العرب والصهيونية (1882 -1914)، الحلقة الأولى، الدكتور إلياس شوفاني

يكثر هذه الأيام، وخاصة في سياق الكلام عن الصراع العربي – الصهيوني، التعبير عن الوعي المشوه لطبيعة هذا الصراع، وبالتالي، عن مدى نجاح الإعلام الصهيوني في تحقيق “التطبيع الثقافي”، أي تزييف الوعي السياسي، لدى الفئة السائدة في النظام العربي القائم، الأمر الذي يبرز من خلال زيف الأقوال الصادرة عن أفرادها. فهذه الفئة، التي وصلت بشكل أو بآخر إلى مواقع الزعامة وصنع القرار، وتبريراً لعجزها في إدارة الصراع مع المشروع الصهيوني، تبحث عن كبش فداء تحمله تبعة التقصير في أدائها،فلم تجد صيداً أسهل من الجماهير الشعبية التي تحملت وزر اختلال أوجه نشاطها في مراحله المتعاقبة. والباحث المتتبع للمسارات السياسية الجارية، وما يواكبها من تصريحات صادرة عن أفراد تلك الفئة، أو بعضهم على الأقل،لا يمر عليه يوم لا يطالعه فيه أحدهم أو أكثر،بتصريح ينم عن جهله بطبيعة الصراع الذي من المفترض أنه يتولى إدارته، ولعل الأشد مضاضة على هذا الصعيد الأحكام الغوغائية التي يصدرها البعض على نضال الأجيال السالفة في مواجهة العمل الصهيوني. وليس أقل زيفاً ونفاقاً التباهي بالتضحيات التي قدمها البعض” فداء” لفلسطين، وفي سبيل تحريرها، بل التباكي على المنعكسات السلبية لقضيتها على واقع البلد الذي يحكمه.
وهذا الواقع لا يعدو كونه تعبيراً عن أزمة الهبوط التي تعاني منها تلك الفئة السياسية، التي تشكل العمود الفقري لأنظمة الحكم القائمة في المنطقة عموماً، والتي تجد نفسها حالياً في حرج. ولذلك فهي تبتدع المبررات الواهية للحفاظ على امتيازاتها، الأمر الذي يقودها إلى تحميل ضحايا تقصيرها المسؤولية عما حصل نتيجة لسلوكها هي. لقد تنطحت لما يسمى”قضية الأمة المركزية” – قضية فلسطين – وادّعت أنها خاضت حرب 1948 لتحرير هذا القطر العربي الأصيل من براثن الصهيونية الاستيطانية، إلا أنها في حقيقة الأمر دخلت فلسطين لتنفيذ قرار التقسيم الذي أصدرته الأمم المتحدة عام 1947. ومنذئذ، ظلت تلك الفئة في تراجع كما هو معلوم، وصولاً إلى وضعها الراهن، حيث صارت تعتبر “التسوية” مع العدو القومي ركيزة في ما يسميه البعض “الأمن القومي”. ولما انضوت “الثورة الفلسطينية”، بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية في النظام العربي القائم،صارت مهمتها تمهيد السبيل أمام القوى الانتهازية للتملص من مسؤوليتها في إدارة الصراع. وبذلك فقدت تلك المنظمة مبرر قيامها أصلاً، وأصبحت أشد حلقات ذلك النظام أزمة كونها أضعفها؛ والمهزلة أن هذا النظام أولاها المسؤولية عما يسميه زوراً “قضية الأمة المركزية”.
في واقع الحال كانت الأجيال السابقة، التي واكبت بدايات النشاط الصهيوني الاستيطاني في فلسطين، ذات مصداقية عالية في تصدّيها لذلك المشروع المعادي. قد لا تكون القيادات السالفة أعمق وعياً بطبيعة المشروع الصهيوني، لكنها بالتأكيد كانت شديدة الإيمان بقضيتها، والصدق في تصرفاتها إزاء ذلك المشروع كما وعته. فما من شك في أنه نتيجة لتبلور الوعي القومي، من خلال اليقظة الفكرية والثقافية في الوطن العربي، قد تصدت ” الحركة القومية العربية ” سواء على صعيد القوى السياسية والنخب الثقافية، أو على المستوى الشعبي، للحركة الصهيونية فكراً وممارسةً. ومهما يكن من أمر, فإن الفئات السائدة في الحركة القومية العربية في حينه، كانت بالفعل شديدة التمسك بمنطلقات مواقفها، والالتزام بمصالح شعبها. وإذ لم تحقق الحركات السياسية الأولى أهدافها المعلنة، وأخفقت في الحؤول دون قيام المشروع الصهيوني، فإن الحركات اللاحقة، والأنظمة السياسية التابعة، لم تكن أوفر حظاً في التصدي لمسيرة ذلك المشروع الاستيطانية العدوانية.
إن هذا التراجع الواضح في الحركة السياسية العربية، خاصة على المستوى القيادي، وفي مقولات أفراده، أو بعضها على الأقل، هو الدافع الكامن وراء هذا العمل، الذي هو ترجمة أمينة لنصّ يتناول المقاومة العربية للاستيطان الصهيوني في بدايته، وكذلك المناهضة السياسية والفكرية للصهيونية، كما استوعبها أبناء الجيل. وفي الواقع، وبحدود القدرة الذاتية على القيام بما يلزم، واكبت المقاومة العربية الاستيطان الصهيوني منذ بدايته. لكن تلك المقاومة، ولأسباب ذاتية وموضوعية لم تستطع الحؤول دون تجسيد المشروع الصهيوني في فلسطين. فعلى الصعيد الموضوعي، كانت المقاومة العربية تنطلق من قاعدة إمبراطورية متهاوية – السلطنة العثمانية – بينما الصهيونية تنطلق من قاعدة إمبريالية صاعدة. ولذلك، فبينما كانت الحركة القومية العربية تركز اهتمامها على التخلص من نير الحكم العثماني، كانت الصهيونية تسعى جاهدة لنيل الدعم الأوروبي لمشروعها، وبالتالي، تأليب القوى الفاعلة للإجهاز على السلطنة العثمانية وتقسيم أراضيها، واتخاذ فلسطين قاعدة لاستيطانها. ومن سخرية القدر أن تجد الحركة القومية العربية نفسها، كما هو حال بعض الأنظمة العربية راهناً، متحالفة من أجل تحقيق أهدافها مع الدول الإمبريالية، التي شكلت “البلد الأم” الإمبريالي للحركة الصهيونية. وحال المنظمات “الثورية” الراهنة مع الأنظمة العربية كحال الحركات القومية في حينه مع النظام العثماني؛ التاريخ يكرر نفسه على شكل مهزلة.
