الكتاب: صدام الحضارات: إعادة صُنع النظام العالمي
مجموعة كتاب عن مركز الدراسات الإستراتيجية والبحوث والتوثيق، يروت 1995
المؤلف: صامويل هنتنجتون
لم يكن هنتجتون مجرد مفكر حربالمعنى الإنساني،بغض النظر عن مستواه النظري أو حتى الفلسفي المجرد، إن كان من السهولة بمكان تجريد الفلسفة من موقع الفيلسوف الطبقي والإيديولوجي، بل هو أداة إيديولوجية للرأسمالية في مرحلة متأخرة منها اي الإمبريالية وخاصة حقبة العولمة وتأزُّم سياستها النيولبرالية. وبهذا المعنى يكون الإيديولوج مقاتلاً في الدفاع عن راس المال مما يُفقده إنسانيته.
لذا، حين تقرأه، ورغم أن عنوان كتاباته صراع الحضارات، إلا أن طروحاته تعج بالتناقضات التي تُغطى عبر طرحه تعدد الإحتمالات تلافياً لاصطياده في خلل هنا وآخر هناك.
” اذن الفروق بين الحضارات ليست فروقا حقيقية وحسب بل هي فروق اساسية . فالحضارات تتمايز الواحدة عن الأخرى بالتاريخ واللغة والثقافة والتقاليد والأهم الدين” ص 20
على خلفيته كخادم لراس المال وتوحشه عبر كل تاريخه ينفي الطابع المركزي للحضارة ويُعلي طابع آخر ليصبح هو الأساس.
لا يذكر هنتجتون دور نمط الإنتاج والتشكيلة الإجتماعية الإقتصادية في اية حضارة، رغم أن العمل والإنتاج وتوزيع الإنتاج والحق فيه هي العوامل التي تتشكل على ضوئها واثرها الحضارات. لم يكن التاريخ والجغرافيا واللغة هي السمات الأساس لمرحلة العبودية او ألإقطاع أو الراسمالية أو الإشتراكية، بل علاقات الإنتاج التي تُشكل ثقافة وحضارة أية تشكيلة إجتماعية اقتصادية لأنها تمس موقع ودور وحق الإنسان مباشرة. وتقوم على نمط الإنتاج في تشكيلة إجتماعية ما بُنى طبقية تتصالح أو تقتتل بناء على المصالح المادية في هذه التشكيلة أو تلك. تتاثر الجغرافيا والتاريخ واللغة ومن ثم الثقافة بطبيعة العلاقات الإجتماعية والإنتاجية في بد ما وبين بلد وآخر.
لذا لا تقوم صراعات العالم على اللغة ولا على الثقافة ولا على اللون، وإن كانت موجودة ولها دور ما، بل على الصراع الطبقي المحلي او الصراع القومي بين بلد وآخروالذي جوهره طبقي لأنه صراع تقوده طبقة من بلد ما طمعا في نهب خيرات بلد آخر وتحتفظ تلك الطبقة بالمنهوب أو ناتج الإستغلال الإقتصادي أو التبادل اللامتكافىء لنفسها وليس لمختلف الطبقات الأخرى التي هي:
· التي تعمل وتنتج محلياً، اي يتم إستغلالها من نفس الطبقة التي تقود حرباً ضد أمة أو اممٍ أخرى
· وتقاتل وتُقتل في العدوان الذي تقوم به الطبقة الرأسمالية، طالما نتحدث عن العصر الحالي، ضد امة أو امم أخرى
وهنا يكون التاريخ سجلاً لهذه الصراعات وليس ، اي التاريخ، عامل مادي مستقل بذاته بل هو كالإنتاج نتيجة لجهد البشر. كما تكون اللغة شعرا ونثرا وتسجيلا وكذلك الفن …الخ اي كل مكونات الثقافة نتاجاً للعامل الإجتماعي المادي الذي نحاول توضيحه.
هذا الخلط والخرط من هنتجتون مقود بالإيديولوجيا الرأسمالية المتوحشة في خدمتها للطبقة الرأسمالية بتعدد فئاتها/شرائحها وبالتالي تطغى الإيديولوجيا على الثقافة وتعيد تشكيلها طبقاً لمصالح الطبقة الرأسمالية التي بما لها من شركات تُدير السلطة/الدولة في خدمتها.
