11 تموز 2025
يشكّل سؤال «من هو اليهودي؟» محوراً إشكالياً في بنية إسرائيل السياسية والدينية والقانونية، إذ تُعرّف الدولة نفسها بأنها «يهودية وديموقراطية»، وهو تعريف يتطلب تحديداً واضحاً ومُحكماً لمفهوم «اليهودي»، خصوصاً في ظل تطبيق قانون العودة الذي يمنح حق الهجرة والجنسية لكل مَن يُعترف به كيهودي. ومع ذلك، لم يكن هذا التعريف موحّداً، بل ظل مثار خلاف بين المؤسسات الدينية، والجهات الحكومية، والتيارات الأيديولوجية المختلفة، ما أفضى إلى أزمات متكررة على مستوى التشريع، والهوية القانونية، والانتماء المدني داخل الدولة، وكذلك بالنسبة إلى الراغبين في الهجرة إليها.
التعريف الديني لليهودي
وفقاً للتشريع الديني اليهودي، المعروف بـ«الهالاخاه»، يُعدّ الشخص يهودياً إذا وُلد لأُمٍّ يهودية، أو إذا أتمّ عملية تهويد شرعية تُشرف عليها سلطة دينية معترف بها. وقد تم ترسيخ هذا المبدأ في أدبيات المشناه، إذ ورد أن «ابن المرأة اليهودية يُعدّ يهودياً، حتى لو لم يكن والده يهودياً».
في هذا السياق، يشترط الحاخامات الأرثوذكس للتهويد المرور بإجراءات محددة تشمل الختان (بالنسبة إلى الذكور)، والاغتسال في الميكفاه (حمام الطهارة)، إضافة إلى التزام فعلي بأحكام الشريعة اليهودية. وعلى الجانب الآخر، تعتمد التيارات الإصلاحية والمحافظة تعريفات أكثر مرونة، إذ قد تقبل بيهودية الطفل إذا كان والده يهودياً، شريطة أن يتلقى تربية يهودية واضحة.
يعكس هذا التباين انقساماً عميقاً داخل الديانة اليهودية ذاتها، وهو ما يُنتج نتائج متناقضة عندما يُترجم إلى السياسات العامة، خاصة في الدولة الإسرائيلية.
أسهمت الحركة الصهيونية، منذ نشأتها في القرن التاسع عشر، في إعادة صياغة مفهوم اليهودية. فلم تعد تُفهم فقط كهوية دينية، بل باتت تُقدَّم بوصفها هوية قومية حديثة. فقد رأى ثيودور هرتسل، مؤسس الصهيونية السياسية، أن إقامة دولة لليهود يجب أن تستند إلى عناصر قومية مثل اللغة، والتاريخ، والانتماء المشترك، لا إلى الالتزام الديني. وقد تجذّر هذا التصور لاحقاً مع قيام دولة إسرائيل، إذ أصبحت اليهودية تُفهم في كثير من الأحيان بوصفها هوية قومية–عرقية تتجاوز الانتماء العقائدي.
هذا التحوّل كان مصدر توتر مستمر بين الدولة من جهة، والمؤسسة الدينية الحاخامية من جهة أخرى، خاصة عندما تعلّق الأمر بالاعتراف الرسمي بمن يتهوّد خارج الأطر الأرثوذكسية، وهو ما أفرز جدالات قانونية وعقائدية لا تزال قائمة حتى اليوم.
قانون «العودة»: الخلفية والصياغة والإشكالات
عقب إعلان قيام إسرائيل، وخلال الجلسة الأولى لمجلس الشعب المؤقت في 16 أيار 1948، اتُّخذ قرار بإلغاء جميع القيود السابقة التي كانت مفروضة على الهجرة اليهودية إلى أرض فلسطين. وقد جاء هذا القرار ضمن «أوامر أنظمة الحكم الرقم 1 لعام 1948»، وتضمّن بنداً واضحاً ينص على أن كل يهودي يهاجر إلى ما أصبح يُعرف بـ«أرض إسرائيل» سيُعترف به كمهاجر قانوني منذ لحظة وصوله. وفي 5 تموز 1950، صادق الكنيست رسمياً على هذا التوجّه عبر «قانون العودة»، الذي ينص ببساطة على أنه: «يحق لكل يهودي أن يهاجر إلى إسرائيل».
