نشرة “كنعان”، 1 كانون الأول (ديسمبر) 2022

السنة الثانية والعشرون – العدد 6425

في هذا العدد:

غدر المواعظ، عادل سماره

متابعة محاكمة د. عادل سماره: وقائع جلسة محاكمتي رقم 38، عادل سمارة

السوفييت وتقسيم فلسطين: إضاءات على كارثة تاريخية وأيديولوجية وجيو – سياسية (الجزء الأول)، مسعد عربيد

  • لماذا نناقش الموقف السوفييتي من قرار تقسيم فلسطين؟

قمّة الناتو في بوخارست: النّظام العالمي لمزيد من التـأزيم، سعيد محمّد

شاهد حديث د. عادل سماره على “الإخبارية السورية” في يوم التضامن العالمي مع الشعب الفلسطيني

✺ ✺ ✺

غدر المواعظ

عادل سماره

لافت للنظر والبصيرة أنه كلما ارتفع سقف الصمود والنضال كلما برز فورا ما يطعنها أو يغدرها سواء بخبث دور أو بسذاجة عقل سطحي أو بفذلكة مثقف أدهشته اللغة حيث سمحت لكلماته بالتحول إلى سطور.

في عز ثورة 1936 برز الحكام العرب لخصي الثورة وحصل، وفور ا.ل.م.ق.ا.و.م.ة 1967 تدفقت أموال الخليج على المقاومة، وفي عز انتفاضة 1987 برز الغرب بمآت ملايين الدولارات عبر الأنجزة، والأمثلة كثيرة. ومع ظاهرة الفدائيين الجدد، يتكرر المشهد المضاد.

 قرأت مواعظ للبعض أمس في ثوب مناحة على الشهداء بدلا من الأمهات. فليس صعباً على متثاقف أن يشعل سيجارة في بيت دفيء ويضع كأس نبيذ ويكتب عن الدم. ربما لتشابه لون الكأسين ثم يتصنع البكاء على الشهداء.

حتى هنا، ليكن ذلك لأن هناك من يناضلون في مساحات بقدر قعر الكأس لا أكثر.

ولكن ان يكتب هذا او ذاك تقريعاً للوطن الذي تم اغتصابه فاضطر الشباب للاستشهاد إلى أن يصل إلى أن الناس أهم من الوطن وبالتالي لا يستحق الوطن الاستشهاد لأن الذنب ذنب الوطن الذي جرى اغتصابه.

هذا الفصل بين الناس والوطن خلفه عقل استدخال الهزيمة وتفكيك ما لا يُفكك. فلا يكون وطن بلا أهله، ولا يكون أناسٌ بلا وطن، سوى الكيان الذي جُلب من مئة أمة واغتصب الوطن بدعمها جميعا هادفاً تحويل نفسه إلى شعب.

احتضان الشهيد والأسير والجريح وأهلهم يكون باندغام الناس والوطن معاً. فلا يشتد وينتصر نضال إذا لم يحتضنه الحضن الشعبي. ولا أخال الشعب تخلى عن هؤلاء. لذا من أراد بصدق أن يتجه لتكثيف الاحتضان الشعبي وليس إلى فك الشهداء عن الوطن ليُظهر الوطن مديناً وخالق تنغيص للشباب!!!

حينما كنا نقدم الشهداء دون إلحاق الأذى الحقيقي بالعدو كتب كثيرون تباكيا على الدم المسفوح برأيهم سُدىً. ومع أن الأحق ان يكون فعلنا أقوى وأعمق من عدوانهم، إلا أنه حتى القتل المجاني من العدو بهدف المتعة هو والدماء التي سالت بقذف حجر هي التي مهدت للعمليات الفردية وغير الفردية الفاعلة وكلها في ظاهرة الفدائيين الجدد.

فماذا يريد الذين ينقدون ظاهرتَيْ:

·       النضال دون إلحاق أذى مباشراً

·       والنضال الموجع للعدو؟

إذا كان الهدف حقن الدماء، فالدم يُسال حتى لو كنت في فراشك.

هذه المواعظ مساق من مساقات الحرب النفسية التي أعدتها دوائر المخابرات الغربية للثورات الملونة. هل درسها هذا أو ذاك، أو توصل لمثيلها من عندياته، لا يهمنا هذا بل يهمنا هذا التبخيس لأي حراك. فليشرب هذا كأسه الأول ويترك الدم للوطن.

أحدهم حاول بخبث الدخول بين ألم الأم والشهيد لفك العلاقة. وهذا غزو أشد من الغزو المعادي نفسه.

