نشرة “كنعان”، 24 كانون الأول (ديسمبر) 2022

السنة الثانية والعشرون – العدد 6438

في هذا العدد:

أحمر أم خبير، مناضل أم “دكتوراة”، عادل سماره

  • على هامش مذكراتي

السوفييت وتقسيم فلسطين: إضاءات على كارثة تاريخية وأيديولوجية وجيو – سياسية (الجزء الرابع)، مسعد عربيد

  • ركائز الموقف السوفييتي: كيف بَرّرَ الاتحاد السوفييتي موقفه؟

✺ ✺ ✺

أحمر أم خبير، مناضل أم “دكتوراة

على هامش مذكراتي

عادل سماره

كانت إحدى الأمور قيد الجدل في الصين إبان الماوية حول ايهما له الأولوية وموقع المسؤولية وأيهما أهم لخدمة التجربة الوطنية الاشتراكية عموماً:

الخبير بالمعنى العلمي والأكاديمي

أم المناضل الشيوعي.

حين ذهبت عام 1984 إلى بريطانيا لإكمال التعليم الأكاديمي، وفي هذا أدين للصديقين القديمين مازن مصطفى وهامه نحاس الذين أقنعاني بالسفر للدراسة ورتبا لي القبول في جامعة لندن، حيث تعلمت من تلك التجربة الكثير ولكن أهمه:

أولاً: تحطيم الهالة التي يُحيط بها الأكاديمي نفسه، بما هو مثقف، وبأن الحكمة في راسه وبأن ما حصل عليه من معلومات هو أمر عصيٌ على معظم الناس.

ثانياً: اكتساب معرفة علمية قررت أن أُخضعها لتجربتي وليس العكس، ولا أدري إن كنت نجحت في ذلك أم لا.المهم هكذا أعتقد.

في الشهر الأول لوصولي هناك رتب لي نديم إمسيس لقاء مع الراحل البروفيسور ألبرت حوراني وكان يُحاضر في أكسفورد، وتحدثت معه بصراحة عن ماذا اريد ولماذا اتيت وكان متفاعلاً وإيجابياً وخاصة عن هدفي الذي لخصته له بأن مشروعي الحياتي وليس فقط الأكاديمي هو “القومية أو العروبة إن شئت والشيوعية”. تفاعل الرجل معي كثيرا وبأدب وتواضع.

قرأت عن حوراني كتابات تزعم أنه متأورب ولا عروبي…الخ. لست أدري إنما هذا ما أعرفه.

لاحقاً، أنهيت رسالتي في الماجستير (في بريطانيا يسمونها ماجستير في الفلسفة  M.Phil.أي أعلى قليلا من ماجستير)  حيث بدأتها في جامعة لندن “بيركبك كوليج”  اختلفت مع المرشد الطيب سامي زبيده “عراقي من التابعية اليهودية”   وكان الخلاف على موقفي العروبي وموقفي لصالح الراحل سمير أمين.  لم يأت زبيدة إلى فلسطين بل هاجر العراق إلى بريطانيا لكنه انتقل من الشيوعية ليصبح من مدرسة ماكس فيبر، أي من ماركس إلى ماكس. ليس الأمر حذف حرف طبعاً، ولذا انتقلت إلى جامعة إكستر.

لكنه، بعد تفكك الكتلة الاشتراكية عمل مستشاراً لأنظمة بعض الدول من أوروبا الشرقية!  بعد عودتي لفلسطين وحصول اوسلو لاحقاً، كان سامي يسال الأكاديميين المتخارجين:

·       شو صار مع عادل بعد أوسلو

·       كان ردهم، قريباً سوف يصاب بالجنون!

حينما بدأت بحث الدكتوراة طلب المشرف وهو إنجليزي عدم الإشراف على بحثي لأنه ليس مع التعمق النظري فعُيِّن مشرفاً على رسالتي للدكتوراة د. يوسف الشويري. وللغرابة، قبل عام عرفت أنه يشتغل عند مركز عزمي بشارة في قطر!

وحينما نهيت الرسالة والدفاع، وفي لقاء مع بروفيسور عزيز العظمة قلت له بأنني اود العودة إلى الوطن دون إكمال الدكتوراة.

قال: لا، أفضل أن تكمل كي تكون مدعوما للحصول على وظيفة جامعية

قلت: انا في فلسطين المحتلة لن أُقبل كمُحاضِر.

قال: ولماذا أتيت؟

قلت: للتجربة والتطور.

 لكنني واصلت حتى أنهيت الدكتوراة. من الوقائع الطريفة أن أحدهم “أكاديمي” أسميه “فتى المحرقة ” اعترض للرفيق عبد الله حمودة بان شهادتي في التربية فلماذا أكتب في الاقتصاد!

رفاق بسطاء وطيبين

عُدت لرام الله في 4 أكتوبر 1987 أي قبل تفجر انتفاضة 1987 بفترة وجيزة. وكان مما فاجأني أن كثيرا من الرفاق الذين كنت وإياهم في التنظيم أو السجون أخذوا ينادونني (د)!

كان لا بد أن أقول لهم، انا نفسي الذي كان قبل (د) ما تغيرت، فما لزوم هذه الوصف؟

الذي اكتشفته مع الوقت أن بعض اليسار يرى في الشهادة الأكاديمية أو الموقع الأكاديمي شيئاً عااااالياً!  وبالطبع يطرب الأكاديمي على هذا فيعززه ويشمخ أو كما يقول الفلاح “بتصير ذنبته توصل للسما”.

