الجزء الأول
شهدت الحقبة بين ستينيات وسبعينيات القرن العشرين موجة عالمية من الحركات والمنظمات اليسارية الراديكالية، التي تركت بصماتها على المشهد السياسيّ والاجتماعيّ والثقافيّ العالميّ. لم تقتصر هذه الظاهرة على منطقة جغرافية واحدة، بل امتدت من الولايات المتحدة إلى أوروبا الغربية، ومن اليابان إلى الشرق الأوسط. وعلى الرغم من التباين في السياقات المحلّية، تشاركت هذه الحركات في مجموعة من الخصائص الأساسية التي وحّدت أهدافها وطرق عملها، أبرزها تبنيها الأيديولوجية الماركسية الثورية وتأثّرها بالماوية، ورفضها المطلق للنظام الرأسمالي العالمي، ومعارضتها الشديدة للسياسات الإمبريالية، وبخاصةً تلك التي قادتها الولايات المتحدة. هذه المنظمات لم تكتفِ بالمطالبة بالإصلاحات، بل دعت إلى تغيير ثوري وجذري وشامل للبنى الاجتماعية والسياسية والاقتصادية القائمة، متّجهة إلى استخدام العنف الثوريّ وسيلة لتحقيق أهدافها.
أولًا؛ السياق التاريخي:
ظهرت الحركات اليسارية الراديكالية في بيئة دولية مشحونة بالاستقطاب الأيديولوجيّ الحادّ الناتج عن الحرب الباردة، التي قسمت العالم إثر الحرب العالمية الثانية، إلى معسكرين متناحرين: المعسكر الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة، والمعسكر الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفياتي. هذا الاستقطاب، الذي فرض توازن القوى النوويّ، خلق حالةً من الإحباط لدى جيل الشباب الذي رأى أن كلا المعسكرين فشل في تحقيق الوعود الحقيقية للتحرر والعدالة. لقد انتقد “اليسار الجديد” بشدة “اليسار القديم” المتمثل في الأحزاب الشيوعية التقليدية، التي اعتبرها بيروقراطية، وتابعة لموسكو، وفقدت روحها الثورية. وكان هناك شعور متزايد بأنّ هذه الأحزاب أصبحت جزءًا من المؤسّسة القائمة، وأنها لم تعد قادرة على تقديم حلولٍ جذريةٍ لمشاكل المجتمع.
في هذا السّياق، سعت هذه الحركات إلى تقديم نفسها كقوة ثالثة، تنتقد الرأسمالية الإمبريالية من جهة، والبيروقراطية الستالينية من جهة أخرى. هذا التوجه الجديد حفّز نشوء حركات بين الشباب والمثقفين الذين شعروا أن النظام العالمي لم يكن قادرًا على تلبية طموحاتهم في التحرّر والعدالة. كان شعورهم بالاختناق من الثنائية القطبية، وهيمنة الدولة الأمنية في كلا المعسكرين، دافعًا أساسيًا للبحث عن نماذج بديلة تدعو إلى ثورة شاملة: طبقية، وثقافية، وجندرية. كانت هذه الحركات تنظر إلى نفسها كجزء من جبهة عالمية مناهضة للإمبريالية، وتحمل وعيًا بأن النضال المحليّ لا يمكن فصله عن النضال العالمي. يقول المؤرخ إريك هوبسباوم (1994) في هذا الصدد: “إن الحرب الباردة كانت بالنسبة للكثيرين مثل علامة على أن النظام العالميّ بحاجة للتغيير الجذري”.
حركات التحرر وتأثيرها العالميّ
كانت حركات التحرر الوطني في العالم الثالث (آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية) مصدر إلهامٍ هائلٍ للشباب الراديكالي في الغرب. فقد أثبتت هذه الحركات، من خلال كفاحها ضد القوى الاستعمارية، إمكانية التغيير الجذري خارج حدود الأنظمة السياسية التقليدية. أصبحت الثورة الجزائرية (1954–1962) والثورة الكوبية (1959) وحرب فيتنام ضد التدخل الأميركي رموزًا عالمية للصمود في مواجهة الهيمنة الإمبريالية. ألهمت شخصيات مثل تشي غيفارا وفرانز فانون جيلًا كاملًا بفكرة الكفاح المسلّح ودعت إلى تضامن عالمي بين الشعوب المضطهدة. هذه الأفكار تجاوزت التحليل الطبقيّ التقليديّ لتشمل تحليلًا أعمق للقضايا الثقافية والجندرية والعرقية المرتبطة بالاستعمار. كما تشير روس (2002): “أثرت نماذج الثورات التحرّرية مثل كوبا والجزائر وفيتنام في صياغة الوعي الثوري للشباب الراديكالي في الستينيات” (ص. 45). كان التأثير ملموسًا بشكل مباشر؛ حيث سعت العديد من المجموعات الراديكالية في الغرب إلى إقامة علاقات مباشرة مع حركات التحرّر الوطني، وزارت معسكرات التدريب، وتبادلت الدعم الماديّ واللوجستيّ. هذا التفاعل عزّز فكرة “العالم الثالث” كقوة ثورية، وأكد أن التحرّر ليس مقتصرًا على البلدان الفقيرة، بل هو مطلبٌ عالميّ.
