَحَرُّر الشعوب من قِبَل الإمبريالية الأمريكية، وكانت شعاراتهم أوْسَعَ نطاقًا من الحركات التي سبقتهم، وربط الحزب القمع الدّاخلي للسود وللفُقراء والعُمّال، ب”الحملة الصليبية التي تشنها أمريكا في العالم باسم الحرية، وما هي سوى قناع لسَلْب إرادة الشُّعُوب” وتمكّن الحزب من اجتذاب شباب الأحياء الأكثر فَقْرًا، وكانوا يحملون السلاح، ويظهرون عند اعتقال الشرطة أي شاب أسود، ويقرؤون مقتطفات من القانون الجنائي، مما يجبر الشرطة للتراجع عن اعتقاله، لأن ذلك مُخالف للقانون، ولأن الرجال المُسَلّحين مُستعدّون للإعتراض على المُمارسات غير القانونية، وبذلك توسّع انتشار حزب الفهود السُّود، خلال أربع سنوات، في حوالي سبعين مدينة، وقام مكتب التحقيقات الإتحادي (إف بي آي) باغتيال قادتهم، منهم “فريد هامبتون” (شيكاغو) ليلاً، في بيته، وقامت الشّرطة بتزوير الوثائق والأدلة المُزَيَّفَة لإدانة العناصر القيادية، واستخدمت الحكومة منظومة برنامج الإستخبارات “كوينتلبرو ( COINTELPRO ) الذي أُنْشِئ في الأصل، سنة 1950، “لمحاربة الشُّيُوعية”، لترويج أدلّة وتُهم مُزَوّرَة بهدف عزل مناضلي الحزب عن محيطهم وعن مُناصريهم، بالتوازي مع تكثيف حملة الإعتقالات والإغتيالات، وخلال احتجاجات المساجين، سنة 1970، اتّهمت إدارة السُّجُون “جورج جاكسون” (سجن “سوليداد” في كاليفورنيا) بقتل أحد حراس السجن، لِتَبْرِير عملية اغتياله، قبل أن تُعلن المحكمة براءة من اتُّهِموا معه، كما تمت بالمُناسبة ملاحقة واعتقال وسجن “أنجيلا ديفيس” ( كانت عضوة في الحزب الشيوعي وفي حزب الفهود السود ) وكان “رونالد ريغن” – رئيس الولايات المتحدة لاحقًا- بصفته حاكم ولاية كاليفورنيا آنذاك (سنة 1969) قد طلبَ طَرْدَهَا من وظيفتها بالجامعة، حيث كانت أستاذة فلسفة، لكن أمرت المحكمة بإعادتها إلى منصبها، كما تمت تبرئتها من تهمة تهريب الأسلحة إلى السّجن (سنة 1970) أثر حملة واسعة لإطلاق سراحها وسراح جميع السجناء السياسيين، وتمت تبرئتها سنة 1972 بعد قضاء 18 شهرًا بالسّجن…

تأسست – في خضم حركة الحقوق المدنية وانتفاضات السود ومعارضة العدوان على فيتنام – منظمات صغيرة دعا بعضُها إلى النضال المشترك داخل الطبقة العاملة، ومن بينها “رابطة العمال الثوريين السود”، التي تأسست سنة 1969 في مدينة “ديترويت”، عاصمة صناعة السيارات، وحاولت التواجد داخل المصانع، “من أجل بناء حزب عمالي ثوري”، وكان قادتها مُتأثِّرِين بأفكار ماو تسي تونغ، وكذلك بفكرة تحرُّر السُّود الأمريكيين، وبالدور الرئيسي للطبقة العاملة في تهديد السلطة الرأسمالية.

انتشر الإحتجاج كذلك بين مشاهير الرّياضيين السود، فقد رفض “محمد علي كلاي”، بطل العالم للملاكمة (وزن ثقيل)، سنة 1967، تأدية فترة الخدمة العسكرية والذّهاب إلى فيتنام، لمناهضته للحرب، وحُكِمَ عليه بخمس سنوات سجن وبغرامة قدرها عشرة آلاف دولارا، وتم حرمانه من ممارسة الملاكمة لثلاث سنوات، وتجريده من لَقَبِهِ، الذي استعاده سنة 1974، كما استغل البَطَلان الأُولمبِيّان “تومي سميث” و “جون كارلوس” منصّة تَتْوِيجِهما، خلال الألعاب الأولمبية بمكسيكو، سنة 1968، لرفع قبضتيهما، منحنيَّيْ الرأس، أثناء النشيد القومي الأمريكي، كتعبير عن غضب السُّود من التمييز والقمع والعُنف الذي يتعرّضُون له…

  في هذا المناخ، وفي ظل ملاحقة مكتب التحقيقات الإتحادي للمناضلين والشُّبّان السود (وغيرهم من التّقدّمِيِّين) واعتقال الآلاف من الشّبّان السود بتُهم مختلفة، وسجنهم إثْرَ محاكمات غير مُنْصِفَة، بحسب القوانين والإجراءات الأمريكية، واغتيال العديد منهم، نشبت سنة 1971، حركة تمرد وإضراب السُّجناء العاملين في سجن أتيكا في ولاية نيويورك خلفت ثلاثة وأربعين قتيلا.