كل من مارس النضال الحقيقي يدرك أن الشباب قلما يُخبرون أهاليهم بما في دخيلتهم. وهذا لا يؤثر قط في درجة الحب والحزن والفقدان والألم والوجع الأمومي والأسري والشعبي. لكن كل هذا الثمن لم ولن يوقف عجلة النضال لأن هذه قوة كامنة في الشعب تتفجر في هذا المناخ بالذات سواء في شعبنا او اي شعب لآخر.

ولا يمكن التحرير إلا من هذا المدخل بتوطينه وتعريبه.

وحين التحرير بإمكان ذو الكأسين أن يستقر على الكأس الأولى حيث لا يكون حينها فدائي يُطيِّر له السكرة.

وقائع جلسة محاكمتي رقم 38

عادل سمارة

تحية لكل مهتم/ة،
وبعد،
عُقدت جلسة رقم (38) للقضية 2518 /2016 في محكمة رم الله صباح هذا اليوم30  تشرين الثاني 2022 برئاسة الأستاذ القاضي آسي حمدان وممثلة النيابة ولأن نقابة المحامين أعلنت اليوم إضرابها احتضانا لشهداء شعبنا وتضامناً مع أسرهم ورفاقهم فقد حضر محامِيّ]ْ الدفاع الأستاذ مهند كراجه والأستاذ ظافر صعايده  بصفتهما الشخصية وليس بثيابهما المهنية تقيُّدا بالإضراب. لم يحضر الطرف المدعي كما تغيب محامي الادعاء الأستاذ فريد جيوسي.

ولأن الجلسة كانت مخصصة للقرار فقد تضمنت حيثيات القرار:

1-     إسقاط الادانة بالجريمة الإلكترونية

2-     إن تعديل التهمة لتصبح الذم بدل الجريمه الإلكترونية مشروط بأن يُرفق مع تهمة الذم تقديم ادعاء بالحق المدني، وهو ما لم يحصل، بما هو شرط لقبول الادعاء. إن الادعاء بالذم لم يتم تقديمه قانونيا بالشكل السليم اي طلب تعويض وبالتالي يسقط الادعاء لذا قررت المحكمة عدم قبول القضية جزائياً.

وبهذا تعتبر القضية في حكم المنتهية.

وقد حضر الجلسة الرفاق، محمود فنون وكامل جبيل و د. عبد العزيز بني عوده ويزن سماره، ولم يتمكن الرفاق إحسان سالم أبو عرب ود. حسن خريشة وجواد إبراهيم، وإبراهيم الطرشه من الحضور. إنني أشكر بوُد وإخلاص المحاميان مهند وظافر وهؤلاء الرفاق والرفاق الآخرين الذين لم يتمكنوا ايضا من الحضور، فقد كانوا جميعاً في نفس المعاناة وبشكل متواصل.​​

كما أن من واجبي التأكيد بأن العزيزين مهند كراجه وظافر صعايدة قاما بكل هذا الجهد لوجه الوطن وضد التطبيع خاصة.

وللتذكير، فإن جوهر القضية في موقفي ضد ما يسمى “التجمع العالمي لدعم خيار المقاومة/يرأسه المدعو والمدعي يحيى غدار مع أن التجمع المذكور ينادي، كتابة ونشراً، بدولة مع المستوطنين” ولم تكن هناك لا جريمة إلكترونية ولا ذم قط، مما يؤكد أن القضية لستة سنوات وخمسة أشهر هي كيدية سياسية ضد موقفي ضد التطبيع. 

✺ ✺ ✺

السوفييت وتقسيم فلسطين:

إضاءات على كارثة تاريخية وأيديولوجية وجيو – سياسية

الجزء الأول

مسعد عربيد

لماذا نناقش الموقف السوفييتي من قرار تقسيم فلسطين؟

من أحداث التاريخ ما يحق لنا أن نصفها بالمفصلية، بل هي أحداث تترك بصماتها لزمنٍ طويل قادم، ولأنها ليست عابرة فإن تداعياتها لا تنقضي بزوال أو تراجع آثارها الفورية، بل بقدر ما تؤثر على مصالح الشعوب ومستقبلها. وقد مرّت بالقضية الفلسطينية بالكثير من مثل هذه الأحداث التي تستدعي فتح ملفاتها من جديد، ولا شك أن قرار تقسيم فلسطين، والذي تمرّ علينا ذكراه هذه الأيام، واحدٌ منها.

نبدأ بالتذكير بأن قرارات المنظمات الدولية (الأمم المتحدة ومثيلاتها) هي تعبير عن موازين القوى في مستوياتها المحلية والإقليمية والدولية، وهي ما تعكسه وتعبِّر عنه ما تُسمى ب “الشرعية الدولية” أو “المجتمع الدولي” أو شرعية وقانونية قرارات الأمم المتحدة، والتي لا تعنى على وجه الإطلاق أنها قرارت عادلة أو منصفة.