فعلى الصعيد الذاتي، لم يستطع الموقف السياسي النظري، المعادي للصهيونية في الجانب العربي، أن يترجم نفسه في حركة سياسية منظمة وفاعلة، أسوة بالحركة الصهيونية، التي راحت بعد “مؤتمر بازل” (1897) تصوغ منظمتها بالشكل الذي يضمن لها تحقيق أهدافها. ومنذ البداية، وفي مقابل تمركز النشاط الصهيوني، وتحديد أهدافه العملية، وبالتالي، حشد مقوماته لانجاز تلك الأهداف، ظلت المقاومة العربية مبعثرة، وتعاني حالة من الانفصام بين النظرية والتطبيق. فحالة الوعي التي كانت في طور التشكل، والتي تمحورت حول القضية الضاغطة – العلاقة مع الحكم العثماني – مع أنها لم تكن غافلة عن الخطر الصهيوني، وكذلك الوضع السياسي- الاجتماعي للشعوب العربية لدى انطلاق الصهيونية كحركة سياسية، تمتلك مشروعاً استيطانياً قابلاً للتجسد، لم يكن من شأنهما تأهيل الحركة القومية العربية لبناء التنظيم السياسي، وبالشكل المطلوب، القادر على مواجهة الحركة الصهيونية ودحرها. وكان واضحاً أن الحركة القومية العربية لم تكن تمتلك برنامجاً ــ فكرياً وسياسياً وتنظيمياً، أو عملياً – موحداً في مواجهة النشاط الصهيوني، فظلت المناهضة العربية للمشروع الاستيطاني تتسم بطابع العفوية والارتجال، وبالتالي، بردات الفعل التلقائية. وهذا الوضع بشكل عام لا يزال هو واقع الحال السائد في الجانب العربي راهناً رغم مرور أكثر من قرن على الصراع، بشكل أو بآخر، مع المشروع الصهيوني.
وعلى الرغم من الرفض الرسمي العثماني للمشروع الصهيوني، فإن هذا الموقف المبدئي لم يترجم عملياًُ على الأرض، وبالتالي، فالإجراءات المتخذة لتطبيقه في الواقع لم تحل دون دخول المستوطنين الصهيونيين إلى فلسطين والإقامة فيها، بهذه الصيغة أو تلك. لقد أفاد هؤلاء المهاجرون الجدد من الثغرات في القوانين والإجراءات، كما استغلوا فساد الموظفين بالرشاوى، واستندوا إلى دعم قناصل الدول الأوروبية، للالتفاف على أوامر السلطة العثمانية المركزية بحظر تلك الهجرة وامتلاك أعضائها الأراضي للاستيطان. وفي الواقع، فإن قناصل الدول الأجنبية كثيرًا ما احتجوا على القيود المفروضة على هجرة اليهود إلى فلسطين، واعتبروها خرقاً للامتيازات التي تتمتع بها دولهم. وعبر تدخل هؤلاء القناصل، كثيرا ما رضخ الموظفون العثمانيون للضغوط أو أُغروا بالرشاوى فتغاضوا عن التجاوزات الصهيونية لتوجيهات السلطة المركزية. وكذلك، وعلى الرغم من القوانين الصادرة بمنع بيع الأراضي للمهاجرين الجدد، فقد استطاع هؤلاء، وعبر السماسرة، أو عن طريق العقود الوهمية، من ابتياع مساحات من الأراضي لإقامة المستعمرات. وبنسبة عالية جداً، كانت تلك الأراضي المباعة تخص ملاكين غائبين، ممن استولى عليها عبر الالتزام أو سجّلها باسمه لقاء دفع الضريبة المستحقة عليها، نيابة عن الفلاحين الذين لم تتوفر لديهم الأموال اللازمة لذلك، وخصوصاً بعد صدور القوانين الضريبية على الأرض، إثر مسحها وتسجيلها في عهد “التنظيمات”؛ فتركزت في أيدي هؤلاء المتمولين الغائبين مساحات واسعة من الأراضي في الريف.
وإزاء فشل الإجراءات العثمانية في إيقاف الهجرة اليهودية، وبالتالي، ازدياد النشاط الصهيوني الاستيطاني، برزت المقاومة المحلية لهذه الظاهرة. وإذ لم تكن المقاومة منسقة ومنظمة، فإنها تفجرت بصورة عفوية، وبالتواكب مع عمليات شراء الأراضي من الملاكين الغائبين وطرد الفلاحين أو المرابعين منها، وإقامة المستعمرات عليها. وكان كلما توسعت عملية الاستيطان وانتشرت في الريف، عمت المقاومة واتسع نطاقها. فشراء الأراضي عبر السماسرة، وفي صفقات مشبوهة وسرّية، جعل المواجهة حتمية بين الفلاحين المقيمين عليها والمستوطنين الذين عمدوا إلى طردهم منها، وبالتالي، قطعوا عنهم أسباب معيشتهم فجأة، ومن دون سابق إنذار. فكان طبيعيا ً أن يقاوم الفلاحون هذه الظاهرة، ويعمدوا إلى العنف في مواجهة لجوء المستوطنين، الذين تدعمهم السلطة، إلى إجلائهم بالقوة. وكانت يد السلطة ثقيلة على الفلاحين في تنفيذ العقود المشبوهة، وخفيفة على المستوطنين في تنفيذ أوامر الدولة وتعليماتها. وكما اصطدم المستوطنون مع الفلاحين، كذلك الحال مع القبائل البدوية التي حرمت من مراعي قطعانها. وقام الطرفان الفلاحون والبدو ــ ومن دون تنسيق، بعمل متكامل في مهاجمة المستعمرات وحرق المزارع، وتخريب المرافق. وتنضح يوميات المستوطنين الأوائل بأخبار هذه المقاومة، التي يسمونها أعمال نهب وتخريب. وفي النص قيد البحث الكثير من الأحداث الموثقة جيداً حول هذه المقاومة المحلية، وإن كان الكاتب يعزوها لأسباب مخالفة لحقيقتها، وذلك لأغراض ذاتية، كونه مستوطن يهودي صهيوني وإن حاول إظهار الموضوعية في طرحه للقضايا.