ويتضح غرق هنتنجتون في خدمة راس المال حين يضع الدين فوق مختلف العوامل التي تشكل الحضارة،حسب تصوره. هذا مع أن الدين جزء من الثقافة ليس أكثر.
لا يختلف الدين كدين/إيماني، أو دين أرضي، سواء كان المجتمع اي التشكيلة الإجتماعية الإقتصادية إقطاعية أو راسمالية أو غيرهما بل تمكنت الرأسمالية الغربية تحديداً من تطويع الدين المسيحي الغربي واليهودي في خدمة راس المال مما نقل الدين إلى دينسياسي طبقي وأداة في خدمة رأس المال بما هو سلطة.
والأنكى من ذلك أن هذه الإيديولوجيا الراسمالية الغربية قد لقحت الشرق ونقلته من الإيمان إلى الدينسياسي ولكن دون تطور ولا تصنيع فتحول ، وكان هذا هو المقصود، إلى إرهاب.
وهنا نعثر على مقصد خبيث، سواء مقصود أو غير مقصود، وذلك في إطار الأهمية القصوى أو العامل الحاسم والمقرر للدين، حيث الخبث في نجاح الغرب في رسملة الدين إلى جانب التصنيع بدرجات لامتناهية مقابل رسملة إرهابية للدين في المحيط وخاصة في الوطن العربي إلى جانب إحتجاز التطور المقود بخنق أو منع التصنيع إلى جانب التجويف والتجريف وخاصة في الوطن العربي تجويف الوعي الشعبي بالقمع بهدف تسهيل تجريف الثروة وعدم قيام مقاومة ضد ذلك.
من جانب آخر، بودِّنا التساؤل: هل الحضارة تراكمية ومحصورة كل حضارة في عرق خاص بها أو خاصة به،أم هي متغيرة متداخلة مع غيرها ؟ وهل ينطبق هذا على الثقافة؟
لا شك أن هذه التغيرات صعبة وبطيئة، ولكن ليس تغيرها مستحيلاً. وهنا نعود إلى العامل الإنتاجي المادي اي نمط الإنتاج وما يُحدثه من تغيرات في مختلف مكونات حضارة ما. هل تختلف ثقافة راسمالي في الصين الحالية عن ثقافة راسمالي في الولايات المتحدة؟ أم أن ما بينهما هو تناقض مصالح طبقية رأسمالية وبالتالي ليس الفرق أن الراسمالي المسيحي الأمريكي قد يذهب إلى الكنيسة في نهاية الأسبوع بينما الرأسمالي الصيني قد يحضر جلسة للحزب الشيوعي الصيني.
في تركيز إيديولوجيي الإمبريالية على الدين وإعطائه أو دفشه لأبعد من دوره ومداه في الشرق خاصة، يقوم هؤلاء بخلق تناقض وصراع بين الدين والعلمانية مما يحصر المجتمع في صراع هو في الحقيقة زائد عن الحاجة .
وهذا التناقض يأخذ المجتمع بعيداً عن التنمية والتصنيع فيبقى في حالة صراع داخلي يدور على محوره في عملية غير لولبية حلزونية بل أفقية بحتة.
ليس التصنيع نقيضاً للدين ولا للثقافة لأنه نقيض التخلف، ولذا يركز إيديولوجيوا الغرب الإمبريالي في شرح بلدان المحيط وخاصة الشرق على تناقضها مع الدين ،أي تشويه حقيقتها، بإظهارها ضد الدين مما ينعش الطائفية ومن ثم دخول المجتمع في صراع طائفي وهو نمط الصراع الذي لا ينتهي ولا يوصل إلى حل بل يصبح هو شغل المجتمع الطائفي ليدور فيه كحلقة مفرغة بعيدا عن الصناعة والتنمية ويلتجىء إلى الريع إما المحلي أو ريع تسليم الوطن لسيد إستعماري وبقاء السكان كقطيع لا أكثر.