هذا ما يجب أن ندركه، كما يدركه كل مَنْ قرأ التاريخ.

▪️▪️▪️

بناءً عليه، ليس من المغالاة القول إن قرار تقسيم فلسطين – قرار الجمعية العمومية للأمم المتحدة رقم 181 بتاريخ 29 نوفمبر 1947- جاء تعبيراً عن ميزان القوى المحلية والدولية في تلك الآونة. وعلى الرغم من أن بعضهم يرى فيه قراراً “قانونياً” من حيث أنه صادر عن المنظمة الدولية، إلاّ أنه قرار ظالم ومجحف بحقوق الشعب الفلسطيني والأمة العربية.

لقد كان الموقف السوفييتي الداعم للقرار مدعاةً لاستغراب الكثيرين من العرب وغير العرب الذين لم يتوقعوا دعم الاتحاد السوفييتي لمشروع استيطاني استعماري يدّعي أنه جاء لإنشاء “وطن قومي” لليهود على حساب شعب آخر. وأسباب هذا الاستغراب متعددة، منها الإستراتيجية والسياسية والأيديولوجية، خاصة وأن هذا القرار جاء بعد عامين من نهاية الحرب العالمية الثانية التي يسميها السوفييت “بالحرب الوطنية العظمى” والتي قاتلت فيها الشعوب السوفييتية قتالاً بطولياً ودفعت ما يزيد عن ستة وعشرين مليوناً من أبنائها في محاربة النازية والفاشية.

كثيرة هي الكتابات التي تناولت قرار تقسيم فلسطين، ولكن هدفنا هنا من تناول الموقف السوفييتي الداعم لهذا القرار، هو التأكيد على ثلاث مسائل أساسية:

الأولى، أن كثيرين قد برروا موقف الاتحاد السوفييتي على أرضية البراغماتية السياسية باعتباره “تعبيراً عن مصالحه السياسية والجيو- إستراتيجية” في تلك المرحلة، ولكنه في الحقيقة كان مناقضاً لأسس ومبادئ الماركسية – اللينينية التي أكدّت دوماً على دعمها لكفاح الشعوب المستعمَرة من أجل التحرير والاستقلال، ناهيك عن أنه ينافي القيم الأخلاقية من حيث أنه يدعو لإنشاء “وطن قومي” لليهود على حساب الشعب الفلسطيني.

والمسألة الثانية، هي أن تبعية العديد من الأحزاب الشيوعية واليسارية العربية للموقف السوفييتي وانسياقها وراءه، كان خطأً وخطيئة بحق فلسطين وشعبها والأمة العربية.

أما المسألة الثالثة، والتي كثيراً ما تضيع في الخطاب السياسي والإعلامي، فهي ضرورة صياغة فهم موضوعي ودقيق لدور الأصدقاء والحلفاء في نضالنا. ويتمثل هذا الدور بدعم نضالنا والوقوف معنا في كفاحنا من أجل القضايا العادلة، أي أنه دور داعم لقضايانا ونضالنا، أمّا مسؤولية النضال الأساسية فتقع على عاتقنا نحن، وأن دعم الحلفاء يرفد نضالنا وينسجم بالضرورة مع تلاقي المصالح والأهداف مع هؤلاء الحلفاء.  

▪️▪️▪️

تنبع أهمية مناقشة الموقف السوفييتي من عدة عوامل أهمها:

أ) الآثار الجسيمة التي خلّفها هذا القرار على مجمل تلك المرحلة وتأسيس الكيان الصهيوني ومستقبل الوطن العربي وخاصة المشرق منه.

ب) الالتزام الأيديولوجي للحزب الشيوعي السوفييتي بالماركسية – اللينينية، وهي الأيديولوجيا التي حكمت سياسات الدولة والحزب خلال الحقبة السوفييتية، وما يعنيه هذا الالتزام من دعم الشعوب المستعمَرة التي تكافح من أجل تحرير بلادها.

ج) كون الاتحاد السوفييتي صاحب أول ثورة اشتراكية في التاريخ الحديث.[1]

د) الانتصار السوفييتي على النازية وجسامة التضحيات البشرية والمادية التي قدّمتها الشعوب السوفييتية للخلاص منها وإنقاذ العالم من جرائمها.

ه) ولا يقل أهمية عن هذ كله، ما خلّفه الموقف السوفييتي من تأثيرات جسيمة على الحركة الشيوعية والعمالية العربية والعالمية، تلك التأثيرات التي لا تزال تثقل كاهل هذه الحركة وتبدد جهودها وتشتت قواها وتياراتها في العديد من النزاعات والخلافات.