ولذا، استمات البعض كي يحصل على هذا اللقب ولو مزيف، مثلاً من غرفة في هولندا، حيث رآه أهم بكثير من تاريخه الكفاحي! طبعاً ربما أحد اسباب هذا الشعور بالدونية هو وصول الحالة النضالية إلى طريق مسدود وتراجع الأدوار والعزائم…الخ وخفوت جذوة ا.ل.م.ق.ا.و.م.ة.

لكنني وحتى الآن لا ارى وجوب إقران الأمرين معاً ولا إحلال أحدهما محل الآخر.

فالتجربة الوطنية هي الأهم لأن الأساس أن تبدأ وطنياً. بعدها يمكن أن تتبنى إيديولوجيا ما أو تحصل على شهادة ما، لكن هذه تبقى البناء الفوقي، أو الطربوش، أي أن الأساس هو البناء التحتي.

حقبة الشراء والجاهزية لزنى البيع

بعد ما اتضح جدا في الوطن العربي تشغيل وامتطاء المثقفين وأقصد تساقط الكثير منهم لصالح مراكز القوة المالية وتحول المتساقطين إلى ما يمكن تسميتهم   “العرضحلجية” اي كالذين يجلسون أمام مباني المحاكم ليكتبوا للزبائن ما يريدون ويتقاضون عليه فلوساً، صار الأمر أكثر وضوحاً في ذهني وتجربتي بأن الشهادة غدت مثابة حصان طروادة من خلال هؤلاء لضرب المستوى والجاهزية الكفاحية.

زادت قناعتي إثر نقاشات مع أكاديميين/ات كانوا يشتكون من عدم الاهتمام بهم سياسياً بزعم أنهم أكثر كفاءة من قياديين في الفصائل، لديهم شهادات، ويتكلمون لغات أجنبية…الخ.

صحيح أن في قيادات الفصائل حالات مثابة عاهات، ولكن ليس الجميع. وبالطبع لم يحاول المشتكون فهم او تقدير بأن الخلفية الكفاحية لهذا او ذاك هي أهم بكثير من شهادته وخاصة حين يتم استثمار شهادته لأجل وظيفة له، بينما الكفاح هو للوطن والناس.

طبعاً، حين تُحول القضية إلى سلعة في المزاد العلني يتقدم حامل الشهادة على المناضل المتميز.

عير تحليل هذا توصلت إلى التفريق إلى درجة الفالق بين:

·       المثقف المشتبك من جهة

وبين كل من:

·       المثقف المنشبك

·       مثقف الطابور السادس

وللأسف هوى كثير من المناضلين إلى المستويين الثاني والثالث، وقد لاحظت أن كثيرا من المناضلين تدفقوا إلى الجامعات المحلية للحصول على شهادة متألمين من افتقارهم لها.

لم يبدا شراء المثقفين لا بعد انهيار أوسلو ولا بعد أنجزة الخليج وخاصة دويلة قطر، بل تم التأسيس لهذا منذ كانت م.ت.ف في بيروت حيث تم شراء وتطويع الكثير من المثقفين لصالح “الشرعية” وهذا ما ورَّط الراحل محمود درويش لعبارته المعروفة: “من يخرج على الشرعية يخرج على الإنسانية”.

واللافت، أن الراحل إدوارد سعيد ذهب بالاتجاه المعاكس لينتهي في نفس الورطة. فقد أذلَّ تحصيله الأكاديمي وإبداعه في الأدب المقارَن ليقبل أن يُعيَن عضواً في المجلس الوطني الفلسطيني غير المنتخب تقرُّباً من النضال! كي ينال كلتي ال حُسْنَيَيْن ففقدهما معاً.

أمام هذا المناخ الموبوء يتتالى تورط مثقف/ة في التنظير للتطبيع وممارسته طالما أن المثقف المشتبك اي المناضل جرى تغييبه عن الساحة مع تدهور م.ت.ف وخاصة بعد اوسلو فلم تعد هناك قوة مثال تحرجهم. هذا الأمر تستغله جامعات أجنبية حيث تضع الطلبة الفلسطينيين والعرب في مأزق أو مسرب كتابة بحث تطبيعي وإن بشكل فيه كثير من الالتواءات قصد التمويه والتغطية. هذا قاد البعض إلى خلع الوطن والتدثر بالشهادة الأكاديمية.

ويبقى السؤال: هل يمكن للمرء أن يجمع بين الخبير والأكاديمي؟ نعم ممكن.