موجة احتجاجات 1968
عام 1968 لم يكن مجرّد أيامٍ تتوالى، بل كان لحظةً فاصلةً في التاريخ العالميّ. شهدت مدن كبرى مثل باريس وبرلين ونيويورك ومكسيكو سيتي وبراغ احتجاجات واسعة النطاق تعكس تحوّلات عميقة في الوعي الاجتماعيّ والسياسيّ. في باريس، بدأت الاحتجاجات بمسيرة طلابية ضد الأنظمة الجامعية القديمة، لكنها سرعان ما تحوّلت إلى إضرابٍ عام شمل أكثر من عشرة ملايين عامل، وطالب بتغيير شامل في المجتمع الفرنسي.. عكست هذه الاحتجاجات تمرّدًا ثقافيًا وسياسيًا على القيم المحافظة، والبيروقراطيات السياسية، والنظام الأبويّ. لقد كانت إشارة واضحة إلى فشل الأنظمة السياسية في فهم طموحات جيل ما بعد الحرب العالمية الثانية. وعلى الرغم من أن هذه الاحتجاجات لم تحقّق أهدافها المباشرة، إلا أنها كانت بمنزلة “المدرسة” التي تخرّجت منها العديد من الحركات الراديكالية المسلّحة في السبعينيات. هذه الحركات رأت أن النضال السلميّ غير كاف، وأنّ العنف هو الحل الوحيد لمواجهة عنف الدولة.
ثانيًا؛ الأسباب السياسية والاقتصادية:
تُعدّ حرب فيتنام أحد أهم العوامل المباشرة التي أدّت إلى راديكالية الشباب الغربيّ. كانت الحرب رمزًا صارخًا لغطرسة القوة الأميركية وإخفاقاتها الأخلاقية والسياسية. ومع انتشار صور مذبحة “ماي لاي” في فيتنام عام 1968، شعر جيل كامل بصدمة أخلاقية عميقة تجاه سياسات بلادهم. أثارت هذه الصدمة نضالًا طلابيًا غير مسبوق في الجامعات الأميركية، حيث ظهرت حركات مثل “طلاب من أجل مجتمع ديموقراطي” (SDS) التي دعت إلى إنهاء الحرب وإلغاء التجنيد الإجباري. في أوروبا، تحوّلت الحرب إلى قضية سياسية مركزية، ودفعت الطلاب والمثقفين إلى تبني مواقف أكثر تطرفًا تدعو إلى تغيير كامل في النظام الرأسمالي الذي أنتج مثل هذه الحروب.
في الوقت نفسه، كانت ردّة فعل السلطات على الاحتجاجات السلمية عاملًا حاسمًا في تصاعد الراديكالية. فبدلًا من الاستجابة لمطالب المتظاهرين، لجأت الدول إلى القمع البوليسيّ. هذا القمع، الذي تجلّى في أحداث عنيفة مثل قتل الناشط بينو أونيسورغ في ألمانيا الغربية، ما أقنع بعض النشطاء بأنّ الدولة لم تكن طرفًا محايدًا، بل كانت جهازًا عنيفًا يجب مواجهته بالعنف. في إيطاليا، أدت “استراتيجية التوتر” التي اتبعها اليمين المتطرف إلى تفاقم العنف السياسي. هذا المناخ دفع إلى “سنوات الرصاص” (Anni di piombo) التي شهدت صعود الألوية الحمراء التي اعتبرت العنف المسلّح هو السبيل الوحيد لتحقيق التغيير.
ترافق ذلك مع بلوغ سباق التسلح النووي بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي ذروته في الستينيات، مما خلق شعورًا وجوديًا بالتهديد من الإبادة الجماعية. هذا التهديد، الذي كان محسوسًا بشكل خاص لدى جيل الشباب، دفع إلى ظهور حركات مناهضة للأسلحة النووية. هذا الوعي شكل رافدًا للحركات الراديكالية التي رأت في النظام العالمي نظامًا انتحاريًا بطبيعته، وخلصت إلى أنّ الطريقة الوحيدة لتفادي الكارثة هي الإطاحة بالنظام نفسه.
ثالثًا؛ الأسباب الاقتصادية:
برغم أن الدول الغربية شهدت ازدهارًا اقتصاديًا في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، إلا أنّ أواخر الستينيات شهدت ظهور ملامح أزمة هيكلية في النظام الرأسمالي. بدأت معدّلات التضخم في الارتفاع مصحوبة بتباطؤ النمو الاقتصادي، وهي ظاهرة عُرفت بـ”الركود التضخميّ”. ويشير هوبسباوم (1994) إلى أن “الستينيات شهدت تزايد الشكوك في فعالية النموذج الاقتصاديّ الغربيّ، مع ارتفاع التضخّم إلى 13.5% في الولايات المتحدة عام 1980” (ص. 403). هذا الوضع أثار الشكوك في شرعية النظام برمّته، وأقنع العديد من الشباب بأنّ الرأسمالية غير قادرة على تحقيق الاستقرار والرخاء على المدى الطويل. بالنسبة لليسار الراديكالي، لم تكن هذه مجرّد أزمة دورية، بل كانت دليلًا على فشلٍ بنيويٍّ لا يمكن إصلاحه.