رأى الزعيم الصهيوني ديفيد بن غوريون في هذا القانون تجسيداً لهوية الدولة ورسالتها التاريخية، وقد عبّر عن ذلك في خطابه أمام الكنيست قائلاً إن إسرائيل ليست دولة لليهود لأنها ذات غالبية يهودية فقط، بل لأنها «دولة اليهود أينما وُجدوا». وأضاف أن جذور هذه الدولة ليست وليدة اللحظة، بل تعود إلى عمق التاريخ اليهودي، مستشهداً بسقوط الاستقلال اليهودي قبل 1813 سنة في عهد بار كوخبا والرابي عكيفا.
من هذا المنطلق، لم يكن قانون العودة مجرد تشريع يتعلّق بالهجرة، بل كان في نظر القيادة الصهيونية أداة إستراتيجية لإعادة بناء الأمّة اليهودية، إذ حوّل عملياً كل يهود العالم إلى مواطنين إسرائيليين محتملين يمكنهم، متى شاؤوا، تفعيل هذا الحق.
إلا أن القانون، رغم وضوح هدفه، جاء خالياً من تعريف دقيق لمن هو اليهودي. لم يُحدَّد ما هي المعايير أو الوثائق التي يُفترض استخدامها لإثبات اليهودية، وترك الأمر لتقديرات موظفي وزارة الداخلية. حتى عام 1958، اتبعت الوزارة سياسة مرنة، إذ أصدرت تعليمات تُمكِّن أي شخص يعلن عن نفسه بأنه يهودي بنية صادقة من أن يُسجّل كيهودي في السجلات الرسمية.
لكن هذه السياسة لم تدم طويلاً؛ إذ واجهت اعتراضاً شديداً من الأحزاب الدينية الصهيونية، التي طالبت باعتماد تعريف «هالاخي» صارم لليهودية، وفقاً للشريعة الأرثوذكسية. هذا الصراع أدّى إلى تراجع السياسة الليبرالية الأولى، وبدأت تظهر التباينات العميقة بين الرؤية القومية العلمانية لليهودية، والتي أرادت اعتبارها انتماءً قوميّاً، والرؤية الأرثوذكسية التي ربطت الهوية اليهودية الصريحة بالانضباط الشرعي.
ومع غياب تعريف قانوني رسمي موحد لليهودي، أصبحت المحاكم الإسرائيلية المرجع الحاسم في البتّ في القضايا المعقدة والمتنازع عليها، خاصة تلك التي تقف عند حدود الهوية والانتماء، وهو ما كشف عمق التناقض بين الدولة التي تسعى إلى أن تكون قومية لليهود من جهة، والدين الذي يحتكر معيار الاعتراف من جهة أخرى.
قضايا قضائية شهيرة: تجسيد الصراع بين الدين والدولة
تُعدّ بعض القضايا القضائية التي نظرت فيها المحاكم الإسرائيلية محطات مفصلية في النقاش حول تعريف «اليهودي»، إذ كشفت عن عمق التوتر بين الاعتبارات الدينية من جهة، والمفاهيم القومية والمدنية من جهة أخرى. ومن أبرز هذه القضايا:
1- قضية الأخ دانيال (أوزوالد روفايزين): ولد أوزوالد روفايزين لأبوين يهوديين في بولندا، وكان عضواً في المقاومة ضد الاحتلال النازي في الحرب العالمية الثانية. بعد مطاردته من قبل الألمان، لجأ إلى دير راهبات حيث عاش متخفياً، ثم اعتنق المسيحية لاحقاً وأصبح راهباً. وبعد انتهاء الحرب، هاجر إلى إسرائيل بموافقة من الفاتيكان، وتقدّم بطلب الحصول على الجنسية الإسرائيلية بموجب قانون العودة، باعتباره يهودياً بالأصل.