إن النظر إلى قرار تقسيم فلسطين والموقف السوفييتي الداعم له، من زاوية هذه العوامل يضيء على سياسات الاتحاد السوفييتي وركائزها في تلك الحقبة، ويقودنا إلى فهم جسامة الخطأ الذي وقع فيه السوفييت، كما وقعت فيه أحزابنا التي التزمت بموقفهم التزاماً أعمى ومنافٍ لمصالح شعوبنا.

مدخل إلى قرار تقسيم فلسطين

قبل الدخول في مناقشة الموقف السوفييتي من هذا القرار يجدر بنا أن نعرض بعض الحيثيات الأساسية لهذا القرار.

في السياق التاريخي

بعد اندلاع الثورة الفلسطينية عام 1936، شكّلت الحكومة البريطانية لجنة تحقيق وتقصي الحقائق ودراسة الأسباب التي أدّت إلى تلك الثورة، وعينت إيرل بيل Earl Peel رئيساً لها. وقد رأت لجنة بيل Peel Commission أن الهوة بين العرب واليهود كبيرة وآخذة في الاتساع وأن تقسيم البلاد هو الطريقة الوحيدة للتعامل مع المشكلة. بناءً عليه أوصت اللجنة في تقريرها النهائي (7 يوليو 1937) بتقسيم فلسطين إلى دولة يهودية ودولة عربية تتحد مع شرق الأردن، ومنطقة، بما في ذلك القدس، تظل تحت الانتداب البريطاني. هنا تكمن جذور فكرة تقسيم فلسطين. وقد قبلت القيادة الصهيونية مبدأ التقسيم واستعدت للمساومة على التفاصيل، ولكن القيادة العربية رفضته وأصرت على المطالبةً بكامل فلسطين.  

مضمون القرار

من أهم ما نصّ عليه هذا القرار[2]:

– إنهاء الانتداب البريطاني عن فلسطين؛

– تقسيم فلسطين الى دولتين: عربية ويهودية بحدود محددة؛

– قيام تعاون اقتصادي بين هاتين الدولتين؛

– إيجاد وضع خاص لمدينة القدس واعتبارها منطقة دولية.

وظيفة القرار: التمهيد لإقامة الكيان الصهيوني

لم يكن خافياً على القوى العظمى، صانعة القرار في الأمم المتحدة آنذاك ومن ضمنها بالطبع الاتحاد السوفييتي:

أ) أن الحركة الصهيونية (والقوى الإمبريالية الغربية الراعية لها) كانت واضحة منذ تأسيسها في غاياتها ومخططاتها في إقامة الكيان الصهيوني على أرض فلسطين؛

ب) ما يعني أن الحركة الصهيونية لن تلتزم بتنفيذ قرار التقسيم؛

ج) بل ستستخدمه كمقدمة لإقامة كيانها الاستيطاني في فلسطين ومنحه “الشرعية” الدولية؛

د) كما كانت القوى العظمى تدرك أن ميزان القوى كان يميل لصالح الصهاينة من حيث قدراتهم العسكرية والمادية والدعم الإمبريالي، مقابل الشعب الفلسطيني الأعزل والجيوش العربية الهزيلة.[3]

ه) بعبارة أخرى، إن إقامة “دولة يهودية” ممكنة ضمن ما نص عليه قرار التقسيم، بل إن ميزان القوى القائم يوفر التفوق العسكري الصهيوني – الإمبريالي، وهو ما حصل فعلاً حيث احتل الصهاينة 78% من أرض فلسطين وشردوا ما يقارب 800 ألف فلسطيني عام 1948، ليكملوا احتلال ما تبقى من فلسطين في حزيران 1967، إضافة إلى احتلال الأراضي العربية في سورية ومصر.

و) وكما كان متوقعاً، تجلى الاستثمار الصهيوني لهذا القرار في إقامة كيانها فوراً ودون تلكأ و”إعلان تأسيس دولة إسرائيل”، ولعل أصدق ما يدلل على هذا هو ما جاء فيما يسميه الصهاينة “وثيقة الاستقلال”:

“وفي اليوم التاسع والعشرين من شهر تشرين الثاني عام ‎1947 اتخذت الجمعية العمومية لهيئة الأمم المتحدة قرارا ينص على إقامة دولة يهودية في أرض إسرائيل وطالبت الجمعية العمومية للأمم المتحدة أهالي أرض إسرائيل باتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لتنفيذ هذا القرار بأنفسهم.
إن اعتراف الأمم المتحدة بحق الشعب اليهودي في إقامة دولته غير قابل للإلغاء. إنه لمن الحق الطبيعي للأمة اليهودية في أن تكون أمة مستقلة في دولتها ذات السيادة مثلها في ذلك مثل سائر أمم العالم.”[4]

ز) من هنا يجوز لنا القول دون مغالاة إنه كان ينبغي على الاتحاد السوفييتي أن يدرك ويتوقع ما أتينا عليه أعلاه من تداعيات كارثية لا نزال نعيش آثارها حتى يومنا هذا.

