حركـات الاحتجاج الاجتماعي والأصـول التاريخيـة والفكريـة لليسـار العربي، أ.د. أحمد محمد البغدادي

  • جماعـات الصـعاليك ” فى العصـر الجاهلي نموذجـا

عرفت المجتمعات القديمة ظاهرة الاحتجاج والنزوح الجماعى؛ التى يقودها المحرومون من حقوقهم السياسية والمدنية. عرفتها مدينة أثينـا قديما؛ قبل أن تشهدها مدينة روما. وعلى سبيل المثال: احتشد الأفراد من طبقة العامة؛ وقرروا النزوح من روما إلى الجبال المُقدسة التى تحيط بها. وأجبروا طبقة الأشراف على التفاوض؛ وحصلوا على قانون مكتوب؛ أقر لهم ببعض الحقوق فى العام 449 ق.م. واختتم العامة جولات نضالهم بقانون ضمن لهم ما تبقى من المساواة الحقوقية فى العام 287 ق.م. وفى هذا المقال نتساءل: عن حركات الاحتجاج والنزوح الجماعي فى جاهلية العرب؛ أى قبل ظهور الإسلام وانتشاره. وموقع جماعات الصعاليك من تلك الحركة؛ والنتائج التى تمخضت عنها حركتهم.

 (1)

كانت القبيلة العربية فى جاهليتها فئتين من السكان؛ إحداهما ” أهل المَـــدَر ” من المزارعين والتجار وأصحاب الحرف. وهم الذين استقر بهم المقام فى قبيلتهم؛ واتخذوا من المَدر ـ أى الحجارة والطين ـ سكنا. والفئة الثانية هى: ” أهل الوَبَـــر ” وأغلبهم من الرعاة أو البدو الرُحَّل؛ الذين اتخذوا بيوتا من الوبر أو الصوف. وكما تلاحظ: كان ذلك التقسيم يعتمد على توزيع الثروة؛ ونمط الحياة داخل القبيلة.

وكانت هناك أكثر من طريقة؛ يحصل بها الفرد على القرار أو الإقامة المُعتادة؛ في قبيلة أخرى غير قبيلته الأصلية. وأهم تلك الطرق: أن يدخل الفرد في جوار فردٍ آخر: وبالتالي فإنه يصبح في حمايته. وينشأ ذلك الجوار عن طريق الضيافة؛ وقد يستند إلى الاستجارة. وتتحقق الاستجارة عندما يلجأ الفرد إلي غيره؛ يطلب من حمايته. وكان يترتب علي علاقة المُصـاهرة: نشأة واجب الحماية؛ تلتزم بمُقتضاه أسرة الزوج؛ بالدفاع عن أسرة الزوجة. وكان يترتب علي وجود حِلف أو معاهدة بين قبيلتين: أن يتمتع أفراد القبيلة بالحماية داخل القبيلة الأخرى. وقد ينعقد الحِلف أو العهد بين شخصين؛ ويترتب عليه التزام كل منهما بحماية الآخر؛ بل ونشأة الحق في الإرث بينهما.

بالطبع كان الطلب الأول للمُستجير هو الحصول على الحماية. غير أن المُستجير قد يرغب فى السماح له بأمر آخر؛ بجانب التمتع بالحماية. وهو الحصول على نسب القبيلة التي لجأ إليها مُستجيرا. وهو الطلب الذي كان يفترض تنازله عن نسبه الأصلي والحقيقي. ويحمل المُستجير ـ عندئذ ـ النسب القبلي الجديد؛ ويدخل ـ بالتالي ـ في حماية القبيلة الجديدة التي اكتسب نسبها.

 (2)

سنبدأ من اللحظة التى كان يتم السماح عندها للفرد؛ بالإقامة المُعتادة فى القبيلة. عند تلك اللحظة: فإنه كان يدخل ضمن الفئة التى عُرفت بـ ” المَوالـى “. وبِناءً على ذلك الوصف: كان يتحدد مركزه الاجتماعي؛ والحماية القانونية التى يحصل عليها داخل القبيلة. من ناحيةٍ أولى: كان المَولى يحصل على الحد الأدنى من الحماية؛ على نفسه وأهله وأمواله. ومن ناحية ثانية: فإنه كان يلتزم بالدفاع عن القبيلة التي منحته الحماية؛ وذلك إذا خرجت للحرب. وأخيرا: كان عليه أن يلتزم بعدم الاعتداء على غيره. وكان الوفاء بذلك الشرط ضمانةً أساسية؛ لاستمرار الحماية وما يترتب عليها من آثار.