فتوى نقضها الواقع:
حول اهمية الثقافة يقول هنتنجتون : ” وتتجه الصين الأم وتايوان نحو علاقات اوثق” ص22
لكن الواقع كذَّب هذه الفتوى فموقف الصين أن تايوان جزء منها وبالتالي يُمنع عليها الإنفصال وترفض الصين إعتراف اية دولة بتايوان. وإذا كانت الصين لم تستعيد تايوان بالقوة فذلك لا يعني أن العلاقات أوثق بل الحسم مؤجلً بغض النظر عن أسلوب الحسم. فتايوان مجرد محمية أمريكية بل هي اكثر القضايا التي قد تقود إلى حرب ضروس بين الصين وأمريكا وهذا ما نشهده اليوم.
ويقول: ” كما تمثل الثقافة والدين اساس منظمة التعاون الإقتصادي التي تضم 10 دول إسلامية غير عربية، إيران وباكستان وتركيا واذربيجان وكازاخستان وقيرغيزيا وتراكمانستان وطاجيكستان وأوزبكستان وأفغانستان” ص 23.
وهل هذا الأساس متيناً وقيد التطبيق؟ فاذربيجان المسلمة الشيعية تقف بوضوح مع الكيان الصهيوني وأمريكا ضد إيران المسلمة الشيعية رغم الجامع الديني الطائفي بينهما. كما ان تركيا وإيران اتخذتا وحتى اليوم موقفين متناقضين تجاه سوريا، وقامت إيران بدعم امريكا ضد أفغانستان.
” عام 1990 عندما أرسلت الولايات المتحدة جيشا حاشدا إلى الخليج الفارسي للدفاع عن بعض البلدان العربية ضد عدوان بلد عربي آخر. وفي إثر ذلك أخذ تخطيط الأطلسي يتجه بصورة متزايدة صوب التهديدات المحتملة وعدم الإستقرار على امتداد جناحه الجنوبي” ص 25.
أين الثقافة والدين في هذا المقتطف؟ فأمريكا والدول العربية التي قاتلت ضد العراق بل إعتدت عليه، لا يجمعها مع هذه الدول لا الثقافة ولا الدين! بل المصالح الإقتصادية التي من المحال أن هنتنجتون لا يراها، ولكنه، بناء على وظيفته كعميل أمني وإيديولوجي أمريكي، يجب أن يخفيها.
وإذا إفترضنا أن العراق قد إعتدى على الكويت التي هي جزء من أراضيه وقوميته، فهل كانت أمريكا بعدوانها ضد العراق مجرد فاعل خير؟ هذا الأسلوب، في العرض والتحليل الذي يخفي السبب الأساس وراء العدوان الأمريكي ضد العراق اي الإقتصاد وتحديداً نفط العراق والكويت، وقح واحتقاري للقراء.
ومن جهة أخرى، ما هي التهديدات المحتملة للجناح الجنوبي للأطلسي هل هي غير مصالح الغرب الإقتصادية الإستعمارية الإستغلالية في هذه المنطقة؟ وهل اساس هذه المصالح هو في الدين أو اللغة أو الثقافة أو التاريخ أو الجغرافيا!
” ومن الناحية التاريخية ، فان التفاعل العدائي الاخر للحضارة العربية-الاسلامية كان من الوثنيين وعبدة الأرواح ، وحاليا من الشعوب السوداء المسيحية على نحو متزايد في الجنوب. وفي الماضي كان هذا التناقض يرمز له بصورة تجار الرقيق العرب والأفارقة السود” ص 25″
من أكثر القضايا تحريفاً هي ما تسمى “تجارة الرقيق العربية في إفريقيا” فهي تجارة ثلاثية تبدأ من الطلب السوقي التجاري الغربي وخاصة الأمريكي على العمالة الإفريقية ووساطة العرب ودور “مشايخ” الأفارقة أو الزعماء القبائليين. أما التناقض بين الحضارة العربية الإسلامية وبين الشعوب السوداء المسيحية فهو تناقض التخلف المزدوج والذي كونه تخلفاً يتخذ الشكل الديني. ومن يلاحظ تطورات السنوات الأخيرة فإن في إفريقيا أنظمة جديدة ترفض الوجود الإمبريالي المسيحي الغربي وتتجه إلى الصين.