يُعدّ هذا الإضراب، وما تلاه (أشهرها إضرابات 2016 و 2021) جُزءًا من نضالات الفئات الأكثر استغلالا ضمن الطبقة العاملة، خصوصًا وأن معظمهم من السّود الذين لا يُشكّلون سوى 12,5% من سكان الولايات المتحدة وقرابة 20% من الطبقة العاملة، وتبلغ نسبة البطالة لدى السود ضعف نسبتها لدى عموم السكان، وتصل إلى 50% لدى الشباب السود، وقد تتجاوز نسبة الـ 70% لدى من ليس لديهم شهادة الدراسة الثانوية، إذ لا يتمكّن 46% من شباب الأُسر السوداء من استكمال مرحلة التعليم الثانوي، مقابل 25% لأبناء الأُسَر البيضاء، وترتفع نسبة الأُمِّيّة (صعوبة الكتابة والقراءة) إلى 38% لدى السود، مقابل 14% لدى البيض وتبلغ نسبة الوفيات لدى القاصرين السود (أقل من 18 سنة) 10% بسبب الفقر والعجز عن تسديد ثمن العلاج وبسبب انتشار الإجرام في الأحياء الفقيرة، فضلا عن الجرائم العنصرية وإطلاق النار عليهم من قِبَل عناصر الشرطة.

أما في صفوف الطبقة العاملة فيُشكّل العُمال السُّود الجُزْءَ الأَكْبَرَ ممّن يشغلون الوظائف الأقل مهارة والأكثر هشاشة والأقل أجْرًا ولذلك لم يكن من اليسير على العُمّال السُّود جَرّ العُمّال البيض، للإضراب والنّضال ضد رأس المال الذي يستغل الجميع، غير أن للعُمال البيض امتيازات فهم يشغلون وظائف برواتب أعلى وبعقود ثابتة، حيث يُقَدَّرُ متوسط دخل الأُسر البيضاء بضعف دخل أُسَر المواطنين السُّود، ولم يستفد السُّود كثيرًا من ارتفاع مستوى الدّخل، حيث بقي وضعهم على حاله منذ 1960، ليبلغ معدل الفقر لدى السود ثلاث أضعافه لدى البيض، ويبلغ متوسط ثروات أُسَر البيض ستة أضعاف معدل ثروات أُسَر السود، مع التّأكيد على ارتفاع تكاليف التعليم والرعاية الصحية… على أي حال اكتسبت الرأسمالية الأمريكية خبرة فائقة في تقسيم الطبقة العاملة وعزل المُناضلين وشن الحملات الإعلامية، بالتّوازي مع التّشويه والإعتقالات والإغتيالات، لمنع اتحاد كل فئات العاملين ضدها، كعدو مُشترك للطبقة العاملة، في ظل غياب حزب عُمّالي ثوري…

أدّت نضالات حركات السود الأمريكيين ومُساهمتهم في نضالات الطبقة العاملة، وفي تَوْسيع فضاء الحُرّيات، إلى فتح بعض الآفاق وتراجع الأشكال المَفْضُوحة للمَيْز العُنصُري، في أكبر قُوة امبريالية عالمية، لكن الرأسمالية الأمريكية تمكّنت من الإلتفاف على بعض المُكْتَسبات، ومن عَزْلِ المواطنين (والعُمّال) السود عن رفاقهم البيض، عبر تغيير شكل الدّعاية الإيديولوجية التي تنشرها وسائل الإعلام وبرامج التّعليم وأجهزة الدّولة، وعبر القمع السّافر والتّصفيات الجسدية (الإغتيال أو الحُكم بالإعدام عبر جهاز القضاء المُنْحاز) والإعتقال والسجن، ولا يزال المواطنون السُّود يُسَدّدون ثمنًا باهضًا لتطور الرأسمالية بالولايات المتحدة، فلا يزال المناضل “موميا أبو جمال” يقبع بالسّجن منذ 1981، وأُدين بجريمة قتل ثبتت براءته منها، وكذلك ألبرت وودفوكس ( الفهود السود) في زنزانة انفرادية منذ 43 عاما، فضلاً عمّن تم اغتيالهم داخل السّجون أو خارجها (راجع الفقرة المُوالية عن السُّجُون).  

لا يزال أكثر من أربعين مليون أميركي من السود في أسفل دَرَجات السُّلَّم الطبقي، وهم يُمثِّلُون جُزْءًا هامًّا من الطبقة العاملة الأمريكية، ولا يزال المواطنون السود يتعرضون للإغتيال من قِبَل عناصر الشرطة (ممثلي السّلطة ) وللإعتقال العشوائي وللأحكام الجائرة، ولم يخْتَفِ الإرث النّضالي لحركات الحقوق المَدَنِية والحركات الثورية، لكن لا يمكن للإنتفاضات العفوية إحداث تغيير جذري في أي بلد، وخاصة في عقر دار الإمبريالية المُهَيْمِنَة، خاصة مع تغيير الظّروف وتراجع دور النقابات والقوى التقدمية، في الولايات المتحدة وفي العالم، ولا يمكن مواجهة تدهور ظروف العيش وتدهور ظروف العمل وقطاعات السّكن والصّحة والتعليم دون وحدة المُتَضَرِّرِين من الإستغلال ومن الإضطهاد، سواء داخل الولايات المتحدة أو خارجها و،دون وجود حركات ثورية قَوِيّة ومُنضَبِطَة، ودون برامج وخطط، ودون استخلاص الدُّرُوس من التّجارب المحلّيّة والعالمية، ودون تضامن المُسْتَغَلِّين والمُضْطَهَدِين في العالم…

السّجون الأمريكية

استغلال عمل السّجناء وزيادة أرباح الشركات

لقد تَطَرَّقْتُ، منذ العام 2006، وفي مناسبات عديدة إلى التمييز في الولايات المتحدة واندماج المَيْز العُنْصُري بالإستغلال وبالإضطهاد والإحتقار(الإزدراء)، وكان آخرها مقال بعنوان “إضرابات العاملين بالولايات المتحدة” (تشرين الأول/اكتوبر 2021)، حيث أَشَرْتُ إلى الإضراب التاريخي الذي نفّذهُ المساجين العاملون، بمبادرة وإشراف مناضلي حزب “الفهود السّود”، خلال عقد السبعينيات، ويُعدُّ هذا الإضراب جُزْءًا من تاريخ نضالات الطبقة العاملة الأمريكية.