غير أنه ينبغي ملاحظة: أن نظام المَوالي كان الغرض منه استيعاب الأفراد داخل النظام القبلي؛ واخضاعهم إلى السلطة الناشئة عن ذلك النظام. كان النظام القبلي يقوم على العصبية والتضامن بين أفراد القبيلة. ولذلك فإنه لم يكن يمنح الأفراد ـ الذين تم السماح لهم بالتوطن ـ جميع الحقوق التي يتمتع بها أبناء القبيلة الأصليين. لدينا إذن فرصة ثمينة؛ للتعرف على التقسيم الاجتماعي داخل القبيلة العربية. وما كان يعكسه ذلك التقسيم من تمييز اجتماعي وحقوقي بين جماعات القبيلة المختلفة:

1) فى مُقدمة تلك الجماعات ” الصُــرحاء“: الذين كانوا يتمتعون بجميع الحقوق مُقارنةً بغيرهم. ويُقصد بالصُرحاء: أبناء القبيلة الذين يجمعهم وحدة النسب والأصل. وذلك لأنهم كانوا يتفرعون من الجد الأعلى للقبيلة. وغالبا ما كانت القبيلة تتخذ اسمها من الاسم أو اللقب الذى اشتُهر به ذلك الجد الأعلى.

2) ومن بعدهم يأتي ” الأَفنـــاء “: وهم الأفراد الذين يتمتعون بعلاقة القرابة مع الصُرحاء أبناء القبيلة الأصليين. غير أنهم كانوا أقل مكانةً ومركزا من الصُرحاء. وذلك بسبب أمرين؛ أولهما: تباعد القرابة بينهم وبين الصُرحاء. أما الأمر الثاني: فهو تدنى أحوالهم الاقتصادية ومكانتهم الاجتماعية؛ مُقارنةً بأقاربهم من الصُرحاء.

3) ومن بعدهم ” المَوالـي”: وكان أفرادها ـ بوجه عام ـ أقل مرتبة من الصُرحاء والأَفناء؛ من جهة التمتع بالحقوق. ويدخل فى المَوالي: ” المُستجيرين ” الذين حصلوا على جوار أو حماية القبيلة؛ وتم السماح لهم بالإقامة فى القبيلة؛ كما أشرنا إليهم من قبل. وتشمل ـ أيضا ـ ” العُتقاء “؛ وهم العبيد الذين حصلوا على حريتهم؛ مع ملاحظة قلة عددهم فى القبيلة العربية بوجه عام. ويدخل فى المَوالي: ” الخُلعـاء ” الذين طردتهم قبائلهم بسبب جرائمهم؛ ولجأوا بعد طردهم إلى قبيلة أخرى؛ بهدف الإقامة والتوطن فيها. ويلحق بالموالى أخيرا: ” الحُنفـاء ” الذين هجروا قبائلهم الأصلية؛ بسبب عقائدهم وأفكارهم الدينية. وطبقا لروايات المؤرخين العرب: كان أغلب الحُنفاء من الموحدين؛ الذين ينسبون ديانتهم إلى النبى إبراهيم عليه السلام. ولذلك كان من الطبيعي أن تتنافر أفكارهم وعبادتهم؛ مع عقائد الوثنية العربية وشعائرها الدينية.

4) ويقبع ” العبيـد في أسفل التقسيم الاجتماعيوهؤلاء كان يتم معاملتهم معاملة ” الأشـياء “. ومعنى ذلك: أنهم كانوا مَحلا للبيع والاستبدال والهبة… وكان يترتب على وضعهم القانونى المُتدنى: حرمانهم من أغلب الحقوق التي كانت تتمتع بها الجماعات الأخرى، من الصرحاء والأَفنـاء والمَوالـي.

 (3)

كانت ممارسة السلطة داخل القبيلة حكرا على الصرحاء؛ وبالتحديد أبناء القبيلة الأصليين؛ الذين يتمتعون بالنفوذ بسبب ثروتهم ونسبهم. ولقد كشفت المُمارسات السياسية عن فكرتين؛ الأولى: أن سيد القبيلة ـ أو زعيمها ـ كان يتحمل مجموعة من الواجبات تجاه أفراد القبيلة:

1) كان يجب على “سيد القبيلة ” : القيام بواجب القيادة فى الحرب ـ فداءالأسرى ـ نُصرة المظلوم ـ ضيافة الغُرباء.