في حديثه عن حرب الخليج، اي العدوان الثلاثيني ضد العراق يستشهد بموقف نظامين لم يقولا قائديهما الخميني والملك حسين حقيقة موقفيهما من العراق فيقول السيد الخميني:
” إن النضال ضد العدوان الأميركي وأطماع الأمريكيين وخططهم وسياساتهم سوف يحسب جهادا ، وكل من يقتل في سبيل ذلك هو شهيد” .ص 29.
فحديث السيد الخميني هو عام وغير محدد، لم يقل بأنه يقصد العدوان ضد العراق. وإن كان يقصد الجهاد والشهادة حقاً، كان يجب أن يطلب من الإيرانيين الذين هم تحت حكمه أن يشاركوا في الدفاع عن العراق. بل إن ما حصل حينها، كما ورد في تقارير إخبارية، هو تشجيع إيراني لجنوب العراق ضد الدولة بما أنهم عرب شيعة. بل إن إيران مثل سائر الدول العربية التي قاطعت وحاصرت العراق تلبية للقرار العدواني الغربي وهو ما أهلك العراق لثلاث عشرة سنة. كما تكررت مقاطعة سوريا بموجب قانون قيصر الذي فرضته أمريكا عام 1919 حتى سقط النظام علماً بأن الحصار والتجويع هذا كان العامل الحاسم في إنهيار الدفاع السوري. هنا يجب أن نتذكر بأن ذلك الحصار كان في فترة ترامب الأولى اي أن ترامب أكبر من ساهم في إسقاط الدولة السورية.
ورأى عاهل الأردن الملك حسين :”إن هدف هذه الحرب هي ضد كل العرب وجميع المسلمين وليست ضد العراق وحده”
وينطبق نقدنا هذا على مزاعم الملك حسين في الأردن، فطالما الحرب ضد كل العرب فهل قدم الأردن شيئاً لصالح العراق؟ بل يجوز لنا قياساً على إرتباط النظام الأردني بالإمبريالية أن نتوقع بأن الأردن قدم تسهيلات للعدوان. كيف لا وقد قام بالتطبيع مع الكيان الصهيوني برعاية أمريكية بعد بضع سنوات من العدوان ضد الكويت. ولست أدري مدى دقة تقارير تقول بأن الأردن ساهم في خدمة العدوان الذي اسقط الدولة العراقية 2003.
إن اي تحليل لحرب تقودها الإمبريالية لا يمكنه تجاهل الدافع الأساس للحرب وهو العامل المادي الإقتصادي وهو في هذه الحالة سيطرة أمريكا على نفط العراق اسوة بالنفط الخليجي عامة، وهو ما يؤكد عليه جون بيركنز أحد أهم عملاء الإمبريالية اي مؤلف كتاب “إعترافات قاتل إقتصادي” .
“وكذلك ستحدث النزاعات بين الدول والمجموعات داخل الحضاره نفسها، بيد انه من المرجح ان تكون هذه النزاعات اقل حدة ، وان يكون احتمال توسعها اقل مقابلة بنزاعات ما بين الحضارات … فبين عامي 1991 و 1992 انزعج كثير من الناس من احتمال نشوب نزاع عنيف بين روسيا واوكرانيا على الأرض، وخصوصا شبه جزيرة القرم واسطول البحر الأسود والاسلحة النووية والقضايا الاقتصادية . ونظرا الى ان الحضارة هي الامر المهم، فقد كان من الطبيعي ان يقل احتمال تفجر العنف بين الروس والاوكرانيين،فهما شعبان سلافيان واورثوذكسيان في الأساس تربطهما علاقات وثيقة منذ قرون طويلة” ص 31
حين نضع هذا المقتطف تحت مجهر اليوم الحالي نجد أننا أمام كتابة صحفية تعيش وقتا قصيرا ولسنا أمام فكر إستراتيجي إلا إذا كان الكاتب مرتبط مخابراتيا ويكتب لخدمة مخطط عدواني ما في فترة ما. إن كون روسيا واوكرانيا سلافيتين وأرثوذكسيتين كان يجب، حسب تحليلات هنتنجتون، أن لا تنفصلا. وبنفس المعيار خاصته كان يجب أن لا تقوم عدة دول عربية بالمشاركة في عدوان 1991 ضد العراق. كما أن الحضارة المشتركة لروسيا وأوكرانيا لم تقد إلى تبريد التناقض بينهما، وها هما في حرب ضروس منذ ثلاث سنوات. لقد تفجر العنف بينهما بأبشع ما يكون، كما أن الغرب غير السلافي وغير الأرثوذكسي هو الذي تتحالف معه أوكرانيا وتحولت إلى راس حربه له ضد روسيا. هنا يحضر العامل الطبقي والمصلحة الإقتصادية للسلطة الحاكمة في أوكرنيا حيث تزيح من طريقها الطائفة والعرق.