عدم المساواة المتزايدة
وعلى الرّغم من تحقيق بعض المكاسب الاجتماعية خلال فترة ما بعد الحرب، إلا أن الستينيات والسبعينيات شهدت عودة تدريجية لهيمنة رأس المال الكبير على توزيع الدخل والثروة. فقد ارتفعت حصة الفئات الأعلى دخلًا، في حين استمرّ تآكل القوة الشرائية للطبقات الدنيا والمتوسطة، لا سيما في الولايات المتحدة. يوضح توماس بيكيتي (2014) أن “حصة الـ 1% الأكثر ثراءً في الولايات المتحدة ارتفعت من 25% عام 1945 إلى 35% عام 1970” (ص. 291). هذا الاتجاه عكس خللًا عميقًا في بنية النظام الاقتصاديّ الذي لم يكن يعمل لصالح الأغلبية، بل لصالح النخب المالية والاحتكارية. وقد ساهم هذا الخلل في تغذية شعور متزايد بالغضب الاجتماعيّ لدى الشباب والعمال والمثقفين، تجلّى في شكل احتجاجاتٍ وإضراباتٍ وشعاراتٍ تطالب بتوزيع أكثر عدالة للثروة.
رابعًا؛ الأسباب الاجتماعية:
مثّلت الستينيات لحظة مفصلية في التاريخ الاجتماعيّ للغرب، حيث برز جيلٌ جديدٌ من الشباب لم يعايش ويلات الحرب العالمية الثانية، بل نشأ في ظلّ رخاءٍ نسبيّ، وتوسّعٍ تعليميّ، وانفتاحٍ ثقافيّ غير مسبوق. هذا الجيل سعى إلى إعادة تعريف معاني الحرية، الأخلاق، والهوية. يشير غيتلن (1993) إلى أن “طفرة المواليد أدّت إلى زيادة تأثير الشباب في المجتمع، ليس فقط عدديًا بل ثقافيًا أيضا، حيث أصبحوا فاعلين أساسيين في إعادة تشكيل المعايير والقيم” (ص. 120). كما لعبت وسائل الإعلام دورًا أساسيًا في بناء “ثقافةٍ شبابيةٍ” مستقلة، عابرةٍ للحدود القومية، تتحدث بلغة الروك، والاحتجاج، والتحرّر الجنسي. وهكذا تحولت الفجوة بين الأجيال إلى فجوةٍ بين رؤيتين للعالم: رؤية محافظة تُعلي من الانضباط والتقاليد، وأخرى شبابية تبشّر بالتحرّر، الفردانية، والتجديد الراديكالي.
حركات التحرّر النسوية
برزت الحركة النسوية الجديدة في الستينيات كجزء لا يتجزأ من المدّ الراديكاليّ العام، وقد تلاقحت أفكارها مع اليسار الجديد في معركة واحدة ضد السلطة الأبويّة والرأسمالية. وتوضح مورغان (1970) أن “ارتباط الحركة النسوية باليسار الراديكالي في نضالها ضد الرأسمالية، بوصفها نظامًا يُعيد إنتاج اضطهاد النّساء من خلال السوق والعمل والأسرة” (ص. 45). وقد طرحت نساء مثل سيمون دو بوفوار، وكيت ميلت، وشولاميث فايرستون أطروحات نقدية ترى أن تحرّر المرأة لا يمكن فصله عن النضال ضد السلطة الذكورية التي تتجسّد في السياسة، الدين، والثقافة. النَسَويَة في هذا السياق لم تعد مجرد دعوة إلى “مساواة” بالمعنى الليبرالي، بل مشروعًا تحرّريًا جذريًا يضع سؤال الجندر في صلب التحليل الطبقيّ والسياسيّ.
الجزء الثاني
من الحقوق المدنية إلى البيئة
وحدات بادر ماينهوف
تشكلت وحدات بادر ماينهوف، التي عُرفت لاحقًا باسم الجيش الأحمر (Rote Armee Fraktion – RAF)، في سياقٍ مشحونٍ بالتوترات السياسية والاجتماعية في ألمانيا الغربية في أواخر ستينيات القرن العشرين. جاءت نشأتها عام 1970 كنتيجة مباشرة لتراكم الإحباطات الناتجة عن فشل الحركات الطلابية السلمية في تحقيق تحولّات جذرية في بنية النظام السياسيّ والاجتماعيّ. أسّسها أندرياس بادر وأولريكه ماينهوف، الصحفية والناشطة السياسية، إلى جانب جوديث بيتلر ومجموعة من الشباب اليساريين المتأثرين بأفكار الثورة المسلحة.
من الناحية الأيديولوجية، انطلقت الحركة من مرجعية ماركسية-لينينية-ماويّة مشبعة بأفكار حركات التحرّر الوطني التي ازدهرت في العالم الثالث. لقد استلهمت من تجارب الثورة الكوبية وحرب فيتنام، بالإضافة إلى تأثير الثورة الثقافية الصينية. اعتبرت هذه المرجعيات الكفاح المسلح الأداة الأكثر فعالية لتفكيك النظام الرأسماليّ والإمبرياليّ، ورفضت المسارات الإصلاحية أو السلمية، مؤمنةً بأن التغيير الحقيقي لا يمكن أن يتمّ إلا عبر المواجهة المباشرة والعنيفة مع مؤسّسات الدولة.
اجتماعيًا، انتمى معظم أعضاء الحركة إلى الطبقة الوسطى المثقفة، وكانوا في الغالب طلاب جامعاتٍ أو خريجين حديثين. هذه الخلفية المتميزة فرّقتها عن الحركات الثورية التقليدية ذات الجذور العمالية.