وفي الواقع، وبغض النظر عن الدعاية الصهيونية التي تروّج غياب الوعي الوطني لدى العرب الفلسطينيين، وتركز على انتمائهم الطائفي، وتبرز خلوّ الأرض من السكان، وصولا ً إلى مقولة الزعيم الصهيوني، يسرائيل زانغويل “أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض” فإنه ما من مستعمرة يهودية قامت في فلسطين، ومنذ البداية من دون صراع مع جوارها من الفلاحين والبدو. والدعاية الصهيونية الموجهة، الرامية إلى تغييب سكان فلسطين الأصليين، لتبرير منح الحركة الصهيونية “البراءة الدولية”، تفضحها محاضر جلسات لجان المستعمرات ومذكرات المستوطنين الأوائل، التي أبرزت شكواهم من المقاومة العربية. وهذه الدعاية المضللة والكاذبة تفضحها بصورة صارخة الذرائع والتبريرات التي ساقها المستوطنون لإنشاء وحدات عسكرية مسلحة لحماية المستعمرات. كما يدحضها الجدل بين المستوطنين الأوائل ورجال الهجرة الثانية، بشأن ضرورة استبدال الحراس العرب بمهاجرين يهود للقيام بالدفاع عن المستعمرات أمام هجمات المقاومين العرب. كما تكشف مراسلات القناصل الأجانب زيف هذه الدعاية، إذ دأب هؤلاء على الطلب من السلطنة العثمانية إبعاد الفلاحين العرب عن الأرض بالقوة، وتثبيت المستوطنين عليها، وحمايتهم. وفي النص قيد البحث الكثير من الإشارات إلى هذه المقاومة، والكاتب يستند في إيرادها إلى عدد من الأراشيف التي تضم وثائق من تلك الفترة، سواء منها اليهودية، أو التركية، أو الأجنبية، أو حتى العربية. ومن هنا أهمية ترجمة هذه المقالة، الأمر الذي كان الدافع الأساسي للقيام بالعمل لوضعه في متناول القارئ العربي.
وتشير الدلائل إلى أن حركة الاستيطان اليهودي، المدعومة من قناصل الدول الأوروبية وتواطؤ بعض الموظفين العثمانيين، عجلت في تنامي الشعور الوطني وتبلور الوعي القومي لدى قطاعات واسعة من سكان فلسطين وجوارها. وعم هذا الشعور سكان الريف والمدن على حدّ سواء، ولم تخرج عنه سوى فئة صغيرة من الملاكين، الذين كانوا بغالبيتهم غائبين عن الأرض، وقد أغرتهم الأثمان العالية التي دفعها لهم السماسرة للتنازل عن ملكية الأرض. أما التجار والحرفيون والمثقفون، فقد انحازوا إلى الموقف الوطني، ومن منطلق الحفاظ على المصالح الاقتصادية التي تتهددها الهجرة اليهودية الواسعة. وتحت ضغط الرأي العام الشعبي، تقدم أعيان القدس بالتماس إلى الباب العالي (24/6/ 1891) يطالبون فيه بوضع حدّ لهجرة اليهود إلى فلسطين، واستجابت استنبول للالتماس، وأصدرت مرسوماً يمنع بيع أراضي الدولة (الميري) لليهود من دون استثناء (1892). ولم تجد نفعاً احتجاجات اليهود العثمانيين، الذين شكلوا غطاء للصهيونية للالتفاف على القوانين، ولا اعتراضات قناصل الدول الأوربية، في زحزحة الباب العالي عن موقفه، الذي دعمه السلطان عبد الحميد، بحزم. وفي هذا النص العديد من الوثائق التي تؤكد هذه الحقائق. والكاتب الذي لم يأل جهداً في البحث والتمحيص، أورد في مقالته المطولة كمّاً وافراً من المعلومات الوثائقية المستقاة من مصادر متعددة والتي تؤكدها الوقائع، وإن حاول الكاتب أحياناً توظيفها في غير سبيلها.
وقد صدر هذا المقال في مجلد ضخم بعنوان “تاريخ الاستيطان اليهودي في فلسطين (تولدوت هيشوف بإيرتس – يسرائيل) – العصر العثماني – الجزء الأول، (الأكاديمية القومية الإسرائيلية للعلوم، مؤسسة بيالك، القدس، 1989) وفي المجلد عشرة مقالات طويلة، إضافة إلى مقدمة وملاحق وثبت مصادر، وكذلك فهرس أسماء أعلام وأمكنة (963 صفحة). والمقال قيد البحث هو الفصل الرابع من الكتاب (ص 215-256)، وهو بعنوان “العرب والصهيونية:1882-1914″، والكاتب هو الباحث الأكاديمي يوسيف لمدان. وبعد الإفادة من هذا البحث في كتابات سابقة عن الصراع العربي – الإسرائيلي، طرأت فكرة ترجمته كاملاً، لوضعه في متناول القارئ العربي في صيغته الأصلية، ليكون بمثابة وثيقة في موضوعه. وليس ذلك إعجاباً بتقويمات الكاتب للواقع، ولا بتحليلاته للظواهر التي برزت في سياق المواجهة بين المستوطنين والسكان الأصليين، وإنما تقديراً لإحاطته بالوقائع، ولاستناده إلى المراجع المتعلقة بتلك الفترة، على تنوع مصادرها، العربية والعبرية والتركية والأجنبية.
ما من شك في أن الكاتب، بانحيازاته اليهودية والصهيونية، حاول إضفاء طابعٍ مصطنعٍ على المعطيات يضعها في غير نصابها، ويظهرها على غير مغزاها الحقيقي الأصلي. إلا أنه في المقابل، أورد كماً ضخماً من المعلومات، لم يستطع تجاهلها، ليس خدمة للحقيقة بقدر ما كان ذلك دعماً لأطروحاته النظرية. لقد سعى جاهداً للتركيز على الاختلاف في خلفيات النظرة إلى النشاط الصهيوني في الأوساط العربية، في محاولة مكشوفة لصرف الانتباه عن الوحدة في الموقف العربي منه كظاهرة غريبة عن الزمان والمكان. إلا أنه لم يستطع إنكار هذا الإجماع على رفض الصهيونية، بصرف النظر عن الدواعي الذاتية لذلك. لقد كان همه في المقال إبراز الخلافات الداخلية العربية، لإسقاط منعكساتها على الموقف من الاستيطان الصهيوني، فاضطر لإيراد كمٍّّ من المعلومات الموثقة جيداً، لكنها على العكس مما أراده منها، تثبت أنه بصرف النظر عن تلك الخلافات كان الموقف من الصهيونية الدخيلة واحداً عموماً. في المقابل، لا ينكر الكاتب أن العرب لم يميزوا بين التيارات الاستيطانية المختلفة، ولم يعيروا ذلك اهتماماً، فكأنما لسان حالهم يقول: “الكفر ملّة واحدة”.