رفض الأخ دانيال الحصول على الجنسية عبر إجراءات التجنّس العادية، وأصر على أن يتم الاعتراف به كيهودي وفقاً للتقاليد الدينية التي لا تُسقط عن اليهودي هويته حتى وإن غيّر دينه – كما يستند إلى نصوص من التلمود، تحديداً السنهدرين. واحتج في طلبه بأن الدولة تقبل بكون الملحد يهودياً قوميّاً، ولذلك فمن باب أولى أن يُعتَرف بالمسيحي اليهودي من حيث الأصل.
إلا أن المحكمة العليا الإسرائيلية رفضت طلبه عام 1966، واعتبرت أن من يعتنق ديانة أخرى يفقد انتماءه إلى الشعب اليهودي من الناحية القومية، لأنه اختار أن ينفصل عن مصيره التاريخي والجماعي. اللافت أن المحكمة تبنّت في حكمها تعريفاً لا دينياً لليهودية، مبنياً على الهوية القومية، حتى وإن كان ذلك أكثر تشدداً من التعريف الحاخامي الديني.
ومن المفارقات أن المؤسسة الدينية الأرثوذكسية دعمت رفض الطلب، رغم أن الشريعة اليهودية لا تنفي عن المتحول دينياً أصل يهوديته. ومع ذلك، لم تترك هذه القضية أثراً عميقاً في الرأي العام الإسرائيلي، لكونها لم تمس العلاقة الجوهرية بين الدولة ويهود العالم، وشعر كثير من الإسرائيليين بأنها حالة فردية لا تمسهم مباشرة.
2-قضية الضابط بنيامين شاليط: عادت إشكالية تعريف اليهودي للواجهة مجدداً عام 1968 عبر قضية الضابط الإسرائيلي بنيامين شاليط، المتزوج من سيدة إنكليزية غير يهودية رفضت التهوّد لأسباب فلسفية لا دينية. طالب شاليط بتسجيل أولاده كمواطنين إسرائيليين يهود في خانة «القومية»، مع الإشارة إلى «لا دين» في بند الديانة، مؤكداً على أهمية الانتماء القومي دون الديني.
رفضت وزارة الداخلية طلبه، ما دفعه إلى اللجوء إلى المحكمة العليا. وفي عام 1970، أصدرت المحكمة حكماً لمصلحته، معتبرة أن مصطلح «القومية» لا يخضع بالضرورة للتفسير الديني، بل يمكن فهمه كهوية ثقافية مدنية. وأكدت المحكمة أن أبناء شاليط، رغم أنهم ليسوا يهوداً بحسب الشريعة، إلا أنهم نشأوا في إسرائيل، ويتحدّثون العبرية، ويخدمون في الجيش، ويرتبطون بمصير الشعب اليهودي.
مع ذلك، شدّدت المحكمة على أن حكمها يتعلّق بالجوانب المدنية المرتبطة بتسجيل الهوية، ولا يمتد إلى الأحوال الشخصية التي تخضع للمحاكم الحاخامية. لكن هذا القرار قوبل برفض قاطع من قِبل الأوساط الأرثوذكسية، التي اعتبرت أنه يمهّد لتقسيم اليهود إلى فئتين: يهود مؤمنون ويهود غير مؤمنين، ما يُهدد وحدة المجتمع اليهودي من منظور ديني.
وبضغط من الأحزاب الدينية، عُدّل، في العام نفسه (1970)، قانون العودة ليصبح تعريف اليهودي مطابقاً للتعريف الديني الأرثوذكسي: «من وُلد لأم يهودية أو تهوّد ولم يعتنق ديناً آخر»، في محاولة لتوحيد معيار الهوية اليهودية بين الدولة والدين، وإن كان ذلك على حساب التعددية الثقافية والديموقراطية.
الدولة اليهودية والديموقراطية: تناقض المفهوم أم توفيق مستحيل؟
ظهر وصف إسرائيل بأنها «دولة يهودية وديموقراطية» للمرة الأولى بصيغة قانونية رسمية في عام 1985، حين أُجري تعديل على قانون أساس الكنيست (التعديل الرقم 9، البند 7أ). جاء هذا التعديل في أعقاب قرار محكمة العدل العليا الذي قضى بمنع بعض القوائم الانتخابية، مثل حركة «كاخ» ذات التوجه العنصري، من المشاركة في الانتخابات البرلمانية، وذلك استناداً إلى أن هذه القوائم تنكر الطابع الديموقراطي أو اليهودي للدولة، أو تحرّض على الكراهية والعنصرية.
وبذلك، أصبح من الممنوع قانوناً أن تشارك في الانتخابات أي قائمة حزبية تعارض وجود إسرائيل كدولة لـ«الشعب اليهودي»، أو تشكّك في التزامها بالنظام الديموقراطي، وهو ما شكّل للمرة الأولى تقنيناً صريحاً لهذه الثنائية في هوية الدولة.
عاد هذا التوصيف ليترسخ مجدداً عام 1992، عبر قانونَي الأساس: «كرامة الإنسان وحريته، وحرية العمل»، اللذين سَنّهما الكنيست بهدف حماية الحقوق الفردية للمواطنين. إلا أن هذين القانونين تضمّنا إشارة صريحة إلى أن هذه الحقوق تُمارَس في إطار «قيم دولة إسرائيل كدولة يهودية وديموقراطية»، ما عكس استمرار هذا الجمع بين الطابع الديني ــ القومي والطابع الليبرالي ــ المدني.
رغم أن هذه التوليفة تبدو في ظاهرها نوعاً من التوازن، إلا أنها كانت – ولا تزال – محل جدل واسع داخل الأوساط الأكاديمية والقانونية، إذ يرى كثير من الباحثين أن الجمع بين «يهودية» الدولة و«ديموقراطيتها» يمثّل تناقضاً بنيوياً يصعب تجاوزه. فبينما تنص الديموقراطية على المساواة التامة بين المواطنين بغض النظر عن العرق أو الدين، تمنح الصيغة اليهودية للدولة امتيازات جماعية لمجموعة دينية –قومية محددة، هي اليهود، وتربط المواطنة الكاملة بالانتماء العرقي أو الديني، لا بمجرد الولادة أو الحقوق المدنية.
بالتالي، يُعاد تعريف المواطنة في إسرائيل وفقاً لأسس استثنائية، إذ يُعامل اليهود كمواطنين أصحاب حق تاريخي وأخلاقي في الدولة، بينما يُنظر إلى غير اليهود، وخاصة الفلسطينيين داخل الخط الأخضر، كمواطنين مشروطين أو منقوصي الحقوق. وهذا الواقع يُضعف أسس الدولة الديموقراطية، ويقوّض مبدأ المساواة أمام القانون، ما يجعل من الجمع بين هذين الوصفين – «اليهودية» و«الديموقراطية» – صيغة إشكالية أكثر منها واقعية.
أخيراً، يبقى سؤال «مَن هو اليهودي؟» حجر الزاوية في فهم التناقضات العميقة داخل المشروع الصهيوني. فهو يكشف الصراع بين البُعد الديني والقومي، وبين طموحات الدولة وأسس الديموقراطية. ففي غياب تعريف جامع، تتعثّر إسرائيل بين رؤيتين متضادتين لهويتها: دولة لليهود أم دولة لكل مواطنيها.
* مؤرخ فلسطيني
:::::
“الأخبار”
_________
ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….