على مستوى التنظيم، اعتمدت الحركة على بنية لامركزية، مما سمح لها بالعمل في سرّية نسبية. وشملت أنشطتها عمليات تفجير لمبانٍ حكوميةٍ وشركاتٍ كبرى، واغتيالاتٍ استهدفت رموز السلطة، وعمليات خطف بهدف الضغط السياسي أو تحرير المعتقلين. من أبرز عملياتها “هجوم مايو” عام 1972 الذي استهدف مقرات الجيش الأميركي. كما لجأت إلى سرقة البنوك لتمويل عملياتها، مرفقةً أعمالها بحملاتٍ دعائيةٍ مكثفةٍ تبرّر أفعالها. على الرغم من الحضور الرمزيّ القويّ الذي اكتسبته، فإن استراتيجيتها القائمة على العنف السياسيّ أدّت إلى نتائج متناقضة، حيث ساهمت في خلق بيئةٍ أمنيةٍ مشدّدة، وإصدار قوانينٍ قمعية، ما أضعف الحركات اليسارية غير المسلّحة.
الألوية الحمراء
تأسّست الألوية الحمراء (Brigate Rosse) في العام 1970، على يد مجموعة من الشباب الإيطاليين، معظمهم من الطلاب والعمّال، وأبرزهم ماريو موري وألبيرتو فرانسيسكي. لم تكن هذه المنظمة مجرّد ردّ فعلٍ عشوائيّ، بل كانت نتاجًا مباشرًا لموجة الاحتجاجات العالمية لعام 1968 في أوروبا، والتي شهدت تمرّدًا ثقافيًا وسياسيًا على القيم المحافظة والأنظمة القائمة. كما نشأت في سياق فترة تاريخية تعرف بـ”السنوات الصعبة (Anni di Piombo)” وهي مرحلة اتّسمت باضطراباتٍ اجتماعيةٍ وسياسيةٍ وعنفٍ سياسيٍّ متصاعد في إيطاليا. كانت البلاد في تلك الفترة تعاني من أزمةٍ سياسيةٍ حادّةٍ وصراعاتٍ بين القوى اليسارية والقوى المحافظة، إضافة إلى انتشار الفقر والتفاوت الاجتماعيّ، ممّا دفع كثيرين للاعتراض على النظام السياسيّ والديموقراطية البرلمانية التي اعتبرتها الألوية غير فعّالة وعاجزة عن تحقيق العدالة.
اعتمدت الألوية الحمراء على الماركسية اللينينية الثورية والماوية كإطارٍ فكريٍّ أساسيّ. تأثرت بشكل كبير بكتابات ماو تسي تونغ وفكر الثورة المسلحة، الذي كان يروّج لفكرة أن العنف هو الوسيلة الوحيدة لإحداث تغييرٍ جذريٍّ في المجتمعات. كانت الألوية الحمراء تؤمن بأن النظام الرأسماليّ والديموقراطية البرلمانية في إيطاليا ليسا سوى واجهة للنظام البرجوازيّ الفاسد الذي يستغل العمّال والطبقات الفقيرة. من هذا المنطلق، اعتبرت أنّ إسقاط هذا النظام لا يمكن أن يتمّ سلميًا، بل عبر الثورة المسلّحة فقط. تبنت الحركة مفهوم حرب العصابات كاستراتيجية رئيسية، معتبرة أنّ الاشتباك يجب أن يكون في المدن وفي قلب النظام، وليس في الأطراف أو المناطق الريفية.
تميّزت الألوية الحمراء بتركيبتها الاجتماعية التي جمعت بين فئات مختلفة من الشباب. كان أغلب أعضائها من الشباب الجامعي، خصوصًا الطلاب المتطرفين سياسيًا الذين فقدوا الأمل في الإصلاح السلمي. كما انضمّ إليها عدد كبير من العمّال الصناعيين في المدن الكبرى مثل ميلانو وتورينو، الذين كانوا يعانون من ظروف عملٍ صعبةٍ وشعورٍ عميقٍ بالاستغلال. هذا المزيج من المثقفين والطبقة العاملة أعطى الحركة قوة مزدوجة، فجمع بين التنظير الثوري والخبرة في ميدان العمل والنضال الاجتماعي. كما ضمّت الألوية أيضًا عناصر من الطليعة السياسية اليسارية التي كانت قد رفضت الطرق السلمية للإصلاح، ورأت في العنف المسلّح السبيل الوحيد للتغيير.
اعتمدت الألوية الحمراء تنظيمًا سريًا للغاية على شكل خلايا صغيرة ومستقلة، بهدف الحفاظ على السرية وتجنّب القمع الأمنيّ الواسع. سمح هذا التنظيم اللامركزي للحركة بالاستمرار والعمل بفعاليةٍ برغم الحملات الأمنية المكثفة. نفذت الألوية الحمراء عمليات متنوعة، شملت الاغتيالات، وعمليات الخطف، والتفجيرات، وسرقة البنوك لتمويل نشاطاتها. استهدفت في عملياتها مسؤولين سياسيين، ورجال أمن، ورجال أعمال، وقضاة، وغيرهم ممن اعتبرتهم جزءًا من “النظام البرجوازيّ القمعيّ”.
بلغت شهرتها الذروة مع عملية اختطاف وقتل رئيس الوزراء الإيطاليّ الأسبق ألدو مورو عام 1978. كانت هذه العملية واحدة من أشهر وأكثر عمليات الألوية الحمراء تأثيرًا، حيث هزّت إيطاليا بأكملها وأدّت إلى انقسامٍ عميقٍ في الرأي العام الإيطالي حول الحركة وأساليبها. كان الهدف من العملية هو الضغط على الحكومة الإيطالية للإفراج عن عدد من أعضاء الحركة المعتقلين.
كانت أهداف الألوية الحمراء واضحة وجذرية. في المقام الأول، سعت إلى إسقاط النظام الرأسماليّ والديموقراطية البرلمانية في إيطاليا وإقامة دولة اشتراكية حقيقية تقوم على أسسٍ ثورية. كما اعتبرت نفسها جزءًا من حركةٍ عالميةٍ لمكافحة الإمبريالية الأميركية وتأثيرها المتنامي في إيطاليا وأوروبا. كان دعم الحركات الثورية في العالم الثالث، خصوصًا في أمريكا اللاتينية، هدفًا رئيسيًا آخر. آمنت الألوية أنّه من خلال كسر المؤسّسات القائمة والقيام بأعمال عنفٍ سياسيّ، يمكنها إحداث “ثورة شعبية” وتحفيز الجماهير على التمرّد ضد النظام القائم.
أثارت الألوية الحمراء موجةً من الخوف والقلق في إيطاليا وأوروبا، ووصفتها السلطات بـ«الإرهابية» بسبب العنف الواسع الذي استخدمته. رداً على ذلك، شنت الدولة حملاتً أمنيةً واسعةً للقضاء على الحركة، واستخدمت قوانين مكافحة الإرهاب، وفرضت إجراءات قمعية أثرت على الحريات العامة. أسهمت الحركة في تصعيد الأزمة السياسية والاجتماعية في إيطاليا خلال «السنوات الصعبة»، ودفعت البلاد إلى حافة الانهيار في بعض الأحيان. تأثير الألوية لم يقتصر على الحدود الإيطالية، بل تعدى ذلك إلى أوروبا والعالم، وأثر في الخطاب السياسيّ حول الإرهاب والثورة، وأثار نقاشات واسعة حول شرعية العنف السياسيّ كوسيلة للتغيير.
حزب الفهود السود
تأسّس حزب الفهود السود (Black Panther Party) في خريف العام 1966 في أوكلاند، بكاليفورنيا، على يد الناشطين هوي نيوتن وبوبي سيل. جاء تأسيسه كرد فعلٍ مباشرٍ وحاسمٍ على العنف البوليسي المتزايد والتمييز العنصري الممنهج الذي تعرض له الأميركيون من أصل أفريقي. كان الحزب يمثل نقطة تحولٍ في حركة الحقوق المدنية الأميركية، حيث تجاوز النهج السلمي الذي تبناه قادة مثل مارتن لوثر كينغ الابن. في حين أنّ حركة الحقوق المدنية ركّزت على التشريعات والمقاومة اللاعنفية، تبنى الفهود السود نهجاً أكثر تصعيداً وواقعية، معتبرين أنّ الدفاع عن النفس هو حقٌ أساسيٌّ وضرورةٌ لمواجهة عنف الدولة.
تميّزت أيديولوجية حزب الفهود السود بكونها مزيجًا فريدًا يجمع بين الفكر القومي الأسود والأيديولوجية الماركسية-اللينينية. سعى الحزب إلى تحرير السود من الظلم، ولم يرَ في المساواة القانونية حلاً كاملا، بل اعتبر أن التحرّر الحقيقي يتطلب تغييرًا جذريًا في بنية المجتمع. تأثر الحزب بشدّةٍ بفكر مالكولم إكس الذي دعا إلى الدفاع عن النفس واستخدام “كلّ الوسائل الضرورية” للردّ على القمع. اعتبر الفهود السود أنّ الكفاح المسلح وحق الدفاع الذاتي ليس مجرّد خيار، بل هو ضرورة حتمية في مواجهة عنف الدولة. في الوقت نفسه، لم يقتصر فكر الحزب على العنف، بل تضمّن رؤية شاملة للعدالة الاجتماعية والاقتصادية.
استقطب الحزب أساسًا الشباب السود في المدن الحضرية الكبرى، لا سيما من الطبقات العاملة والفقراء الذين عانوا من التهميش الاجتماعيّ والاقتصاديّ والبطالة. كان هؤلاء الشباب يشعرون بالإحباط من فشل الحركات السلمية في تحسين أوضاعهم المعيشية، ووجدوا في خطاب الفهود السود القويّ والمباشر ما يعبر عن غضبهم ومعاناتهم.. كما تلقى الحزب تأييداً محدوداً من أقلياتٍ عرقيةٍ أخرى وحركاتٍ يساريةٍ ناشطة داخل الولايات المتحدة، مما عكس قدرته على تجاوز القضية العرقية إلى قضايا طبقية أوسع.
