الحرب على غزّة: رسمياً، بريطانيا شريك كامل بالإبادة الجماعيّة، سعيد محمد

اعترفت وزارة الدّفاع البريطانية بمشاركتها فعلياً بالحرب التي تشنها الدّولة العبريّة على غزّة. وقال بيان رسمي صدر عن الوزارة إن طائرات استطلاع (غير مسلحة) تابعة لحكومة جلالة الملك تحلّق في سماء القطاع – الذي يتعرض لعدوان إسرائيلي شرس – لأغراض جمع معلومات استخباريّة، وأن المعطيات بخصوص (الرّهائن) الإسرائيليين الذين قد يكونون في حوزة حركة (حماس) يتم إرسالها إلى الجيش الإسرائيلي. لكن خبراء متخصصين برصد الأنشطة السريّة للأجهزة العسكريّة والأمنية البريطانية قالوا إن ذلك ليس سوى قمة جبل جليد الدّور البريطاني في تنفيذ الإبادة الجماعيّة التي يتعرّض لها الفلسطينيون في غزّة.

سعيد محمّد – لندن

بينما يتظاهر مئات الآلاف من البريطانيين أسبوعياً للمطالبة بوقف فوريّ لإطلاق النار في غزّة، اضطرت الحكومة البريطانيّة أخيراً إلى الإعتراف بدور لها مباشر في العمليّات العسكريّة التي تجري ضدّ القطاع.

وقال بيان رسميّ صدر عن وزارة الدّفاع في لندن إن مجموعة طائرات إستطلاع غير مسلحة تابعة لها من طراز شادو-آر 1  وغيرها تحلّق في سماء غزّة ومحيط (إسرائيل) شرقي البحر الأبيض المتوسط، وذلك لجمع معلومات استخباريّة. وقالت الوزارة إن أي معطيات تتوفر لها حول أماكن يحتمل أن حركة (حماس) تستخدمها للاحتفاظ بالأسرى تتم مشاركتها مع الجيش الإسرائيلي. وشدد البيان على أن (شادو-آر 1) – التي تعد من أكثر طائرات التجسس العسكريّ تعقيداً في العالم – غير مزودة بالأسلحة، وليس لها دور قتالي، وأن المعلومات التي تحصل عليها في غير مسألة (الرهائن) لا يتم نقلها إلى أطراف ثالثة.

وكانت الحكومة البريطانية قد أعلنت بعد أسبوع من هجوم السابع من أكتوبر عن نشر وحدات عسكريّة مقاتلة شرقي البحر المتوسط “لدعم (إسرائيل)، وتعزيز الاستقرار الإقليمي، ومنع اتساع رقعة الحرب”. ومن المفهوم أن ذلك يعني أساساً ردع حزب الله اللبناني عن الانخراط في مواجهة شاملة مع الإسرائيليين.

وبحسب المصادر الرسميّة فإن تلك الوحدات تضمنت وحدات من جنود مشاة البحريّة الملكيّة، وسفينتين حربيتين، وعدد من طائرات الهيليوكبتر، ومعدات الاستطلاع الاستخبارات، بما في ذلك طائرات بوينغ (بي-8 بوسايدون)، و(شادو-آر 1).

وكان جرانت شابس، وزير الدّفاع البريطانيّ الجديد قد أعلن الخميس الماضي عن توجه المدمّرة البريطانيّة إتش إم إس داياموند 45 إلى المنطقة أيضاً بهدف “ردع تهديدات محتملة من إيران، أو جماعات مدعومة منها”.

لكن خبراء متخصصين برصد الأنشطة السريّة للأجهزة العسكريّة والأمنية البريطانية قالوا إن هذه الأدوار المعلنة لقوات جلالة الملك في إطار الحرب على غزّة  ليس سوى قمة جبل جليد دور بريطاني قذر في تنفيذ الإبادة الجماعيّة التي يتعرّض لها الفلسطينيون في غزّة. ويُقسم منسوبو الجيش البريطاني والأجهزة الأمنيّة بالولاء للملك – لا للبلاد – الذي يعتبر القائد الأعلى للقوات المسلحة، ما يورّط السلالة البريطانية الحاكمة مباشرة في جرائم حرب ضد الإنسانية ذهب ضحيتها إلى الآن أكثر من عشرين ألف شهيد، وضعفهم من الجرحى، غالبيتهم السّاحقة من السكان المدنيّين في القطاع المحاصر.

ويقول تقرير نشره موقع يو كيه كلاسيفايد إن وثائق سريّة مسربة كشفت انخراط القوات البريطانيّة المتمركزة في جزيرة قبرص بشكل كثيف في أنشطة التخطيط والتجسس والعمليّات العسكريّة التي تنفذها القوات الإسرائيلية ضد غزة، وأن تبادلاً لحظيّاً للمعلومات يتم بين الجانبين، إضافة إلى تقديم قاعدة عمليّات متقدمة في المنطقة لجواسيس المخابرات الأمريكيّة.

وتحتفظ الولايات المتحدة في قبرص بأربعة مواقع للتجسس تابعة لها – يسمح للإسرائيليين بالإستفادة منها – تتولى مهام مراقبة المكالمات والنصوص ورسائل البريد الإلكتروني من جميع أنحاء العالم العربيّ (الشرق الأوسط وشمال إفريقيا). ومع ذلك، تقول الوثائق، بأن الأمريكيين يعتبرون القواعد البريطانيّة هناك بمثابة الأصول الأهم لعمليّاتهم في دعم الكيان العبري استخبارتياً عبر منطقة الشرق الأوسط.

ومن المعروف أن القواعد العسكريّة البريطانيّة في قبرص – التي تحتل حوالي 3 بالمائة من مساحة الجزيرة – تقع على بعد حوالي 200 ميل فقط إلى الشمال الغربي من قطاع غزّة، وتعد، وفق المراقبين، أهم منشآت الاستخبارات البريطانيّة خارج المملكة المتحدة. وتستضيف هذه القواعد مرافق لوكالة الأمن القومي الأمريكي (إن إس أيه)، إلى جانب مرافق لمنظمة التنصت السريّ البريطانية (جي سي إتش كيو) وتحتفظ كلاهما بعلاقة تقنية وتحليلية بعيدة المدى مع الوحدة الوطنية الإسرائيلية للتنصت (آي إس إن يو)، وتتبادل المعلومات معها بشكل لحظيّ بشأن معطيات الرّصد، كما اللّغة، وتحليل البيانات الأمنية”.

لكن التورّط العسكريّ البريطاني في الحرب على غزّة يتجاوز فيما يبدو عمليات الرصد والرّدع. وأظهرت وثائق رسميّة رفعت عنها السريّة أن طائرات نقل عسكريّة بريطانيّة ضخمة نفّذت بالفعل عشرات الرّحلات انطلاقاً من قبرص باتجاه تل أبيب منذ هجوم السابع من أكتوبر. ورغم اعتراف لندن بتلك الرّحلات التي كشفت عنها صحيفة هآرتس الإسرائيليّة الصادرة باللغة الإنجليزية، إلا أنّها رفضت – أقله حتى الآن – تحديد نوعيّة القوات التي يتم نقلها، أو ماهية المعدات التي يتم تسليمها للجانب (الإسرائيلي). وليس سراً أن طائرات استطلاع أمريكيّة متطورة تحلّق بدورها فوق غزّة انطلاقاً من القواعد البريطانية في قبرص، كما تعتبرها القوات الأمريكيّة بمثابة نقطة تجميع لوجستي لأسلحة تنقلها طائراتها من مختلف القواعد الأمريكيّة حول أوروبا، قبل تسليمها للدولة العبريّة. ورفضت وزارة الدّفاع البريطاني بشكل ممنهج كل المحاولات للحصول على معلومات حول طبيعة تلك الرّحلات التي تقوم بها الطائرات الأمريكيّة منذ ما يقارب الشهرين، لكن معلومات نقلت عن مسؤول بريطاني أشارت إلى أن تلك الطائرات تتبع أوامر وزارة الخارجية الأمريكيّة، ومختلف أسلحة الجيش الأمريكي، إضافة إلى جهات رسميّة أخرى – في تلميح إلى وكالة الاستخبارات المركزية -.

ويقول موقع يو كيه كلاسيفايد أن 129 طياراً عسكريّاً أمريكياً يرابطون بشكل دائم في القاعدة العسكريّة البريطانية في منطقة أكروتيري، حيث تنطلق كافة عمليّات القصف التي تقوم بها طائرات أمريكيّة في منطقة شرق المتوسط، كما يتمركز فيها سرب طائرات استطلاع تجسسي أمريكيّ بشكل دائم، فيما تتواجد مواقع التنصت والرصد الإلكتروني الأمريكي في قبرص داخل مناطق عسكريّة مغلقة تعتبر خاضعة للسيادة البريطانية، ولا سلطة لحكومة نيقوسيا عليها. وتمتلك بريطانيا مواقع تنصّت ورصد خاصة بها، أهمها يقع على قمّة أولمبوس في سلسلة جبال ترودوس – الأعلى في قبرص -، ويغطي دائرة واسعة تشمل سوريا ولبنان ومصر وتركيا وإيران وصولاً إلى زامبيا جنوباً. ويتبادل (أولمبوس) المعطيات الاستخباراتية مع الجانب الإسرائيلي، بما في ذلك المعلومات الخام، والتقارير التحليلية، والتحديثات اليومية”. ويبدو أن تعاون الأصول البريطانيّة في الجزيرة مع الجانبين الأمريكي والإسرائيلي توسّع، في ضوء التطورات الأخيرة، ليشمل منظمات استخباراتية أخرى مثل وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، وجهاز المخابرات الإسرائيلي (الموساد). ويتكهّن مراقبون بأن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية تدير عملياتها في قبرص من داخل القواعد العسكريّة البريطانية.

وكانت بريطانيا قد احتفظت بعد خروجها من فلسطين تمهيداً لقيام الدّولة العبرية عام 1948 بموطىء قدم لها في قبرص – وهي جزيرة مقسّمة يبلغ عدد سكان الجزء الملتحق منها بالاتحاد الأوروبي نحو مليون نسمة، فيما يقيم في القسم الذي تحتله تركيا شمالاً حوالي 300 ألف شخص -. 

القواعد العسكريّة البريطانيّة – التي فرض وجودها على القبارصة حتى اليوم رغم وهم الاستقلال الشكليّ – استخدمت خلال عدوان 1956 على مصر حيث أقلعت منها الطائرات البريطانية والفرنسيّة المتوجه نحو القنال. وتآمرت بريطانيا لقمع كل محاولات وحدة الجزيرة مع اليونان، وحاربت الشيوعيين بضراوة لافتة، ويعتقد بأنهم شجعوا الأتراك على تنفيذ احتلالهم الآثم للجزء الشمالي منها عبر الايحاء لأنقرة بوجود تهديد لأمن الأقلية القبرصيّة الناطقة بالتركيّة، ما يضمن استمرار ضعف حكومة الجزيرة، واستمرار اعتمادها على البريطانيين.

وقد دأبت لندن على توظيف القواعد في قبرص ليس فقط للتجسس الكثيف على منطقة الشرق الأوسط برمتها، بل وأيضاً كرأس جسر للعمليات العسكريّة بما في ذلك نقل القوات والأسلحة والمعدات والوقود إلى قواتها وقوات أخرى صديقة – لا سيما الأمريكية – خلال الحروب في المنطقة ودون إخطار المسؤولين القبارصة. وهناك معلومات مؤكدة حول انطلاق طائرات أمريكية وبريطانية منها خلال العدوان على العراق، ولاحقاً في عمليات ضد سوريا ولبنان، كما مهام المراقبة والتزود بالوقود الجوي لسلاج الجو الملكي البريطاني أثناء حرب حلف شمال الأطلسي (الناتو) ضد ليبيا في عام 2011، وتزودت رحلات الشحن التابعة لشركة بي أيه إي سيستمز البريطانية بالوقود منها أسبوعياً بينما كانت تحمل قطع الغيار الأساسية للطائرات المقاتلة السعودية التي كانت تنفّذ قصفاً وحشيّاً ضد المدنيين في اليمن.

هذا وقد أعرب الرئيس القبرصيّ نيكوس خريستودوليديس عن صدمته من استخدام أراضي بلاده في عمليات نقل الأسلحة إلى الكيان العبري كما أدانها زعيم القبارصة الأتراك إرسين تتار، وكذلك نائب في برلمان الجزيرة عن حزب أكيل اليساريّ الذي عبّر عن اشمئزازه من توريط بلاده – من خلال القواعد البريطانية – في حرب الإبادة الجماعيّة التي تنفذها إسرائيل ضد الفلسطينيين في غزّة. ولكن الجمهوريّة مقيّدة مع ذلك بعدة اتفاقات دولية تمنعها من اتخاذ إجراءات عمليّة ضد طبيعة استخدام القواعد، ما يترك الهامش الوحيد الممكن للحركة في يد جماهير الشعب القبرصي، التي اكتفت إلى الآن بتظاهرات رمزية متعاطفة مع الفلسطينيين في العاصمة نيقوسيا، ولم تجروء على الإقتراب من القواعد البريطانية.

نشر هذا المقال في صفحة الدّوليات بجريدة الأخبار اللبنانية عدد الخميس 07 ديسمبر 2023

:::::

موقع “الثقافة المضادة”، December 6, 2023

http://counterculture1968.com

الثّقافة المضادّة – لن يمرّوا: مقالات في السياسة والثقافة

_________

ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….https://kanaanonline.org/2022/10/27/%d9%85%d9%84%d8%a7%d8%ad%d8%b8%d8%a9-%d9%85%d9%86-%d9%83%d9%86%d8%b9%d8%a7%d9%86-3/