حاول الكاتب تصنيف ردود الفعل العربية على النشاط الاستيطاني الصهيوني الأجنبي، بناء على الانتماء الديني، أو حتى الطائفي، وبالتأكيد انطلاقاً من الأرضية القُطريّة. إلا أن الوقائع التي أوردها لإثبات نظريته، على وفرتها، تثبت عكس ما رمى إليه الكاتب من زجها في النقاش. فلا التقسيمات القطرية، أو الدينية، أو الطبقية، التي أوردها الكاتب لإسناد أطروحته، تثبت في الاختبار، حتى بإقراره ذاتياً. إلا أن هذا الحشد من المعلومات التي توفرت لديه من المصادر المختلفة، يبرز الإجماع شبه الكامل بين القوى، على اختلاف مشاربها، في معارضة الصهيونية، وإن بدرجات متفاوتة. لقد كان طبيعياً أن تتفاوت المواقف من الصهيونية بناء على التقدير الذاتي لخطورتها، بالاستناد إلى مستوى الوعي المعرفي لمنطلقات هذه الحركة وأهدافها. وفي واقع الأمر كانت المناهضة للصهيونية تتجاوز حدود القومية والطائفية والإقليمية، وتتفاوت انطلاقاً من حالة الوعي السياسي لدى أصحابها، وليس على أساس انتماءاتهم الدينية أو الإقليمية أساساً، كما يحاول الكاتب إظهار ردود الفعل العربية على المشروع الصهيوني.
وهذا المنهج في التعامل مع الصحافة والكتابات الأخرى، السياسية والأدبية، أخفق في تقديم دعم علمي وموضوعي للطروحات التي توخاها الكاتب. لقد حاول إسناد موقف الصحيفة مثلاً، وكذلك المنشور، من الصهيونية، إلى الطائفة الدينية التي ينتمي إليها المحرر، أو الكاتب، فوقع في المحظور. أراد تعميم الخاص، وأحياناً تخصيص العام، فأفسد على نفسه استخلاص النتائج السليمة من المقتطفات التي أوردها، والتي كانت بالطبع انتقائية. وكذلك الأمر في محاولته التمييز بين مواقف الفلسطينيين وإخوانهم العرب، حيث اعتورت تحليله ثغرات لا تخفى على القارئ المتمعن. ومن التفسيرات الغريبة لدى الكاتب على سبيل المثال، عزو مناهضة العرب للصهيونية إلى الولاء للعثمانية. وفي واقع الأمر وعلى سبيل الأخذ والرد، كما يقول هو أحياناً، لماذا لا يكون الولاء للعثمانية ناجماً أصلا من موقف السلطنة إزاء الصهيونية مثلا! وعلى العموم، فالملاحظات على منهج التحليل لدى الكاتب كثيرة، إلا أن الأساس الداعي لترجمة المقال هو الحشد الكبير من المعلومات عن الأحداث، ومن مصادر متنوعة، والتي في المحصلة تعطي صورة واضحة عن المقاومة العربية للاستيطان الصهيوني منذ بدايته.
لم يكن بالإمكان العودة إلى الأصول للتثبت من الصيغ الأساسية للمقتطفات، وذلك لعدم توفر المصادر المطلوبة لذلك. إلا أنه جرى الالتزام قدر المستطاع بالأمانة في الترجمة والنقل، مع إيلاء الأهمية للمضمون قبل الشكل. وكذلك جرى تحاشي ترجمة الحواشي التي تشير إلى المصادر، بسبب كثرتها من جهة، وقلة فائدتها لتعذر الوصول إليها من جهة أخرى. كما بُذل جهد في مراعاة أسلوب الكتابة الذي اعتمده المؤلف، فانعكس ذلك بطبيعة الحال في بلاغة الترجمة. وكان لافتاً في أسلوب الكاتب الصياغات اللغوية غير المألوفة، وكأنما كان يترجم إلى العبرية من لغة الأم الأصلية، التي حكمت تفكيره. ومهما يكن، فلربما كان آخر ما قد يخطر ببال هذا الكاتب أن يأتي من يترجم مقاله إلى العربية. وكذلك الأمر بالنسبة إلى المترجم نفسه، الذي لولا اعتباره المقال بمثابة وثيقة تسند كتاباته عن تلك الفترة، لما أقدم على هذا العمل.
الواضح من المقال وكما هو معلوم من مصادر أخرى متعددة، فانه بعد انقلاب “تركيا الفتاة” (1908)، وبروز تعاطف قياداتها مع الصهيونية، وانكفائها عن مواقفها السابقة، ازدادت حدة المقاومة العربية لها. وإضافة إلى الحملة في الصحف، ظهرت كتابات تاريخية وأدبية تحرض العرب على مناهضة الصهيونية. فكتب إسعاف النشاشيبي (1911) كتاب “الساحر واليهودي”، ومعروف الأرناؤوط كتاب ” فتاة صهيون” ووضع محمد روحي الخالدي (1911) مخطوطة كتاب “تاريخ الصهيونية”، وأوضح فيه أن الهدف الصهيوني هو إقامة دولة يهودية في فلسطين. وميز الخالدي الصهيونية عن اليهودية، ونبه إلى مخاطر نشاط المستوطنين في فلسطين. وتناول الشيخ محمد رشيد رضا الموضوع في “المنار”، ونبه إلى مخاطر الصهيونية على العرب ومستقبلهم، كما أوضح نجيب عازوري، في مقدمة كتابه “يقظة الأمة العربية” أخطار الصهيونية على الوطن العربي، مشيراً إلى الصراع الدموي الذي سيتولد عن محاولات تجسيد المشروع الصهيوني في فلسطين. وشنّت الصحف التي تأسست في فلسطين في تلك الفترة حملة على النشاط الصهيوني، تكشف مخططاته، ودعت الناس إلى الوقوف في وجهه. وبذلك عمقت الوعي العربي بهذه المؤامرة الدولية، وبأبعادها الخطرة على حاضر الأمة العربية ومستقبلها. وطالبت الصحف الحكومة العثمانية بمنع هجرة اليهود إلى فلسطين، وتشديد الرقابة على بيع الأراضي. وقد تعرضت تلك الصحف مراراً للإغلاق بأوامر السلطة العثمانية، عقاباً لها على نشر مقالات معادية للصهيونية، وانتقاد سياسة الحكومة إزاء مخططاتها ونشاطاتها. وقد عرض كاتب المقالة مواقف هؤلاء الكتّاب بإسهاب، كما حاول تقديم تقويم موضوعي لمواقف الصحف المختلفة، إلا أنه لم يفلح في إخفاء انحيازا ته الصهيونية في تفسيراته لما ورد في المصادر المتعددة التي استند إليها في كتاباته.