كانت استراتيجية الحزب متعدّدة الأوجه. في البداية، ركّز على إنشاء وحداتٍ مسلحةٍ للقيام بدوريات مراقبة الشرطة في أحياء السود، بهدف ردع العنف البوليسيّ وتوثيقه. هذه الدوريات كانت نقطة قوة للحزب وسببًا في لفت الانتباه الإعلاميّ إليه. أطلق الحزب برامج اجتماعية واسعة النطاق تهدف إلى بناء مجتمع متماسك ومكتفٍ ذاتيًا.. هذه البرامج أثبتت أنّ الحزب لم يكن مجرّد منظمة عنفية، بل حركةً اجتماعيةً تقدّم حلولًا ملموسةً لمشاكل المجتمع.
وضع حزب الفهود السود “برنامج النقاط العشر” الذي تضمن أهدافًا مثل: تحقيق المساواة العرقية وإنهاء التمييز العنصري وحماية السود من العنف البوليسيّ والظلم الاجتماعيّ وبناء قوة سياسية مستقلة للسود تمكّنهم من التحكّم بمصيرهم. بالإضافة إلى ذلك، طالب الحزب بإرساء عدالةٍ اجتماعيةٍ واقتصادية، من خلال برامج تنموية داخل المجتمع الأسود، ومكافحة البطالة، وتوفير السكن اللائق.
أثّر حزب الفهود السود في الحركات التحررية العالمية من خلال ربط القضية السوداء بالنضال العالميّ ضد الاستعمار والإمبريالية. لكن هذا التأثير القوي لم يأتِ دون ثمن، حيث استهدفته السلطات الأميركية بقوة. خاض الحزب معارك شرسة مع مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، الذي شنّ حملة قمع مكثفة ضده، بهدف تفكيكه وإضعافه. وبرغم أن الحزب تراجع بشكل كبير في أواخر السبعينيات، إلا أن إرثه ظل حيًا ومؤثرًا في الخطاب السياسي الذي يتناول قضايا مثل العنصرية والعدالة الاجتماعية.
منظمة الطقس الجويّ في أميركا
تأسّست منظمة “الطقس الجوي” (Weather Underground) عام 1969 كجناح راديكاليٍّ لحركة “طلاب من أجل مجتمع ديموقراطي” (SDS)، وذلك خلال مؤتمر الحركة في شيكاغو، حيث حدث انقسام بين الجناح المعتدل والجناح الثوري. أخذت المجموعة اسمها من جملة في أغنية لبوب ديلان: “You don’t need a weatherman to know which way the wind blows“، لتشير إلى موقفها من الواقع الثوري وعدم انتظار مؤشرات تقليدية للتغيير. نشأت المنظمة في خضمّ أجواء الحرب الباردة، ووسط تصاعد الغضب الشعبيّ ضد حرب فيتنام، واضطهاد السود، وقمع الحركات الاحتجاجية. تأثرت بأفكار ماو تسي تونغ وستالين وكتابات فرانز فانون وتشي غيفارا، ودعت إلى الثورة المسلحة ضد الإمبريالية الأميركية.
آمنت المنظمة بأنّ الولايات المتحدة دولة استعمارية/إمبريالية. رفضت الديموقراطية الليبرالية بوصفها شكلًا مموهًا للهيمنة الطبقية والعنصرية. دعمت حركات التحرّر الوطنيّ في العالم الثالث، واعتبرت الثورة العنفية ضرورة تاريخية، وشدّدت على التضامن مع نضال الأميركيين من أصل أفريقي (مثل الفهود السود)، ومع فيتنام وفلسطين وكوبا.
أغلب أعضاء المنظمة جاؤوا من الطبقة الوسطى، من طلاب جامعات نخبويّة كجامعة كولومبيا، وبركلي، وشيكاغو. كثير منهم من البيض، ومتعلّمين، متأثرين بأفكار الماركسية والراديكالية الطلابية الجديدة، وبعضهم من أسر ليبرالية يسارية.
بعد أحداث 1970، تحوّلت المجموعة إلى منظمة سرّية تعمل في الخفاء، واعتمدت تكتيك “الخلايا المنعزلة”، واتّبعت أسلوب “دعاية الفعل”، أي تنفيذ عمليات رمزية تُظهر مقاومة النظام، ورفضت إلحاق الأذى بالمدنيين، وكانت تُرسِل تحذيرات قبل التفجيرات.
نفّذت منظمة الطقس الجوي عشرات العمليات بين 1970 و1975 مثل تفجير مبنى البنتاغون (1972) احتجاجًا على قصف هانوي، تفجير مبنى وزارة الخارجية (1975) ضد تدخلات أميركا في العالم الثالث، وتفجير مقار الشرطة والبنوك والمحاكم الفيدرالية في نيويورك وواشنطن. وكان لها علاقات تنسيقية غير مباشرة مع مجموعات أخرى مثل الفهود السود، وجبهة تحرير النّساء، ومع حركاتٍ عالميةٍ مثل الجيش الأحمر الياباني.
مع نهاية السبعينيات، تراجعت المنظمة تدريجيًا، وخرج كثيرٌ من أعضائها إلى العلن بعد إلغاء التهم أو عبر تسويات قضائية، بينما بقي البعض مختفيًا لعقود. تركت المنظمة إرثًا رمزيًا مثيرًا للجدل حول حدود العنف الثوري، وأثر اليسار الراديكالي في أميركا.
