“كنعان” تتابع نشر كتاب “صين اشتراكية أم كوكب اشتراكي ودور الثلاثي الثوري”، لمؤلفه د. عادل سماره، الحلقة 9

اللغز الصيني ورأسمالية الدولة الاشتراكية[1]

ملاذ اليوسف

بينما ينشغل الباحثون الاقتصاديون، في الأعوام الأخيرة، بتفكيك “اللغز الصيني” لفهم الآليات التي استطاعت من خلالها الشركات المملوكة للدولة الصينية، والمدارة مركزياً من قبل الحزب الشيوعي الصيني، كسر القوانين الاقتصادية ومخالفة التوقعات وتحقيق نجاح كبير، حيث حققت الصين أسرع نمو اقتصادي في آخر 40 عاماً من خلال الاعتماد على الشركات المملوكة للدولة، هذا وبعد الإقرار بأن بعض هذه الشركات (العملاقة منها) لم تعد تلعب دوراً مهماً في الاقتصاد الصيني وحسب بل وفي الاقتصاد العالمي ككل، تنشغل أقلام بعض الكتّاب والمترجمين العرب، بعد تعامل الحكومة الصينية الموفق مع فيروس كورونا، بمناقشة مسألة ما إن كانت الصين ذات نظام رأسمالي أم اشتراكي! حيث يتم التعامل مع مفهوم “رأسمالية الدولة الاشتراكية” كمفهوم مبهم وغير واضح المعالم في الصين، فيخلص هؤلاء إلى أن الصين “رأسمالية” كاليابان الرأسمالية وهكذا يحاولون ترسيخ مفهوم أن “كل الأبقار في الليل سوداء” في ذهن القارئ العربي.

مثال بسيط عن “اللغز الصيني”

في مدينة ووهان ثلاث مدن صغيرة (ووتشانغ، خانكو، هانيان). في العام الفائت انتقلتُ من “ووتشانغ” إلى منزلي الجديد في “خانكو”، وكان لزاماً عليَّ مراجعة شركة الاتصالات التي أتعامل معها منذ سنوات (China Mobile) لأخبرهم بعنوان سكني الجديد كي يمدّوه بخدمة الإنترنت. عندما قصدت أقرب مركز في “خانكو” تأسف الموظف عن عدم قدرته على مساعدتي كوني بحاجة للعودة إلى المركز الرئيسي في “ووتشانغ” وتعديل بعض المعلومات (رقم جواز السفر الجديد، ورقم الإقامة). وكوني أعيش في بلد يتمتع بمزايا “اقتصاد السوق” وبما تقدمه له “المنافسة الحرّة بين الرأسماليين” من مزايا، قلتُ للموظف أني سأقصد شركة أخرى منافسة قريبة من منزلي كوني استصعب الذهاب إلى “ووتشانغ”. في حينها حاول الموظف التواصل مع المركز الرئيسي بغية تعديل المعلومات دون ذهابي شخصياً إلى هناك. في تلك الأثناء بدأ موظف آخر بطرح العروض المجانية التي تقدمها شركة (China Mobile)، وعندما شعرت بالملل من طول الانتظار، اعتذرت منهما وخرجت من المركز. في طريقي نحو شركة اتصالات منافسة (China Telecom) استمرت العروض تلاحقني من خلال الرسائل التي تصلني على هاتفي الخلوي من شركة (China Mobile). ما أن دخلت مركز الشركة المنافسة (China Telecom) وبدأت بشرح مشكلتي للموظف، بدأت العروض المجانية التي لا تقاوم تنهال علي: خدمة إنترنت لمدة عام، صندوق قنوات تلفزيونية مدفوعة الأجر لمدة عام، اتصالات مجانية داخل ووهان وخارجها لمدة عام كامل، وكل هذا بسعر منافس! يا لاقتصاد السوق، ويا للمنافسة الحرة وما تقدمه للمرء من منافع ومزايا.

الآن، إذا قلت لكم إن شركة (China Mobile) وشركة (China Telecom) مملوكتان للدولة الصينية (GOE – Government Owned Enterprise) فمن هم المتنافسون في “اقتصاد السوق” في الصين؟ هل الدولة الصينية تنافس نفسها؟ لماذا حاول الموظفان إغراقي بالعروض المنافسة إذاً؟ هل ترغب الدولة في أن تزيح شركة تمتلكها من قبل شركة أخرى تمتلكها أيضاً؟!