فبعد ثورة “تركيا الفتاة” تأسست في فلسطين أربع صحف، جعلت التصدي للمشروع الصهيوني محور اهتمامها. وبذلك ساهمت هذه الصحف في تعزيز خصوصية الحركة الوطنية الفلسطينية ضمن إطارها القومي العربي، إذ راح البعد الصهيوني يحتل موقعاً رئيساً في مضمونها السياسي والنضالي. ففي سنة 1908، أسس حنا عبد الله العيسى صحيفة “الأصمعي”، ونجيب نصار صحيفة “الكرمل”. وفي سنة 1912 أسس سعيد جار الله صحيفة “المنادي ” وعيس العيسى صحيفة “فلسطين” التي تولى تحريرها يوسف العيسى. وقد تميزت صحيفة “الكرمل” التي صدرت في حيفا، بحمل لواء المقاومة العربية للصهيونية. وقدم مؤسسها نجيب نصار اللبناني الأصل (1865-1948) مساهمة نوعية في نشر الوعي عن الصهيونية والتعريف بنشاطاتها. فأكد على عنصريتها، وكشف الزيف في طروحاتها، وركز على التعريف بمؤسساتها وأساليب عملها، بالاستناد إلى “الموسوعة اليهودية”. وكرس صحيفته للتصدي للمشروع الصهيوني بأبعاده كلها – الفكرية والسياسية والعملية. وطالب الحكومة بوقف الهجرة إلى فلسطين ومنع بيع الأراضي للحركة الصهيونية. وبنشاطه مع الصحف الأخرى، أجبر الحكومة على التراجع عن بيع أراضي “الجفتلك” (الأميرية) في غور بيسان وأريحا (1913). وقد تعرض للمطاردة والاعتقال من قبل السلطات العثمانية، والبريطانية لاحقاً. وكذلك فعلت جريدة “فلسطين” وقامت بدور كبير في مقاومة الصهيونية والاحتجاج على نشاطها في فلسطين، راح يتصاعد مع تصاعد وتيرة الهجرة اليهودية الثانية إليها، قبل الحرب العالمية الأولى. ونظراً إلى تأثير تلك الصحف في الرأي العام الفلسطيني والعربي، فقد نشطت الأوساط الصهيونية في العمل على توقيفها، فأغلقتها الحكومة العثمانية مراراً. وكذلك الأمر في ظل الانتداب البريطاني. وقد تعرض كاتب المقال لنشاط تلك الصحف، وإذ لم يستطع إخفاء دورها المقاوم، فإنه لم يفوًت فرصة لوصمها بـ “اللاساميّة” حسب تعريفه الخاص لهذه الظاهرة.
وقبل اندلاع الحرب العالمية الأولى زار جرجي زيدان فلسطين، وكتب عن مشاهداته هناك في مجلة “الهلال” (1914). وكذلك كتب إبراهيم سليم النجار في الأهرام (1914)، تحت عنوان “الإسرائيليون في فلسطين” كما قام محمد الشنطي، صاحب صحيفة ” الإقدام ” القاهرية، بجولة في فلسطين، أجرى خلالها مقابلات مع المرشحين للبرلمان العثماني، من أجل التعريف بمواقفهم من الصهيونية. وفي المقابلة مع المربّي خليل السكاكيني (29/3/1914) قال:
“إن الصهيونيين يريدون أن يمتلكوا فلسطين، قلب الأقطار العربية والحلقة الوسطى التي تربط شبه الجزيرة العربية بأفريقيا. وهكذا يبدو أنهم يريدون كسر الحلقة، وتقسيم الأمة العربية إلى جزأين للحيلولة دون توحيدها. فعلى الشعب أن يكون واعياً، إذ أنه يمتلك أرضاً ولساناً. وإذا شئت أن تقتل شعباً فاقطع لسانه واحتل أرضه. وهذا بالضبط ما يعتزم الصهيونيون أن يفعلوه”.
وبتأثير حملة الصحف، نقل الزعماء السياسيون الفلسطينيون معارضة الشعب إلى البرلمان العثماني والأوساط السياسية الدولية. وفي البرلمان العثماني الجديد (1908)، برز موقف المندوبين العرب الموحد من الصهيونية، ومن موقف تركيا الفتاة المتعاطف معها. وأنكرت الحكومة تعاطفها، ولكن المعارضة هاجمتها بشدة (1911) في “مجلس المبعوثان”، مما اضطرها إلى التراجع واتخاذ مواقف أكثر حزماً تجاه نشاط المستوطنين اليهود في فلسطين. واستعرض كاتب المقال مواقف المندوبين الفلسطينيين والعرب في البرلمان العثماني، مستنداً إلى الأراشيف التركية في استنبول، كما إلى الصحف العربية من تلك الفترة ومن هنا أهميته.