قرار التقسيم: مقدمة للاعتراف بالكيان الصهيوني

كان قرار التقسيم في الجوهر مقدمةً وتمهيداً لإقامة الكيان الصهيوني على أرض فلسطين، كما كان موقف الاتحاد السوفييتي الداعم لهذا القرار والقبول به مقدمةً للاعتراف بهذا الكيان. وقد مَنحَ هذا القرار والدعم السوفييتي له “دولة إسرائيل” اعترافاً قانونياً ونفوذاً سياسياً ومعنوياً في وقتٍ كانت فيه بأمس الحاجة إليه، وذلك على بالرغم من عدم تنفيذ الشق الثاني من ذلك القرار الذي ينص على قيام “دولة عربية” إلى جانب “دولة يهودية”، ما يشكّل خروجاً عن المبادئ التي كان السوفييت ينادون بها منذ الثورة البلشفية عام 1917. وقد شكّل الموقف السوفييتي في الاعتراف بالكيان الصهيوني سابقة تبعتها احدى عشر دولة خلال شهر واحد بينها ست دول من الكتلة الاشتراكية في أوروبا الشرقية.

وعلى الرغم من المآسي التي خلّفتها نكبة فلسطين وجرائم العصابات الصهيونية في احتلال فلسطين والتنكيل بشعبها وإبادة المئات من مدنها وقراها، فإن الوقائع تؤكد أن الاتحاد السوفييتي ظلّ، حتى نهاية العام 1948، أيد المحاولات الصهيونية في الأمم المتحدة لانتزاع الشرعية الدولية للكيان الصهيوني. كما تدلّ عشرات الوثائق على التعاون وتنسيق المواقف بين المندوبين “الإسرائيليين” والسوفييت في هذه المساعي.[5] وبحلول أواخر أربعينيات وبدايات خمسينيات القرن الماضي، كان الاتحاد السوفييتي ومنظومة الدول الاشتراكية وأغلبية الأحزاب الشيوعية العربية والعالمية قد اصطفوا وراء دعم الكيان الصهيوني في مشروعه الاستيطاني في فلسطين.

▪️▪️▪️

في الأجزاء التالية من هذه الدراسة سنتناول أهم جوانب الموقف السوفييتي ومنها:

الموقف السوفييتي في سياقه التاريخي

ركائز الموقف السوفييتي

لماذا فعلها الاتحاد السوفييتي؟

الصهيونية وقرار التقسيم

نقد الموقف السوفييتي

خاتمة وملاحق

✺ ✺ ✺

قمّة الناتو في بوخارست: النّظام العالمي لمزيد من التـأزيم

سعيد محمّد

اختتم وزراء خارجية حلف شمال الأطلسي يومين من الاجتماعات لهم في بوخارست (مساء الأربعاء) ناقشوا فيها التحديات طويلة الأجل التي تشكلها الصين، وأكدوا على تعظيم دعم شركاء الحلف شرقي أوروبا وشمالها، وتعهدوا بمضاعفة عديد القوات على حدود روسيا. لهجة التصعيد المستمرّ الذي تقوده الولايات المتحدة من خلال الناتو ووجهت سريعاً بتصلّب روسي / صينيّ، إذ ألغت موسكو في اللحظة الأخيرة مشاركتها في محادثات مبرمجة لهذا الأسبوع حول الحد من انتشار الأسلحة النووية مع الولايات المتحدة، وشاركت طائرات روسيّة استراتيجيّة يمكن أن تحمل أسلحة نووية مثيلاتها الصينية في استعراض نادر للقوّة تضمن مناورات مشتركة قبالة جزيرة فرموزا (تايوان)، واخترقت فيها الطائرات المجال الجويّ لكوريا الجنوبيّة.

سعيد محمّد – لندن 

تستمر الولايات المتحدّة في الدّفع باتجاه مناخ من التأزيم تجاه غريميها الصين وروسيا على نحو بدا أنّه يختبر إلى الحدود القصوى قدرة النظام العالمي الحالي على التحمّل. واستغلّت واشنطن اجتماع وزراء خارجية حلف شمال الأطلسي في بوخارست برومانيا هذا الأسبوع (الثلاثاء والأربعاء) إلى جانب ممثلين عن أوكرانيا وفنلندا والسويد، الأعضاء المحتملين في الحلف، للدفع باتجاه خطط توسيع حرب الحلف مع روسيا في أوكرانيا، وإرسال المزيد من القوات على الحدود الغربية لروسيا، إضافة إلى التركيز على فرض رؤية أمريكيّة على تجمع الحلفاء في أوروبا وأمريكا الشماليّة بشأن التحديات طويلة الأجل التي تمثلّها الصين بالنسبة للغرب.