ماهية “اللغز الصيني”

إذا أردنا تعريف الشركات المملوكة للدولة (GOEs)، بشكل عام، فهي الشركات التي تمتلكها الدولة بشكل كامل أو بشكل جزئي (تمتلك الدولة نسبة من أسهم الشركة).

تكمن المشكلة في هذه الشركات، بالنسبة للأفراد أصحاب رؤوس الأموال والمساهمين في هذه الشركة، في أن الدولة تقوم في كثير من الأحيان بالتدخل وإعطاء التوجيهات ليس بهدف تحقيق أكبر كم ممكن من الربح (فائض القيمة) كما يرغبون، بل أنها تتدخل لأهداف تتعلق بالمسؤولية الاجتماعية الملقاة على عاتقها، وهذا ما قيل عنه أنه يؤثر سلباً على الكفاءة التشغيلية (Operational efficiency) والكفاءة الإنتاجية (Production Efficiency). تقول القوانين والتوقعات الاقتصادية أنه عندما لا يدعم النظام القانوني حرية الأسواق، وتقوم الدولة بالتدخل لتوجيه هذه الأسواق، فإن هذا النظام سيعيق النمو الاقتصادي. وهنا يكمن “اللغز الصيني”: بالرغم من عدم وجود مؤسسات قانونية تدعم حرية الأسواق في الصين بشكل واضح، وبالرغم من تدخلات الدولة المتكررة وتحكمها بهذه الأسوق بشكل مباشر وغير مباشر، إلا أن معدلات النمو في الصين قد خالفت القوانين والتوقعات الاقتصادية! أي أن تدخل الدولة وتملّكها للشركات لم يؤثر على الكفاءة التشغيلية ولا الكفاءة الإنتاجية، لا بل قدم نتائح مبهرة خلال العقود الأربعة الأخيرة! فكيف تمَّ ذلك؟!

حل “اللغز الصيني”

بالنسبة للنموذج الصيني فإن تعريف “الشركات المملوكة للدولة” يختلف من حيث الجوهر، فالشركات المملوكة للدولة الاشتراكية في الصين هي الشركات التي تهيمن الدولة على اتخاذ القرارات فيها وعلى توجيه نشاطها، سواء ما إذا كانت مملوكة بشكل كامل للدولة أو بشكل جزئي (الدولة هنا تمتلك أكبر نسبة من الأسهم وهي التي توجه النشاط) أو من خلال تعيين مديرين مسؤولين عن اتخاذ القرارات في هذه الشركات، حيث يمثّل هذا التملّك والتدخل تأكيداً لهيمنة علاقات الإنتاج الاشتراكية على علاقات الإنتاج الرأسمالية في الصين، حيث تعيش الأخيرة إلى جوار الأولى عبر وجود شركات خاصة غير مملوكة للدولة (POE- Private Owned Enterprise) وعبر الاستثمار الأجنبي المباشر(FDI- foreign Direct Investment) وعبر ملكية الفلاحين للأرض. هذه الهيمنة لعلاقات الإنتاج الاشتراكية على علاقات الإنتاج الرأسمالية تعني أن ملكية وسائل الإنتاج هي ملكية عامة تديرها الدولة الاشتراكية في الصين وفق ما تقتضيه حاجات الشعب الصيني وحركة الأسواق في آن معاً. إذاً: الدولة الصينية تتحكم بشريان الاقتصاد في الصين، ولكن، كيف استطاعت الدولة الصينية ِأن تبقي هذا الشريان حياًّ حتى اليوم بالرغم من التدخلات المتكررة؟ الجواب العريض هو أن الدولة الصينية أجبرت الشركات التي تمتلكها على مواجهة التحديات التنافسية في سوق تتعايش فيه هذه الشركات مع أنواع الملكية المختلفة، وعليها أن تكون ذات كفاءة عالية، وإلا فإنها ستُزاح من السوق ولو من قبل شركات مملوكة للدولة أيضاً. أي: نعم، شركات الدولة الصينية تنافس بعضها البعض أيضاً.