2) ولم يكن سيد القبيلة: يتقاضى مُرتبا أو ميزة مالية مُنتظمة؛ مُقابل زعامته للقبيلة. كانت ميزته الوحيدة: هى الحصول على رُبع ” الغنيمة “. وكما نلاحظ: ارتبطت الميزة المالية التى يظفر بها سيد القبيلة بشرطين. أولهما: قيادة قبيلته فى الحرب؛ أو تقديم الرأى والمشورة فيها. والشرط الثانى: أن تنتهي الحرب بانتصار القبيلة؛ وحصولها على الغنائم من عدوها.

أما الفكرة الثانية التى كشفت عنها المُمارسات السياسية: فإنها كانت تتعلق بطريقة اتخاذ القرار فى الشئون العامة للقبيلة؛ ونقصد بها مسائل السلم والحرب والتجارة ... كانت المُشاركة السياسية ـ كما أشرنا من قبل: حِكرا على أكثر الأسر ثروة وأعلاها نسبا؛ من بين أبناء القبيلة الأصليين. ولقد اعتاد هؤلاء على الاجتماع فى أماكن بعينها؛ كانوا يطلقون عليها اسم “النادي “. كان لكل قبيلة ناديها العام؛ ولكل فرعٍ من القبيلة مُنتداه الخاص. وفى تلك المُنتدَيات كان يتم إعلان الحرب؛ والإقرار بالمعاهدات والأحلاف؛ وتنظيم الأمور التى تتعلق بقوافل التجارة.

وهكـذا يمكـن القـول: 

إن تنظيم السلطة كان ينطوي على مجموعة من التناقضات. كان يُنظر للمناصب القبلية باعتبارها واجبا قبليا وخدمة عامة؛ وليست سبيلا لاكتساب الوجاهة والمال. بينما كانت تلك المناصب حكرا على أصحاب الثروة والنفوذ الاجتماعي. وكانت مُمارسة السلطة تنطوي على ِشكل من أشكال الديمقراطية المُباشرة. غير أنها كانت ديمقراطية مُغلقة؛ تحرم الأقل نفوذا من الحق فى المُشاركة السياسية. 

 وفـى ظـل الأوضـاع المعيشيـة القاسـية: 

فقد ساد قانون القوة؛ فى العلاقة بين الأفراد والأسر؛ أوبين القبائل بعضها البعض. ولذلك لم يتم الاعتراف بالحق فى الميراث للمرأة؛ لأنها لم تكن مُكلفة بالخروج للثأر أو الاحتشاد للحرب. وهكذا يمكننا ـ طبقا لمصطلحات عصرنا ـ وصف الديمقراطية القبلية ونظام الحقوق أو المواطنة فيها 

· أولا ـ ومن المنظور الطبقي: كانت ديمقراطية ومواطنة النخبة أو الصفوة 

· ثانيا ـ ومن المنظور الجنسي: كانت ديمقراطية ومواطنة الرجال؛ القادرين على القتال 

 (4)

من الطبيعي إذن أن تمهد تلك التناقضات القبلية؛ إلى ظهور بعض أشكال الاحتجاج السياسي والحقوقي. وأن تكشف تلك الاحتجاجات ـ بمرو الوقت ـ عن أزمة النظام القبلي العربى قبل الإسلام. من بين أشكال الاحتجاج يمكننا أن نرصد ظاهرة النزوح الجماعي من القبيلة العربية. وبالتحديد هجرة البعض من قبائلهم؛ بسبب الاحتجاج على أوضاعهم السياسية والاجتماعية فيها. وهى الظاهرة التي تشير للعلاقة التاريخية بين الحق فى الكرامة؛ وبين فكرة الانتماء للمجتمع.

لم تخلو الحياة العربية ـ فى جاهليتها ـ من هؤلاء الذين هجروا قبائلهم؛ بسبب حرمانهم من المُشاركة فى أمورها العامة؛ أو الانتقاص من حقوقهم. أو بالنظر إلى أفكارهم الدينية التى كانت تتعارض مع ديانة القبيلة وشعائرها. من هؤلاء من كان يلوذ ببعض القبائل؛ يستجير بها طلبا للحماية والإقامة فيها. ولقد ضربنا بهم مثلا؛ عندما أشرنا من قبل إلى كُلٍ من: الخُلعَاء والحُنفَاء.