وأعلن الأمين العام لحلف شمال الأطلسي ينس ستولتنبرغ في بداية الاجتماع أنّه “رداً على الغزو الروسيّ لأوكرانيا. فقد ضاعفنا عدد مجموعات حلف شمال الأطلسي القتاليّة في أوروبا من أربعة إلى ثمانية. بما في ذلك واحدة هنا في رومانيا، بقيادة فرنسا”. وأضاف: “لقد زدنا من تواجدنا على الأرض، ولدينا المزيد من الحضور في الجو”، وتابع: “في الأسبوع الماضي فقط، أجرى حلفاء الناتو تدريبات لاختبار الدفاعات الجوية والصاروخية في رومانيا شاركت فيها الطائرات الإسبانية والتركية والأمريكية، وكذلك الطائرات الفرنسية التي انطلقت من حاملة الطائرات شارل ديغول” مشيراً إلى أن “الغاية من تلك المناورات إظهار عزم حلفاء الناتو الأكيد على العمل معاً للدفاع عن كل شبر من أراضي الحلفاء، وفي مجالهم الجوي أيضاً”.

والتقى وزراء خارجية الحلف يوم الثلاثاء مع نظيرهم الأوكراني دميترو كوليبا للبحث في تلبية احتياجات أوكرانيا الأكثر إلحاحاً، فضلا عن تعهدهم باستمرار الدّعم للنظام في كييف على المدى الطويل. وحثّت أوكرانيا شركاءها الغربيين على تزويدها بأنظمة دفاع جوي ومقاتلات متطورة لصد الضربات الروسية، وتطمح كذلك بالحصول على دبابات ليوبارد الألمانيّة المتقدمة.

واتفق الوزراء المجتمعون على أن استمرار تدفّق المساعدات العسكريّة لأوكرانيا أمر ضروري، وبخاصة الدّفاعات الجوية. واُستخدم الاجتماع كمنصّة أعلن من خلالها مختلف الحلفاء عن توسيع نطاق وحجم مساعدات لوجستيّة إضافيّة يقدمونها لنظام كييف، بما في ذلك الوقود ومولدات الكهرباء وعربات النقل وتعهدوا بمد العون لإصلاح البنية التحتية للطاقة والكهرباء والمياه التي تضررت بشدة من هجمات صاروخية روسيّة ثقيلة نفذت خلال الاسابيع الأخيرة. وقال الأمين العام للحلف إن موسكو تستخدم برد الشتاء القارص ك”سلاح حرب”، وردد صدى كلماته وزير الخارجية البريطاني جيمس كليفرلي الذي اتهم (الرئيس الروسيّ فلاديمير) بوتين بتعمد استهداف البنية التحتية المدنية وشبكات الطاقة “في محاولة لتجميد الأوكرانيين وإجبارهم على الخضوع”.

وقد انضمت فنلندا والسويد إلى الحلفاء في جميع جلسات الاجتماع الوزاري لأوّل مرّة منذ تقدّمهما بطلبات للانضمام إلى الحلف. كما التحق وزراء خارجية البوسنة والهرسك، وجورجيا، ومولدوفا بالاجتماع في جلسته الختاميّة. واتفق وزراء الناتو على زيادة الدعم المخصص لهؤلاء الشركاء الثلاثة، بما في ذلك بناء القدرات القتاليةّ والتطوير والتدريب لتحسين مؤسساتهم الأمنية والدفاعية. ونقل عن ستولتنبرغ قوله “الناتو هو تحالف بين أوروبا وأمريكا الشمالية، لكن التحديات التي نواجهها عالمية، ويجب أن نتصدى لها معاً في الحلف بصيغة معولمة أيضاً”. واعتبر “أن تمدد الناتو شمالا بضم فنلندا والسويد كعضوين في الناتو هي بمثابة تغيير تام في قواعد اللعبة بالنسبة للهيكلية الأمنيّة الأوروبيّة سيجعل المظلّة الأطلسيّة أكثر أمانا”، مؤكداً على أنّ أوكرانيا وجورجيا أيضاً ستصبحان في نهاية المطاف أعضاء في الحلف وفق تعهد بهذا الخصوص منذ 2008. وتمثل عضوية أوكرانيا في الناتو والاتحاد الأوروبي حجرا الزاوية في سياسة نظام كييف اليميني الخارجيّة.