كيف وصلت الصين إلى هذا التعايش؟

هذا ما جاء نتيجة الإصلاح الاقتصادي الذي بدأ منذ عام 1978 وما زال مستمراً حتى اليوم. وكعرض سريع لما حصل ويحصل في الصين سنقوم هنا بتقسيم هذا الإصلاح إلى فترتين، على أن تكون الأولى بمرحلتين والثانية بثلاث مراحل:

الفترة الإصلاحية الأولى، والتي لم تكن موفقة، تشمل مرحتلين: الأولى (1978-1984) حيث تمت زيادة الحقوق التشغيلية فيها وتسريح فائض العمال من الشركات مقابل مكافئات للعمال المنتجين الذين يحققون الأهداف الإنتاجية. المرحلة الثانية (1984-1992) التي شهدت نظام المسؤولية العقدية (CNS) حيث يتم تعاقد الدولة مع مديرين للشركات مقابل إعطاء الأخيرين جزء من الأرباح بغية تحفيز الإنتاج.

أما الفترة الإصلاحية الثانية، والتي جاءت نتيجة خسائر طالت 40% من الشركات المملوكة للدولة الصينية في أوائل التسعينات، تنقسم إلى ثلاث مراحل: المرحلة الأولى (1992- 2002) إنشاء نظام مؤسسي حديث يعتمد على اقتصاد السوق. في حينها ألقى دنغ شياو بينغ ، كبير المهندسين للإصلاح والانفتاح في الصين، سلسلة من الخطب الهامة لتعزيز دور السوق في التنمية الاقتصادية. وفي نفس العام، ذكر المؤتمر الوطني الرابع عشر للحزب الشيوعي الصيني بوضوح أن “هدف الإصلاح الاقتصادي الصيني هو إقامة اقتصاد السوق الاشتراكي” حيث تلى هذا الانفتاح والتحول مرحلتين إصلاحيتين (2002-2012) وهي المرحلة الثانية التي تم فيها إصلاح نظام إدارة الأصول المملوكة للدولة. والمرحلة الثالثة (2012 إلى الوقت الحاضر) والتي يتم فيها إصلاح شامل للشركات المملوكة للدولة.

أخيراً:

لا وقت للصينين لإجراء المقارنات بين “الماوية” و”الشياوية – نسبة إلى دنغ شياو بينغ” كما يفعل الماويون الأوروبيون، فالصينيون مشغولون بكتابة التاريخ، ويعتبرون أن طريق الصين واحدٌ قد بدأ منذ عام 1949 وما زال مستمراً حتى اليوم. أما أولئك الذين يريدون إقناعنا بأن درب الوصول إلى الاشتراكية الكاملة في الصين قد هُزم عام 1978 من خلال المقارنات المقتطعة من سياقها التاريخي، ويريدون إقناعنا بأن الاشتراكية “فكرة” لم يثبت نجاحها على مستوى الممارسة العملية، وأن نموذج التنمية المستدامة الناجح في الصين هو نموذج رأسمالي خالص، وأن على دول العالم الفقيرة والمنهوبة والمتخلفة (على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي) ألا تأخذ نموذج التنمية الصيني كمثال يحتذى به، وألا تتأمل بحل غير الحل البربري الرأسمالي الخالص، فهؤلاء يحاولون تأبيد اللاعقلانية الذي يعيشها العالم المحكوم بالنظام الرأسمالي، ويحاولون إخفاء نجاح مفهوم “رأسمالية الدولة الاشتراكية” في تحقيق التنمية والوصول إلى أعلى معدلات نمو في العقود الأربعة الأخيرة في الصين. إنهم يحاولون التعتيم على هذا النموذج الفريد الذي قدمه الحزب الشيوعي الصيني للبشرية التي تسير في

ذلك الدرب الطويل، والمفعم بالعذاب، للوصول نحو عالم معقول، نحو الاشتراكية الكاملة.

