نشرة “كنعان”، 8 ديسمبر 2023

السنة الثالثة والعشرون – العدد 6680

بريطانيا ودورها في الحرب على غزّة

بريطانيا تحاربنا منذ قرون، عادل سماره

  • كل حاكم عربي يصافح بريطاني هو وضيع

بريطانيا ما زالت عدوا … فهي تشارك في الحرب علناً، رشاد أبوشاور

الحرب على غزّة: رسمياً، بريطانيا شريك كامل بالإبادة الجماعيّة، سعيد محمد

✺ ✺ ✺

بريطانيا تحاربنا منذ قرون

كل حاكم عربي يصافح بريطاني هو وضيع

عادل سماره

لا تقفز عن مقعدك، بعد هذا، ولا عن الحصيرة إن كنت من غزة بل …إقرأ.

دارت ضجة كبيرة حينما كشف العدو البريطاني عن إرسال طائرات تجسس ضد غزة. وبالطبع بريطانيا في قيادة هذا العدوان حتى قبل حصوله.  ولتعرف شاهد هذا الفيديو وأدناه تلخيص له. فرئيس وزراء بريطانيا في الأربعينات تشرسل يعتبرنا: كلاباً!

هذا الفيديو عن رئيس وزراء بريطانيا في الأربعينات ونستون تشرشل كما ورد في كتاب بعنوان

Winston Churchill: His Times and Crimes, 2022

 طارق علي وهو مفكر بريطاني من أصل باكستاني، وهو يساري من التروتسكيين غير الملوثين بالصهيونية. يفضح في الفصل بعنوان”تشرشل واليهود” من ص 357 فما بعد ” … موقف تشرشل العنصري والمتكبر والوقح تجاه الفلسطينيين حيث يراهم ك غير بيض ويبرر طردهم من أرضهم وبأن السوريين واللبنانيين والعراقيين والفلسطينيين يحتاجون انتدابا حتى يُهيؤوا للحكم الذاتي. ولأن فلسطين  ليست فارغة وحتى تصل حكم ذاتي يجب وضعها تحت انتداب بريطانيا وفرنسا وتٌقسم إلى وطن جديد لليهود وإلى فلسطين لأن العرب جنس دنيء مقارنة بالغرب، ويضيف بأن العربي  والفلسطيني كالكلب الذي يجلس تحت شجرة المانجا وأنا لا أوافق  بأن اضطجاع الكلب لزمن طويل تحت المانجا بأن له حقاً فيها، بل لا ارى ان شيئا سيئا حصل  للهنود الحمر او للأصليين في استراليا “

.وكان تشرشل قد كتب في صحيفة هيرالد تربيون عام 1920 بأن “الشعب المختار اليهود افضل شعب خلق على الأرض”.

يضيف طارق علي بأن كاتبة يهودية كتبت في بداية التسعينات بأن أرض فلسطين مستغلة بالكامل وبأن غير المستغل هي المناطق الجبلية التي لا يمكن استغلالها، بينما بعده ببضع سنوات وضع ثيودور هرتسل  وغيره مزاعمهم بأن فلسطين خالية .

يضيف طارق علي تساؤلاً : هل لا يذكر تشرشل تاريخ بريطانيا تجاه اليهود؟ فهي من أوائل الدول التي قتلت اليهود، فالملك هنري الثالث   1218 وضع قرار بوضع زي/لباس محدد على اليهود لمعرفتهم وتبع ذلك قتل 1000 يهودي منهم 500 في لندن وتمت مصادرة املاكهم وأموالهم فهربوا بعضهم إلى فرنسا والبعض إلى الاندلس تحت حكم العرب المسلمين وهناك شكلوا تجمعاً كبيراً وحراً  وشاركوا في كل مستوى في الدولة.

وربطاً بالمذبحة في غزة، يذكر من قدم الفيديو بأن طارق علي  لم يذكر اوامر تشرشل في الحرب العالمية/الإمبريالية الثانية بضرب المدنيين في برلين ومدن ألمانية وتم قتل مليون مدني، وبأن المانيا ردت بضرب لندن ومانشتير وإكزتر في بريطانيا.

