الحلقة التاسعة والعشرون: قراءة في كتابه “دولة اليهود”
منافع الحل تعود على الأطراف كافة
- منافع “البلد المستعمَر”
- منافع الدول الإمبريالية الراعية – حماية مصالحها
ثالثًا: منافع “البلد المستعمَر”
يبشر هرتسل اليهود وأهل البلد المستعمَر/المستوطَن بأن هجرة اليهود ستكون من مصلحة ذلك البلد، وستعود عليه بمنافع كثيرة بفضل إقامة الدولة اليهودية على أراضيهم. وسواء أقيمت هذه الدولة في الأرجنتين أو فلسطين أو أي منطقة أخرى، فإن ذلك سيعود بالنفع عليهم وعلى الأراضي المجاورة؛ لأن استثمار قطعة أرض ضيقة يرفع قيمة المناطق المجاورة، وستبعث هجرة اليهود قوة في تلك الأراضي الفقيرة.
الدولة العثمانية نموذجًا
أمّا في حالة الدولة العثمانية تحديدًا، فيركز هرتسل على منحها منافع مالية بالغة الأهمية، إذا ما منحتهم قطعة أرض يقيمون عليها دولتهم. وفي التفاصيل، يرى هرتسل أنه إذا ما منح السلطان العثماني الحركة الصهيونية حرية الهجرة والاستيطان في فلسطين:
أ- فسوف يقدم اليهود إسهامات مالية كبيرة تساعد في التخفيف من أزمة الحكومة العثمانية الاقتصادية، وتسديد ديونها، وإقامة مشاريع تجارية واقتصادية تعود بالربح على اليهود والحكومة العثمانية.
ب – إن هجرة اليهود إلى فلسطين ستبعث “القوة في الإمبراطورية العثمانية” في مواجهة التوسع الروسي والحد منه. وهو ما خدم آنذاك مصلحة غربية (خصوصًا المانيا وبريطانيا).
ج- وسيسهم الصهاينة في تأسيس جامعة في إستانبول لإبعاد الشباب التركي عن التيارات الثورية في الغرب.
د- من اللافت أيضًا أن هرتسل عرض وضع النفوذ الصهيوني في خدمة السلطان، كأن تُنظم حملة صحفية على الأرمن الذين كانوا يسببون له المتاعب.[1]
رابعًا: منافع الدولة الإمبريالية الراعية – حماية مصالحها
يميل عدد من الباحثين[2] إلى توصيف العلاقة بين الحضارة الغربية والحركة الصهيونية ب “العقد الصامت”. ومع أنه عقد غير مكتوب، ومصطلح يُستخدم مجازًا، إلَّا أن هذه العلاقة بين الطرفين ترسخت، على مدى يُنيف على قرن من الزمن، سواء في عصر هرتسل وتأسيسه للحركة الصهيونية (1897)، أو بعد قيام الكيان الصهيوني (1948) وإلى يومنا هذا. وهنا تجدر الإشارة إلى أن هرتسل كرر استخدام هذه المفردة للتدليل على “اتفاقية” أو “ميثاق”. أمّا الصهاينة من بعده، فقد أشاروا تكرارًا إلى وعد بلفور بوصفه ميثاقًا أو براءةً، أو عَقدًا مُنح للحركة الصهيونية.
يعود الفضل إلى هرتسل في استخدام معاني العلاقة بين الصهيونية والغرب الاستعماري ومفرداتها؛ فهو الذي: (1) وضّح الفكرة الصهيونية ومشروعها الاستيطاني، ( 2) طرح تصورًا عمليًا بتنفيذ هذا المشروع، (3) وأسس إطارًا تنظيميًا (الحركة الصهيونية) يضم التيارات والحركات اليهودية الناشطة في زمنه على ما بينها من خلافات. وهنا، من الأهمية بمكان، التركيز على الدور المحوري الذي أدَّاه هذا التنظيم، بوصفه الإطار الذي بواسطته يجري “توقيع العقد مع الحضارة الغربية وفرض الصيغة الصهيونية الشاملة على الجماهير اليهودية بحيث تتحول هذه الجماهير إلى مادة استيطانية ويدخل المشروع الصهيوني إلى حيز التنفيذ”.[3]
ماذا يعنى “العقد الصامت”؟
لقد صاغ هرتسل العلاقة بين الصهيونية والحضارة الغربية “استنادًا الى الصيغة الأساسية الشاملة التي نبعت من صميم هذه الحضارة (يقصد الغربية) ومن تاريخها الفكري والاقتصادي والسياسي”. وتحدد بنود هذا العقد العلاقة بين يهود العالم والغرب، وكذلك تحديد العلاقة بين اليهود أنفسهم، أي الشرقيين والغربيين.