وبرز في مهاجمة المشروع الصهيوني نائب دمشق، شكري العسلي، الذي شغل في السابق منصب قائمقام الناصرة. وفي أثناء خدمته في فلسطين، عر ف العسلي بموقفه الحازم ضد بيع الأراضي للمستوطنين، وبالتصدي القوي للصفقة التي عقدتها عائلة سرسسق البيروتية مع ممثلي الحركة الصهيونية لبيع مساحات واسعة في وسط مرج بني عامر، حيث أقيمت مستعمرة “مرحافيا”. ولكن وساطة سرسق لدى والي بيروت، أدت إلى نقل العسلي من منصبه، وتمرير الصفقة. وكذلك كان موقف نائبي القدس: محمد روحي الخالدي وسعيد الحسيني، الذين أكدا خطورة المشروع الصهيوني، ليس على فلسطين فحسب، بل على الدولة العثمانية بأكملها، كونه يهدد كيانها. وانتقد النائبان في مداخلاتهما سياسة الحكومة المتهاونة إزاء النشاط الصهيوني، ودعوا إلى تشديد القيود عليه. وأصبح الموقف من الصهيونية مسألة أساسية في البرامج الانتخابية للمرشحين إلى البرلمان، تجاوباً مع الرأي العام للسكان، من جهة، وتحت تأثير الصحافة من جهة أخرى. وفي انتخابات سنة 1914، تعهد سعيد الحسيني بمواصلة محاربة الصهيونية، وانتقد سياسة الحكومة المتغاضية عن النشاط الاستيطاني في فلسطين. وكذلك فعل راغب النشاشيبي، الذي دعا إلى وضع تشريع خاص يرمي إلى منع بيع الأراضي للمستوطنين. كما هاجم الامتيازات الممنوحة للدول الأجنبية، والتي تغطي التفاف الحركة الصهيونية على القوانين السائدة في البلاد. ويولي الكاتب موقف العسلي أهمية خاصة، ويسهب في إيراد التفاصيل، محاولا وصم موقف هذه الشخصية باللاسامية. كما يسعى جاهداً إلى دحض المعلومات التي أوردها العسلي في كتاباته ومرافعاته ضد النشاط الصهيوني، في محاولة واضحة لضرب مصداقيته، وبالتالي، الانتقاص من موقفه العربي.
إلا أنه على الرغم من مقاومة الفلاحين والبدو العنيفة، وكذلك حملات الصحف التحريضية ونشاط القوى السياسية، فقد استمر الاستيطان الصهيوني، بل وتعزز عبر “الهجرة الثانية” (1904-1914). ولم تحل القيود على الهجرة، وقوانين منع بيع الأراضي للمستوطنين، دون استمرار تلك الهجرة وشراء الأراضي. وقد تضافرت عدة عوامل لجعل ذلك ممكناً: فساد جهاز الدولة العثماني وتواطؤ العثمانيين الجدد مع الأهداف الصهيونية، ونشاط قناصل الدول الأجنبية لمصلحتها وغيرها. ويبقى من أهم عوامل استمرار الاستيطان، تَمَكّن الحركة الصهيونية من شراء الأراضي. وقد أدت طبيعة ملكية الأرض في البلاد دوراً رئيسياً في ذلك. وبينما كانت الدولة تمتلك الجزء الأكبر من “الأراضي الميري”، فقد تركزت مساحات واسعة منها في أيدي ملاّكين غائبين، وضعوا أيديهم عليها عبر الالتزام، أو الشراء بالمزاد العلني من الدولة التي صادرتها لعجز الفلاحين عن دفع الضرائب المستحقة عليها. وتفيد المصادر أن ما باعه الفلاحون في الفترة 1901-1914 لايتجاوز4،3% من مجموع ما اشترته الحركة الصهيونية؛ وتمّ شراء الباقي من الدولة، أومن الملاكين الكبار الغائبين. وبالعودة إلى الوثائق، والتي لا يوردها الكاتب في مقالته، مع أنه يمر على ذكرها مرورا، يتضح أن غالبية أولئك الملاكين كانوا من مقرضي الأموال والتجار في المدن؛ والعدد الأكبر منهم يعيش خارج فلسطين. وبالنسبة إلى هؤلاء كانت الأرض بمثابة سلعة، ولما أحسوا أن أراضي السلطنة معرضة للتقسيم، وبالتالي، ربما انفصالهم عن أملاكهم، سارعوا إلى بيعها للتخلص منها. وكانت الصهيونية بالمرصاد، فاشترت منهم تلك الممتلكات التي حصلوا عليها بأساليب بعيدة عن الأعراف التي كانت سارية في المنطقة، خاصة في فلسطين.
وعلى الرغم من بروز المسألة الصهيونية، وبالتالي، “القضية الفلسطينية”؛ في “الحركة القومية العربية”، وخصوصاً “الوطنية الفلسطينية”، قبل الحرب العالمية الأولى، فإن الأولوية في النشاط السياسي العربي كانت للعلاقة مع الدولة العثمانية، من جهة، ومع الدول الأوروبية ودورها في دعم الاستقلال العربي، من جهة أخرى. في المقابل، ففي الفترة إياها، حسم الأمر داخل الحركة الصهيونية على اعتماد فلسطين قاعدة للمشروع الاستيطاني الصهيوني، ورفض الأمكنة البديلة. وبناء عليه، شكلت هذه المرحلة، وعلى هذا الأساس، بداية تمايز مضمون “الحركة الوطنية الفلسطينية” عن “الحركة الأم” (القومية العربية)، لما تميّز به ذلك المضمون من تركيز على الصهيونية. وقد وجهت صحيفتا “الكرمل” و “فلسطين” نقداً شديداً للمؤتمر العربي الأول (1913) في باريس، لأنه ركز مداولاته على مسألة الاستقلال الذاتي، ولم يول اهتماماً كافياً للمسألة الصهيونية. هذا، على الرغم من وحدة الموقف لدى القوى السياسية الفلسطينية من الصهيونية، وتعاطف القوى القومية العربية معها. ولكن القضية الملحّة في المؤتمر كانت تتمحور حول مصير العلاقة بين الأمة العربية والدولة العثمانية، الأمر الذي حسمته الحرب العالمية الأولى. وعلى أية حال، فقد بلغت مساحة الأراضي التي اشتراها “الصندوق القومي اليهودي” عشية الحرب العالمية الأولى نحو420،700 دونم، أقيم عليها 47 مستوطنة في مناطق متعددة من فلسطين. وفي الواقع، فإن جميع المحاولات للتوصل إلى “اتفاق ” بين الحركة الصهيونية، من جهة، والتيارات المحلية المختلفة – العثمانية، اللامركزية، القومية العربية، والوطنية الفلسطينية – عموماً، قد باءت بالفشل، كما يؤكد كاتب المقال.
