“ناجي العلي / حنظلة ” حياة تأبى الموت، محمد العبد الله*

“ناجي العلي / حنظلة ” حياة تأبى الموت، محمد العبد الله*

قَتلُكَ سَهلٌ
ولكِّن مَوتَكَ يا سَيدي
مُستحيلُ…

فَمِثلُكَ لا يَنفَع القَتلُ فيهِ
ومِثلُكَ يوغِلُ حَيّاً
ويَدخُلُ مِثلَ الهَواء النَقيِّ
يرُشُّ النَقاهَةَ في البيتِ
يَفضَحُ وِسخُ غَسيلٍ
يُخَبؤهُ بَعضُهم
خَلفَ بَعضٍ…
– أبيات من قصيدة “مرثية لأنهار من الحبر الجميل…إلى ناجي العلي” للشاعر مظفر النواب.

   خمسة وثلاثون عاما ومازال ناجي العلي في ذاكرتنا، لايغيب عنّا ونحن نعيش الأحداث السياسية وانعكاساتها الميدانية، نجده في عقل وروح كل الباحثين، العاملين، المشتغلين بـ” الشأن العام “، والفقراء والمهمشين في كل مدينة وبلدة وحارة في هذا الوطن العربي الكبير، الممتد مابين النار والنار، هو لم يفارقنا لأنه فكرة، قضية، وانتماء لمفهوم الحرية، فلسفة ونهج، لهذا،هو عابر للزمن والأجيال، ومقيم في ضمير كل مناضل / مواطن يعمل لتحرير وطنه من الاستعمار، ويتصدى للغزاة بالاشتباك الدائم؛ بالسلاح والكلمة والموقف.

   بسبب النكبة عام 1948، واحتلال فلسطين بالناروالمذابح والاقتلاع والتهجير القسري، غادر ناجي وعائلته – كما غالبية الشعب العربي الفلسطيني – بلدته ” الشجرة ” وعمره عشرة سنوات، وإلى أن اخترقت رصاصة الغدر التي أطلقها قاتل، عميل ومأجور، من مسدس كاتم للصوت على رأسه في 22 تموز / يوليو 1987، التي دخل بعدها في غيبوبة كاملة لمدة 37 يوما في مشفى “تشارينغ كروس”، في العاصمة البريطانيّة، لم يستطيع خلالها الجسد النحيل أن يصمد أكثر من سبعة وثلاثون يوماً ،أخيراً، توقف القلب عن الخفقان في يوم 29 / 8 / 1987بعد أن فشلت كل الجهود الطبية لإنقاذه. ومابين الاقتلاع / النكبة والشهادة، عاش ناجي سنوات صعبة وقاسية، وتنقل مابين لبنان من جنوبه إلى شماله، ومن صيدا وبيروت وطرابلس، طالبا على مقاعد الدراسة أو باحثا عن العمل. تعرف في بعض تلك المدن على المعتقلات، وقسوة عناصر التحقيق، وصولاً إلى الكويت التي تم إبعاده منها، بناء على طلبات متكررة من سفارات عواصم الغرب الاستعماري، و” ذوي القربى !!” الذين هددوا ناجي بأنه ” إذا ضل يرسم، رح تنحط أصابيعه بالأسيد “، لكن ” أبا خالد العلي” المواطن، الرسام المشتبك، رد قائلاً ” لو حطوا أصابيعي بالأسيد، برسم بأصابيع رجلي”. لهذا طاردوه إلى لندن لتصفيته.

  أكثر من 40 ألف لوحة رسمها بالريشة والقلم، تحمل توقيع ” حنظلة “. تحولت الريشة في يده إلى مشرط، نصل سكين، ينزع فيها الأورام الخبيثة من جسد الأمة والإنسانية. أما القلم فكتب به عدة كلمات وعبارات كانت تحمل توصيفا للحالة السائدة، ونقدا لكل انحراف في التعامل السياسي مع قضية التحرر في فلسطين والوطن الكبير، وتحريضا ضد نهج الاستسلام والتنازل عن فلسطين، وفضحا للممارسات المسيئة للشعب وقضيته، وكل مايتعلق بكرامة الإنسان.