تُشَكِّلُ أجهزة السُّلْطة من شُرْطة وقضاء وسُجُون، أدواتٍ لتطبيق هذه النّظرة الإستعلائية، وتُشكّل السّجُون صُورَةً مُصغَّرَة عن الوضع داخل الولايات المتحدة، وسبق أن تمّ الإتفاق بين الجهاز التنفيذي (الحكومة الإتحادية) والجهاز القضائي (الكونغرس) منذ سبعينيات القرن العشرين على خصخصة السُّجُون، ضمن “البرنامج الإقتصادي الجديد” الذي أقرته الحكومة الإتحادية، في آب/أغسطس 1971، خلال فترة رئاسة “رتشارد نيكسون”، مع تجميد وحتى تخفيض الرواتب، ومنذ الثمانينيات، بدأ تفكيك ما تبَقّى من القطاع العام، ومنها نظام السجون، فتعاقدت الحكومة الأمريكية مع شركات خاصة تُشرف على إدارة وسَيْر السجون، وتعاقدت هذه الشركات بدورها مع شركات إنتاج صناعي لاستغلال العُمال المساجين…

تعكِسُ مُعاملة ذوي الإعاقة الذّهنية والمُسِنِّين الفُقراء والمَسَاجين حقيقة الدّيمقراطية في أي بَلَد، وفي الولايات المتحدة، أشارت المناضلة “أنجيلا ديفيس” (سجينة سياسية سابقة وعضو حزب الفُهُود السُّود، وعضو الحزب الشيوعي الأمريكي، سابقًا) إلى البُعْد الطّبقي للأحْكام القضائية، ولمعاملة المساجين داخل السّجون الأمريكية، ضمن مقال نَشَرَتْهُ، سنة 1997، بعنوان “علاقة العِرق بتجريم الأشخاص: السُّود الأمريكيون وتصنيع منظومة العُقُوبات”، وتضمن مقال أنجيلا ديفيس ما يجري في ولاية كاليفورنيا، ذات الرقم القياسي الأمريكي والعالمي في عدد المساجين، مقارنة بعدد السّكّان، حيث نَشَرت “إدارة إصدار الأحكام” بهذه الولاية، منذ سنة 1990، كُرّاسًا يُظْهِرُ مدى استفادة رأس المال من عمل المساجين، شبه المَجاني، ويروج الكُرّاس لبرنامج شراكة مبتكر بين القطاعين العام والخاص (هذه “الشَّرَاكة” التي أصبح تطبيقها واحدًا من شُرُوط الإقتراض من صندوق النقد الدّولي والبنك العالمي)، ويُعدّد البرنامج مزايا عمل المساجين، فهم قوة عمل شبه مجانية، جاهزة، تتضمن العديد من العُمّال المُؤهّلين، لا يُمكنهم الإضراب أو التّغَيُّب، ويستفيد رَبّ العمل من الإعفاء من تسديد التّأمينات والضّرائب، أما الأُجُور فهي رَمْزِيّة، ولا تتجاوز 15% (كحدٍّ أَقْصَى) من الأُجر الأدنى المعمول به بالولاية، وبذلك تنخفض تكاليف السلع الأمريكية، لتتمكّن من مُنافَسَة إنتاج الشركات والدّول المُنافِسَة…

سَنّت السُّلُطات الإتحادية، والسُلُطات المحلية في أربعين ولاية أمريكية، منذ العقد الأخير من القرن العشرين، قانونًا يسمح بالحُكم بالسّجْن المُؤَبَّد على أي شخص (ولو كان قاصِرًا) تمت إدانته ثلاث مرات، بارتكاب جريمة أو جُنْحة، واقترح حاكم “كاليفورنيا” تخفيض عتبة الإدانة إلى جُنْحَتَيْن، بدل ثلاثة، وكتَبَتْ “أنجيلا ديفيس”، تعليقًا على القانون: إن الهدف هو تكثيف الإعتقالات “الوقائية”، أي الإعتقال بسبب الإشتباه أو الظّن بأن الشخص يعتزم ارتكاب جريمة، وتعتبر أجهزة الدّولة، والإعلام السائد، أن السكان السود والمهاجرين والفُقراء هم مُجْرِمُون بطبعهم، لذلك تنتشر دوريات الشرطة بصورة دائمة في أحياء الطبقة العاملة والفُقراء، لاعتقال من يُشتَبَهُ به، بصورة استباقية، وتم بناء سُجُون ضخمة، بصورة استباقية أيضًا، وَجَبَ ملْؤُها وإجبارُ “نُزلائها” على العمل شبه المجاني، لكي تستغلهم الشركات الإحتكارية، وتستفيد من “الشراكة بين القطاعَيْن العام والخاص”…  