ومع ذلك يحفظ خط الرجعة فيقول:
” لا يقول هذا المقال ان الهويات الحضارية ستحل محل الهويات الأخرى، وان الدول الأمم سوف تختفي ، وان كل حضاره ستصبح كيانا سياسيا متماسكا موحدا، وان المجموعات داخل حضارة ما لن تتنازع ولن تحارب بعضها بعضا . إن هذه الورقة تطرح فروضا من ان الخلافات بين الحضارات حقيقية ومهمة، وان الوعي بالحضارة آخذ في التزايد، وان النزاع بين الحضارات سيحل محل الأشكال الإيديولوجية وغيرها للنزاع، باعتباره الشكل العالمي المهيمن للنزاع” ص 40
يجد القارىء نفسه امام خلطة من الفرضيات المتعددة والمتناقضة مما يغطي على ما يريده الكاتب. فإذا كانت ” الهويات الحضارية لن تحل محل الهويات الأخرى” فهل الهويات الأخرى ليست حضارية، هل هي قاصرة؟ وإذا كانت قاصرة فاحتمال الحلول محلها وارداً على الأقل حسب النظرية العنصرية لهيجل عن “أمم بلا تاريخ” أي يسهل إبتلاعها أو تذويبها. هل المقصود أن الحضارة الغربية لن تحل محل الهويات الأخرى التي كما يبدو أنه يراها أقل من حضارات!.
لكن الكاتب يعود لأطروحته الأساسية بأن الصراع بين الأمم هو صراع حضارات وبالتالي هو برأيه ابدي.
الكاتب من مخلفات الحرب الباردة التي يعتبرها البعض فترة صراع الإيديولوجيات، بمعنى الإشتراكية والرأسمالية وهذا الفهم الذي أُقيمت عليه أكذوبة “أنتهاء عصر الإيديولوجيا” بعد هزيمة الكتلة الإشتراكية. وإذا صح شيئا من مسألة الهزيمة من ناحية عملية فهي هزيمة العمل مقابل راس المال، والعمل والإشتراكية ليست إيديولوجيا بل واقع اجتماعي مادي إنتاجي وصراع طبقي حتى لو تغطى بأنه قومي. إن ما حصل هو تكريس إيديولوجيا السوق ، لفترة زمنية معينة ،التي تخفي بقصد الوجود الطبقي لأنه لم يتحول إلى حضور فاعل كصراع وفي هذه الحالة هو صراع طبقي اجتماعي ملموس وليس حضاري بالمعنى المهلهل وغير الملموس.
ومن جهة ثانية، فقد إنتهت فترة أو بهجة إنتصار رأس المال ودخلت بلدان المركز في أزمات إقتصادية وخاصة الولايات المتحدة سواء عام 2008 ومن ثم أزمة كوفيد وما تمر به أمريكا الآن، وهذه الأزمات ليست أزمات حضارية بالمعنى الذي لا يجد تفسيرا مناسبا بل ومقصود أن لا يجد تفسيرا، بل ما يحصل هو تغول رأس المال على العمل وصولاً إلى إتساع رقعة الفقر وبالتالي فازمة الراسمالية الداخلية اي في الدولة الواحدة أو في النظام الراسمالي العالمي هي أزمة طبقية وإيديولوجية ايضاً.