ومن دون الاستفاضة، نوجز الهدف الرئيس لهذا العقد:
□ تتعهد الحركة الصهيونية بمقتضى هذا العقد بإخلاء أوروبا من يهودها (أو على الأقل من الفائض البشري اليهودي) وتوطينهم في منطقة خارج العالم الغربي.
□ يتحقق ذلك بتأسيس موقع للمستوطنين يكون قاعدة للاستعمار الغربي.
□ تتعهد الحركة الصهيونية بتحقيق مطالب الغرب ذات الطابع الإستراتيجي وهي بالأساس الهيمنة على الوطن العربي وثرواته والحفاظ على تجزئته وتفتيته.
□ مقابل ذلك يقوم الغرب برعاية المشروع الاستيطاني الصهيوني ودعمه وضمان بقائه واستقراره.
بعبارة أخرى، يجوز لنا القول أن هرتسل قايض حماية “الحضارة الغربية” مقابل دعم مشروع استعماري استيطاني غربي والحفاظ على ديمومته، وهو ما تعنيه في الجوهر معادلة: سنحمي حضارتكم الغربية إذا ما دعمتم مشروعنا وإقامة دولتنا والحفاظ على بقائها. لذا يصبح من المشروع طرح السؤال التالي: ما المقصود هنا حقًا، هل هو الحضارة الغربية، أم المصالح الاستعمارية للغرب الإمبريالي؟ وسوف نعود لاحقًا للإجابة عن هذا السؤال.
وهناك أهداف أخرى لهذا العقد منها:
– تخليص الغرب من “اليهود الزائدين”.
– التخلص من العناصر الثورية بتسريبها الى خارج المجتمعات الأوروبية، أي بإزاحتهم من مجتمعاتهم وأوضاعهم الطبقية إلى الخارج، إلى مجتمع جديد، ما سيؤدي إلى تقويض تطلعاتهم الثورية وتخفيف التوتر والتناقضات الاجتماعية.
– تقوم الحركة الصهيونية “بحشد يهود العالم وراء المشروع الصهيوني – الغربي بحيث يصبحون عملاء ووكلاء للغرب أينما حلّوا”.[4]
الحركة الصهيونية والغرب: هرتسل هو الجسر
لقد نجح هرتسل في مسعاه لاستمالة القوى الاستعمارية الغربية ويهود العالم وإرضاء الأطراف كافة. فقد عمد في صياغة العلاقة بين هذه الأطراف واستخدام الخطاب البراغماتي إلى ضمان: (1) رضا اليهود الشرقيين، (2) عدم إفزاع يهود الغرب، والتهدئة من روعهم، (3) التمهيد للقوى الإمبريالية كي تضع المشروع الصهيوني موضع التنفيذ.
وفي هذا تميّز هرتسل عن مَن سبقه من قادة الفكرة الصهيونية، ونجح في أن يكون جسرًا بين الجماعات اليهودية المختلفة، ما مهّد لتحويل الصهيونية من فكرة إلى مشروع استيطاني استعماري عملي.
ملاحظات نقدية
1- “التفوّق الحضاري الغربي” ذريعةً للسياسات الاستعمارية
تُعزز أطروحات هرتسل بشأن “الحضارة الغربية” ضمنيًا سردية “التفوّق الحضاري الغربي”. وهذا “التفوق” في حقيقته وجوهره غلاف أيديولوجي وسياسي اختلقه الغرب ذريعةً لتبرير سياساته الاستعمارية والنهبوية التي دامت قرونًا من السيطرة الاستعمارية ونهب ثروات شعوب الجنوب (العالم الثالث) باستخدام الوسائل المتعددة من التدخل والاحتلال العسكري، إلى فرض شروط وسياسات اقتصادية مجحفة عن طريق صندوق النقد الدولي والبنك العالمي وغيرهما.
