السوفييت وتقسيم فلسطين: إضاءات على كارثة تاريخية وأيديولوجية وجيو – سياسية (الجزء الثالث (، مسعد عربيد

  • الدعم السوفييتي للمشروع الصهيوني في فلسطين

على الرغم من موقفه المعادي للصهيونية منذ الثورة البلشفية وما بعدها، قدم الاتحاد السوفييتي، في الفترة بين عام 1945- 1947، دعماً كبيراً للحركة الصهيونية ومشروعها في تأسيس الكيان الصهيوني الاستيطاني على أرض فلسطين، وقام بخطوات عملية لخدمة الأهداف الصهيونية. وقد اتخذ هذا الدعم اتخذ أشكالاً ومستويات متعددة، بالإضافة إلى وقوف الاتحاد السوفييتي إلى جانب قرار تقسيم فلسطين.

الدعم السياسي والدبلوماسي

▪️ بعد نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945، أكد السوفييت أن “المشكلة اليهودية” لا يمكن حلها عن طريق نقل اليهود إلى فلسطين، ولكن فقط من خلال “القضاء التام على جذور الفاشية” في أوروبا نفسها. ورفضت الأحزاب الشيوعية في فلسطين والبلدان المتاخمة، فكرة التقسيم باعتبارها مؤامرة إمبريالية. وبدلاً من ذلك، طالب الحزب الشيوعي الفلسطيني ب “فلسطين واحدة وديمقراطية ومستقلة”.

▪️ على مدى العامين التاليين للحرب العالمية الثانية، كان الاتحاد السوفيتي داعماً قوياً لإقامة الدولة اليهودية في فلسطين.

▪ في فبراير 1947، أعلنت بريطانيا عن نيتها في انهاء انتدابها لفلسطين وإحالة قضيتها إلى الأمم المتحدة.

▪️ في 14 مايو 1947، ألقى أندريه غروميكو الممثل السوفيتي لدى الأمم المتحدة، خطاباً في الجمعية العامة للأمم المتحدة، معبراً عن تغيّر الموقف السوفييتي على نحوٍ غير متوقع.

الموقف السوفييتي من مشروع برنادوت

في يونيو 1948، بعد الإعلان عن قيام الكيان الصهيوني في 15 مايو 1948، أيد السوفييت الاعتراض الصهيوني على خطة التسوية (مشروع برنادوت) التي دعا إليها وسيط الأمم المتحدة الكونت فولك برنادوت (الذي اغتالته عصابة شتيرن الصهيونية يوم 17/9/1948). وقد تضمنت تلك الخطة بين بنودها العديدة نقل النقب الفلسطيني إلى شرق الأردن.

وعندما اعترض الكيان الصهيوني على هذه الخطة، سانده الاتحاد السوفييتي.

ورداً على اقتراح برنادوت، نصح وزير الخارجية فياتشيسلاف م. مولوتوف Vyacheslav M. Molotov  القيادة السوفييتية بأن هذا من شأنه أن يضع أربعة أخماس “الأراضي الإسرائيلية” في أيدي شرق الأردن – “أي تحت السيطرة البريطانية”، ولذا ويجب رفضه.

وحول هذه المسألة كتب مولوتوف “الرفيق ستالين يوافق”.[1]  

الموقف السوفييتي من قرار الأمم المتحدة رقم 194

(حق العودة للاجئين الفلسطينيين)

صوت المندوب السوفييتي في الأمم المتحدة ضد قرار الجمعية العمومية للأمم المتحدة رقم 194 (بتاريخ 11 ديسمبر 1948) الذي يقر “حق العودة للاجئين الفلسطينيين”. كما صوت عدد من الدول العربية ضده أيضاً مثل مصر والعراق ولبنان وسوريا واليمن.[2]

دعم الهجرة الصهيونية إلى فلسطين

▪️ اعترف السوفييت عام 1945 بالوكالة اليهودية[3] والتي فتحت لها مكتباً في موسكو.

▪️ ساهم الاتحاد السوفييتي خلال الحرب العالمية الثانية بتسهيل الهجرة للعديد من اليهود البولنديين إلى النمسا وألمانيا، مع علم السوفييت بأنهم سيتوجهون من هناك إلى فلسطين. وتذكر بعض التقديرات إلى أن عدد هؤلاء بلغ ما يقارب ربع مليون يهودي ملأوا معسكرات النازحين في ألمانيا والنمسا، بانتظار وصولهم إلى “الوطن اليهودي” في فلسطين. ويذهب بعضهم إلى أن السوفييت كانوا يهدفون من وراء ذلك الى استخدام المهاجرين الصهاينة من أجل الضغط على بريطانيا والولايات المتحدة والتعجيل بطرح قضية فلسطين في الأمم المتحدة.

▪️ تقدر بعض المصادر انه وصل إلى الكيان الصهيوني بين عامي 1948 و1951 حوالي 200 ألف يهودي من أوروبا الشرقية مباشرة، أي ما يمثل ثلث الهجرة إلى إسرائيل في تلك الفترة.