✺ ✺ ✺

السوفييت وتقسيم فلسطين: إضاءات على كارثة تاريخية وأيديولوجية وجيو – سياسية (الجزء الرابع)

مسعد عربيد

ركائز الموقف السوفييتي

كيف بَرّرَ الاتحاد السوفييتي موقفه من تقسيم فلسطين والاعتراف بالكيان الصهيوني ككيان استعماري استيطاني على حساب شعبٍ آخر؟

في الإجابة على هذا السؤال، لا بدّ من الإشارة إلى تشابك عوامل ومصالح عديدة في صياغة هذا الموقف، ومن بينها عوامل براغماتية سياسية وإستراتيجية وأيديولوجية ودوغمائية وأخرى سوفييتية داخلية. وسوف نقسم النقاش فيها إلى المحاور التالية:

أولاً: السوفييت وحق “الشعب اليهودي” في فلسطين

ثانياً: عوامل إستراتيجية والمصالح السوفييتية

ثالثاً: عوامل سوفييتية داخلية

رابعاً: نظرة السوفييت إلى العرب والفلسطينيين

▪️▪️▪️

أولاً: السوفييت وحق “الشعب اليهودي” في فلسطين

في عرضه للرؤية السوفييتية في حل الصراع العربي – الصهيوني في فلسطين، تطرق أندريه غروميكو إلى عدة مشاريع مقترحة لتنظيم مستقبل فلسطين وحل المشكلة اليهودية، ومن بين هذه المشاريع:

1)  تكوين (دولة واحدة) عربية يهودية، يتمتع فيها العرب واليهود بحقوق متساوية.

2) (تقسيم فلسطين) إلى دولة عربية وأخرى يهودية.

3) إنشاء (دولة عربية) في فلسطين دون اعتبار لحقوق السكان اليهود.

4) إنشاء دولة يهودية في فلسطين دون اعتبار لحقوق العرب.

مضيفاً أن الموقف السوفييتي يرى أن الحل العادل لابد أن ينبني على الاعتراف بالمصالح المشتركة للشعبين في فلسطين. “وهكذا خرج الوفد السوفييتي بنتيجة هامة، وهي أنه لا يمكن حماية مصالح الشعبين العربي واليهودي إلا بتكوين (دولة عربية يهودية ديمقراطية مستقلة) يكون لكل من الشعبين فيها حقوق متساوية.” وأردف غروميكو قائلاً:” ومن المعروف أن هذا الحل مرغوب فيه داخل فلسطين نفسها”. وصولاً إلى قوله:” وأنا أكرر أن هذا الحل لا يجب الأخذ به الا إذا ثبت أن العلاقات بين العرب واليهود تبلغ من السوء حداً يمتنع فيه التعاون السلمي بينهما والذي لا يرجى منه أي إصلاح.”[1]

(1)

فلسطين: “شعبان متساويان”

صرّح أندريه غروميكو، ممثل الاتحاد السوفييتي في الأمم المتحدة آنذاك، في خطابه بتاريخ 14 أيار 1947 من على منصة الجمعية العمومية للأمم المتحدة ب:”… إنّ واقع أن سكان فلسطين يتألفون من شعبين، يهودي وعربي، هو واقع غير قابل للنقض، ولكل شعب منهما جذور تاريخية في فلسطين”. وهو موقف يتناقض مع الخطّ الأيديولوجي والسياسي، الذي تميز به الاتحاد السوفييتي والحركة الشيوعية في كفاحهما ضد الحركة الصهيونية على مدى العقود التي تلت ثورة اكتوبر 1917.[2]

(2)

دولة ثنائية (يهودية عربية) أم تقسيم فلسطين؟

رأى الاتحاد السوفييتي أن الحل الأفضل للصراع العربي – الصهيوني المحتدم في فلسطين هو قيام “دولة يهودية – عربية واحدة بحقوق متساوية لليهود والعرب”، وإذا تعذر تحقيق ذلك، فلا مفرّ من تقسيم فلسطين إلى دولتين مستقلتين: يهودية وعربية.[3] وقد عبّر أندريه غروميكو في خطابه يوم 14 أيار 1947 عن هذا الموقف بالكلمات التالية: “إنه لا يمكن حماية مصالح الشعبين إلاّ في إقامة دولة عربية – يهودية أو تقسيم البلاد إلى دولتين عربية ويهودية”.

في ذلك الخطاب ذكر غروميكو إمكانية إقامة دولة مشتركة، غير أن مولوتوف وزير الخارجية السوفييتي وجّه في 30 أيلول 1947، تعليمات إلى نائبه، أندريه فيشينسكي، الذي كان موجوداً في نيويورك تدعوه إلى “عدم معارضة موقف الأغلبية بشأن تقسيم فلسطين”. وفي اليوم نفسه أرسل مولوتوف إلى فيشينسكي، وفق ما ورد في تلك الوثائق، رسالة جاء فيها ما يلي:

“عندما وجهنا غروميكو للحديث على إمكان إقامة دولة ثنائية القومية في فلسطين، باعتبار ذلك أفضلية أولى، فقد كان هذا الأمر راجعاً إلى عوامل تكتيكية. لم نرغب في أن نأخذ على عاتقنا المبادرة إلى إقامة دولة يهودية. بيد أن موقفنا الحقيقي يعبر أكثر عن الإمكانية الثانية بشأن إقامة دولة يهودية مستقلة… ينبغي عليكم [المقصود البعثة السوفييتية في الأمم المتحدة] أن تؤيدوا موقف الأغلبية الذي يعتبر الأكثر ملاءمة لموقفنا الأساس في هذه المسألة”. وعلى ضوء هذه التعليمات تمت صياغة خطاب غروميكو في 26 تشرين الثاني 1947.[4]

وعندما أصبح وزيراً للخارجية السوفييتية لاحقاً، عاد غروميكو ليؤكد تأييد بلاده لقرار تقسيم فلسطين من منطلق أنه يوجد في فلسطين شعبان، أحدهما عربي والآخر يهودي، ولكل منهما جذور تاريخية، وأنه “لا حل لقضية فلسطين إلاّ بالاستقلال والديمقراطية التي تحفظ حقوق السكان الفلسطينيين على اساس العدل والمساواة، أما إذا لم يكن هناك طرق إلى تفاهم العرب واليهود على هذا الحل فهو أمر مؤسف، وعندئذ لن يكون من حل إلاّ التقسيم”.

(3)

تجاهل الموقف العربي من قرار التقسيم

في سبتمبر 1947، دعم الاتحاد السوفييتي التوصية التي رفعتها لجنة الأمم المتحدة الخاصة بفلسطين UNSCOP   والتي تدعو إلى تقسيم فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية. وفي 26 نوفمبر 1947، خلال المناقشة العامة التي سبقت التصويت على قرار التقسيم، طرح غروميكو الدعم السوفييتي “لحق الشعب اليهودي” و”ارتباطه التاريخي” ارتباطًا وثيقًا بفلسطين لفترة طويلة من التاريخ. أمّا عن الحق العربي، فقد تجاهل الاتحاد السوفييتي المعارضة العربية لتقسيم فلسطين باعتبار أن موقف الدول العربية يشكل “ظلماً تاريخياً” و”غير مقبول”.

(4)

أكذوبة “حرب الاستقلال” اليهودية

ابتلع كثيرون من القادة السوفييت، سواء بتأثير من الحركة الصهيونية أو لحسابات ومصالح أخرى، أكذوبة أن الصهاينة يخوضون في فلسطين “حرب استقلال” ضد بريطانيا كما يسمونها، وأنه يتوجب على الاتحاد السوفييتي دعمهم في هذه الحرب، كون هذا الدعم أحد ركائز ومبادئ السياسة الخارجية السوفييتية.

(5)

مصالح اليهود في فلسطين وفي العالم

رأى غروميكو أن قضية فلسطين لا تمس مصالح اليهود في فلسطين وحدها، وإنما تمس مصالح اليهود في شتى أنحاء العالم. ما يعني، وما يمكن استشفافه من هذه التصريحات، بأن اليهود في العالم يشكلون “شعباً” واحداً، وهو ما يتناقض مع رأي لينين والبلاشفة منذ بدايات القرن العشرين بأن إطلاق صفة “الأمة” على اليهود يمثل موقفاً رجعياً.

(6)

استثمار المحرقة (الهولوكوست) النازية

منذ المحرقة النازية ليهود أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية، نجحت الحركة الصهيونية، ولا تزال حتى يومنا هذا، في استثمار هذه القضية سياسياً وإعلامياً وإنسانياً من أجل تبرير “حق اليهود” في إقامة دولتهم الاستيطانية في فلسطين: ترسيخ عقدة الذنب في الضمير الغربي (وبعض الضمير العالمي أيضاً) من خلال حملات دعاية كبرى واختراق الإعلام والوعي العام.

وفي سياق الأوضاع السياسية التي سادت العالم بعد الحرب العالمية الثانية، وخاصة الغرب الأوروبي والأميركي، يرى بعض المحللين أن هذه المحرقة كانت أحد العوامل التي دفعت السوفييت إلى تأييد قرار تقسيم فلسطين وإقامة دولة يهودية فيها والاعتراف بها لاحقاً. ففي تاريخ 14 أيار 1947، أشار غروميكو في خطابه سابق الذكر إلى:

▪️ “الويلات” و”المعاناة غير العادية” لـ “الشعب اليهودي” أثناء الحرب العالمية الثانية، وأسهب في الحديث عن الهولوكوست قائلاً؛

-️ إن الشعب اليهودي عانى خلال الحرب من “حزن ومعاناة لا توصف. من الصعب التعبير عنها في الإحصاءات الجافة “.

-️ وإن اليهود تعرضوا لـ “إبادة جسدية شبه كاملة”.

-️ وإن “مئات الآلاف من اليهود يتجولون في بلدان مختلفة من أوروبا”، وكثير منهم في مخيمات النازحين حيث “ما زالوا يعانون من الحرمان الشديد. . .. لقد حان الوقت لمساعدة هؤلاء الناس، لا بالكلام، بل بالأفعال. . .. هذا واجب للأمم المتحدة”؛

▪️ عَجْز الغرب (دول أوروبا الغربية) عن الدفاع عن اليهود الناجين من المحرقة “بلا وطن، ولا مأوى، وبدون وسائل للعيش”، وتأمين “حماية الحقوق الأساسية للشعب اليهوديّ” من الفاشيين.

▪ فشل الغرب، كما يرى غروميكو، في فهم تطلعات الشعب اليهودي إلى إقامة دولة خاصة به؛ وعدم أخذ هذه التطلعات بالاعتبار وإنكار حق الشعب اليهودي هذا سيكون ظلماً وسلوكاً غير عادل؛ وسيكون من غير المبرر حرمان الشعب اليهودي من هذا الحق، لا سيما في ضوء كل ما مر به خلال الحرب.

▪️ ليخلص غروميكو إلى أن “واقع أن سكان فلسطين يتألفون من شعبين، يهودي وعربي، هو واقع غير قابل للنقض، ولكل شعب منهما جذور تاريخية في فلسطين”، وعليه، رأى غروميكو إن تقسيم فلسطين إلى دولتين منفصلتين سيكون حلاً ذا أهمية تاريخية، لأن هذا القرار سوف يلبي “المطالب المشروعة للشعب اليهودي”.

خلاصة

يُستخلص مما جاء أعلاه:

أ) أن نستنتج أن السياسة السوفييتية كانت ترى بأن تقسيم فلسطين هو الحل المنطقي إذا لم يستطع الشعبان العربي “واليهودي” في فلسطين، من وجهة النظر السوفييتية، العيش معاً، وبالتالي لم يبقَ إلاّ خيار التقسيم.

ب) اعتراف السوفييت بحق اليهود “بأن يكون لهم وطن ودولة في فلسطين” على نحو مماثل ومساوٍ لحق عرب فلسطين وسكانها الأصليين بان يكون لهم ايضاً دولة مستقلة خاصة بهم.

ج) وهذا يعني أن السوفييت وجدوا في تقسيم فلسطين “الحل الأمثل والأكثر عدالة” بالنسبة للعرب واليهود في فلسطين. وهو ما أكده غروميكو في قول مفاده إن السوفييت يعتقدون أن القرار الذي يمكن ان يتخذ حول تقسيم فلسطين يتطابق مع المصالح القومية الأساسية لكلٍ من اليهود والعرب، وان الاتحاد السوفييتي لا يمكنه إلاّ أن يؤيد طموحات أي دولة وأي شعب مهما كان وزنه صغيراً في الشؤون الدولية، وذلك في نضاله ضد التبعية الأجنبية وبقايا الاضطهاد الاستعماري.

ثانياً: العوامل الإستراتيجية

الموقف السوفييتي على ضوء مصالحه

1) تحولات في الإستراتيجية السوفييتية

يتمتع المشرق العربي بأهمية إستراتيجية بالغة. أما فلسطين، فهي القلب من هذه المنطقة، لذا غذّت إطلالتها على البحر الأبيض المتوسط وقناة السويس مطامع القوى العظمى من أجل الاستيلاء عليها كمناطق نفوذ تلبي مصالحها. وعلى ضوء مصالحه، بادر الاتحاد السوفييتي بإرساء أسس سياسته الخارجية التي تضمنت تغيرات في الرؤية الإستراتيجية السوفييتية وتجلت بوضوح في مشرقنا العربي، حيث غَلَبَت مصالح الدولة على الأيديولوجيا، خصوصاً في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية وبدايات الحرب الباردة.

2) زعزعة النفوذ البريطاني

لم يكن موقف الاتحاد السوفييتي وتأييده لقرار تقسيم فلسطين منسجماً مع المبادئ الأممية التي نادى بها (ولا حتى مع ما يُسمى ب “الشرعية الدولة” ومبادئ الأمم المتحدة)، بل كان، كما أسلفنا، مدفوعاً بمصالحه الجيو-إستراتيجية في العالم والمشرق العربي حيث ساد النفوذ البريطاني وشكّل تحدياً كبيراً للاتحاد السوفييتي الذي كان يرى ضرورة تقويض هذا النفوذ من أجل تأمين موطئ قدم له في شرق المتوسط.

وفي هذا الصدد طرح مؤرخون تفسيراً مفاده أن الاتحاد السوفييتي توجه إلى محاربة بريطانيا في مستعمراتها، “والتوهم” بأن إقامة الكيان الصهيوني سيؤول إلى إضعاف السيطرة الغربية، وخصوصاً البريطانية. وهو ما يدل على إخفاق كبير في فهم المشروع الصهيوني الاستيطاني في فلسطين وارتباطه العضوي بالمصالح الإمبريالية في الهيمنة على الوطن العربي. وانطلاقاً من هذا العداء السوفييتي لبريطانيا، توقع بعض المحليين أن تكون السياسة السوفييتية حيال المشروع الصهيوني في فلسطين ودّية، لا من منطلق التعاطف مع الصهاينة أو الكراهية تجاه العرب، ولكن من أجل المصالح الإستراتيجية وتصفية الحسابات مع بريطانيا.

الحسابات السوفييتية وبريطانيا

ليس مستبعداً أن يكون الاتحاد السوفييتي قد رتّب حساباته وتوقعاته على ضوء توتر العلاقات مع بريطانيا والصراع بين المعسكرين، الرأسمالي والاشتراكي، وظهور بوادر الحرب الباردة بينهما، ومن هنا يذهب هذا التفسير إلى أن السوفييت توقعوا أن تكون هاتان الدولتان في فلسطين، العربية واليهودية، معاديتين للنفوذ البريطاني في المنطقة:

▪️ سيعارض الصهاينة السياسة البريطانية في فرض قيود على الهجرة اليهودية وسوف يقاوموها بتصعيد أعمال العنف والإرهاب الصهيوني. هذا من ناحية، ومن الناحية الثانية، ستكون “الدولة اليهودية” الوليدة في فلسطين أداة مفيدة لتقليص النفوذ البريطاني في ذلك الجزء من الوطن العربي. بهذا المعنى، تصور السوفييت أن هذه الدولة ستعمل ك “كيان وظيفي” يخدم مصالحهم.

▪️ من هنا أيضاً كان تصور السوفييت بأن تدفق الهجرة اليهودية من الاتحاد السوفييتي وبلدان أوروبا الشرقية إلى الكيان الصهيوني سيسهم في زعزعة النفوذ البريطاني في المنطقة. وفي هذا السياق، يمكننا أن نفسر الدعم السوفييتي العسكري للقوات الصهيونية كموقف انطلق من الرؤية الإستراتجية السوفييتية الواهمة بأن دعم الكيان الصهيوني الذي سيقوم على أرض فلسطين سيسهم في طرد بريطانيا من فلسطين.

▪️ ستستمر بريطانيا في فرض نفوذها على الدول العربية، وخاصة مصر وشرق الأردن والعراق، من أجل السيطرة على الأنظمة العربية وإبقائها تحت قبضتها.

▪️ لم يغفل السوفييت أن الدعم السوفييتي لقرار تقسيم فلسطين وإنشاء كيان صهيوني على أرض فلسطين، سيلحق الضرر بالعلاقات مع الأحزاب الشيوعية العربية التابعة في سياساتها وقراراتها لإمرة السوفييت، إلاّ أن هذا، على الأقل من المنظور السوفييتي، سيكون ثمناً ضئيلاً مقابل الإسهام في إضعاف النفوذ البريطاني وانسحابها من المشرق العربي.

3) أسرا ر القنبلة النووية

رأى بعض المحللين أن السوفييت اعتقدوا في تلك الآونة أن بعض أسرار القنبلة النووية كانت في حوزة بعض العلماء اليهود، وبالتالي فإن دعم المشروع الصهيوني والاعتراف بالكيان الصهيوني قد يسهّل الوصول إلى هذه الأسرار، على أساس المقايضة بين ذلك والاعتراف بدولة “إسرائيل”.

4) وهم “إسرائيل الاشتراكية”

كان السوفييت يدركون أن مقومات الدولة الصهيونية المنوي اقامتها في فلسطين وبقاءها يعتمدان إلى درجة كبيرة على استمرار تدفق الهجرة اليهودية إليها، وخصوصاً من مناطق الكثافة السكانية اليهودية في روسيا وبولندا وغيرهما من بلدان أوروبا الشرقية. على هذا الأساس، بدا للسوفييت أنه بالإمكان (1) استثمار هؤلاء اليهود واستقطابهم كقوة ضغط للتأثير على سياسات الدولة اليهودية الحديثة، و(2) وربما استخدامهم أيضاً من أجل تهريب عناصر شيوعية موالية للاتحاد السوفييتي إلى الكيان الصهيوني. وقد لعبت الأحزاب الصهيونية ذات الخطاب والشعارات الاشتراكية، دوراً هاماً في تعزيز التوهم السوفييتي ب “إسرائيل اشتراكية” تكون “نواة للاشتراكية في المنطقة”.

هناك أيضاً رأي يسود بين بعض المحللين مفاده أن مستشاري القيادة السوفييتية نصحوها بأن إقامة دولة يهودية في فلسطين ستُدخل عنصراً من الاضطراب و عدم التوازن في المنطقة، ما سيؤدي إلى “تثوير” الأوضاع الاجتماعية والسياسية، بمعنى أن التناقضات إن احتدمت فسوف تفضي إلى “الاستقطاب الطبقي” وإدخال البلاد في صراع طبقي تتحالف فيه الرجعية الغربية مع الرجعية اليهودية ضد اعدائهم الطبقيين المتمثل في تحالف أعضاء الطبقة العاملة من العرب واليهود. 

أطروحة “اشتراكية الكيبوتس”: هل صدقها السوفييت؟

في يوليو 1947، وفق لما كتبه مارتين كريمر[5]، أكد السكرتير الثاني للسفارة السوفيتية في واشنطن إبستين أن السوفييت يعرفون جيداً “أن التجارب الاجتماعية [الصهيونية] في الجماعية لا علاقة لها بالتفسير الماركسي للجماعة”. ولكن إبستين أضاف أن اليشوف بدا وكأنه “مجتمع سلمي وديمقراطي وتقدمي … الذي يمكنه أن يمنع المؤامرات المعادية للسوفييت، التي تفقس بسهولة بين الدوائر الرجعية الحاكمة للدول العربية في الوقت الحاضر [6]“. وهذا يؤكد أن القادة الصهاينة كانوا يدركون أن الدعم السوفييتي لتقسيم فلسطين وانشاء دولة يهودية على أرضها – بصرف النظر عن الأيديولوجيا أو عدم قناعتهم بالتفسير الماركسي لظاهرتي الكيبوتس واليشوف – يتماشى مع المصالح السوفيتية.

ثالثاً: عوامل سوفييتية داخلية

أ) النفوذ الصهيوني في الاتحاد السوفييتي

يذهب كثيرون إلى أن التأثير اليهودي/الصهيوني في الاتحاد السوفييتي كان نافذاً، (ولا يزال كذلك اليوم في روسيا الاتحادية)، ليخلصوا أن قادة الحركة الصهيونية لعبوا دوراً كبيراً في التأثير على صياغة الموقف السوفييتي وإقناع القادة السوفييت بأن إنشاء الكيان الصهيوني هو خطوة هامة في خدمة المصالح السوفييتية، وأنه لا يتعارض لا نظرياً ولا عملياً مع الأيديولوجيا والسياسة السوفييتية. ويؤكد أصحاب هذا الرأي أن التأثير الصهيوني تجلى في العديد من مستويات الدولة السوفييتية والأطر الحزبية العليا. ويفضي هذا الرأي، إلى استنتاج يقول إن كون العديد من القادة الصهاينة من أصول روسية وبولندية، كان من بين العوامل التي شجعت السوفييت على اتخاذ موقفهم من قرار تقسيم فلسطين ودعم الكيان الصهيوني لاحقاً، ومراهنة السوفييت على أن هؤلاء القادة مرشحون مستقبلاً لتبني سياسات مؤيدة للاتحاد السوفييتي.