فالتحليل المادي للتاريخ، يُظهر أن الغرب، الذي يتبجح بأنه منبع الحضارة والتنوير والرقي، قد أقام تنميته وتقدمه الاجتماعي والاقتصادي ورفاه شعوبه على نهب ثروات الشعوب المستعمَرة (نهب الذهب والفضة في التاريخ الأمريكي، عبودية الأفارقة، حروب الأفيون التي ابتليت بها الصين وغيرها من شعوب آسيا). وعلى مدى قرون من تطور المجتمعات الغربية الرأسمالية، كان الغرب الرأسمالي – الإمبريالي يمر بأزمات (ولا يزال) بنيوية عضوية تؤكد وتفسر الوهن والانحلال الذي يمر الغرب بهما في العصر الحالي.
2- الكيان الصهيوني من “قاعدة إمبريالية إلى محمية”
في مقال بعنوان “من قاعدة إلى محمية – لماذا هرول الغرب إلى الكيان”، يجادل د. عادل سماره أن الكيان الصهيوني قد تحوّل من قاعدة للإمبريالية الغربية في الوطن العربي إلى محميةٍ مباشرة للغرب، نتيجة تغيّرات في موازين القوى المحلية والإقليمية والعالمية بعد “طوفان الأقصى” في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023. ويرى سمارة أن الغرب، الذي أسس الكيان ليكون قاعدة له في الوطن العربي، وجد نفسه مضطرًا للتدخل المباشر، عسكريًا وسياسيًا ودبلوماسيًا واقتصاديًا، لإنقاذ الكيان بعد اهتزاز قدرته على حماية نفسه. ويؤكد أن الكيان ليس عبئًا على الغرب بل استثمار استراتيجي مربح؛ فالغرب يجني من وجوده في قلب الوطن العربي تريليونات الدولارات من الثروات والأسواق العربية.[5]
استنتاجات
بمقدورنا، استنادًا إلى ما أتينا عليه سابقًا، التوصل إلى الاستنتاجات التالية:
1- سوف تنتفع الدول الإمبريالية من رعايتها ودعمها للمشروع الصهيوني. فمع هجرة اليهود وخروجهم من المجتمعات الأوروبية ستكون نهاية معاداة اليهود، ويُعفى الغرب من المشكلة اليهودية. ويؤكد هرتسل، للتهدئة من روع الدول الراعية، أن هذه الهجرة ستجري على نحو تدريجي ومنظم وفق مصالحهم في التخلص من اليهود.
2- تكمن إحدى أهم المنافع التي ستقدمها الصهيونية للدول الاستعمارية الغربية، في أن المشروع الصهيوني سيضع المادة البشرية اليهودية في خدمة الدول الداعمة لهذا المشروع. ويبيَّن هرتسل أن القوى الغربية ستستفيد من الهجرة اليهودية ومن الدور الذي سيضطلع به اليهود المهاجرون والوظيفة التي سيؤدونها لتحقيق مصالح الدول الإمبريالية الداعمة لتنفيذ المشروع الصهيوني. أما اليهود الذين يستمرون في العيش خارج “الوطن اليهودي الجديد” فسيكونون أيضًا في خدمة الدول المانحة السيادة للكيان الصهيوني وحماية مصالحها ونفوذها.
3- تقوم علاقة الدولة اليهودية المنشودة مع القوى الاستعمارية، على أساس أنها “دولة وظيفية”، وسيكون الغرب مصدر السيادة لها، فهو الذي سيرعى الدولة ويحميها لأنها ستدور في فلكه وتخدم مصالحه.
4- سوف تكون الدولة اليهودية المزعومة جدارًا لحماية أوروبا من آسيا ومخفرًا أماميًا للحضارة الغربية في وجه البربرية.
_________
ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….
[1] عبد الوهاب المسيري، “موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية”، المجلد 6، الطبعة الأولى، دار الشروق، القاهرة، 1999، ص 233.
[2] أنظر د. عبد الوهاب المسيري، فصل “العقد الصامت بين الحضارة الغربية والحركة الصهيونية”، في “موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية”، المجلد 6، الطبعة الأولى، دار الشروق، القاهرة، 1999، ص 38-50.
[3] د. عبد الوهاب المسيري، المرجع السابق، ص 38.
[4] د. عبد الوهاب المسيري، المرجع السابق، ص 39.
[5] انظر مقال د. عادل سمارة، “من قاعدة إلى محمية: لماذا هرول الغرب إلى الكيان؟ في موقع “كنعان”، على الرابط التالي:
