أعادت موقعة 7 تشرين الأول ديالكتيك الوعي الجمعي الشعبي العربي بل والعالمي ليقف على قدميه بعد أن وقف على رأسه لعقود ” مقولة ماركس بأنه أجلس جدل هيجل على قدميه بعد أن كان يقف على راسه”.
كيف لا؟ فهذه الأمة مستهدفة بل الأشد عرضة للاستهداف الغربي منذ ثلاثة قرون أي مع سيطرة وتحول الرأسمالية التجارية إلى الصناعية في الغرب مروراً بالاستعمار فالإمبريالية فالعولمة بمضمونها الرأسمالي. هذا إن لم نتحدث عن صراع الغرب والشرق العربي منذ مرحلة العبودية/اليونان فالرومان فالمرحلة الإقطاعية وحرب فرنجة الإقطاع لنصل حرب فرنجة راس المال.
لذا، ليس مقبولاً ابتسار بعض الثقافويين العرب والفلسطينيين حين يتحدثون عن قرن من الصراع بمعنى أنهم يبتسرون الزمن على أهميته بما هو حبر كتابة التاريخ كسجل أو حاضن الصراع الطبقي وإن اتخذ شكل القومي.
هذا لا يقلل من شدة السيطرة والقمع والتقشيط والاستغلال على الوطن العربي وإن كانت حلقتها المشتدة قد تكرست مع وثيقة كامبل بانرمان 1907 ووليديها التوأم “سايكس-بيكو 1916 ووعد بلفور 1917 حيث كان ولا يزال الحبل السُّري الذي يربط ويوحِّد وجود ومصير الكيان والدولة القطرية في الوطن العربي.
هذا الحبل السُري الذي أخدني للاستنتاج أن هناك دور رسمي عربي في بناء ودعم الكيان حتى اليوم وخاصة مع موجات التطبيع، والتي اوقفها 7 تشرين ليوم واحد فقط حيث أخذت هذه الأنظمة تدين الإنجاز العظيم، أو تتآمر عليه إلى أن كان مؤتمر 11 نوفمبر 2023 حيث عجزت الأنظمة العربية أولاً والإسلامية عن إدخال علبة حليب لأطفال غزة! اي تجندت خلف نتنياهو إن كان لنا قولا صادقاً بغض النظر عن طريقة دعم القيادة الدينية الصهيونية الحالية.
كيف لا ايضا، فالقضية الفلسطينية وحدها في تاريخ العلاقات الدولية بل الصراع الدولي التي وقف ضدها منذ قرن كل العالم الرسمي على الأقل وكثير من الشعبي فكان الاعتراف بالكيان 1948 ولم تنفي هذه الجريمة تحولات بعض الدول لاحقاً بسبب صداقتها/أي مصالحها مع هذه الدولة العربية قومية الاتجاه أو تلك. وها هي تعود مجددا، فالهند اليوم على راس الدول التي تجهز للعدوان ضد اليمن، ناهيك عن موقف روسيا الصهيوني على الأقل كما عبر عنه حديث لافروف مؤخراً. فالموقف الدولي المشترك لصالح الكيان اتخذ إجماع:
· الإمبريالية طبعاً عن بكرة أبيها
· الكتلة الاشتراكية/الشيوعية
· الاشتراكية الدولية الخط الوسطي
· أنظمة عربية وإسلامية وقوى دين سياسي ايضا
تلطى الغرب وربما مختلف داعمي الكيان، وحتى اليوم، وراء المحرقة النازية ضد اليهود، رغم تواظؤ قيادات صهيونية مع النازية فكان المشهد:
محرقة نازية مشتدة ضد اليهود
وصار المشهد:
محرقة ممتدة من الكيان ضد الشعب العربي الفلسطيني
ومنذ 8 اكتوبر تشرين الأول اصبحت المحرقة ممتدة ومشتدة معاً.
لذا، فهل يمكننا استخدام هذه المحرقة الممتدة/المشتدة ضد شعبنا في حرب ثقافية ضد متاجرة الصهيونية والغرب بالمحرقة النازية! ولدينا شواهد فائضة عن الحاجة على الأقل تقرير جنوب إفريقيا للمحكمة الدولية المكون توثيقاً من 84 صفحة؟ ونقصد هنا أن يُبدع فكرنا في الثقافة ما أبدعه المقاتلون في السلاح لأن الصراع متواصل في الجانبين.