اجتمعت هذه العوامل: تكثيف الدّوريات البوليسية والإعتقالات والأحكام الجائرة واعتقال وسجن المناضلين المُطالبين بالمُساواة، لتجعل من السُّجُون بُؤْرَة غَضَب، وكان انفجار هذه الغضب عَفْوِيًّا في معظم الأحيان، ومُنَظَّمًا أحيانًا، وتُعَدُّ إضرابات المساجين عن العمل، من أهم محطات نضالات الفئات المَسْحُوقَة من الطبقة العاملة الأمريكية، فالولايات المتحدة تستغل قوة عمل المساجين لتعظيم أرباح الشركات العابرة للقارات، وخفض تكاليف إنتاج العديد من السّلع والتجهيزات والملابس، لتَقِلَّ عن تكلفة السّلع المُصنّعة بالهند أو بنغلادش أو كولومبيا…

يُشكّل سُكّان الولايات المتحدة نحو 5% من العدد الإجمالي لِسُكّان العالم، فيما تَضُمُّ سُجُونُها 25% من العدد الإجمالي لمساجين العالم، ويتّفق الحزبان الحاكمان على تشديد القَمع بذريعة مكافحة الجرائم والمُخدّرات، ما يُفسِّرُ ارتفاع عدد السجناء بين سنتَيْ 1970 و 2005، أي خلال فترات حُكْم الحِزْبَيْن الجمهوري والدّيمقراطي، بنسبة 700%، نتيجة تخطيط سياسي مُسْبَق، وبرامج مُعَدّة سَلَفًا، لتتمكن الرأسمالية الأمريكية (بما فيها وزارة الحرب الأمريكية)، قبل وبعْد خصخصة السُّجُون، من زيادة حجم العمالة الرّخيصة، واستغلال عمل السُّجناء، وخفض ثمن تصنيع الإنتاج والسّلع، وتحقيق نسبة عالية جدًّا من الربح، عند بيعها في الأسواق الدّاخلية والخارجية، دون أي إشارة إلى ظُرُوف إنتاجها، بل تُزايد الولايات المتحدة، ومعها منظمات “حقوق الإنسان”، بخصوص عمل الأطفال في بعض البُلْدان، بينما تُشَرِّعُ العمل في ظُرُوف شبيهة بالعُبُودية في السّجُون وكذلك في المَزارع الكُبْرَى، حيث يعمل المُهاجرون 14 ساعة، ويتعرّضُون يوميا إلى المُبِيدَات الخطيرة التي تُسبّب الوفاة بأمراض خطيرة، منها السّرطان.

ارتفع عدد إضرابات العُمّال السُّجناء بالولايات المتحدة، خلال خمس سنوات ( 2016 – 2020)، وتعددت إضرابات المساجين العاملين بمصانع الشركات الكبرى التي تستغلهم عبر نظام شبيه بنظام السّخرة، سنة 2016، وكذلك سنة 2018، “ضدّ نظام العمل العُبودِي”، حيث تمكّن السّجناء من التنسيق بين نُزلاء سُجُون العديد من الولايات، لبدْء إضراب في الحادي والعشرين من شهر آب/أغسطس 2016، ويمثل هذا التّاريخ ذكرى مقتل “جورج جاكسون” (عضو قيادي بمنظمة “الفهود السود”، الذي واصل النّضال داخل السّجن وحاز على احترام المساجين )، من قِبَل الحراس المُسلَّحين، في سجن “كوينتين”، بولاية كاليفورنيا، أثناء محاولة الهروب يوم 21/08/1971، لينتهي الإضراب يوم التّاسع من أيلول/سبتمبر 2016، يوم ذكرى انتفاضة سجن “أتيكا”، بنيويورك، سنة 1971، التي تم سحقها بقُوّة السّلاح، بقرار من حاكم ولاية نيويورك آنذاك “نيلسون روكفلر”، وريث الأُسْرة التي تحمل نفس الإسم، والتي اشتهرت بثرائها، لهيمنتها على صناعة النفط وامتلاكها مؤسسات مصرفية… أما مطالب العاملين السُّجناء فتتلخّصُ في “إنهاء نظام السّخرة في السّجن، ومعاملة العُمال كغيرهم من العاملين بالمصانع، خارج السّجون”، وتراوحت أشكال التعبئة من الإضراب عن العمل إلى الإعتصامات بالزنزانات وبساحات السّجون، والإضراب عن الطعام ومقاطعة متاجر السجون التي تبيع الإنتاج الرديء بأسعار مُضاعفة، مع الإشارة أن الدّستور الأمريكي، الذي يعتبره البعض “رمز الدّيمقراطية”، يسمح بعبودية الأشخاص المدانين بجريمة، أي السجناء، وفق التعديل الثالث عشر، واستهدفت حركة الحقوق المدنية ونضالات السّود الأمريكيين، في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، الإطاحة بمنظومة القوانين التي أقرّت أشكالاً جديدة من العبودية، لكن استمرت العبودية في السجون، ليس في الجنوب لوحده، وإنما في جميع أنحاء البلاد.

اعتبر قادة إضرابات السّجناء (2016 و 2018) أنهم جزء من الطبقة العاملة، يؤدي استغلالهم المُجْحِف إلى خفض رواتب العاملين بالمصانع، خارج السّجون، وإلى تدهْوُرِ ظروف عمل الطبقة العاملة بأكملها، لأن السّجون تتعاقد مع شركات، وتُجْبِرُ المساجين على العمل برواتب هزيلة جدًّا، أو بدون راتب أحيانًا، ولا يتجاوز راتب العامل المُختص بالسجن، عشرين دولارا شهريا (بين 13 و 16 سنتا بالساعة)، بعد أن تقتطع سُلطات السّجن أكثر من النّصف ( 55% ) مُقابل “الخدمات” التي تقدّمها إدارة السّجن (الطعام والنظافة والملابس…)، ورغم الدّعم الذي تلقاه العمال المساجين في 21 مدينة أمريكية، لم يعِ قادة الحركة النقابية العُمالية أن هؤلاء السجناء من العُمّال، وهم جزء من الطبقة العاملة، وأن الدّفاع عنهم ومُساندة مطالبهم وإضرابهم من مصلحة جميع العمال، ولم تدعم قيادات النقابات هذه النضالات.