ملاحظات

هناك ثلاث ملاحظات على هذا النص:

الأولى: “ملكية الفلاحين للأرض”. وهذا مختلف عن ما ورد في مختلف النصوص المحتواة في هذا الكتاب. فالسلطة في الصين تسمح باستخدام الأرض وليس امتلاكها ولا بيعها، اي أن الأرض ليست سلعة. وهذا ربما للحفاظ على التحكم بتوفير الغذاء كي لا يكون هناك احتكار لعطاء الأرض سواء حفظاً للصحة العامة أو للجم الملكية الخاصة في هذا الإنتاج الحيوي أو كي لا تضطر الصين “كدولة قومية” للاستيراد من الخارج أو لتقليص الاستيراد من الخارج. وهذا يذكرنا بقانون القمح في بريطانيا كيف تم كسر احتكار ملاك الأرض لسعر القمح .

والثانية: هل كان إعطاء دور للمدراء هو نقل “ناجح” عن الاتحاد السوفييتي، اي نظرية ليبرمان؟ التي أزاحت التعبئة الفكرية الثقافية الأخلاقية لصالح الحوافز المادية؟ وبالطبع تراجع عن تراث الماوية في رفض الحوافز المادية؟ اي هل أخذت الصين النظرية ولكنها لم تفشل في استخدامها؟ وإن حصل ما هو الضمان لعدم الفشل؟ وهل نظرية ليبرمان من صلب الاشتراكية أم مفتاحا إلى الراسمالية؟ (انظر الفصل الأخير)

والثالثة: الحفاظ على منافسة بين شركات الدولة، وبالطبع هناك منافسة بين شركات الدولة والشركات الخاصة. وهذا يأخذنا إلى السؤال: هل يمكن لجم المنافسة إلى الأبد؟ وربما الجواب على ذلك في مآل الرأسمالية الغربية إلى الاحتكار المعمم. هذا ناهيك عن أن المنافسة حتى لو بين شركات الدولة، هي قانون إقتصادي راسمالي، وليست هناك ضمانات أن لا يؤول إلى الاحتكار.

يمكن للمرء تفهُّم الكتابة بحماسة هذه، ولكن ما نطمح إليه هو ما يجب ان يكون وليس فقط “جمال” ما هو كائن.

ما لم يخبرنا به هذا النص هو: هل حِرص الموظف في هذه الشركة أو تلك هو محض قناعة بالاشتراكية أم أن أفلاس الشركة الحكومية التي هو فيها يقود إلى خسارة معينة له؟

■ ■ ■

ضغط أمريكي على الصين:

تايلاند مثالا[2]

كريستوفر بلاك (01.02.2021)

Christopher Black

US Pressure on China; The Thai Connection

أخذنا المقتطف الموجز التالي مثالاً لسببين:

الأول: لاطلاع القارىء على الفارق بين السياسة الأمريكية تجاه الدول الصغيرة والسياسة الصينية. وهذه مسألة لا تتعلق بالطبيعة الاجتماعية الاقتصادية السياسية للنظام الصيني بل بعلاقاته الدولية. وبالطبع، ليس هذا المثال الوحيد على الفارق بين سياستي الدولتين تجاه دول أخرى في العالم.

والثاني: للمقارنة بين بلاك والاقتصادي التروتسكي والدن بيلو (انظر لاحقاً).

طبعاً بوسع القارىء العودة لأصل المقال.

“…خلال معظم ذلك الوقت ، لم يكن الأمريكيون مهتمين جدًا “بحقوق الإنسان” أو “الديمقراطية” في تايلاند. ولكن منذ صعود الصين من الدمار الناجم عن استعمار الغرب والغزو والاحتلال من قبل اليابانيين ونجاحها  في تأسيس الاشتراكية وحياة أفضل لشعبها حيث أصبحت قوة اقتصادية عالمية ، أصبحت تايلاند تعتبر الصين كقوة اقتصادية عالمية. شريك إقليمي أكثر موثوقية وتعاطفًا من الولايات المتحدة سواء من حيث القضايا الاقتصادية أو فيما يتعلق بالأمن.

