واشنطن – سعيد عريقات – 2/11/2025
تحليل إخباري
في الثاني من تشرين الثاني عام 1917، وجّه وزير الخارجية البريطاني آرثر جيمس بلفور رسالة إلى اللورد روتشيلد، جاء فيها أنّ حكومة صاحب الجلالة “تنظر بعين العطف إلى إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين”. هذه العبارة المقتضبة كانت الشرارة الأولى لواحدة من أكبر الكوارث السياسية والإنسانية في التاريخ الحديث، إذ مثّلت الأساس القانوني والسياسي لإنشاء كيان استيطاني على أرض مأهولة بشعبٍ أصيل، وفتحت الباب أمام قرنٍ من التهجير والعنف والإقصاء.
لم يكن وعد بلفور تصريحاً دبلوماسياً عابراً، بل قراراً استعمارياً متكامل الأبعاد، أطلقه في لحظة كانت فيها بريطانيا تعيد رسم خرائط الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الأولى. فالإمبراطورية التي اقتسمت أراضي المشرق مع فرنسا وفق اتفاقية سايكس–بيكو (1916) لم تكن تسعى فقط لترتيب النفوذ، بل لتشكيل واقع استراتيجي يضمن هيمنتها السياسية والاقتصادية والعسكرية. ضمن هذا الإطار، مثّل وعد بلفور أداة مزدوجة: مكافأة للحركة الصهيونية الناشئة على دعمها للحلفاء، وضماناً لموطئ قدم استعماري في قلب المشرق العربي، يفصل مشرقه عن مغربه ويُبقيه تحت السيطرة البريطانية غير المباشرة.
من منظورٍ حقوقي وتاريخي، كان الوعد تأسيساً لمنظومة استيطان استعماري متكاملة. فقد أغفل النص عمداً أيّ ذكرٍ لحقوق الشعب الفلسطيني السياسية أو القومية، واكتفى بإشارة شكلية إلى “الحقوق المدنية والدينية للسكان غير اليهود”، في صياغة تعكس العقلية الإمبراطورية التي تنظر إلى الشعوب الأصيلة كأقليات سكانية بلا سيادة. لم يحدّد الوعد حدوداً للأرض أو طبيعة الكيان المقترح، ما أتاح للحركة الصهيونية تفسيره على نحوٍ توسعي، مدعومة بسلطة الانتداب البريطاني الذي نفّذ سياسة ممنهجة لتسهيل الهجرة اليهودية ونقل الملكية، ومنح المؤسسات الصهيونية الناشئة صلاحيات واسعة في الأمن والإدارة والتعليم والاقتصاد.
تجلّت هذه السياسات تدريجياً عبر بناء منظمات عسكرية صهيونية مثل “الهاجاناه” و”البلماخ” و”إرغون” و”شتيرن”، التي مارست الإرهاب ضدّ الفلسطينيين بدعم أو غضّ نظر بريطاني مباشر. وفي المقابل، جرى قمع أيّ مقاومة فلسطينية أو محاولة لتنظيم وطني مستقل، بما في ذلك الثورة الكبرى بين عامي 1936 و1939. لقد وضعت بريطانيا، من خلال وعد بلفور ونظام الانتداب، الأسس القانونية والعسكرية والاقتصادية لاقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه، وهو ما تجسّد فعلياً في نكبة عام 1948، حين طُرد أكثر من سبعمئة ألف فلسطيني، ودُمّرت مئات القرى، وأُقيمت دولة “إسرائيل” على أنقاض مجتمعٍ متكامل.
لكنّ المسألة لم تتوقف عند حدود النكبة، بل تواصلت كعملية تاريخية مستمرة. فبلفور لم يخلق مجرد دولة، بل أسّس منطقاً سياسياً يرى في إقصاء الفلسطينيين وتهميشهم أمراً طبيعياً أو حتى ضرورياً. هذا المنطق استمرّ في التحكّم بالسياسات الإسرائيلية اللاحقة، سواء في مصادرة الأراضي في الضفة الغربية المحتلة، أو في فرض الحصار على غزة، أو في التمييز المُمأسس ضد الفلسطينيين داخل الخط الأخضر.
في الواقع، ما نشهده اليوم في فلسطين عامة، وغزة على وجه الخصوص، ليس سلسلة من الأحداث المنفصلة، بل استمرار لذات البنية الاستعمارية التي رسّخها وعد بلفور قبل أكثر من قرن. فالحصار المستمر منذ عام 2007، والعمليات العسكرية الدورية، وتدمير البنى التحتية، ومنع المساعدات الإنسانية، ومصادرة الأراضي في الضفة، وبناء جدار الفصل العنصري هي تجليات معاصرة لسياسات النفي والإقصاء نفسها التي انطلقت مع الوعد البريطاني عام 1917.
التقارير الصادرة عن منظمات دولية مثل “العفو الدولية” و”هيومن رايتس ووتش” و”بتسيلم” توثّق نمطاً متكرراً من الانتهاكات التي تُدرج في نطاق الجرائم الدولية، من الاستهداف الممنهج للمدنيين إلى التدمير واسع النطاق والحرمان القسري من الغذاء والدواء والماء. وقد خلصت تحقيقات أممية مستقلة ومحكمة العدل الدولية إلى أنّ ثمة “أفعالاً قد ترقى إلى جريمة إبادة جماعية” في غزة، في حين تستند “إسرائيل”إلى تبريرٍ دائم تحت شعار “حق الدفاع عن النفس”. لكنّ هذا الخلاف ليس مجرد اختلافٍ في السرد، بل صراعٌ على تعريف القانون الدولي نفسه وعلى حدود إنسانيته أمام موازين القوة.
سياسياً وإنسانياً، تعكس هذه الاستمرارية بين وعد بلفور والواقع الراهن مأساة مركّبة: مأساة مشروعٍ استيطاني ما زال يرى في الوجود الفلسطيني تهديداً يجب تحييده، ومأساة نظام دولي عاجز عن فرض العدالة حين تتقاطع المصالح السياسية مع مبادئ القانون. فالصمت الدولي أمام مآسي غزة، والتجزئة في المواقف الغربية، هما امتدادٌ للمنظور نفسه الذي أنتج وعد بلفور قبل قرن: منظور يُقرّ بحقّ طرفٍ واحد في الأرض والسيادة، بينما يطالب الطرف الآخر بالاكتفاء بالفتات أو العيش تحت الاحتلال.
إنّ فهم وعد بلفور كحدثٍ تاريخي لا يكفي؛ يجب قراءته كبنيةٍ فكرية وسياسية ما زالت تواصل إنتاج النكبة بأشكالٍ جديدة. من هدم البيوت في القدس المحتلة، إلى اقتلاع الزيتون في الضفة الغربية المحتلة، إلى الحصار والإبادة في غزة، تتكرّر ذات المعادلة: الاستيطان والإقصاء كوسيلة لتثبيت مشروعٍ أُسّس على إنكار الآخر. إنّ إنهاء هذا المسار لا يمكن أن يتمّ عبر التفاوض على تفاصيل ثانوية أو الاكتفاء ببيانات إدانة، بل من خلال مراجعة جذرية لإرثٍ عمره أكثر من مئة عام: إرث الاستعمار، والإفلات من العقاب، وإنكار العدالة.
لقد كان وعد بلفور لحظةً مفصلية في تاريخ الظلم الحديث، لكنه أيضاً مرآةٌ تعكس كيف يمكن لوثيقة سياسية قصيرة أن تتحوّل إلى نظامٍ دائم من الإقصاء والهيمنة. وما لم يُعترف جذرياً بهذا الإرث ويُصحّح قانونياً وسياسياً وأخلاقياً، ستظلّ النكبة الفلسطينية مستمرة بأشكالٍ مختلفة، من اللدّ ويافا عام 1948 إلى غزة عام 2025. فالتاريخ لا ينسى، والعدالة المؤجّلة لا تسقط بالتقادم.
_________
ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….