اخْتُزِلت المطالب في “إنهاء العُبُودية” للعمّال المساجين، لكن المعتقلين طرحوا تسعة مطالب أخرى، بخصوص ظروف الاعتقال وحقوق المعتقلين، منها حق التصويت، حيث تَحْرِمُ 48 ولاية (من خمسين) المساجين من التسجيل بالقائمات الإنتخابية، وتحرم بعض الولايات المُدانين (بعد إنهاء محكوميتهم) من حق التصويت، ما يقصي ملايين المواطنين من ممارسة واحد من حُقُوقهم الدّستورية (حق التصويت) الذي ناضلت من أجله أجْيال من السُّود الأمريكيين، ومن المطالب أيضًا إلغاء قانون “هيلاري كلينتون” الذي يحد من حق السجناء في التماس الإنصاف في المحكمة بسبب سوء المعاملة التي تعرضوا لها، ليعترفوا أحيانًا كثيرة بجرائم لم يقترفوها، وكانت المُرشّحة الأرستقراطية، عن الحزب الديمقراطي، “هيلاري كلينتون” (حليفة باراك أوباما) قد أصَرّت، خلال الحملة الإنتخابية، سنة 2016، على استخدام عبارة “الحيوانات فائقة الإفتراس” التي وَصفت بها الشبّان الذين كانوا يتظاهرون ضد الميز العنصري، ودافع عنها زوجها، الرئيس الأسبق “بيل كلينتون”، الذي عارض احتجاجات المتظاهرين من حملة “حياة السود مهمة”، وبذلك تحالَفَ الحزبان الحاكمان بالولايات المتحدة، من أجل إرساء أو تعزيز نظام طبقي، يُشرْعن الاضطهاد العرقي للأميركيين السّود الذين تتجاوز نسبة اعتقالهم أربعة أو خمسة أضعاف المواطنين البيض، وعند إنهاء محكوميتهم والإفراج عنهم، يُحْرَمُون من العثور على عمل مناسب، لأنهم من المُدَانين السابقين…

أشار الباحثون الذين كتبوا عن إضرابات السّجون إلى صعوبة الحُصُول على المعلومات الضّرورية، حيث تنفي السلطات حصولها، رغم الشّهود وبعض الوثائق، وتُهدّد السّلُطاتُ المساجين الذين يتحدّثون عن تلك الإضرابات، خارج السّجن، حتى بعد الإفراج عنهم، وتنفذ الشرطة ضدهم أعمالاً انتقامية تُعيدهم إلى السجن، ليضلّوا فترة في الحبس الإنفرادي والعَزْل، بحسب مجموعة ( ( Jailhouse Lawyers Speak ، وهي شبكة من السجناء السابقين الذين درسوا القانون داخل السجون ويساعدون المساجين في تنظيم الإضرابات والإحتجاجات، وفي تحقيق مطالبهم، وتمكّنت الشرطة من تدبير مؤامرات ضدّ بعضهم وبعض مُنَظِّمِي الإضرابات، أو من كتبوا مقالات عن ظروف السّجن، بعد خروجهم، وتمت إعادتهم إلى السّجن، وعزلهم وحرمانهم من التواصل مع الخارج وحتى من الإستحمام، بحسب موقع “الديمقراطية الآن”…

كتَبَ الرئيس الكوبي “راؤول أنطونيو كابوتي” نَصًّا قصيرًا بصحيفة “غرانما” حول خصخصة السجون في الولايات المتحدة واستغلال الشركات الإحتكارية لقوة العمل داخل السّجون، أو كيف يكون القضاء الطّبقي، في خدمة الاحتكارات الساعية للربح، ووصَفَ “الأعمال المربحة للسجون الخاصة”، بأنها “عمل تجاري ناجح”، وأشار إلى إنشاء “جاك ماسي” أول شركة سجون كبرى ،( Corrections Corporation of America – CCA) ، سنة 1983، ليصل عددها، سنة 2020، إلى حوالي 130 سجنًا خاصًا في 30 ولاية، تسيطر على معظمها شركتان رئيسيتان: CCA و Geo، وبلغت أرباح الأولى، سنة 2011، نحو 1,7 مليار دولارا، والثانية 1,6 مليار دولارا.

للتذكير، يُشكل سُكّان الولايات المتحدة نحو 5% من سكان العالم، وتضم سُجُونها 25% من سجناء العالم، ويعمل أكثر من مليون سجين بدوام كامل، لصالح الشركات العابرة للقارات التي تعتبرهم عبيدًا، وليس عُمّالا لهم بعض الحُقُوق، بل يتقاضون ما بين 16 و 65 سنتًا أي أقل من الحد الأدنى للأجور بحوالي 95 مَرّة… وأهم هذه الشركات ( IBM و Motorola و Microsoft و Telecom و Target و Pierre Cardin و Macy’s و Victoria’s Secret … )، ولئن وَقَّعت حوالي أربعة آلاف شركة عُقُودًا مع إدارة السُّجُون الأمريكية، فإن المصارف مثل “غولدمان ساكس” و “جي بي مورغان” و “سيتي بنك” وغيرها هي المستفيد الأكبر من أنظمة السّجون، بفعل القُروض التي تطلبها الولايات لبناء وتسيير السجون. أما العُمّال فمعظمهم من الفُقراء كالسود والمهاجرين المحتجزين، تطبيقًا لقوانين وُضِعَتْ أساسًا من أجل ضمان تدفُّقٍ مُستمر للمُعتقلين، لتوفير قوة عمل رخيصة، وفق تقرير لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، وكشفت العديد من الدراسات تورُّط العديد من النّواب الأمريكيين في عمليات فساد ورشوة وارتباطات بمجموعات ضغط، يُديرها أرباب العمل والشركات الكُبرى، من أجل سن قوانين أكثر تشدُّدًا، لضمان الرّبح الوفير، جراء استغلال المساجين العاملين…  