أما على الصعيد الدولي، فهل الإستهداف الأمريكي المعلن ضد الصين هو صراع حضاري أم صراع طبقي في ثوب أمتين ؟
هل هدف أمريكا من الإقتراب من عدوان ضد الصين لأن الصين حضارتها كونفوشوسية؟ أليست الصين ضمن النظام الراسمالي العالمي ولو نصف منخرطة، وإذا كانت الرأسمالية هي من “حضارة الغرب” فيجب أن تكون أمريكا سعيدة بهذا الإقتراب لا أن تجهز للعدوان لأن الصين تتوسع إنتاجيا وتأكل من حصة أمريكا في السوق العالمية.
ويقول الكاتب:
” ومن ثم سيتعين على الغرب ان يتراضى بصورة متزايدة مع هذه الحضارات الحديثة غير الغربية التي تقترب قوتها من قوته، وان كانت قيمتها ومصالحها تختلف بصورة كبيرة عن قيمه ومصالحه. ويقتضي هذا ان يحتفظ الغرب بالقوة الاقتصادية والعسكرية الضرورية لحماية مصالحه بالنسبة الى هذه الحضارات . بيد ان ذلك يقتضي ايضا ان يطور الغرب فهما اعمق للفروض الدينية والفلسفيةالاساسية الكامنة وراء الحضارات الاخرى والطريقة التي ترى بها شعوب هذه الحضارات مصالحها. وسيقتضي ذلك جهدا لتحديد العناصر المشتركة بين الحضارة الغربية وغيرها من الحضارات. وبالنسبة الى المستقبل، لن تكون هناك حضارة عالمية، بل عالم يضم حضارات مختلفة ينبغي ان يتعلم كل منها التعايش مع غيره” ص 41
هل هو خلط قائم على الصدفة أم قائم على الخبث! وسواء كان هذا أوذاك، فالكاتب لا يهدف تقديم تطوير فكري إنساني ابداً بل جوهر أطروحته هو:كيف يمكن للغرب أن يحافظ على مصالحه في بلدان الحضارات الأخرى. وهذا جوهر أطروحته بغص النظر عن تخفيها خلف فرضيات متناقضة.
ولكي يحقق ذلك يقول بأن على الغرب ان يتراضى بصورة متزايدة مع هذه الحضارات الحديثة غير الغربية التي تقترب قوتها من قوته وتحديد العلاقات المشتركة بالحضارات الأخرى وأن تتعايش الحضارات مع بعضها”. لكنه هو نفسه الذي يقول: ” ويقتضي هذا ان يحتفظ الغرب بالقوة الاقتصادية والعسكرية الضرورية لحماية مصالحه بالنسبة الى هذه الحضارات”
كيف يتفق التعايش مع الحضارات الأخرى مع حفاظ الغرب على مصالحه في بلدان الحضارات الأخرى؟ لماذا له مصالحاً؟ وكيف حصلت؟ وهل من حقه الحفاظ عليها في بلدان أخرى؟ هنا كلمة مصالح خادعة، لأنها قواعد أو مستعمرات إقتصادية نهبوية بل أحيانا تقشيطية وهنا بيت القصيد. ولذا يستخدم ضرورة القوة الإقتصادية والعسكرية للغرب كي يحافظ على وجوده الإستعماري في البلدان الأخرى وهذا يذكرنا مجدداً ودائماً بأن الكاتب يتهرّب من الصراع الإقتصادي خلف ملاءة صراع الحضارات..
هذا النص يؤكد أن هنتنجتون مجرد مفكر إيديولوجي راسمالي عنصري بلا رتوش. وهو إحدى أدوات الإمبريالية.
أطروحة هنتنجتون تجد تفسيرها بل تطبيقها في سياسات الولايات المتحدة خاصة على الصعيد العالمي أي “اصدقاء” بالقوة. أما اوضح وأوقح تعبير عنها فمواقف الرئيس الأمريكي الحالي ترامب الذي هدف إلى سلام تحت الحذاء الأمريكي، فمن يمد عنقه تحت الحذاء عليه الأمان والسلام ولا داع لقتله والعكس هو القتل.
إلى أن يقول هنتنجتون، بيد ان ذلك يقتضي ايضا ان يطور الغرب فهما اعمق للفروض الدينية والفلسفيةالاساسية الكامنة وراء الحضارات الاخرى والطريقة التي ترى بها شعوب هذه الحضارات مصالحها”.