إضافة: حينما كنت أُعد رسالتي في جامعة إكزتر/بريطانيا   حيث غادرت جامعة لندن لخصومة مع المشرف 1985، ذهبت إلى الداخلية البريطانية لتجديد إقامتي فأعطوني ورقة من 17 سؤال للإجابة عليها مضمونها معرفة إن كنت أشتغل كطالب أم لا. طبعاً كنت أشتغل حيث كنت أدرس على حسابي. سألت الصديق د. عزيز العظمة فنصحني أن أسأل محامي الجامعة. أخذت موعدا معه وأخذ سلفا 60 جنيه إسترليني ونصحني أن أكتب للداخلية بأنني اشتغل إذا كنت أشتغل. قلت له انا من حقي اشتغل وأعيش على حساب بلدكم.قال: لماذا؟ قلت هذا لا يساوي واحد من ترليون ترليون  من وطني الذي اغتصبتموه للكيان. فتح الرجل عيناه وقال…انت حر. كتبت رداً للداخلية بأن بوسعي الدراسة في جامعة New School of Social Research   لأن زوجتي تحمل جنسية امريكية  ولكن وصلني القبول  من جامعة لندن أولاً. فردت الداخلية بتجديد الإقامة. إذن بريطانيا عدو هكذا نرد عليها وبريطانيا ترتجف لمجرد ذكر سيدتها أمريكا، لكن الكلاب يا سيد تشرشل حكام 57 دولة عربية وإسلامية وليس العرب.

✺ ✺ ✺

بريطانيا ما زالت عدوا

 فهي تشارك في الحرب علناً

رشاد أبوشاور

لم تكتف بريطانيا بكّل ما فعلته بالشعب الفلسطيني، وما ألحقته به من آلام وعذاب وموت، منذ وعد- أو تصريح- بلفور وزير خارجية بريطانيا ( العظمى) آنذاك، عام 1917، للثري اليهودي الصهيوني روتشيلد، لمنح اليهود وعدا بوطن قومي لهم في فلسطين..وبتقسيم بلاد الشام بينها وبين فرنسا، ومن بعد بانتداب بريطانيا نفسها لاحتلال فلسطين، وبهدف بدأ مبكرا بالتكشّف، وهو إيجاد (دولة) يهودية في فلسطين تكون في خدمتها، لتمسك بقلب الوطن العربي، ولتضمن بقاء هيمنة بريطانيا على مصر، وبهذا تبعد خطر فرنسا وطموحاتها التي تكشفت في نداء نابليون عندما دخل فلسطين..لليهود بالقدوم لتأسيس دولة لهم على (أرض الأجداد)، ذلك النداء الذي فضح طموحات نابليون في الهيمنة على الشرق وطرد بريطانيا، مع إنه وبلفور بعده، لا يؤمنان بالتوراة، ولم يكونا متدينين، ولا يأبهان بغير مصالح الإمبراطوريتين المتصارعتين، من قبل ومن بعد.

اندثرت (أحلام) نابليون على أسوار عكّا البطلة، وتكرست هزيمته في سهوب روسيا وثلوجها وأمام بسالة الروس وجيوشهم، وطُردت بريطانيا وكنست معها طموحاتها من فلسطين بمقاومة عرب فلسطين، وبانقلاب الحركة الصهيونية عليهم، بمقاتلتهم وتعليق ضباطهم مشنوقين على الأشجار، وبالتفجيرات التي استهدفتهم، بحيث لم يعد أمامهم سوى الرحيل قبل15 من أيّار 1948 بعد أن مكّنوا الصهاينة من بناء مؤسسات ( دولتهم) القادمة والتي أعلن عنها بينما بريطانيا تنسحب من كل فلسطين، تاركة للعصابات اليهودية الصهيونية كل معكسرات جيشها وما تحويه من أسلحة وتجهيزات.

رغم كل ما فعلته بريطانيا بالشعب العربي الفلسطيني لم تعتذر عمّا فعلت، ولم تعترف للفلسطينيين بدولة، وتفضّلت على الفلسطينيين بمنحهم مكتبا في لندن لا يرتقي لمستوى سفارة!..ومن أسف فإن (القيادة) الفلسطينية تكتفي بهذا (التمثيل) الهزيل من الدولة التي تسببت بشكل مباشر بالنكبة الفلسطينية، ولم تتحمّل مسؤولية ما فعلت يومنا هذا!