موجة الإضرابات الكبرى 1970-1971:

كانت تلك من أكبر موجات الإضرابات، بالولايات المتحدة، حيث قادت نقابات عُمّال قطاعات البناء ونقل السّلع (بالشّاحنات) وصناعة السيارات والمرافئ والعديد من عُمال قطاع الصناعات التّحويلية، إضرابات، سَنَتَيْ 1970- 1971، بمشاركة الآلاف من العُمّال غير المنتسبين للنقابات، ولا تزال البُحوث والدّراسات نادرة، بخصوص هذه الحقبة من تاريخ الطبقة العاملة بسبب تجاهل الأكاديميين والباحثين ووسائل الإعلام الرأسمالية السّائدة، لتاريخ وإنجازات الطبقة العاملة الأمريكية، فقد أَفْضَتْ تلك الإضرابات إلى زيادات فورية بنسبة 25% في الأجور، وحسّنت شروط عقود العمل الجماعية (ما يُسمّى “الإتفاقيات المُشتَرَكة” في بعض البلدان العربية) ومُراجَعَتُها وتجديدها خلال ثلاث سنوات، بدل ست سنوات، وتمكّنت الحركة العُمّالية من فرْض بعض المكتسبات، منها حَظْر إيقاف العمال والنقابات، خلال فترة عملهم، ما يضطر أرباب العمل إلى اللجوء إلى التّحكيم الحكومي كواسطة أو كطرف ثالث (وإن كانت الحكومة تُمثّل مصالح أرباب العمل والأثرياء) لإنهاء الإضرابات ولتوقيع الاتفاقيات التعاقدية.

شكّلت تلك الإضرابات ردًّا أو رَفْضًا من قِبَلِ الطبقة العاملة ل”البرنامج الإقتصادي الجديد”، الذي أقرّته الحكومة الإتحادية، في آب/أغسطس 1971، خلال فترة رئاسة “رتشارد نيكسون”، ويتضمن تجميد وتخفيض الأجور، بالتزامن مع إنهاء مُعادلة الدّولار بالذّهب، ومُهاجمة “الحُلفاء” في أوروبا واليابان، واتهامهم “بالمُنافسة غير الشريفة”، ما يُعَدّ بداية التّراجع عن منظومة “بريتن وودز” التي فرضتها الإمبريالية الأمريكية نفسها، سنة 1944، قبل نهاية الحرب العالمية الثانية، وأفرزت توازناتُ نهاية الحرب، المنظومةَ التي تأسست بموجبها الأممُ المتحدةُ وصندوقُ النقد الدّولي والبنكُ العالمي وغيرها من مؤسسات النظام الرأسمالي العالمي…

قَدَّرَتْ وزارة العمل الأمريكية في وثيقة “تحليل حالات التوقّف عن العمل” (نُشِرَتْ سنة 1973) عدد الإضرابات الكبرى بين سنتَيْ 1970 و 1972، بنحو 10800 إضراب، شارك بها 6,6 ملايين عامل، وأدّت إلى “خسارة 114 مليون يوم عمل”، وشبّهتها وثيقة وزارة العمل بموجة إضرابات سنَتَيْ 1945/1946 – مباشرةً إثر الحرب العالمية الثانية التي شارك بها الجيش الأمريكي، لكنها لم تجْرِ على الأرض الأمريكية، ولم تُدمِّر البنية التحتية والمُدُن والمصانع الأمريكية – وبلغ عدد الإضرابات آنذاك 9750 إضرابًا بمشاركة أكثر من ثمانية ملايين عامل، وأدّت إلى خسارة 154 مليون يوم عمل…

السجون، مناطق خارج القانون

عند ذِكْر السُّجُون، تستحضر الذّاكرة مُحْتَشَد “غوانتنامو”، وهي قطعة ارض تقع جنوب شرقي كوبا، تحتلها الولايات المتحدة، منذ 1903 في شكل تأجير غير محدود المُدّة، ويقع المُعْتَقَل، منذ سنة 2002، داخل القاعدة العسكرية الضخمة، فلا يخضع للقانون الأمريكي، ولا لأي سُلْطَة أخرى، حيث يُسجن المشبوه لفترة غير محدودة، دون توجيه أي تهمة، ودون مُحاكمة، ودون مراقبة قضائية أو دولية، وأوردت شهادات النّاجين منه، نماذج من الإهانات والتعذيب وترفض الولايات المتحدة غلق المُحتشد، وإجلاء القاعدة العسكرية، لكن ممارسة التعذيب والإغتيال والعَزْل لا تقتصر على مُحتشد “غوانتنامو” ولا على المُعتَقَلِين الأجانب، بل تعدّدت الشهادات حول المُمارسات المُهينة والعزل والإغتيال، داخل السجون الأمريكية، وخصوصًا ضد المواطنين السّود، فضلا عن الإستغلال الفاحش والعمل المَفْرُوض وشبه المَجاني للمساجين، ما أدى إلى إطلاق ما لا يقل عن ثلاث موجات من الإضرابات المعروفة، خلال خمسة عُقُود…

تم سحق إضراب وانتفاضة المُعْتَقَلِين بسجن “أتيكا” (نيويورك) يوم التاسع من أيلول/سبتمبر سنة 1971، بقُوّة السّلاح، بقرار من حاكم ولاية نيويورك آنذاك “نيلسون روكفلر”، وريث الأُسْرة التي تحمل نفس الإسم، والتي اشتهرت بثرائها، لهيمنتها على صناعة النفط وامتلاكها مؤسسات مصرفية، وكان العُمّال المساجين يُطالبون “بحقوق متساوية للعاملين داخل وخارج السّجن وإلغاء العمل الإجباري شبه المجاني”.

استغلت مُؤَسّسة الحكم الأمريكية تلك الإنتفاضة لتتراجع بشكل تكتيكي، قبل إحكام قبضتها من خلال هيمنة النيوليبرالية وزيادة وتيرة القمع والإستغلال والإضطهاد، وفي مجال القمع ارتفع عدد المساجين من حوالي 200 ألف ببداية سبعينيات القرن العشرين (إبّان انتفاضة سجن “أتيكا”، سنة 1971) إلى أكثر من مليون سجين، سنة 1995، أي مليون عامل، بدون حُقُوق، وبدون أجر تقريبا…  

أثارت انتفاضة سجن “أتيكا” مسائل جوهرية مثل إصلاح نظام السجون والقضاء، وتمويل الشرطة، وإعادة هيكلة نظام الكفالة…

تُعتَبَرُ انتفاضة سجن أتيكا الأكثر تنظيمًا بين نضالات المساجين، وقاومت عسكرة الشرطة الأمريكية وحراس السّجون والحياة الأمريكية بشكل عام، بالتزامن مع احتداد العدوان على شعب فيتنام في الخارج، وعلى السّود في الدّاخل، خصوصًا بعدما تمكنت منظمة الفهود السّود من إدارة التنظيم المجتمعي وأسست ورش العمل التعليمية وبنوك الطعام، والعمل الشعبي وتوعية المواطنين الفُقراء من السّود والبيض بحقوقهم وبضرورة النضال من أجل نَيْل هذه الحُقُوق، وقاومت السلطات الأمريكية هذا الإضراب بوحشية نادرة أدت إلى قَتْل ما لا يقل عن 43 شخصاً وجرح أكثر من تِسْعِينَ آخرين، ثاروا، بداية من يوم التاسع من أيلول/سبتمبر 1971، ضد التمييز العُنصري وضد عدم المساواة وضد سوء المُعاملة، واستمرت انتفاضة السجناء الذين بلغ عددهم 1300 سجين، من إجمالي حوالي 2200 سجين، لمدة خمسة أيام متوالية، وتمكنت السلطات من قمعها بالسلاح بشكل دموي، يوم الثالث عشر من أيلول/سبتمبر 1971، وأدْلى بعض المُشاركين بشهاداتهم في الشريط الوثائقي الذي أخرجَهُ “ستانلي ويلسون”، بمناسبة الذّكرى الخمسين لانتفاضة مُعتَقَلِي هذا السّجن، التي كانت سبباً رئيسياً في إحداث إصلاح شامل لنظام سجون ولاية نيويورك التي كان حاكمها “نيلسون روكفلر” الذي كان يُردّد (بتأييد من الرئيس “رتشارد نيكسون”) عبارات مثل “ضرورة حفظ الأمن والنظام… وعدم السّماح للسُّود بالإخلال بالنّظام”، وزعمت تقارير إعلامية كاذبة آنذاك أن المساجين ذبحوا عددًا من حراس السّجن، الذين احتجزوهم كرهائن، لتبرير الغارة العسكرية واستخدام الأسلحة الحربية ضد مساجين عُزّل، وبعد أربع سنوات، انتقم جهاز القضاء من المنتفضين، بتوجيه تهم خطيرة إلى 62 سجينًا في 42 لائحة اتهام مع 1289 تهمة منفصلة، فيما أقام نزلاء وعائلات السجناء الذين قتلوا، دعوى قضائية ضد ولاية نيويورك لانتهاكات الحقوق المدنية من قبل ضباط إنفاذ القانون أثناء وبعد عقود، وافقت ولاية نيويورك سنة 2000 على دفع 8 ملايين دولار (12 مليون دولار مطروحًا منها الرسوم القانونية) لتسوية القضية

نبذة عن “نيلسون روكفلر”، حاكم نيويورك والمسؤول عن قمع انتفاضة سجن “أتيكا”:

ولد نيلسون روكفلر في 8 تموز/يوليو 1908 في واحدة من أغنى العائلات الأمريكية، فَكان جَدُّهُ جون د. روكفلر الأول يُدِيرُ شركة ستاندرد أويل، وأصبح نيلسون روكفلر مُنسّقًا للشؤون الأمريكية بوزارة الخارجية سنة 1940، ثم مُساعدًا لوزير الخارجية لأمريكا الجنوبية، سنة 1944، خلال رئاسة فرنكلين دي روزفلت، وشغل منصب رئيس المجلس الاستشاري للتنمية الدولية المعني بمساعدة البلدان المتخلفة، خلال رئاسة “ترومان”، إدارة ترومان، وتم تعيينه وكيل وزارة الصحة والتعليم والرعاية الاجتماعية (1953-1955) ثم مساعد الرئيس للشؤون الخارجية، إلى أن أصبح سنة 1958، حاكمًا لولاية نيويورك، وأمَر بإطلاق النار بكثافة على المساجين المُضْرِبين بسجن “أتيكا”، وبقي بمنصبه إلى أن أصبح جيرالد فورد رئيسًا، سنة 1974، بعد فضيحة ووترغيت التي أدت إلى استقالة الرئيس نيكسون، وأصبح روكفلر نائبًا للرئيس، وتولى رئاسة لجنة روكفلر التي تحقق في الأنشطة غير القانونية لوكالة المخابرات المركزية… 

 خاتمة:

تُمثِّل السُّلْطة السياسية في الولايات المتحدة وأوروبا مصالح مجموعات مالية وشركات عابرة للقارات، ولا تهتم الحكومات بمصير البشر، بل لا تهتم سوى بنَهْبِ ثروات البلدان، وبالموقع الجغرافي الاستراتيجي لأوكرانيا أو فنزويلا والعراق وأفغانستان والصومال، وأثبتت التجارب إنه كلما تدخلت الإمبريالية الأمريكية والإتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي في بلد، باتَ أفْقَرَ من ذي قبل، وأصبح مُجزّأً ومنقسمًا إلى طوائف وأقليات.

كتب أحدُ مُصَمِّمِي مُخطّطات السياسات الإستراتيجية الأمريكية، مُستشار الأمن القومي الأمريكي السابق “زبغنيو بريجينسكي” (1928-2017)، سنة 2016، إن عصر انحدار الولايات المتحدة قد بدأ، وإنها لم تعد القوة الإمبريالية المهيمنة على العالم، وسبَق أن نَشَرَ “بريجينسكي”، سنة 1997، كتابًا بعنوان “رقعة الشطرنج الكبرى” تَضمَّنَ تحذيرًا من إمعان الولايات المتحدة، وحلف شمال الأطلسي، في انتهاج سياسات الغطرسة والتّشبّث بمنطق القوة العسكرية، ويمكن تفسير الشراسة والغطرسة الأمريكية الحالية بمحاولة تأجيل وإبطاء الإنحدار…

تُوصَفُ الولايات المتحدة من قِبَلِ إعلامها الممْلُوك للشركات العابرة للقارّات بأكبر ديمقراطية في العالم، وهي “ديمقراطية” تأسّست على المجازر وإبادة الشُّعُوب الأصْلِيّة، وعلى استعْباد ملايين البشر الذين استُجْلِبُوا قَسْرًا من غرب إفريقيا، وعلى تَقْدِيس العُنْف ضدّ السُّود والفُقراء والشُّعُوب المُضْطَهَدَة، وبلغت الميزانية المُعْلَنَة للحرب 740 مليار دولارا، سنة 2022، وطلب الرئيس جوزيف بايدن بنهاية شهر نيسان/ابريل 2022 مبلغًا إضافيا مُعْلَنًا بقيمة ثلاثين مليار دولارا، وقُدِّرت حصة الولايات المتحدة ب38% من الصادرات العالمية للسلاح، سنة 2020، أو ما قيمته 175 مليار دولارا، أما حجم إجمالي تجارة السلاح فيتجاوز 250 مليار دولارا، منها 70 مليار دولارا للأسلحة والذخائر المُباعة داخل البلاد، حيث يمتلك الأمريكيون (330 مليون نسمة) ما لا يقل عن 360 مليون قطعة سلاح، ويُشكل الأمريكيون 5% من سُكّان العالم، ويمتلكون 42% من الأسلحة التي يمتلكها المَدَنِيُّون في العالم، يموت بواسطتها 45 ألف شخصا ( 10% من القاصِرِين)، سنويا أو ما يعادل 123 قتيلا في اليوم الواحد، بالإضافة إلى ما لا يقل عن ألف شخص (لا يُحتَسَبُ سوى من يموتون خلال أربع وعشرين ساعة من إصابتهم، أما من يموت بعد ذلك جراء الإصابة فهو خارج الحساب) تقتلهم الشّرطة كل عام…

أدّت الزيادات المُستمرة للإنفاق العسكري الأمريكي إلى ارتفاع أرباح الشركات الخاصة المُصنّعة للأسلحة، وإلى تصعيد التوتر مع الصين ومع إيران ومع روسيا، وإلى الإعتداء على شعوب كثيرة، من أفغانستان إلى غرب إفريقيا، كما أدّت إلى عسكرة السياسة الخارجية الأمريكية، وإلى عسكرة الحياة الدّاخلية التي أفْضَت إلى “عَسْكَرَة” عُقُول الأمريكيين، إذ تعتبر أغلبية الأمريكيين أن امتلاك السّلاح، وتأسيس المليشيات المُسلّحة، حق دستوري، ويدخل في باب الحُرّيّات، ما يُهَمِّش مَطْلَب حَظْر أو ضَبْطَ بيع السلاح، في مقابل تزايد نُفُوذ مجموعات الضّغط التي يُحرّكها مُجَمّع الصّناعات العسكرية الأمريكية، الذي يُنفق مبالغ طائلة لتمويل الحملات الإنتخابية لنواب الكونغرس وحُكّام الولايات، وتَضُمُّ إحدى المجموعات (الجمعية الأمريكية للبندقية – إن إر آي) أكثر من خمسة ملايين عضو من العُنصريين البيض…

_________

“كنعان”  غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.