أما البعض الآخر من المحرومين والمُحتجين: فإنه كان ينطلق خارج النظام القبلي القائم؛ ويؤسس تنظيمه الاجتماعي المستقل. ومن هذه الزاوية: تُعتبر جماعات ” الصعاليك ” المثال الأكثر وضوحا؛ على حركات الاحتجاج الجماعي قبل الإسلام. نشأت حركة الصعاليك على يد هؤلاء النفر الذين انحط بهم وضعهم الاجتماعي؛ ولم يحظوا بسبب ذلك بالمُشاركة فى شئون قبيلتهم. وقد قرر هؤلاء هجرة قبائلهم؛ والحياة داخل جماعات خاصة بهم. لم يكن ينقص هؤلاء القدرة على حمل السلاح؛ ولم تكن تعوزهم الشجاعة والكرم والوفاء. وهى جملة الخصال التي كان يزهو بها العرب فى جاهليتهم؛ على غيرهم من الأمم. غير أنها لم تكن لتشفع لهؤلاء الذين كانوا يفتقرون للثروة والنسب داخل قبائلهم؛ ولم تكن لتسمح بدمجهم فى ديمقراطية النخبة ومواطنة الصفوة.

 (5)

هذا عن أصل ظاهرة الاحتجاج الجماعى لدى العرب فى جاهليتهم؛ ولكن ماذا عن النتائج والآثار المُترتبة عليها؟

ينبغي الاعتراف بأن ظاهرة النزوح الجماعي: لم تكن بذلك الاتساع الذى قد يتخيله البعض. وذلك بالنظر إلى قلة الفروع والعائلات النازحة؛ والعدد المحدود للأفراد الذين كانوا ينتمون إليها. ولذلك لا ينبغي المُبالغة فى أثر حركات الاحتجاج الجماعية؛ على التنظيم الاجتماعي والسياسي؛ الذي عرفته القبيلة فى جاهلية العرب 

وبمعنى آخر: لم تنتهي تلك الحركة بالتفاوض بين النازحين وسادة القبائل؛ ولم ينتهى الأمر بانتصار حقوقي؛ يظفر فيه المحرومون بالمساواة فى الحقوق السياسية والمدنية. ولم يؤسس النازحون لنظام اجتماعي؛ يضمن لهم البقاء فى جماعاتهم والاستمرار فى احتجاجهم. وإنما على العكس من ذلك؛ اعتمد الصعاليك على السرقة؛ واتخذوا من غارات السلب والنهب وسيلةً للحصول على أرزاقهم. بالطبع كان الصعاليك يستهدفون أموال الصفوة؛ أصحاب الثروة والنفوذ فى قبائلهم. غير أن السرقة بهذا المفهوم كانت عرفا قديما؛ توارثه النظام القبلي العربي. وطبقا لأعراف القبيلة: كان يُشترط ـ للعقاب على السرقة ـ أن تقع على أموال خاصة بأحد أفراد القبيلة. ولذلك كانت السرقة سلوكا مباحا؛ إذا ما وقعت على فرد ينتمي إلى قبيلة أخرى 

ولولا بعض الآثار الأخرى التي تمخضت عن الصعاليك: لقيل إنها بدأت بالاحتجاج وانتهت بالهجرة. نقول ذلك بالنظر إلى خلاصة حركتهم؛ وكيف كانت تحمل بذلك بذور تناقضاتها؛ ومُقدمات نهايتها. وبالنظر إلى خاتمتها والتي تمثلت فى جماعات ضعيفة؛ حبلها السري يمتد إلى قبائلها الأم؛ ويستمد من أعرافها سبل الحياة. ويمكن القول: إن الأثر الذي خلفته حركة الصعاليك يكاد ينحصر فى بعض التقاليد الحربية؛ التى نشأت عن غاراتهم؛ وانتقل تأثيرها إلى سائر العرب. إضافةً إلى آثارهم الأدبية والشعرية والفكرية. وحسبُك أن تلاحظ جذور الفكر العربي فى مجال المساواة الاجتماعية.

بالنظر إلى المبادئ التي قررها الصعاليك؛ خلال نزوحهم وهجرتهم. وفى مقدمة تلك المبادئ: قسمة أقواتهم وشرابهم فيما بينهم بالسَوية؛ وكفالة احتياجات الضعفاء والمرضى منهم 

وهكذا ـ وفى تلك البيئة الصحراوية الشحيحة والقاسية ـ كان بعض الأفراد يهبون حياتهم؛ دفاعا عن قضية المساواة. وكان بعضهم يبذل حياته بذلا؛ لاستنقاذ أخيه من الحاجة؛ وكفالته فى مرضه؛ وحمله فى شدته. وكانوا جميعا ينشدون الحياة والحق فى الكرامة. وفى ذلك الإطار يحتل زعيم الصعاليك وشاعرهم ” عروة بن الورد ” مكانته بين المُناضلين الأُوَل فى المجتمعات العربية. وهو القائل: 

أقسـم جسمي فى جسـومٍ كثيـرة 

وأحسـو قـراح المـاءِ والمـاءُ بـاردُ 

::::

موقع “اشتباك”

_________

ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….