الجزء الثالث
اليسار الراديكالي العالمي من الجبهة الشعبية إلى الجيش الأحمر الياباني
الجيش الجمهوري الإيرلندي
تعود جذور الجيش الجمهوري الإيرلندي (IRA) إلى عام 1919 خلال الحرب الإيرلندية من أجل الاستقلال ضد بريطانيا. إلا أن الشكل الأكثر راديكالية وظهورًا له كان في أواخر الستينيات، في سياق تجدّد الصراع الطائفيّ والسياسيّ في إيرلندا الشمالية، والذي عُرف بـ”الاضطرابات” (The Troubles). كان هذا الصراع ناتجًا عن التمييز الممنهج ضد الكاثوليك واحتجاجاتهم المدنية المتصاعدة.
في العام 1969، انقسم الجيش الجمهوري إلى جناحين. الأول هو الجيش الجمهوري الإيرلنديّ الرسميّ (Official IRA)، الذي كان يميل إلى الماركسية، وتخلى لاحقًا عن الكفاح المسلح مفضلاً العمل السياسيّ. أما الجناح الثاني، الجيش الجمهوري الإيرلندي المؤقت (Provisional IRA)، فكان أكثر راديكالية، واستمرّ في الكفاح المسلّح، ورفض أي تسوية سلمية لا تتضمن انسحابًا بريطانيًا كاملًا من إيرلندا الشمالية.
قام الجيش الجمهوري على منطلق قوميٍّ أساسيّ، وهو السعي لتوحيد جزيرة إيرلندا في دولة جمهورية واحدة مستقلة، وإنهاء الحكم البريطاني. من الناحية السياسية، دعم الجيش المجتمع الكاثوليكي الذي كان يعاني من التمييز المؤسّسيّ من قبل الحكومة البروتستانتية الموالية لبريطانيا. أما من الناحية الأيديولوجية، فقد جمع فكر الجيش الجمهوري الإيرلندي بين القومية الإيرلندية الراديكالية وبعض الأفكار الاشتراكية، وبخاصةً لدى الجناح الرسميّ.
استقطب الجيش الجمهوري في صفوفه فئات متنوعة من المجتمع الكاثوليكي. كان أبرزهم العمّال والكادحون الذين عانوا من التمييز والفقر، بالإضافة إلى الشباب الناشط في الحركة الحقوقية الذي تعرّض للقمع من الشرطة البريطانية. كما انضم إليه أفراد متشبّعون بثقافة المقاومة والتاريخ الاستعماري البريطاني الطويل لإيرلندا. تلقى الجيش دعمًا لوجستيًا وماليًا من الشتات الإيرلندي، وبخاصة في أميركا.
اتّبع الجيش استراتيجية حرب العصابات في المدن، وتضمنت نصب الكمائن، وتنفيذ التفجيرات، والاغتيالات. استهدف في عملياته الجنود البريطانيين والشرطة الملكية، ووسع نطاق عملياته ليشمل تفجيرات في بريطانيا نفسها بهدف نقل المعركة إلى قلب الدولة البريطانية. اعتمد الجيش على التمويل الذاتي عبر التبرعات من المغتربين، وعمليات تهريب، وفي بعض الأحيان الجريمة المنظمة.
نفذ الجيش العديد من العمليات البارزة، من أبرزها تفجير غيلدفورد وبارمنغهام عام 1974، التي خلّفت قتلى مدنيين وأثارت جدلاً واسعًا حول شرعية المقاومة المسلحة. كما حاول اغتيال رئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر عام 1984 عبر تفجير فندق برايتون. واستخدم بشكل متكرّر تكتيكات القنص والتفجير ضد قوات الجيش البريطاني والشرطة في إيرلندا الشمالية، والاعتماد على السيارات المفخخة والرسائل الملغّمة.
شكّل الجيش الجمهوري الإيرلندي أبرز مثال على حركة مسلّحة قومية في أوروبا الغربية خلال فترة الحرب الباردة، حيث جمع بين الأهداف السياسية والعمل المسلّح. انتهى الصراع تدريجيًا باتفاق “الجمعة العظيمة” عام 1998، الذي أدى إلى نزع سلاح المليشيات مقابل إدماج سياسي واسع. برغم ذلك، بقيت بعض الجماعات المنشقة مثل (Real IRA) تنشط بعد الاتفاق، لكنها لم تحظَ بنفس القبول الشعبي الواسع.
الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين
تأسست الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين رسميًا في كانون الأول/ديسمبر 1967 بقيادة جورج حبش، الطبيب الفلسطيني الذي كان من أبرز وجوه القومية العربية والراديكالية اليسارية في تلك المرحلة. جاءت الجبهة كامتداد وتطوير لـ”حركة القوميين العرب”، لكنها اتّخذت مسارًا ماركسيًا لينينيًا أكثر صرامة. تزامن تأسيسها مع نكسة 1967، التي اعتبرتها الجبهة ليست مجرد هزيمة عسكرية، بل نتيجة لبنية اجتماعية وسياسية فاسدة تحتاج إلى تغييرٍ جذريّ. تأثرت الجبهة الشعبية بالثورة الكوبية والنضال الفيتنامي وفكر ماو تسي تونغ.