مورس نفوذ الولايات المتحدة أيضًا من قبل مؤسسة (شورش أوبن سوسايتي) ، التي لا يعكس اسمها احترامًا للديمقراطية ولكن لفتح الاقتصادات الوطنية على التدفق الحر لرأس المال الغربي لجني الأرباح. يتمتع جورج شورش بسمعة سيئة في تايلاند حيث يعتقد الكثيرون أنه ساعد في تحطيم العملة التايلاندية في عام 1997 ، مما أضر بالشعب التايلاندي ، وحقق على حسابه أرباحا. كما يمول شورش مجلة Prachatai التايلاندية والعديد من المنظمات غير الحكومية وكذلك منظمة هيومن رايتس ووتش الأمريكية التي قدم لها 100 مليون دولار في عام 2010 والتي أصدرت في 13 يناير 2021 بيانًا يدين الحكومة التايلاندية لقمع الاحتجاجات ويشجع الطلاب على القيام بمزيد من الاحتجاجات.”

Christopher Black is an international criminal lawyer based in Toronto. He is known for a number of high-profile war crimes cases and recently published his novel Beneath the Clouds. He writes essays on international law, politics and world events, especially for the online magazine “New Eastern Outlook.”https://journal-neo.org/2021/02/01/us-pressure-on-china-the-thai-connection/

كريستوفر بلاك محامٍ جنائي دولي مقره في تورونتو. وهو معروف بتناول عدد من قضايا جرائم الحرب البارزة ، ونشر مؤخرًا روايته تحت الغيوم. يكتب مقالات عن القانون الدولي والسياسة والأحداث العالمية ، وخاصة للمجلة الإلكترونية .

“New Eastern Outlook”.

■ ■ ■

الصين رأسمالية

اشتراكية أم ماذا[3]

ريتشارد وولف

Watch “Economic Update: China: Capitalist,

Socialist or What?”

بدوره قدم وولف حديثا تعليميا عن الصين و العلاقة الأمريكية الصينية مشيرا إلى أن شكلا ما من الحرب الباردة تدور بين امريكا والصين تشبه ما كان بين امريكا والاتحاد السوفييتي السابق.

بدأ وولف حديثه من التشويه الذي ألحقته الدوائر الإمبريالية الغربية بالاتحاد السوفييتي على أن الدولة هناك ألغت  الملكية الخاصة واستبدلتها بالملكية العامة او ملكية الدولة.  وهذا برايه غير صحيح حيث لم يلغيها السوفييت.

فمباشرة بعد ثورة اكتوبر 1917، كان قرار السوفييت تقسيم الأرض بدل احتكارها لصالح قلة غنية  ومن ثم إعطائها للأسر الفلاحية كي تستغلها ، اي تم منحها للجماهير. والسوفييت لم يلغوا الملكية الأسرية بل وسعوها.

وفي العشرينات والثلاثينات من القرن العشرين أقام السوفييت  الجَماعيات،  ولكن بقيت الأرض التي يعملون فيها والمعدات كالتراكتورات  ملكية خاصة للجماعيات وليس للحكومة.

كما  تم لاحقاً إيجاد جماعيات للدولة   توازيا مع الجماعيات العاديات أي ان الحديث عن غياب الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج غير صحيح.

ذهب ستالين إلى القبول ب ملكيات قِطَع  خاصة لأن المزارعين طالبوا بذلك وأصبحت القطع هي الشكل السائد  هناك.

كما ان الغرب يشوه الاتحاد السوفييتي بالحديث عن غياب السوق، وهذا ليس صحيحاً ايضا،  فالسوق كانت موجودة حيث يلتقي الناس ويبيعون ويشترون كما يحلو لهم وخاصة الغذاء. وهناك سلعا كان لا بد من تنظيمها على يد الدولة  اي بالتخطيط. فبوسعك ان تكون عندك سوقا، ولكن يجب ان يكون السعر حماية للناس في مستوى ما. مثلا حتى في امريكا هناك حدا أدنى للأجور أو هناك السعر الأعلى  لأشياء معينة.

في حديث ل لينين وصف المجتمع السوفييتي الجديد بعد الثورة  حيث اشار إلى امر حاسم  وهو راسمالية الدولة وقد عنى بذلك أننا كاشتراكيين أمسكنا سلطة الحكومة  أي انجزنا الثورة وإن لدينا مشاريعا بعضها خاص بإدارة خاصة وبعضها عام تديره الدولة وهذا جيد لأننا كحكومة  لدينا سلطة  تحويل المجتمع باتجاه  ما نراه كاشتراكيين  اي باتجاه رأسمالية الدولة وهي مرحلة انتقالية  . والآن علينا التوجه إلى الاشتراكية وهذا مهم لأن الراسمالية  بالنسبة للاشتراكيين مختلفة عنها لدى الرأسماليين.

إذن ما هي الاشتراكية؟ هي التوجه إلى الشيوعية ولذا اسموا حزبهم الحزب الشيوعي ولم يقولوا أنهم وصلوا الشيوعية، بل إنهم ماضون إلى ذلك. أي أن راسمالية الدولة  والاشتراكية متداخلتان وان وظيفة الاشتراكيين  هي تحويل الاشتراكية لبلوغ الشيوعية .  لذا، قال حينما لا يبقى لديك  مشغلين وشغيلة ، اي حينما تصبح لديك جماعية  مكان العمل اي جماعية  بمعنى مساواة ديمقراطية  حيث تقرروا معا  ماذا وكيف ننتج، وماذا سنعمل بالدخل المتحصل من انتاجنا،  أي اننا نديرها كجماعية ديمقراطية  أي جماعية سكن  وجماعية موقع العمل  أي الكميونة لا سيد ولا مسودا، لا شغيل ولا صاحب عمل،  الناس تعمل معا  وهذا ما نسميه الشيوعية. اي ان الاشتراكية فترة انتقالية .

ما حصل لدى السوفييت هو أن الانتقال الى الشيوعية قد أحتجز. اي بقيت علاقة مستخدِم ومستخدم حيث المشاريع بيد الدولة في اغلبها والبعض خاص أي تجمدت في موقع راسمالية الدولة.( عن موقع Democracy at work info  ) .

الصين:

ثم يتابع، والصين اشتراكية لم تنتقل إلى الشيوعية، بل احتجزت. اي لديك حزب شيوعي يحكم ورسخ النظام  على اساس ملكية الدولة  لمشاريع وأخريات  ملكية  خاصة للناس.

ويضيف هناك بعض الفوارق بين الصين والسوفييت:

محاولة الصين الاستفادة من الاقتصاد العالمي بالانخراط فيه، بالتجارة الدولية، بينما لم يحاول الروس ذلك وربما لأنه تمت مقاطعة وعزل الروس  بينما الصين قامت هي بالهجوم على  ذلك بدخولها الاقتصاد العالمي بل ايضا قامت بالسماح للقطاع الراسمالي الخاص  بأن يكون أوسع بكثير.  لذا يوجد اليوم قطاع كبير من المشاريع في الصين  هي بيد رأسمالية  خاصة تدار بشكل خاص من صينيين وأجانب.

في كليهما مجتمعات قامت بثورة اسموا انفسهم شيوعيين لأنهم يريدون الانتقال  للشيوعية  وهم يعرفون انهم لم ينتقلوا بعد.  لذا يسمي الغرب نظامهم بالشيوعي لأنه لا يفرق ولا يعرف الفارق بين الاشتراكية والشيوعية.

هم لا يقولوا أنهم وصلوا الشيوعية لأنهم يعرفون بأنهم في راسمالية الدولة، . كان لينين جريئا حين أسماها رأسمالية الدولة ، أما هم فتقريبا اسموها اشتراكية.

المشكلة مع امريكا أن الصين دولة صاعدة ثقافيا واقتصاديا  بينما امريكا تتراجع كمسيطرة على العالم، وتشن حربا ثقافية ضد الصين.

هناك تشابه بين الصين وأمريكا من  حيث ثلاثية البنية:

في الصين هناك الحزب والحكومة ،  ثم ملكية خاصة وعامة،  ثم العمال 

وظيفة الحزب والحكومة قيادة البلد من الأعلى ويعملان على تعليم وتنظيم العمال وإتقان المشاريع العامة والخاصة ونجحوا في ذلك وحاولوا  أن تدعم الجماهير النظام.  وأن تنتخب اولئك الناس في الحكومة والحزب  وأن يقبلوا القرارات المتخذة ونجحوا في ذلك.