الدعم العسكري

قدّم الاتحاد السوفييتي الدعم العسكري للمنظمات الصهيونية الإرهابية في فلسطين خلال فترة الانتداب البريطاني انطلاقاً من الادعاء بأنهم “يحاربون” الاستعمار البريطاني ويشكلون “نواة اشتراكية” في المشرق العربي.

▪️ صفقة الأسلحة التشيكية: في مارس 1948 قام السوفييت عبر تشيكوسلوفاكيا بتزويد المنظمة الإرهابية الصهيونية الهاغانا، بكميات كبيرة من الأسلحة لعبت دوراً حاسماً في احتلال فلسطين وتدمير المدن والقرى الفلسطينية عام 1948 وما بعده. وقد مكّن هذا الدعم الكيان الصهيوني من التفوق العسكري في حربه مع العرب، ووفر لكل مجند صهيوني سلاحه الخاص وذخائره. وقد سمحت المدافع التي وصلت مع هذه الشحنة للهاغاناه بشن هجوم في الفترة التي سبقت إعلان قيام الكيان الصهيوني (“خطة داليت”Dalet Plan ).[4]

في 5 حزيران 1948 كتب إيفان باكولين، مدير دائرة الشرق الأوسط في وزارة الخارجية السوفييتية آنذاك، يقول: “بالنسبة لبيان الرفيق غروميكو بشأن طلبات مندوب دولة إسرائيل تقديم مساعدة إلى إسرائيل، أرى أن بالإمكان إحاطة التشيكوسلوفاكيين واليوغسلافيين علمًا، لكن في السرّ، برغبتنا في التعاون مع مندوبي دولة إسرائيل بخصوص امتلاك وإرسال مدافع وطائرات إلى فلسطين، وذلك آخذين بالاعتبار أنه على الرغم من قرار مجلس الأمن القاضي بحظر تصدير الأسلحة إلى الدول العربية فإن لدى هذه الدول كل الإمكانيات لشراء أسلحة بالكميات المطلوبة لها من المخازن الإنجليزية في شرق الأردن والعراق ومصر.”[5]

باختصار، قدّم الاتحاد السوفييتي للمستوطنين الصهاينة في فلسطين خلال فترة حكم ستالين الدعم بأكثر ما يحتاجون إليه ب “الرجال والسلاح”، ويقدر بعضهم أن القوات اليهودية حصلت على ما يقرب 22 مليون دولار من الأسلحة.

وقد اعترف كثيرون من القادة الصهاينة بدور الأسلحة التي قدمها الاتحاد السوفييتي وبلدان الكتلة الاشتراكية، والتي بدونها لم يكن بإمكان الصهاينة تحقيق النصر سواء على الصعيد الدبلوماسي أو عسكري. وعلى سبيل المثال، صرّح بن غوريون بعد عقدين من الزمن: “لقد أنقذوا البلد، ولا أشك في ذلك” و”… أشك كثيراً في أننا كنا سنتمكن من البقاء من دونها خلال الأشهر الأولى”. وبالمثل، كتبت غولدا مائير في مذكراتها أنه بدون الأسلحة من الكتلة الشرقية، “لا أعرف ما إذا كان بإمكاننا الصمود حتى تغير المد، كما حدث بحلول يونيو 1948”.[6]

بناءً على اقتراح قدّمه ميكونوس، سكرتير الحزب الشيوعي الإسرائيلي، وتمت المصادقة عليه في اجتماع بين بن غوريون والمسؤول السوفييتي مالينكوف، وصلت كتيبة من 2000 متطوع في ديسمبر/كانون الأول 1948 من براغ إلى إسرائيل وضم عناصرها إلى في جيش الدفاع الإسرائيلي.[7]


[1] راجع مقال: Who Saved Israel in 1947? By Martin Kramer   

[2]  موقع الأمم المتحدة www.un.org

[3]  الوكالة اليهودية، وكان اسمها في فترة الاحتلال البريطاني لفلسطين “الوكالة اليهودية لأرض إسرائيل”. وكان من بين أهدافها: دعم ومساعدة لليهود المهاجرين إلى فلسطين، شراء الأراضي العربية في فلسطين وتحويلها إلى ملكية يهودية، إقامة استيطان زراعي اساسه العمل العبري، والعمل من أجل بعث اللغة والأدب العبريين.

[4] خطة دالت أو الخطة «د» هي خطة وضعتها منظمة الهاجاناه في فلسطين بين خريف عام 1947 وربيع 1948. وقد ثار الكثير من الجدل حول أهدافها، حيث يدّعي بعض المؤرخين أنها كانت “خطة دفاعية” من أجل ضمان تأسيس الكيان الصهيوني. أمّا بحسب المصادر الفلسطينية فهي خطة هدفت إلى السيطرة على أكبر مساحة ممكنة من الأراضي الفلسطينية وطرد أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين وفرض سياسة الأمر الواقع على كافة الأطراف.

[5]  راجع مقال أنطوان شلحت: “ستالين والدولة اليهودية [قراءة في كشوف جديدة]”.

[6] المرجع السابق، Martin Kramer: “Who Saved Israel in 1947”  

[7] دومينيك فيدال: “ستالين: بين دعم إسرائيل وقمع اليهود”.