تمحورت رؤية الجبهة حول فكرة “تحرير فلسطين من خلال الثورة”، ورفضت أي تسويات أو حلول وسط مع إسرائيل. اعتمدت على خطابٍ ثوريٍّ أمميّ، يرى في القضية الفلسطينية جزءًا من النضال العالميّ ضد الإمبريالية والرأسمالية. تأثرت الجبهة بأفكار فرانز فانون حول العنف الثوريّ، واعتبرت أن فلسطين لا يمكن أن تُحرَّر إلا عبر حربٍ شعبيةٍ مسلحة طويلة الأمد تشمل المنطقة بأسرها.
جذبت الجبهة عناصر يسارية وقومية من الطبقة الوسطى والمثقفين والطلاب، بالإضافة إلى مناضلين من خلفيات عمّالية وشعبية من مختلف دول العالم. كان لها امتداد قوي بين اللاجئين الفلسطينيين في الشتات، خصوصًا في لبنان وسوريا والأردن. تميزت الجبهة بتنظيمها الصارم والعمل السريّ والعسكريّ.
اشتهرت الجبهة بعملياتها الجريئة والعابرة للحدود. كانت أول فصيل فلسطيني يستخدم خطف الطائرات كوسيلة إعلامية وسياسية، وذلك عبر المناضلة ليلى خالد التي خطفت طائرتين في 1969 و1970، ممّا لفت أنظار العالم إلى القضية الفلسطينية. كما نفّذت بالتعاون مع الجيش الأحمر الياباني عملية مطار اللدّ عام 1972، التي أسفرت عن مقتل وإصابة عشرات الأشخاص. نفذت الجبهة أيضًا عمليات في أوروبا وأفريقيا ضد أهداف إسرائيلية وغربية، بالتعاون مع منظمات ثورية مثل بادر ماينهوف (ألمانيا) والألوية الحمراء (إيطاليا).
أقامت الجبهة الشعبية تحالفات قوية مع حركات التحرر العالمية مثل الجيش الأحمر الياباني، وحزب الفهود السود، والجيش الجمهوري الإيرلندي، وفصائل يسارية أوروبية. شاركت أيضًا في مؤتمرات أممية لدعم الكفاح المسلح ضد الإمبريالية. لاحقًا، شهدت الجبهة انقسامات عدة، منها تأسيس “الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين” بقيادة نايف حواتمة، بسبب خلافات أيديولوجية حول الأسلوب الثوري والموقف من العمل السياسي مقابل العمل المسلح.
الجيش الأحمر الياباني
تأسّس الجيش الأحمر الياباني (JRA) عام 1971 على يد فوساكو شيغينوبو ورفاقها، الذين انفصلوا عن الحركة الطلابية اليسارية اليابانية وقرروا تبني الكفاح المسلح لتحرير اليابان من “الهيمنة الإمبريالية” ودعم الثورات العالمية. كان الهدف الأساسي هو تأسيس جيشٍ ثوريٍّ عالميٍّ يعزّز الثورة المسلحة في اليابان وخارجها.
فكريًا، تأثرت المنظمة بالماركسية-اللينينية، وبخاصة نسختها الماوية التي تدعو إلى الثورة المسلّحة العالمية. آمن الجيش الأحمر بأن الثورات التحرّرية في العالم الثالث، مثل الثورة الفلسطينية، هي جزء من الثورة العالمية ضد الرأسمالية والإمبريالية. انضمّ إليها شباب يابانيون من الطبقة المتوسطة والمتعلّمة، ولا سيما طلاب الجامعات.
تنظيميًا؛ عمل الجيش الأحمر كخلايا صغيرة وسرّية، وركّز نشاطه على العمليات المسلحة خارج اليابان. اعتمد على التعاون والتنسيق مع حركاتٍ ثوريةٍ أخرى، أبرزها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. شملت عملياته اختطاف طائرات، تفجيرات، ومواجهات مسلحة مع القوات الأمنية، حيث استخدموا الأراضي العربية كمناطق دعم وتموين. كانت عملية مطار اللدّ عام 1972 من أبرز عملياتهم، حيث أدت إلى مقتل 26 شخصًا وإصابة أكثر من 80 آخرين، وأثارت اهتمامًا عالميًا بأساليب الجيش الأحمر.
الخاتمة
يمكن القول إن ظهور الحركات اليسارية الراديكالية في أواخر الستينيات من القرن العشرين لم يكن ظاهرة منعزلة، بل كان نتيجةً لتفاعلٍ معقّدٍ بين عدة عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية. لقد أدّت حرب فيتنام والقمع السياسي إلى فقدان الثقة في الأنظمة السياسية القائمة، بينما أدّت التحوّلات الاقتصادية وعدم المساواة إلى تفاقم الشعور بالظلم. وفي الوقت نفسه، شكّلت الثورة الثقافية للشباب، ونهوض الحركات النسوية، وحركات التحرر العالمية، وعيًا جديدًا بضرورة التغيير الجذري.
على الرغم من أن معظم هذه الحركات المسلّحة فشلت في تحقيق أهدافها الثورية المباشرة، إلا أنها تركت إرثًا فكريًا وسياسيًا عميقًا. لقد ساهمت في زعزعة ثقة الناس في السلطة القائمة، ودفعت باليسار العالميّ إلى إعادة النظر في أساليب نضاله، كما أنّها شكلت إلهامًا للأجيال اللاحقة في نضالها من أجل العدالة الاجتماعية والسياسية.
:::::
المصدر: 180post.com، بتاريخ August 25, 2025
_________
ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….