في الولايات المتحدة البنية الثلاثية هي: في القمة مشاريع راسمالية خاصة أي الأعمال الكبرى، وهي تدير المجتمع،  وتحتها الأحزاب والحكومة، التي يديرونها وفي أسفل البنية  الطبقة العاملة.

وظيفة الحكومة والسياسيين هي المحافظة على ان تعمل هذه الثلاثة فلعبوا دورا وسيطا  لذا هذا البلد ينزل والصين تصعد.

صعدت الصين في السنوات الثلاثين الأخيرة، في تنمية الاقتصاد سريعا، ونقلوا المجتمع  وحلوا المشاكل الاجتماعية مشكلة كورونا بنجاح.

وكما وعدوا  وحلوا وأنجزوا تطور البنية التحتية كالطرق والقطارات والطرق السريعة  وكل المدن هناك مجهزة جيدا  وبنوا مدنا  اكثر من الحاجة في حينه  وهذا ليس فشلا  بل للسماح للبلد بالنمو أكثر من الطلب مسبقا  ويتجهون لعدم الاعتماد على التجارة الدولية بل على السوق المحلي الاقتصاد المحلي وأنجزو دخولا جيدا.

في مواجهة ازمتي 2008و 2020 الصين نجحت وأمريكا لا.

يمكن للبلدين دخول حرب تدمرهما كما حصل في الحربين العالميتين بمحاولة المانيا واليابان. بينما بوسعهما التعاون في العلوم  والمعلومات لصالح الطرفين.

ملاحظات:

في موقفه لصالح النظام الصيني في مواجهة الإمبريالية الأمريكية يصل وولف إلى درجة كبيرة من التصالح مع أداء هذا النظام. أما ملاحظاتنا فنوجزها في أمرين:

الأول: يتعاطى وولف مع انخراط الصين في السوق العالمية بمعنى الهجوم الإيجابي اي من موقع القوة. وهذا صحيح من هذه الناحية، لكنه، وفي حديثه التعليمي المبسط، لم يتناول مآلات هذا التدخل أو الهجوم من حيث مدى رسملة الصين بعيداً عن الاشتراكية وانخراطها في تبادل لا متكافىء مع البلدان الأخرى ولا سيما الفقيرة مما يعيق تقدم تلك البلدان وطبعاً عدم قدرتها على التأثير في الصين باتجاه تقدمي يلجم تزايد رسملتها أو ابتعادها عن الاشتراكية.

والثاني: بناء المدن[4] بما يفوق حاجة المجتمع الراهنة، وربما لسنوات قادمة. صحيح أن هذا يشكل ضماناً لسكنى التزايد العددي في البلاد وربما بأجرة مقبولة. لكن منتقدي النظام يرون في ذلك إهلاكاً للثروة من حيث تجميدها في مشاريع لا يتم استغلالها أو الاستفادة منها في مدىً قريب.

_________

“كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.


[1] https://kanaanonline.org/2020/08/31/%d8%a7%d9%84%d9%84%d8%ba%d8%b2-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d9%8a%d9%86%d9%8a-%d9%88%d8%b1%d8%a3%d8%b3%d9%85%d8%a7%d9%84%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%88%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%b4%d8%aa%d8%b1/

[2] رابط مقالة كريستوفر بلاك

https://l.facebook.com/l.php?u=https%3A%2F%2Fsoundcloud.app.goo.gl%2FgybkB%3Ffbclid%3DiwAR1gQZTzFXioxF7ms5GqsuY1QCwm5Rft9LHOAs07YSZNTyWgfzVRgod8ZFg&h=AT1RahjT2K4af_iCESxx3nbi8wIawimE3fIzkVroiEUb8MxhnC__pcB6JgFNow9Rwot9XC8jBXuS5WsJWMOXSIS_THoNNSxgoT-Tt5w0oXjfTAMC5IUBplty3tMszmXCJf1uq4NC-3_Mn2w

[3] https://youtu.be/3Tbf2bpgs-E

[4] خلال الانتهاء من هذا الكتاب، اي اكتوبر 2021 هناك أخبار عن إفلاس أكبر شركة عقارية خاصة في الصين.