ومنذ أن تسربت المعلومات عن “وعد بلفور”، بدأ الفلسطينيون يعبرون عن رفضهم له، وعن مخاوفهم من نتائجه بصور متعددة. وتشكلت في البلاد لجان إسلاميةــ مسيحية، انطلاقاً من الوعي الذي ساد في حينه، من أن المشروع الصهيوني ينطلق من أرضية يهودية. ومن هنا، رأى رجال هذه اللجان في بريطانياً طرفاً ثالثاً، تجري مناشدته للتخلي عن دعم هذا المشروع، من أجل الحفاظ على الصداقة مع العرب. وكانت هذه اللجان خطوة أولى نحو التنظيم السياسي، من جهة، وتعميق الوعي بطبيعة المشروع الصهيوني، من جهة أخرى، الأمر الذي أدّى إلى وقوع صدامات عنيفة مع المستوطنين، على الرغم من وجود الحكم العسكري البريطاني. وقد تشكلت تلك اللجان من الوجهاء والأعيان والملاكين ورجال الدين والمثقفين ورجال الأعمال. وإذ ظلت ترفع شعار الاستقلال والوحدة العربية، فإنها لم تدع إلى مقاومة الاحتلال البريطاني، وإنما ناشدته الوقوف في وجه الأهداف الصهيونية، ودعت حكومة لندن للوفاء بتعهداتها للعرب، عشية اندلاع الحرب وفي أثنائها. وفي ظل الاحتلال، وبينما راحت الحركة الصهيونية تبني “الوطن القومي اليهودي”، والحركة القومية العربية، في دمشق، تركز اهتمامها على الاحتلال الجديد، بهدف تحقيق الاستقلال، راحت الحركة الوطنية الفلسطينية مع الوقت تركز اهتمامها على درء الأخطار الصهيونية، التي تهدد مستقبل البلد وسكانه. ومع ذلك ظلت العلاقات بين الحركة الوطنية الفلسطينية، والحركة الأم – القومية العربية قائمة، وإن لم تكن على تواصل يومي كما كانت الحال قبل الحرب العالمية الأولى.
ورداً على “مؤتمر يافا” الصهيوني، الذي دعت إليه “لجنة المندوبين الصهيونيين” (1918)، وخرج بقرارات بعيدة الأثر بالنسبة إلى “تهويد فلسطين” الفوري، عقد “المؤتمر العربي الفلسطيني الأول” في القدس (27/1-1/2/1919). وقد تنادى المؤتمرون للنظر في المطالب الفلسطينية من “مؤتمر باريس للسلام”، على قاعدة تقرير المصير، وتحديد الموقف من المشروع الصهيوني، بعد أن راحت عناصره وغاياته تتكشف بوتيرة متسارعة، نتيجة للنشاط الذي تمارسه لجنة المندوبين برئاسة حاييم وايزمن. وفي هذه الفترة، كانت بلاد الشام كلها تحت الحكم العسكري البريطاني. وكانت قد تشكلت في دمشق حكومة عربية بقيادة الأمير فيصل (30/9/1919) وكانت الحركة الوطنية الفلسطينية على صلة وثيقة بالحركة القومية العربية في دمشق. إلا أنه إزاء النشاط الصهيوني المتزايد في فلسطين وانكشاف “وعد بلفور”، وما نجم عنه، راح الهمّ الفلسطيني يتركز حول المشروع الصهيوني. في المقابل، ومع تكشّف عملية الخداع التي مارسها الحلفاء على الحركة القومية العربية، وافتضاح مؤامراتهم على تقسيم الوطن العربي إلى مناطق نفوذ لهم، تمحور الهمّ العربي ( الدمشقي) على الاستقلال. ومع اشتداد الهجمة الامبريالية – الصهيونية، وتقسيم البلاد العربية، أصبحت الحركة العربية بمجملها في موقع الدفاع عن النفس، وتركزت أولوية كل جانب فيها على مشكلاته المباشرة. وراحت الاتصالات بين الأجزاء تضعف، وبالتالي، يأخذ النشاط طابعاً إقليمياً، شكلاً ومضموناً. وإذ تمحور النشاط الفلسطيني حول الخطر الصهيوني، فإن همّ دمشق تركز على الاستقلال في مواجهة الخطر الفرنسي الداهم.
وفي الواقع، فإنه إزاء الوضع الذي تشكل بعد الحرب العالمية الأولى، وعلى أرضية المشاريع المطروحة بالنسبة إلى الوطن العربي، لم يعد الاستقلال على رأس هموم الحركة الوطنية الفلسطينية بقدر ما أصبح همّها إنقاذ البلد من براثن الصهيونية. ولاغرو أن هذه الحركة كانت معنية بتوثيق الارتباط بالحركة الأم، لكن الواقع فرض نفسه بقوة. وإزاء التطورات المتسارعة، اجتمع في “النادي العربي” بدمشق حشد من الشخصيات الفلسطينية، وقرر تشكيل “الجمعية العربية الفلسطينية” (31/5/1920). وانتخبت للجمعية لجنة إدارية من: الحاج أمين الحسيني، عارف العارف، رفيق التميمي، عزة دروزة، معين الماضي، إبراهيم عبد الهادي وسليم عبد الرحمن. ودعت اللجنة إلى توحيد الجمعيات الفلسطينية في إطار للعمل المشترك. واحتجت بشدة على قرار “مؤتمر سان ريمو”، القاضي بانتداب بريطانيا على فلسطين. كما قامت الجمعية بإذاعة بيان عام إلى مسلمي الهند والعالم أجمع، لفتت فيه أنظارهم إلى الخطر الصهيوني. وشهدت سنة1920 انعطافاً في الحركة العربية بصورة عامة، والحركة الوطنية الفلسطينية بصورة خاصة، وكان العامل الخارجي هو الأكثر تأثيراً في فرض المسارات اللاحقة.