ولم يخف ستولتنبرغ من تورط الناتو الرسميّ في الحرب مع روسيا، قائلا: “إن رسالتنا من بوخارست هي أن النّاتو سيواصل الوقوف مع أوكرانيا مهما تطلّب الأمر، ولن نتراجع”. ومن المعروف أن هذه التعهدات المعممة بشأن مشاركة الناتو في الحرب ضد روسيا ترتبط بمناقشات ملموسة تجري – وفق خبراء متخصصين – في الكواليس لإرسال طائرات مقاتلة أمريكية من طراز ف 16، وصواريخ بعيدة المدى، وطائرات بدون طيار هجومية إلى مناطق الاشتباك شرقيّ أوكرانيا، وهناك جهات تدفع باتجاه السماح للأوكرانيين باستخدام أسلحة متطوّرة لاستهداف مواقع الصواريخ أو المطارات داخل روسيا التي تنطلق منها العمليات العسكريّة الروسيّة. وقد وجهت مجموعة من أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي نداء لحكومة بلادهم على هامش مشاركتها في اجتماع بوخارست لدعم القوات الأوكرانيّة بطائرات بدون طيار هجومية مسلحة قاتلة إلى أوكرانيا من طراز يسمى ب “النسر الرمادي” الذي يمكنه العثور على السفن الحربية الروسية ومهاجمتها في البحر الأسود. ومن بين الموقعين على النداء جو مانشين، الحليف الرئيسي للرئيس جو بايدن في مجلس الشيوخ، وحليف ترامب ليندسي غراهام.

على أنّ مناقشات الاجتماع تركزت بشكل أساسيّ حول التّمدد الطموح للقدرات العسكريّة للصين، وتقدمها التكنولوجي، وأنشطتها السيبرانية والهجينة المتنامية وتعاونها مع روسيا. وشدد الوزراء على ضرورة الحفاظ على التفوق التكنولوجي للناتو، ومواصلة تعزيز التعاون مع الشركاء في منطقة المحيطين الهندي والهادئ ومع الاتحاد الأوروبي. وقال ستولتنبرغ إن الحرب في أوكرانيا أظهرت اعتمادا خطيرا على الغاز الروسي، وأن “هذا يجب أن يقودنا أيضا إلى تقييم اعتمادنا على الأنظمة الاستبدادية الأخرى، وبالذات الصين، فيما يتعلّق بسلاسل التوريد أو التكنولوجيا أو البنية التحتية لدينا الحلفاء”. وأضاف: “سنواصل بالطبع التجارة والانخراط اقتصادياً مع الصين، ولكن علينا أن نكون على دراية بتبعياتنا، والحد من نقاط ضعفنا، وإدارة المخاطر”.

وشدد وزير خارجيّة الولايات المتحدة أنتوني بلينكن على أنّ أعضاء الحلف “قلقون من السياسات القمعية لجمهورية الصين الشعبية، واستخدامها للمعلومات المضللة، وحشدها العسكري المتسارع والعدواني، وكذلك تعاونها مع روسيا.” وتدفع الولايات المتحدة بالغرب إلى التعامل مع الصين كعدو استراتيجي أساسي حتى قبل روسيا. وقد ارتفعت وتيرة العداء الأمريكيّ لهذا البلد بشكل ملحوظ منذ إعلان بكين وموسكو عن شراكة استراتيجية “بلا حدود” في فبراير / شباط الماضي، قبل أيام فقط من انطلاق العمليّة العسكريّة الروسيّة في أوكرانيا.

وفي أول رد فعل روسيّ على قمّة بوخارست قال مسؤولون أمريكيون إن روسيا أجلت محادثات الأسلحة النووية التي كان من المقرر أن تبدأ أمس، مما يمثل انتكاسة لآخر معاهدة أسلحة متبقية بين القوتين النوويتين الأعظم، ويقدم دليلا إضافيا على تأزّم العلاقات بين الطرفين. وكان لهذا المحادثات أن تكون اللقاء الأول من نوعه منذ بداية جائحة كوفيد-19 في إطار معاهدة ستارت الجديدة بشأن ترسانات الأسلحة النووية الاستراتيجية التي تحتفظ بها موسكو وواشنطن منذ 2011، وسمحت للطرفين بإجراء عمليات تفتيش موقعي للتحقق من الالتزام بهذه الحدود. ومن المقرر أن تنتهي صلاحية المعاهدة في عام 2026. وقال نائب وزير الخارجية سيرغي ريابكوف “نرسل إشارات إلى الأمريكيين بأن خط تصعيدهم وتورطهم المتسارع في هذا الصراع محفوف بعواقب وخيمة. إن المخاطر آخذة في الازدياد”، فيما أشار مسؤول بوزارة الخارجية الأمريكية أن روسيا اتخذت قرار إلغاء المحادثات “من جانب واحد”، وأضاف أن واشنطن ما زالت تأمل في العودة قريباً إلى المحادثات الفنية بشأن تنفيذ المعاهدة. وتشعر الولايات المتحدة بالقلق بشكل خاص من أن روسيا قد تحاول استخدام سلاحاً نووياً تكتيكياً في ساحة المواجهة بأوكرانيا، وهي فئة لا تغطيها المعاهدة.