تكمن أهمية الصراع الفكري الثقافي الإعلامي في حدث اليوم مع حرب الإبادة علانية والدفع للهجرة هروباً ضد غزة وإلى حد أقل ضد الضفة الغربية وقد دخلت الإبادة شهرها الرابع ومع ذلك يكرر العالم الرسمي جريمة 1948 وما قبلها وإلى حد ما ما بعدها ليقف معظم العالم الرسمي مع الكيان ضد غزة والضفة الغربية:
· الغرب الرسمي بأجمعه بقيادة امريكا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا
· روسيا عبر حديث لافروف، والصين عبر الصمت
· الهند بموقف واضح دعما للكيان
· صمت 57 نظام عربي وإسلامي
ولكن تضمن هذا متغيرين:
الأول مباشر وهو الحراك الشعبي المعولم لصالح فلسطين وهذا لم يكن ابدا في السابق.
والثاني غير مباشر ولكنه واضح: التغير على صعيد معولم حيث كشف عن التناقض العالمي بين الشعبي والرسمي، وكشف أن للدعم الرسمي المعولم للصهيونية حدوده، وبأن الغرب لم يعد قادر على فرض ما يرى بالمطلق وبأنه يعاني في أوكرانيا وإفريقيا واليوم في الوطن العربي وبأن الكيان الصهيوني الذي خُلق كقاعدة لحماية مصالح الإمبريالية واحتجاز الوحدة والتطور العربيين عبر تسهيل النهب الإمبريالي وتحقيق ثلاثي مصالح الإمبريالية في الوطن العربي وهي، اي المصالح مثابة مستعمرات:
· النفط العربي
· الأسواق العربية
· الموقع والممرات العربية بحرا وبرا وجواً.
ولكن موقعة 7 تشرين الأول حولت القاعدة إلى محمية حيث أُضطر ثلاثي الثورة المضادة لأن يهب لحمايتها: فقد أتى الغرب حكاماً وعسكرا وجسور تسليح وتذخير. لقد شعر الغرب بأن ما حصل هو ضربة خطيرة ضد مستعمراته في الوطن العربي وهي المتبقية له بشكل سلس وغير مكلف بل مجاني مقارنة بهزيمته اقتصاديا أما بريكس وأزمته في إفريقيا وأمريكا اللاتينية وحرب اوكرانيا، إنه قلق اليُتم المصلحي. فالغرب في تدفقه على الكيان إنما يحاول أيضاً إسعاف الأنظمة العربية من تأثير هذه المعركة لا سيما وأن السلطة في هذا الوطن عدو الأمة وحيث تلعب السلطة دورا إمبرياليا في الوطن العربي نيابة عن الإمبريالية وخدمة لها. أنظر كتاب عادل سماره:
Arab’s Regime Arab’s Enemy 2023
وانسجاماً مع موقف الغرب وخاصة امريكا وقفت الأنظمة العربية والإسلامية بلا أي حراك، ولو دبلوماسي، رغم أن المذبحة على الهواء.
وزاد الخداع ثرثرة كثير من محطات الإعلام والمحللين بأن الفلسطينيين وحدهم يهزمون الكيان! وهذا أمر فيه خبث خطير:
· فهو من جهة يقتلع القضية من عمقها العربي ويُحيِّد المواطن العربي.
· يتجاهل أن العدوان هو من ثلاثي الثورة المضادة وليس فقط من الكيان،
· وفي المبالغة بقوة الفلسطينيين فهو يغطي على المذبحة.
وهنا يجب التفريق بين بطولة المقاتلين والشعب وبين الإمكانات والقدرات.
ترمي كافة هذه المواقف والخذلان والتضليل إلى التقليل من عظمة 7 تشرين الأول من جهة وتبرير قيام الثورة المضادة منذ 8 تشرين الأول بتجميع قواها لاقتلاع الإنجاز والشعب نفسه.
فالثورة المضادة ليست على وشك الاستسلام فهي تقاتل من أجل التطبيع كما نلاحظ من وقوف الأنظمة على الأقل السلبي المحايد من المذبحة بانتظار تفريغ الفحل الأمريكي لما عنده في رحمها الموبوء وها نحن في المشهد الخامس لهذا الاستخداء ممثلاً في تفتيش وزير خارجية أمريكا على أنظمة عربية وإسلامية تنتظر تعليمات واشنطن. وما من شك بأنها تستعجل الضغط الأمريكي لتغيير شدة المذبحة او التوصل إلى هدنة لأن استمرار المشهد هو تعميق وترسيخ في الوجدان الشعبي لوجوب طلاق الشعبي العربي للرسمي وصولاً إلى تغييره.