وقد اتسمت رسومات ناجي بالتعبير الصادق عن رؤيته وثوابته. فقد جاءت بعض مقابلاته لتؤكد ماتنطق به لوحاته ” هكذا أفهم الصراع: أن نصلب قاماتنا كالرماح ولا نتعب، الطريق إلى فلسطين ليست بالبعيدة ولا بالقريبة، إنها بمسافة الثورة.  .. أنا لست حياديا، أنا مع الـ “تحت”، مع اولئك الفقراء البسطاء الذين يكونون دائما عند خط الواجب الأول، أولئك الذين يسكنون تحت سقف الفقر الواطي ولكنهم يقفون عند خط المعركة العالي… أنا شخصيا منحاز لطبقتي، منحاز للفقراء، وأنا لا أغالط روحي ولا أتملق أحدا، القضية واضحة ولا تتحمل الإجتهاد .. الفقراء هم الذين يموتون، وهم الذين يسجنون. أنـا متهم بالانحياز، وتلك تهمةٌ لا أنفيهـا. أنـا منحاز لمن هم “تحت”. لمن هم ضحايا التكذيب وأطنان التضليلات وصنوف القهر والنهب وأحجار السجون والمعتقلات“.

أما حنظلة الذي قال عنه صاحبه ” ولد حنظلة في العاشرة من عمره وسيظل دائما في العاشرة، ففي تلك السن غادر فلسطين وحين يعود حنظلة إلى فلسطين سيكون بعد في العاشرة ثم يبدأ في الكبر، فقوانين الطبيعة لا تنطبق عليه لأنه استثناء، كما هو فقدان الوطن، استثناء… حنظلة وفّي لفلسطين، وهو لن يسمح لي أن أكون غير ذلك، إنه نقطة عرق من جبيني تلسعني إذا جال بخاطري أن أجبن أو أتراجع”. ومن الواضح أن حنظلة أصبح أيقونة الوطنيين والمناضلين، وهذا ماأكد عليه بيان أسرى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في سجون الاحتلال الصهيوني يوم أمس ” “باسم الأسرى في سجون الاحتلال الصهيوني، الذين يقاسمهم حنظلة الزنزانة، ويناصرهم، ويرفع صوتهم ويدافع عنهم، بل يُعبّر عن قضيتهم الوطنية الكبرى، وقضيتهم الخاصة “الحرية”، وباسم الصحافيين في السجون، ومعنا كل الصحافيين والإعلاميين الأحرار من حول العالم ندعو لاعتبار ذكرى استشهاد الفنان المبدع ناجي العلي 29-8-2022، مناسبةً وطنيةً لإطلاق حملة لجعل الأيقونة “حنظلة” رمزاً وطنياً #حنظلةرمزاًوطنياً”.

  اعتقد القتلة أنهم قتلوا ناجي، لكن “حنظلة ” استقر في ضمير وروح كل مواطن فلسطيني وعربي يرفض الاستسلام والتنازل عن وطنه وكرامته. بعد خمسة وثلاثون عاما، مازال حنظلة في قلب كل مناضل، قبل أن نجده على جدران المخيمات، أوعلى اليافطات في المناسبات الوطنية والمظاهرات، وفي ميدالية على صدور الشباب والفتيات في المدارس والجامعات.

إن سقوط الجسد لايعني موت الأفكار التحررية والقيم الثورية التي جسدها ذلك الإنسان المُبدع.  إن ناجي / حنظلة؛ الفكرة والكفاح والنقاء الإنساني، باقٍ معنا وفينا، في ساحات النضال وميادين الاشتباك وخلف قضبان وجدران المعتقلات، ملهما وداعية للتحرر.

*كاتب وسياسي فلسطيني