ب) الهجرة اليهودية إلى فلسطين

يذهب بعض المؤرخين إلى أن السوفييت كانوا يعتقدون أن قيام دولة يهودية في فلسطين قد يسهم في حل بعض المشاكل السوفييتية الداخلية المتعلقة بالمسألة اليهودية في بلدهم وبعض الدول الأوروبية، والتي ازدادت حدةً وتفاقماً حين أخذ اليهود الذين شرّدتهم النازية، يعودون بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، إلى أماكن إقامتهم الأصلية في الاتحاد السوفييتي وبولندا ودول أوروبية شرقية أخرى.[7]

رابعاً: فلسطين والعرب في الموقف السوفييتي

العرب بعد الحرب العالية الثانية

حلّت القوى الاستعمارية الأوروبية (بريطانيا وفرنسا خاصةً) محل الاحتلال العثماني لبلدان المشرق العربي عقب الحرب العالمية الأولى، وخضعت فلسطين للاحتلال البريطاني (يسمونه انتداباً ونسميه احتلالاً) لعقود ثلاثة امتدت من عام 1918 إلى أن تمّ انسحاب قواته في 14 أيّار 1948. وبعد الحرب العالمية الثانية تلت فترة بالغة الأثر على مستقبل المشرق العربي وكافة البلاد العربية حيث عاشت المنطقة في خضم تطورات سياسية وإستراتيجية كبيرة، شكّلت تحديات جسمية للدبلوماسيين والساسة العرب. فقد كان هؤلاء الساسة ضعيفي المشاركة والتأثير في التطورات الدولية، وكانوا يفتقرون إلى فهم الواقع الدولي وصياغة إستراتيجية للتعاطي معه، ناهيك عن ارتباط الأنظمة العربية وعمالتها للقوى الاستعمارية الغربية. ويذكر بعض المؤرخين والمحليين أن القادة العرب في تلك الآونة لم يكونوا راغبين في إقامة علاقة مع الوفود السوفييتية والاشتراكية أو التنسيق معها، بل كانوا ينفرون من مندوبي هذه الدول ويتجنبون اللقاء بهم.

على خلاف ذلك، كان قادة الحركة الصهيونية أكثر فهماً وإلماماً بالأوضاع الدولية في تلك المرحلة، وعلى علاقات تواصل مع الدول وخصوصاً القوى العظمى، صانعة القرار. إذ لا يُخفى أن المشروع الصهيوني، كان منذ نشأته كفكرة وتنظيم وبرنامج، مرتبطاً بسياسات ومصالح القوى الإمبريالية، وأن الحركة الصهيونية وضعت إمكاناتها ونفوذها المالي والسياسي في خدمة هذه القوى. ومن هنا جاء المشروع الاستيطاني الصهيوني في فلسطين ليلبي هذه المصالح وليكون رأس الحربة الإمبريالية الغربية للهيمنة على الوطن العربي.

العلاقات مع الدول العربية

من الناحيتين، البراغماتية والإستراتيجية، كان الاتحاد السوفييتي، كما ذكرنا سابقاً، يسعى إلى منفذ إلى مياه البحر المتوسط وموطئ قدم في المشرق العربي. إلاّ أن السوفييت، كما يرى كثيرون، لم يتمكنوا من إقامة جسورٍ أو علاقات وثيقة مع الحكومات العربية ولم يجدوا جدوى من الاستثمار السياسي فيها، بل انحصرت علاقاتهم بالأحزاب الشيوعية العربية والتي كانت في معظم هذه البلدان محظورة ومقموعة. ويُذكر، على سبيل المثال، أن موقف حكومات الدول العربية لم يتعدَ الاستماع إلى خطاب غروميكو دون أن يُقْدم أي مسؤول عربي على دراسته أو مناقشته على أي مستوى، بل كان الاهتمام العربي مركزاً على تحركات بريطانيا والولايات المتحدة وسياستهما حيال المسألة الفلسطينية.[8]

فلسطين والعرب في عيون السوفييت:

“اليهود متقدمون” و”العرب متخلفون”

شكّلت نظرة السوفييت إلى الفلسطينيين والعرب (شعوباً ودولاً ومجتمعاتٍ) واحداً من ركائز الموقف السوفييتي في تأييده لقرار التقسيم وإقامة دولة يهودية في فلسطين.

▪️ كان السوفييت ينظرون إلى المجتمعات العربية، على أنها عشائرية وقبلية ومتخلفة تسيطر عليها كيانات مجزّأة ومتصارعة وخاضعة للنفوذ الغربي وخاصة البريطاني والفرنسي.