وهذا يدفعنا للإجابة بطريقتنا على سؤال العدو الأمريكي للكيان عن اليوم التالي وهذا يفتح على ثلاثة أمور:
الأول: فكريا وثقافياً: كيف نحافظ على التضامن الشعبي المعولم مع قضيتنا وأخذه إلى الحقيقة وهي أن نضالنا من أجل المحتل عام 1948 وليس فقط 1967 حيث جرى تقزيم القضية على ايدي الأنظمة العربية فزرعت في روع العالم بأن فلسطين هي المحتل 1967. وعليه، فإن هذا الأمر يتطلب قدرة على نقل الوعي الجمعي الشعبي العالمي لتأييد حقنا في التحرير والعودة وإسناد تحليلنا هذا بإعلان قيادات وشارع الكيان عن وجوب إزالة الشعب الفلسطيني وممارستهم ذلك. اي لنستغل تضخيمهم لمحرقة النازية بتوضيح مجريات محرقتهم ضد شعبنا وهذا متاح ونقل هذا إلى أن الصهيونية معادية للبشرية
والثاني: وجوب التصدي للتطبيع الرسمي العربي والإسلامي مع الكيان والذي إسترد أنفاسه وبدأ ولو بخبث منذ 8 تشرين الأول 2023. وهذا يتضمن وجوب مواصلة النضال المسلح وكافة اشكال النضال لمواجهة ثنائية، ضد الكيان وضد التطبيع بما أن التطبيع هو السلاح النووي للكيان لأن النووي التفجيري هو ردعي أكثر مما هو للتفعيل. فالتطبيع يقتلع القضية من عمقها العربي ويعطي الكيان فرصة “الاندماج المهيمن في الوطن العربي”. .
والثالث: كيف نقوم بإعادة تجليس القضية الفلسطينية بما هي القضية المركزية للأمة العربية في موضوع ومناخ التحرير الحقيقي المتمثل في إنجاز الدولة العربية المركزية.
هذا ما يجب الشغل عليه مستفيدين من إنجاز تشرين.
تفتح القضية المركزية والدولة المركزية على دور اليمن من باب أنه في حالة اليُتم الذي حاق بالقضية إنبرت اليمن لتأكيد عروبة القضية وواجب العروبة.
من هنا ليس الحديث عن اليمن من قبيل ترف الزمن أو الموقف ولا فائض الراحة النفسية والأعصاب. وليس فقط لأن اليمن وحده كثلاثي سلطة وجيش وشعب يقف مع فلسطين وحسب، بل لأن اليمن بعد حرب ثماني سنوات خرج قوياً رغم الدمار من عدوان أسمى نفسه “عربيا” وهو معولم لا عروبة فيه وهذا يجنِّد الثورة المضادة ضد اليمن. فاليمن القوي يعني قلق حكام النفط بدءاً من السعودية وصولا إلى الإمارات وقطر والبحرين.
لماذا لا نفترض أن عدوانا من ثلاثي الثورة المضادة يتم تجهيزه ضد اليمن إذن!
وبعيداً عن اختلافنا في اسباب الحرب العراقية الإيرانية فإن خروج العراق قويا دفع الثورة المضادة للتحضير ومن ثم تنفيذ حرب تدمير ضد العراق. صحيح أن قوة العراق بعد الحرب كانت أحد اسباب العدوان عليه كي لا يكون اي قطر عربي قوياً، وهذا ما رفضه الأمريكي خاصة ومعه كل الغرب والصهيونية العربية والإسلامية إلى جانب الحياد الخبيث لروسيا والصين. فقد استهدف الغرب إضافة لكل شيء نفط العراق ولذا حتى اليوم تذهب عائدات نفط العراق إلى امريكا وهي تتفضل بالقليل على العراق ولا يصل الشعب سوى الأقل بعد الفساد.
هل ستتذرع الثورة المضادة باجتثاث أنصار الله أو الحوثيين بحجة وقوف اليمن مع فلسطين كما قررت اجتثاث البعث بحجة النووي ولكن الهدف هو اجتثاث البعث والجيش والعراق نفسه؟
صحيح أن ما يهم الغرب هو نفط العرب الذي كما تكرر إيديولوجيا وأدبيات الاستعمار الرأسمالي الأبيض قولتها: “كيف حدث أن نفطنا وُجد في ارضهم!”. أي صحيح أنه لو من أجل النفط سيكون عدوان على اليمن بشكل استباقي لأن قوة اليمن تعني الاقتراب من منابع النفط، ولكن وبنفس الأطماع والحقد فإن وقوف بلد عربي مع فلسطين هو نفسه خطر على النفط كمستعمرات للغرب لأن تحرير فلسطين يشترط تحرير الوطن العربي باسره. لذا كان تهبيط مصر منذ 1967 لتصبح كجلد الثور، ثم العشرية السوداء في الجزائر لتقف اليوم حذرة حتى الخوف، وتدمير العراق 1991 و2003 وتدمير ليبيا 2011 ومواصلة تدمير سوريا والحرب على اليمن لثماني سنوات.
فموقف اليمن موقف عروبي ضد القاعدة/الكيان التي وإن اصبحت محمية للغرب لكن لا يزال الحفاظ عليها مطلوباً لأن هذا الكيان هو استثمار إستراتيجي للغرب لإبقاء الوطن العربي مخزن نهب لهم.
لا ندري بعد ما سيكون عليه موقف روسيا والصين في عدوان محتمل ضد اليمن خاصة وأن نفط السعودية صار شريانا للصين التي جرى وضعها تحت جناح بريكس.
لكن كما يبدو، فإن الهند سيكون لها دورها الخطير ضد اليمن فهي إمبريالية صاعدة ورعاياها يملؤون الخليج إلى درجة الخوف من تشكيل إمارات هندية هناك. تدل على هذا حماستها للقوة البحرية العدوانية ضد اليمن، ولموقف نظام الدين السياسي فيها ضد فلسطين في تقاطعه مع انظمة الدين السياسي في الكيان الصهيوني والمحافظة الجديدة في أمريكا وداعش ايضاً.
خاتمة
لا بد للمرء من التساؤل: لماذا كشَّر الكيان عن انيابه بالمطلق فانتقل من القتل المموه إلى المذبحة العلنية وواصل ذلك منذ ثلاثة أشهر وحتى حينه؟
لا يمكن القول بأن العدو ارتكز على تمويه وتمرير تلك المذابح لأن الأمر اليوم على المكشوف. لذا الثابت هو شبقه للقتل والمتغير هو الإعلان عن المذبحة الإباضية.
من جهة ثانية، هل تعتقد قيادات وشارع الكيان بأن الإمبريالية سوف تغطيه مهما حصل؟ كما فعلت دائماً. وهل بوسعها ذلك؟ في هذه النقطة لا شك أن الإمبريالية ستحاول تغطيته لكن ذلك لن يحول دون إدانته.
ولكن السؤال هنا: ما الذي دفع الكيان إلى إعلان الإبادة! رغم أنه مارسها بتغطية ناجحة وخاصة عام 1948.لماذا إذن أيضاً رغم أنه شديد الحساسية للرأي العام العالمي وزعمه انه دولة ديمقراطية…الخ.
هل الدافع إذن هو صدمة الهزيمة ودرجة الحقد وتراث وهم التفوق والزعم الديني بأنهم شعب الله المختار؟ وهم ليسوا شعباً بل تجميع قطع غيار من قرابة مئة من الأمم!
هل شجعه على مغامرته الآن هزيمته أمام السوشيال ميديا وبالتالي اندفع في مغامرة انفعالية من نمط مقولة اليهود القدامى “علي وعلى أعدائي”؟ وهذا يعني أن التقدم التكنولوجي كأية مسألة تخلق نقيضها ضمن قانون نفي النفي!
لا شك أن العدو اندفع بناءً على كل ما سبق فأخذته العزة بالإثم وغاص في وهمه المعروف بأن كل البشر، ما خلا اليهود، هم حيوانات وبالتالي الإبادة هي الحل. وفي هذا يستوي مع داعش التي ترى كل من ليس مثلها يستحق الذبح!
_________
ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….https://kanaanonline.org/2022/10/27/%d9%85%d9%84%d8%a7%d8%ad%d8%b8%d8%a9-%d9%85%d9%86-%d9%83%d9%86%d8%b9%d8%a7%d9%86-3/