..وتزيد حاليّاً على كل ما فعلته بشعبنا, وبقضيتنا، أنها تشارك علنا في الحرب الأمريكية ( الإسرائيلية) على شعبنا، وتحديدا في تدمير مدن وبلدات ومخيمات قطاع غزّة تدميرا شاملاً، وتدفن تحت الدمار ألوف الفلسطينيين، وفي مقدمتهم الأطفال والنساء والعُجّز، وبقنابل أمريكيّة يبلغ وزن بعضها 1000كلغ تدّك الأرض بهدف بلوغ أعماقها!

لقد أعلنت وزارة الدفاع البريطانية، أي وزارة الحرب، عن تسيير داوريات جوية فوق  قطاع غزّة وذلك بهدف البحث عن (المخطوفين) الذين تحتفظ بهم حماس، و..تحويل المعلومات للجهات المعنية بالمتابعة..يعني لحلفائهم في الحرب!

بريطانيا التي استحوذت أمريكا على دورها عالميا، بعد أن آلت من إمبراطورية إلى دولة (عظمى) بعد خسارتها لممتلكاتها التي كانت الشمس لا تغيب عنها، لا تتخلّى عن دورها الجوهري رغم أفول مجدها، فهي ترى في أمريكا امتدادا لها، وهي وأمريكا ثقافتهما الإستعمارية واحدة، ومصيرهما واحد، وصراعهما مع رافضي الهيمنة الأمريكية على العالم واحدة، و(إسرائيلهما) جزء من مشروع هيمنتهما على الشرق الأوسط، حيث الموقع الاستراتيجي، والنفط والغاز، والمواجهة مع روسيا والصين…

لقد أسهمت بريطانيا في (خلق) الكيان الصهيوني، ودورها في ترسيخ ذلك الكيان ونصرته في حرب ال48 غير خاف، فالجنرال غلوب باشا، قائد الجيش الأردني، سلّمهم المدن الفلسطينية، وسهّل عليهم ذلك بتوجيهه الأوامر بانسحاب الجيش الأردني من مدن: اللد، والرملة، وعدم تقديم العون للجيش المصري الذي وقع في الحصار في الفالوجة، واحتاج إلى أن يسهم الجيش الأردني في فك الحصار..ولكن الجنرال كلوب باشا رفض بحزم!

لقد رفض الضابط الأردني محمد حمد الحنيطي أمر الإنسحاب، وانضم إلى المدافعين عن مدينة حيفا، وتسلّم قيادة الحامية، وقاد الدفاع ببسالة عن حيفا حتى استشهاده رحمه الله.

يكتب المناضل الفلسطيني الكبير رشيد الحاج إبراهيم في كتاب (الدفاع عن حيفا وقضية فلسطين) الذي أعدّه وأشرف على إصداره المؤرخ الدكتور وليد الخالدي، الذي قدم له بمقدمة ضافية وافيه، وعلى لسان رشيد الحاج إبراهيم، واصفا رحلة البطل العربي الأردني، قائد معركة الدفاع عن حيفا: يوم 11/3/ 1948، وصل الحنيطي إلى دمشق، وأطلع مسؤولي اللجنة العسكرية هناك على الأوضاع..وفي يوم 17/ زوّد بكميات من الأسلحة..وتتحرك القافلة وكانت مكونة من سيارتي كميون، إضافة لسيارة القائد الحنيطي وحراسته، ومرّت ببيروت، ثم وصلت إلى عكا، وحاول وجهاء عكا أن يؤخروا سيرهم لعدم اطمئنانهم للطريق..ولكنهم رفضوا، و..تعرّضوا لكمين، واستشهد القائد الحنيطي، و..تمّ الاتصال بأسرته في شرق الأردن، ونقل إلى مسقط راسه حيث كرّم ودفن رحمه الله.( الصفحتان: 89 و 90)

ارتبطت خيانة بريطانيا لفلسطين وشعبها، وللعرب بعامة في صراعهم مع الكيان الصهيوني، وتحديدا في حرب 1948 وما نجم عنها من نكبة، بالجنرال كلوب باشا والضباط الإنكليز ودورهم في تلك الحرب الكارثية على العرب.

بعد سنوات تمّ طرد الجنرال كلوب من الجيش الأردني، ومن الأردن، ومعه الضباط الإنكليز، وتمّ الإعلان عن (تعريب الجيش) الأردني، ولكن صفحة خيانة بريطانيا للعرب وأقدس قضاياهم لم تنطو.

بعد سنوات شاءت الأقدار أن التقي بفارس كلوب، ابن كلوب باشا، المولود في القدس عام 1939، وفي تنظيم فلسطيني واحد يجمعنا، وعندما أسسنا جريدة( القاعدة) في بيروت،عام 1978انضم الرفيق فارس لأسرة تحرير الجريدة التي كنت أتراس تحريرها، وأخذ يزوّد الجريدة بمقالاته عن الصهيونية وعلاقات قادتها بالنازيين الألمان، وبجرائم أجهزة مخابراتها، بخاصة الموساد، وبأساليب تخريبها في حركات التحرر في العالم، في إطار ما تقدمه من خدمات للإمبريالية الأمريكية.

قدّم (الرفيق) فارس عددا من الكتب آخرها: (عيون إسرائيل) الذي صدر عن منشورات (القاعدة) عام 1981، والذي كرّس فصوله لفضح طبيعة (الصهيونية) وكيانها ونشاطاتها وعلاقاتها مع النازية إبان حكم هتلر، وفي خدمة الإمبريالية، وانحطاط أساليبها في ممارسة اغتيالات المناضلين الفلسطينيين، والتقدميين في العالم.

أكد لي الرفيق فارس مرارا وتكرارا أن والده لم يقبل بفكرة الاعتذار للشعب الفلسطيني عن دوره في نكبة 1948، بادعاء انه كان يخدم الإمبراطورية البريطانية!,,هذا مع العلم أننا لسنا بريطانيين- كما أكدّ لي فارس-  فنحن ننتمي لإيرلندا، ونشعر دائما بأن بريطانيا شوهت تاريخنا، واستتبعتنا لها نحن واسكتلندا وويلز…

بريطانيا لم ولن تعتذر لعرب فلسطين عن جرائمها، وعن العذاب الذي ما زالوا يعانونه، فهي تعيش بنفس عقليتها لاستعمار الشعوب، ولسرقة خيراتهم، وهي ترى في أمريكا ابنة لها وامتدادا، وهي لن تعوّض الفلسطينيين عمّا الحقته بهم..وهو فادح وغير مسبوق في تاريخ البشرية قديما وحديثا.

بريطانيا تمعن في التآمر على فلسطين القضية والشعب، ولن تتوب عن اقتراف جرائمها، وها هي تواصل دورها الإجرامي الشرير.

المؤسف حقا والمؤلم والمثير للغيظ أن (قيادة) الشعب الفلسطيني التي أغرقت قضيتنا في متاهات ندفع راهنا ثمنها، هي التي تقبل من بريطانيا ومن غيرها، فرنسا مثلاً صاحبة المفاعل النووي في ديمونة، ما يقدمونه رغم تفاهته، وتعتبره مكسبا..حتى أمريكا ارتضت هذه القيادة أن تكون ( وسيطا)! _وصف البروفسور رشيد الخالدي أولئك الوسطاء بانهم وسطاء الخداع في كتابه الذي لم يقرأه أبطال سلام الشجعان!!_ فهل نستغرب أن بريطانيا ترسل طائرات تجسسها فوق قطاع غزة لتلتقط الصور العميقة بحثا عن ( أسرى) وقعوا في أيدي أبطال مقاومة الشعب العربي الفلسطيني، من كتائب القسام وسرايا القدس وإخوانهم!

ضبّاط بريطانيا يشاركون مع الضبّاط الأمريكيين والفرنسيين والألمان والإيطاليين في غرفة عمليات واحدة، موجودة في تل ابيب ولها فرع قرب غزّة، مهمتها تقديم المعلومات عن كل ما يتعلّق بالمقاومة الفلسطينية..وكأن هذه الدول الاستعمارية المجرمة قديما وحديثا تخوض حربا عالمية تستهدف الشعب العربي الفلسطيني ومقاومته الباسلة!

آن لنا أن نعيد تعريف من هو الصديق بالنسبة لنا، ومن هو العدو، فمن العار، فضلاً عن الخسران المبين، أن يواصل تضليلنا من هم في موقع القيادة ..بعد سنوات الفشل الممتدة من أوسلو 13 أيلول 1993 وحتى معركة شعبنا الملحمية المجيدة، معركة طوفان الأقصى.

*تزوّج (الرفيق) فارس من فتاة فلسطينية من مخيم شاتيلا، وأنجبا بنتين، كبرتا، وهما تعيشان حاليا في بريطانيا بعد وفاة والدهما. ترى كيف يشعر الجنرال جون باجوت كلوب وهو في قبره، وهو يسمع هتافات حفيدتيه الفلسطينيتين صراخهما ضد الكيان الصهيوني، وضد جرائم بريطانيا في فلسطين، وتسيران على هدي سيرة والدهما المناضل التقدمي الفلسطيني الذي عاش ورحل وهو يباهي بأنه ولد في القدس عام 1939 قبل ولادة الكيان الصهيوني الذي أوجدته بريطانيا ؟!

*انتقل الرفيق فارس إلى قبرص بعد مغادرة بيروت، ومنها انتقل إلى الكويت حيث واصل عمله الإعلامي، وقد تعرّض لحادث سير، أحسب أنه مُدبّر، فالصهاينة لن يغفروا له فضحه لعلاقة قادتهم بالنازية، ومسلسل جرائم( الموساد) فلسطينيا وعالميا، ناهيك عن دوره في الأممي في الثورة الفلسطينية.

✺ ✺ ✺

الحرب على غزّة: رسمياً، بريطانيا شريك كامل بالإبادة الجماعيّة

سعيد محمد

اعترفت وزارة الدّفاع البريطانية بمشاركتها فعلياً بالحرب التي تشنها الدّولة العبريّة على غزّة. وقال بيان رسمي صدر عن الوزارة إن طائرات استطلاع (غير مسلحة) تابعة لحكومة جلالة الملك تحلّق في سماء القطاع – الذي يتعرض لعدوان إسرائيلي شرس – لأغراض جمع معلومات استخباريّة، وأن المعطيات بخصوص (الرّهائن) الإسرائيليين الذين قد يكونون في حوزة حركة (حماس) يتم إرسالها إلى الجيش الإسرائيلي. لكن خبراء متخصصين برصد الأنشطة السريّة للأجهزة العسكريّة والأمنية البريطانية قالوا إن ذلك ليس سوى قمة جبل جليد الدّور البريطاني في تنفيذ الإبادة الجماعيّة التي يتعرّض لها الفلسطينيون في غزّة.

سعيد محمّد – لندن

بينما يتظاهر مئات الآلاف من البريطانيين أسبوعياً للمطالبة بوقف فوريّ لإطلاق النار في غزّة، اضطرت الحكومة البريطانيّة أخيراً إلى الإعتراف بدور لها مباشر في العمليّات العسكريّة التي تجري ضدّ القطاع.

وقال بيان رسميّ صدر عن وزارة الدّفاع في لندن إن مجموعة طائرات إستطلاع غير مسلحة تابعة لها من طراز شادو-آر 1  وغيرها تحلّق في سماء غزّة ومحيط (إسرائيل) شرقي البحر الأبيض المتوسط، وذلك لجمع معلومات استخباريّة. وقالت الوزارة إن أي معطيات تتوفر لها حول أماكن يحتمل أن حركة (حماس) تستخدمها للاحتفاظ بالأسرى تتم مشاركتها مع الجيش الإسرائيلي. وشدد البيان على أن (شادو-آر 1) – التي تعد من أكثر طائرات التجسس العسكريّ تعقيداً في العالم – غير مزودة بالأسلحة، وليس لها دور قتالي، وأن المعلومات التي تحصل عليها في غير مسألة (الرهائن) لا يتم نقلها إلى أطراف ثالثة.

وكانت الحكومة البريطانية قد أعلنت بعد أسبوع من هجوم السابع من أكتوبر عن نشر وحدات عسكريّة مقاتلة شرقي البحر المتوسط “لدعم (إسرائيل)، وتعزيز الاستقرار الإقليمي، ومنع اتساع رقعة الحرب”. ومن المفهوم أن ذلك يعني أساساً ردع حزب الله اللبناني عن الانخراط في مواجهة شاملة مع الإسرائيليين.

وبحسب المصادر الرسميّة فإن تلك الوحدات تضمنت وحدات من جنود مشاة البحريّة الملكيّة، وسفينتين حربيتين، وعدد من طائرات الهيليوكبتر، ومعدات الاستطلاع الاستخبارات، بما في ذلك طائرات بوينغ (بي-8 بوسايدون)، و(شادو-آر 1).

وكان جرانت شابس، وزير الدّفاع البريطانيّ الجديد قد أعلن الخميس الماضي عن توجه المدمّرة البريطانيّة إتش إم إس داياموند 45 إلى المنطقة أيضاً بهدف “ردع تهديدات محتملة من إيران، أو جماعات مدعومة منها”.

لكن خبراء متخصصين برصد الأنشطة السريّة للأجهزة العسكريّة والأمنية البريطانية قالوا إن هذه الأدوار المعلنة لقوات جلالة الملك في إطار الحرب على غزّة  ليس سوى قمة جبل جليد دور بريطاني قذر في تنفيذ الإبادة الجماعيّة التي يتعرّض لها الفلسطينيون في غزّة. ويُقسم منسوبو الجيش البريطاني والأجهزة الأمنيّة بالولاء للملك – لا للبلاد – الذي يعتبر القائد الأعلى للقوات المسلحة، ما يورّط السلالة البريطانية الحاكمة مباشرة في جرائم حرب ضد الإنسانية ذهب ضحيتها إلى الآن أكثر من عشرين ألف شهيد، وضعفهم من الجرحى، غالبيتهم السّاحقة من السكان المدنيّين في القطاع المحاصر.

ويقول تقرير نشره موقع يو كيه كلاسيفايد إن وثائق سريّة مسربة كشفت انخراط القوات البريطانيّة المتمركزة في جزيرة قبرص بشكل كثيف في أنشطة التخطيط والتجسس والعمليّات العسكريّة التي تنفذها القوات الإسرائيلية ضد غزة، وأن تبادلاً لحظيّاً للمعلومات يتم بين الجانبين، إضافة إلى تقديم قاعدة عمليّات متقدمة في المنطقة لجواسيس المخابرات الأمريكيّة.

وتحتفظ الولايات المتحدة في قبرص بأربعة مواقع للتجسس تابعة لها – يسمح للإسرائيليين بالإستفادة منها – تتولى مهام مراقبة المكالمات والنصوص ورسائل البريد الإلكتروني من جميع أنحاء العالم العربيّ (الشرق الأوسط وشمال إفريقيا). ومع ذلك، تقول الوثائق، بأن الأمريكيين يعتبرون القواعد البريطانيّة هناك بمثابة الأصول الأهم لعمليّاتهم في دعم الكيان العبري استخبارتياً عبر منطقة الشرق الأوسط.

ومن المعروف أن القواعد العسكريّة البريطانيّة في قبرص – التي تحتل حوالي 3 بالمائة من مساحة الجزيرة – تقع على بعد حوالي 200 ميل فقط إلى الشمال الغربي من قطاع غزّة، وتعد، وفق المراقبين، أهم منشآت الاستخبارات البريطانيّة خارج المملكة المتحدة. وتستضيف هذه القواعد مرافق لوكالة الأمن القومي الأمريكي (إن إس أيه)، إلى جانب مرافق لمنظمة التنصت السريّ البريطانية (جي سي إتش كيو) وتحتفظ كلاهما بعلاقة تقنية وتحليلية بعيدة المدى مع الوحدة الوطنية الإسرائيلية للتنصت (آي إس إن يو)، وتتبادل المعلومات معها بشكل لحظيّ بشأن معطيات الرّصد، كما اللّغة، وتحليل البيانات الأمنية”.

لكن التورّط العسكريّ البريطاني في الحرب على غزّة يتجاوز فيما يبدو عمليات الرصد والرّدع. وأظهرت وثائق رسميّة رفعت عنها السريّة أن طائرات نقل عسكريّة بريطانيّة ضخمة نفّذت بالفعل عشرات الرّحلات انطلاقاً من قبرص باتجاه تل أبيب منذ هجوم السابع من أكتوبر. ورغم اعتراف لندن بتلك الرّحلات التي كشفت عنها صحيفة هآرتس الإسرائيليّة الصادرة باللغة الإنجليزية، إلا أنّها رفضت – أقله حتى الآن – تحديد نوعيّة القوات التي يتم نقلها، أو ماهية المعدات التي يتم تسليمها للجانب (الإسرائيلي). وليس سراً أن طائرات استطلاع أمريكيّة متطورة تحلّق بدورها فوق غزّة انطلاقاً من القواعد البريطانية في قبرص، كما تعتبرها القوات الأمريكيّة بمثابة نقطة تجميع لوجستي لأسلحة تنقلها طائراتها من مختلف القواعد الأمريكيّة حول أوروبا، قبل تسليمها للدولة العبريّة. ورفضت وزارة الدّفاع البريطاني بشكل ممنهج كل المحاولات للحصول على معلومات حول طبيعة تلك الرّحلات التي تقوم بها الطائرات الأمريكيّة منذ ما يقارب الشهرين، لكن معلومات نقلت عن مسؤول بريطاني أشارت إلى أن تلك الطائرات تتبع أوامر وزارة الخارجية الأمريكيّة، ومختلف أسلحة الجيش الأمريكي، إضافة إلى جهات رسميّة أخرى – في تلميح إلى وكالة الاستخبارات المركزية -.

ويقول موقع يو كيه كلاسيفايد أن 129 طياراً عسكريّاً أمريكياً يرابطون بشكل دائم في القاعدة العسكريّة البريطانية في منطقة أكروتيري، حيث تنطلق كافة عمليّات القصف التي تقوم بها طائرات أمريكيّة في منطقة شرق المتوسط، كما يتمركز فيها سرب طائرات استطلاع تجسسي أمريكيّ بشكل دائم، فيما تتواجد مواقع التنصت والرصد الإلكتروني الأمريكي في قبرص داخل مناطق عسكريّة مغلقة تعتبر خاضعة للسيادة البريطانية، ولا سلطة لحكومة نيقوسيا عليها. وتمتلك بريطانيا مواقع تنصّت ورصد خاصة بها، أهمها يقع على قمّة أولمبوس في سلسلة جبال ترودوس – الأعلى في قبرص -، ويغطي دائرة واسعة تشمل سوريا ولبنان ومصر وتركيا وإيران وصولاً إلى زامبيا جنوباً. ويتبادل (أولمبوس) المعطيات الاستخباراتية مع الجانب الإسرائيلي، بما في ذلك المعلومات الخام، والتقارير التحليلية، والتحديثات اليومية”. ويبدو أن تعاون الأصول البريطانيّة في الجزيرة مع الجانبين الأمريكي والإسرائيلي توسّع، في ضوء التطورات الأخيرة، ليشمل منظمات استخباراتية أخرى مثل وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، وجهاز المخابرات الإسرائيلي (الموساد). ويتكهّن مراقبون بأن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية تدير عملياتها في قبرص من داخل القواعد العسكريّة البريطانية.

وكانت بريطانيا قد احتفظت بعد خروجها من فلسطين تمهيداً لقيام الدّولة العبرية عام 1948 بموطىء قدم لها في قبرص – وهي جزيرة مقسّمة يبلغ عدد سكان الجزء الملتحق منها بالاتحاد الأوروبي نحو مليون نسمة، فيما يقيم في القسم الذي تحتله تركيا شمالاً حوالي 300 ألف شخص -. 

القواعد العسكريّة البريطانيّة – التي فرض وجودها على القبارصة حتى اليوم رغم وهم الاستقلال الشكليّ – استخدمت خلال عدوان 1956 على مصر حيث أقلعت منها الطائرات البريطانية والفرنسيّة المتوجه نحو القنال. وتآمرت بريطانيا لقمع كل محاولات وحدة الجزيرة مع اليونان، وحاربت الشيوعيين بضراوة لافتة، ويعتقد بأنهم شجعوا الأتراك على تنفيذ احتلالهم الآثم للجزء الشمالي منها عبر الايحاء لأنقرة بوجود تهديد لأمن الأقلية القبرصيّة الناطقة بالتركيّة، ما يضمن استمرار ضعف حكومة الجزيرة، واستمرار اعتمادها على البريطانيين.

وقد دأبت لندن على توظيف القواعد في قبرص ليس فقط للتجسس الكثيف على منطقة الشرق الأوسط برمتها، بل وأيضاً كرأس جسر للعمليات العسكريّة بما في ذلك نقل القوات والأسلحة والمعدات والوقود إلى قواتها وقوات أخرى صديقة – لا سيما الأمريكية – خلال الحروب في المنطقة ودون إخطار المسؤولين القبارصة. وهناك معلومات مؤكدة حول انطلاق طائرات أمريكية وبريطانية منها خلال العدوان على العراق، ولاحقاً في عمليات ضد سوريا ولبنان، كما مهام المراقبة والتزود بالوقود الجوي لسلاج الجو الملكي البريطاني أثناء حرب حلف شمال الأطلسي (الناتو) ضد ليبيا في عام 2011، وتزودت رحلات الشحن التابعة لشركة بي أيه إي سيستمز البريطانية بالوقود منها أسبوعياً بينما كانت تحمل قطع الغيار الأساسية للطائرات المقاتلة السعودية التي كانت تنفّذ قصفاً وحشيّاً ضد المدنيين في اليمن.

هذا وقد أعرب الرئيس القبرصيّ نيكوس خريستودوليديس عن صدمته من استخدام أراضي بلاده في عمليات نقل الأسلحة إلى الكيان العبري كما أدانها زعيم القبارصة الأتراك إرسين تتار، وكذلك نائب في برلمان الجزيرة عن حزب أكيل اليساريّ الذي عبّر عن اشمئزازه من توريط بلاده – من خلال القواعد البريطانية – في حرب الإبادة الجماعيّة التي تنفذها إسرائيل ضد الفلسطينيين في غزّة. ولكن الجمهوريّة مقيّدة مع ذلك بعدة اتفاقات دولية تمنعها من اتخاذ إجراءات عمليّة ضد طبيعة استخدام القواعد، ما يترك الهامش الوحيد الممكن للحركة في يد جماهير الشعب القبرصي، التي اكتفت إلى الآن بتظاهرات رمزية متعاطفة مع الفلسطينيين في العاصمة نيقوسيا، ولم تجروء على الإقتراب من القواعد البريطانية.

نشر هذا المقال في صفحة الدّوليات بجريدة الأخبار اللبنانية عدد الخميس 07 ديسمبر 2023

:::::

موقع “الثقافة المضادة”، December 6, 2023

http://counterculture1968.com

الثّقافة المضادّة – لن يمرّوا: مقالات في السياسة والثقافة

________

تابعونا على:

  • على موقعنا:
  • توتير:
  • فيس بوك:

https://www.facebook.com/kanaanonline/

  • ملاحظة من “كنعان”:

“كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو محرري نشرة “كنعان” الإلكترونية أو تبنيهم لهذه الآراء والمواقف.

ومن أجل تنوير الناس، وكي يقرر القارئ بنفسه رأيه في الأحداث، ونساهم في بناء وعيً شعبي وجمعي، نحرص على اطلاع القراء على وجهات النظر المختلفة حيال التطورات في العالم. ومن هنا، نحرص على نشر المواد حتى تلك التي تأتي من معسكر الأعداء والثورة المضادة، بما فيها العدو الصهيوني والإمبريالي، وتلك المترجمة من اللغات الأجنبية، دون أن يعبر ذلك بالضرورة عن رأي أو موقف “كنعان”.

  • عند الاقتباس أو إعادة النشر، يرجى الاشارة الى نشرة “كنعان” الإلكترونية.
  • يرجى ارسال كافة المراسلات والمقالات الى عنوان نشرة “كنعان” الإلكترونية: mail@kanaanonline.org