▪️ في المقابل، رأى السوفييت أن المهاجرين الصهاينة “أكثر تحضراً وتقبلاً للقيم للاشتراكية”، متوهمين بأنه سيكون بمقدور بعض الاحزاب الصهيونية – التي تدّعي أنها اشتراكية وأنها تناضل من أجل بناء دولة/مجتمع اشتراكي – تأسيس “نواة اشتراكية” تكون مدخلاً للنفوذ السوفييتي في المنطقة. وقد عبّر عن ذلك بوضوح إيفان مايسكى، السفير السوفييتي في لندن آنذاك، في سياق تفسير اتصالاته مع السلطة التنفيذية الصهيونية في عام 1941، حيث كتب أنه في عشرينيات القرن العشرين: ” …كان لا يمكن لنا سوى أن ننظر إلى الصهيونية على أنها وكالة للإمبريالية. لكن الوضع تغير الآن. […] إذا كانت روسيا السوفياتية تريد أن تهتم بمستقبل الشرق الأوسط، فمن الواضح أن اليهود المتقدمين والتقدميين في فلسطين يحملون وعوداً أكثر بالنسبة لنا من العرب المتخلفين الموجودين تحت سيطرة الزمر الإقطاعية”.[9] وقد تكون هذه الجملة الأخيرة “لكن الواقع تغير الآن …”، هي بيت القصيد في تفسير انقلاب الموقف السوفييتي من عشرينيات إلى أربعينيات القرن العشرين: الانتقال من الأيديولوجيا الماركسية – اللينينية ودعم النضال الأممي إلى سياسة الحفاظ على المصالح الإستراتيجية لدولة عظمى. 

▪️ وفي حين رأى السوفييت في الأمة العربية “أمةً في طور التكوين”، نجد أنهم اعتبروا المهاجرين اليهود القادمين من شتّى بقاع الأرض “شعباً” ذا حقٍ في بناء وطنه القومي.

السوفييت والرفض العربي لقرار التقسيم

استناداً إلى إيمانهم ب”الحق التاريخي للشعب اليهودي” في فلسطين، رأى السوفييت أن موقف الدول العربية الرافض لقرار تقسيم فلسطين “غير عادل”، وهو ما عبّر عنه غروميكو في خطابه الثاني على المنصة الأمم المتحدة بتاريخ 26 تشرين الثاني 1947، حين وصف موقف الدول العربية بأنه “غبن تاريخي”، مضيفاً أنه “لا يجوز أن نقبل هذه المقاربة [العربية] لأن الشعب اليهودي كان مرتبطًا بفلسطين على مدار فترة تاريخية طويلة… إنّ حلّ مشكلة فلسطين على أساس إقامة دولتين مستقلتين سيكون ذا أهمية تاريخية كبرى، وهو يلائم المطالب القانونية للشعب اليهوديّ الذي لا يزال مئات الآلاف من أبنائه دون مأوى ودون مصدر رزق…””.[10]، [11]

________

تابعونا على:

  • على موقعنا:
  • توتير:
  • فيس بوك:
  • ملاحظة من “كنعان”:

“كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.

ومن أجل تنوير الناس، وكي يقرر القارئ بنفسه رأيه في الأحداث، ونساهم في بناء وعيً شعبي وجمعي، نحرص على اطلاع القراء على وجهات النظر المختلفة حيال التطورات في العالم. ومن هنا، نحرص على نشر المواد حتى تلك التي تأتي من معسكر الأعداء والثورة المضادة، بما فيها العدو الصهيوني والإمبريالي، وتلك المترجمة من اللغات الأجنبية، دون أن يعبر ذلك بالضرورة عن رأي أو موقف “كنعان”.

  • عند الاقتباس أو إعادة النشر، يرجى الاشارة الى نشرة “كنعان” الإلكترونية.
  • يرجى ارسال كافة المراسلات والمقالات الى عنوان نشرة “كنعان” الإلكترونية: mail@kanaanonline.org

[1] مهدي عبد الهادي، المسألة الفلسطينية ومشاريع الحلول السياسية! (1934-1974)، ص 113-114.

[2] من اللافت للنظر، كما تشير بعض المصادر التاريخية، أن وسائل الإعلام السوفيتية توقفت مؤقتًا بعد وقت قصير من هذا الخطاب، عن نشر معاداة الصهيونية.

[3] تم ذكره في كتاب ألان غريش ودومينيك فيدال “فلسطين 1947: تقسيم مجهض”، دار نشر أندريه فرساي، بروكسل، 2008، ص. 90. راجع مقال “ستالين: بين دعم إسرائيل وقمع اليهود” https://orientxxi.info/magazine/article4706

[4] أنظر مقال أنطوان شلحت السابق الذكر.

[5]  راجع Martin Kramer: “Who Saved Israel in 1947?”

[6] من اللافت أن يتجاهل هذا المسؤول السوفييتي، أو أن يتعامى عمداً، عن حقيقة أن اليشوف أقيم بسرقة واحتلال أرض شعبٍ آخر!

[7] راجع مقال أنطوان شلحت سابق الذكر.

[8] مهدي عبد الهادي، المسألة الفلسطينية ومشاريع الحلول السياسية! (1934-1974)، ص 114-115

[9] أرنولد كرامر: “السياسة السوفيتية بشأن فلسطين. 1947-1948″، مجلة الدراسات الفلسطينية، المجلد الثاني، رقم 2، شتاء 1973، ص 109، ورد في مقال دومينيك فيدال: “ستالين: بين دعم إسرائيل وقمع اليهود”.

[10] أنطوان شلحت، المقال السابق.

[11] UN, General Assembly, Official Records, 1st Special Session, May 1947, pp. 127 -135.