لكن أقوى الاستجابات الروسيّة الصينية على قمّة بوخارست جاءت على الجانب الآخر من الكوكب، وتحديداً من المجال الجويّ لكوريا الجنوبيّة التي تخضع للحماية الأمريكيّة، إذ نفذت طائرات حربية استراتيجية روسية وصينية يمكن تحميلها بأسلحة نووية دوريات مشتركة فوق بحر اليابان وبحر الصين الشرقي انطلقت من قبالة شواطئ جزيرة فرموزا (تايوان)، وقالت سيئول أنّها اخترقت منطقة دفاعها الجوي ودفعتها لإرسال مقاتلات اعتراضيّة.

وقد سمح الأمريكيّون مؤخراً لحلفائهم الأوروبيين بفتح قنوات تواصل اقتصاديّة الطابع مع الصين لمحاولة ثني القيادة في بكين عن تعميق تحالفها المقلق للغرب مع روسيا، كما تصاعدت دعوات في الشارع الأوروبيّ للدفع باتجاه التفاهم مع روسيا، لكّن قمّة بوخارست بدت وكأنّها أعادت الأمور بمجملها إلى المربّع الأوّل مجدداً. وتبدو الشروخ في النظام العالميّ مرشحة الآن للتعمّق مع سعي الولايات المتحدة لفرض سقف عالميّ على أسعار النفط الروسيّ ودفعها أوروبا إلى التخلي عن شراء الغاز الروسيّ بشكل كليّ، والتوجه لاستخدام الأصول الروسيّة المحجوزة في الغرب لدعم النظام الأوكراني،ّ ناهيك عن الاحتمال المتزايد لإقدام الولايات المتحدة على تزويد الجيش الأوكرانيّ بأسلحة نوعيّة فتاكة.

________

تابعونا على:

  • على موقعنا:
  • توتير:
  • فيس بوك:

https://www.facebook.com/kanaanonline/

  • ملاحظة من “كنعان”:

“كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.

ومن أجل تنوير الناس، وكي يقرر القارئ بنفسه رأيه في الأحداث، ونساهم في بناء وعيً شعبي وجمعي، نحرص على اطلاع القراء على وجهات النظر المختلفة حيال التطورات في العالم. ومن هنا، نحرص على نشر المواد حتى تلك التي تأتي من معسكر الأعداء والثورة المضادة، بما فيها العدو الصهيوني والإمبريالي، وتلك المترجمة من اللغات الأجنبية، دون أن يعبر ذلك بالضرورة عن رأي أو موقف “كنعان”.

  • عند الاقتباس أو إعادة النشر، يرجى الاشارة الى نشرة “كنعان” الإلكترونية.
  • يرجى ارسال كافة المراسلات والمقالات الى عنوان نشرة “كنعان” الإلكترونية: mail@kanaanonline.org

[1] كثيرة هي الصفحات المضيئة في تاريخنا والتي تغيب عن وعي شعوبنا، ومنها تجربة القرامطة التي امتدت دولتها من سنة 899 حتى 1077 م، وتُعتبر من أوائل الثورات الاشتراكية في التاريخ البشري التي حاولت نشر الأفكار الاشتراكية وبناء المجتمع على أسس اجتماعية واقتصادية اشتراكية.

[2]  للاطلاع على النص الكامل لقرار تقسيم فلسطين، راجع:

https://www.palestine-studies.org/ar/node/1650784

الموسوعة التفاعلية للقضية الفلسطينية | قرار رقم 181 (الدورة 2‏) بتاريخ 29 تشرين الثاني (نوفمبر) 1947 (palquest.org)

[3] كانت عصابة الهاغانا، نواة الجيش الصهيوني، والوكالة اليهودية يملكون قوة عسكرية كبيرة من بينها جيش الهاغانا المنظم المكون من 67 ألفاً، مقابل الشعب الفلسطيني الأعزل و22 ألفاً من جنود الدول العربية السبع التي دخلت فلسطين في حرب عام 1948.

[4]  راجع موقع الكنيست الصهيوني

https://m.knesset.gov.il/ar/about/pages/declaration.aspx

 [5] راجع مقال أنطوان شلحت: “ستالين والدولة اليهودية [قراءة في كشوف جديدة]”.