وبعد إقرار ميثاق “عصبة الأمم ” (28/4/1919)، الذي تضمن نظام الانتداب، وتوقيع “معاهدة فرساي” (28/6/1919)، حملت سنة1920 سلسلة أحداث كان لها أثر مباشر على التطورات في فلسطين. فقد بادر “المؤتمر السوري العام” (8/3/1920)، وبعد افتضاح مخططات بريطانيا وفرنسا إزاء المنطقة، إلى إعلان استقلال سوريا بحدودها الطبيعية، لتشمل فلسطين، وبالتالي، رفض المشروع الصهيوني؛ ونودي بفيصل ملكاً عليها. وسارت تظاهرات في فلسطين تأييداً للإعلان. ولذلك، سارعت الدول الأوروبية إلى توقيع “معاهدة سيفر” (20/4/1920)، وبعدها معاهدة “سان ريمو” (25/4/1920)، اللتين فرضتا الانتداب على بلاد الشام. وتحركت فرنسا لاحتلال سوريا، وبعد “معركة ميسلون” (24/7/1920)، التي قتل فيها وزير الدفاع، يوسف العظمة، سقطت الحكومة العربية في دمشق؛ وغادرها فيصل. في المقابل، أوفدت بريطانيا هربرت سامويل مندوباً سامياً على فلسطين ليحلّ محل الإدارة العسكرية هناك (تموز/يوليو1920). ونتيجة لهذه المستجدات –انهيار الحكومة العربية في دمشق، وترسيم الحدود بين الانتدابين ــ الفرنسي والبريطاني ــ في بلاد الشام، عزلت الحركة الوطنية الفلسطينية عملياً عن الحركة القومية الأم في سوريا. فبدأت مرحلة جديدة من العمل الوطني الفلسطيني، سِمته العامة قُطرية، حيث تمحور حول الانتداب البريطاني والمشروع الصهيوني. وبذلك، حققت الصهيونية، ومنذ البداية، أحد أهم أهداف مشروعها: تفتيت حركة التحرر العربية، وتحديد مساراتها السياسية.
وفي أجواء من الاحتقان الشعبي، تحول موكب الاحتفال بموسم النبي موسى في القدس، والذي تواكب مع عيد الفصح لدى المسيحيين واليهود (4/4/1920)، إلى تظاهرة وطنية للإعراب عن السخط والاحتجاج ضد الصهيونية والإدارة البريطانية. وخطب في الحشد الكبير رئيس بلدية القدس موسى كاظم الحسيني، وكذلك الحاج أمين الحسيني وعارف العارف، محرّضين على السياسة البريطانية الرامية إلى تهويد فلسطين. وتوترت الأوضاع بعد تحرّش العصابات الصهيونية التي نظمها زئيف جابوتنسكي بالمتظاهرين، واندلع الاشتباك بعد أن أطلق أفراد تلك العصابات النار عليهم. وتدخلت القوات البريطانية لقمع الاشتباكات، فاصطدمت بمقاومة عنيفة، استمرت بشكل متفرق عدة أيام، أسفرت عن مقتل 5 يهود و4عرب وجرح 211 يهودياً و23 عربياً، و7 جنود بريطانيين. وتشكلت لجنة تحقيق (لجنة بالين)، فأكدت في تقريرها أن الاضطرابات كانت نتيجة حالة التوتر التي تسود الجماهير العربية، جراء سياسة تهويد فلسطين التي تتبعها سلطات الاحتلال البريطاني. وكان ذلك مقدمة لأحداث شبيهة، أشد عنفاً، لاحقاً.
وبعد انسحاب القوات البريطانية من سوريا الشمالية، وقبل انتشار القوات الفرنسية في جميع أنحائها (1919)، قامت مجموعات عربية مسلحة بمهاجمة المستعمرات اليهودية في منطقتي طبريا والجليل الأعلى. وتصاعدت هذه الهجمات على المستعمرات الأربع التي أقيمت في الطرف الشمالي من سهل الحولة ( أصبع الجليل)،وهي: المطلّة (متولا)، كفارغلعادي، تل حاي، وحمّارة (المحمرّة). وتولى قيادة الدفاع عنها المستوطن الروسي الأصل، جوزيف ترومبلدور. ولكن هذا الدفاع لم يصمد أمام الهجمات العربية المتوالية، فراحت المستعمرات تسقط الواحدة تلو الأخرى. وبداية أجليت حمّارة (1/1/1920)، وأحرقت. ثم تبعتها المطلّة (منتصف كانون الثاني/يناير1920) فعاد إليها أصحابها السابقين من السكان المحليين. ووقعت معركة تل حاي الحاسمة في ( آذار/ مارس/ 1920 )، إذ قتل فيها ترومبلدور، وهرب بقية المدافعين عن كفار غلعادي (3/3/1920)، ولجأ هؤلاء إلى “الطيبة” (جنوب لبنان)، حيث جمعهم الإقطاعي كامل بك الأسعد، ونقلهم إلى صيدا، ومنها إلى حيفا. وبذلك، ولفترة وجيزة، جرت تصفية الاستيطان في شمالي سهل الحولة، لأنه وقع خارج منطقة الحماية البريطانية الفعلية.
لكن هذه المقاومة لم تزحزح بريطانيا عن موقفها من وعد بلفور. وعندما حذّرت الإدارة العسكرية في فلسطين من مغبة الإيغال في دعم المشروع الصهيوني، لما قد يجره ذلك من عنف دموي، عمدت حكومة لندن إلى استبدالها بأخرى مدنية، برئاسة هربرت صامويل، كمندوب سام ٍ، وهو المعروف بصهيونيته، حتى عندما كان عضواً في الحكومة سنة1916. وفي كتاب التعيين، جعلت تلك الحكومة وعد بلفور عنصراً أساسياً في مهمات الإدارة الجديدة. وصدرت أحكام بحق موسى كاظم الحسيني، فنُحّي عن رئاسة بلدية القدس، وحل محله راغب النشاشيبي، الذي فتح بذلك ثغرة في الصف الفلسطيني. وكذلك حكم بالسجن على كل من الحاج أمين الحسيني وعارف العارف، ففرا إلى شرق الأردن، حيث كان مشايخ القبائل يدعمون النضال الفلسطيني. وحكم بالسجن على زئيف جابوتنسكي. وعلى الرغم من أصوات الاعتراض في بريطانيا، وحتى اليهودية منها، كما في الولايات المتحدة الأميركية، ضد تعيين صامويل مندوباً سامياً، أصرت حكـومة لندن على ذلك. فكان هذا التعيين بداية مرحلة جديدة في الصراع العربي – الصهيوني تحت الانتداب البريطاني، قادت إلى ” الثورة العربية الكبرى” في فلسطين (1936-1939).
:::::
تاريخ النشر: 02/12/2009

تحرير: عرب 48

_________

“كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.