يمكن قراءة هذه العبارة على أنها وصفة أو نصيحة مخابراتبة للقائمين على سلطة ما. إن فهم الغرب للإسلام، إن حصل، فهو الذي دفعه إلى توليد إسلام إرهابي أو ما أسميته “الإستشراق الإرهابي” وليس الأخذ من الإسلام ثوريته وعدالته . وهو نفس ما فعله الغرب بالمسيحية الشرقية حيث أخذها وأخرجها بتبرير ضرب الأمم الأخرى بالنووي وتغطية ذلك بأن الله طلب من جورج دبليو بوش ومن المحافظين الجدد ومن ترامب القيام بهذه الحرب أو تلك. فالفهم الأعمق للأديان هو من أجل تلغيمها لتتناحر ذاتياً كما فعل في العراق حيث فهمت أمريكا المرض الطائفي فقسمت البلد طائفيا.
إن ما يقصده بفهم كيف ترى شعوب الحضارات الأخرى مصالحها هو فهم ذلك ومن ثم إقتلاعه. فمصالح الشعوب هي في تحرير ثرواتها من التجريف وتحقيق التطور وليس إحتجازه وليست مصالح هذه الأمم في كتابة الشعر أو رسم لوحات سوريالية أو الطلب من الأمريكي أن لا يحتسي الخمر.
اطروحة هنتنجتون هي احلال الحضارات محل الطبقات والقوميات .
عموما من الثوابت ان المسلمين وراء العالم بصراعات طائفية وذكورية سيطرة الذكورية.
لقد وضع مُعدَّا الكتاب عدة مقالات لعدة اشخاص لم اجد ضرورة للتطرق اليها، باستثناء مقال العميل فؤاد عجمي بعنوان الاستدعاء ومقال ليو بينيان.
لن أتطرق لما كتب عجمي باستثناء ملاحظتين لافتتين:
الأولى: أن أكثر من حرص على وضعه هو التشكيك في تديُّن صدام حسين واتهامهه ب “السلاب النهاب” وهذا أمر مضحك لم يخجل فيه فؤاد عجمي من نفسه لأن السلاب النهاب الحقيقي والأكبر هي الولايات المتحدة.لكن لا يمكن للعبد نقد سيده. كما أنه يعرف أن ثروة الكويت كانت مسلوبة منهوبة على يد الإمبريالية وبتواطؤ سلطة عائلة بدوية وبالحرب أُعيدت للناهب الأكبر.
والثانية: والتي بها هو أوضح من هنتنجتون الذي كان يغطي المصالح المادية للإمبريالية بثرثرة مبهمة عن الحضارات والثقافات وصراعاتهما . لذا قال عجمي:”وهكذا لم تبق اي اوهام في ربوع العالم العربي-والاسلامي في شأن صدام ، او في شان الحملة لإطاحتة لهذا السبب. لقد اتضحت حقيقة حرب الخليج: “تطلع الى السيطرة صدته حملة امبراطورية قضت عليه”. (ص52)
المضحك أنك تلاحظ في نص عجمي حقدا شخصيا على صدام! ولذا يرتاح عجمي بوصف الحرب بأنها “تطلع للسيطرة من صدام صدته إمبراطوارية”
وفي هذا يعقد تساويا في الحق بين الإمبريالية ودولة تُحرر أرضها حتى لو كان النظام ديكتاتوريا. هذه المساواة لا يقوم بها سوى عملاء الثقافة. فالتطلع القومي لاستعادة الثروات ليس سيطرة ولو بأي معنى.
يقول عجمي: “
” بالنسبة لهنتنجتون فحرب الخليج بأن مستبدا محليا قد اقترب من ثروة الخليج الفارسي، وجاءت قوة كبرى من بعيد لإنقاذها. وضم الحشد الذي جمعه الاميركيون، السعوديين والاتراك والمصريين والسوريين والفرنسيين والبريطانيين وغيرهم من الفرسان” ص 52
وحين يلجأ عجمي لهذا المقتطف من هنتنجتون، فإنه يؤكد ما نراه فيه بأن صدىً فاقعاً لطرح الأمريكي هنتنجتون.
والحقيقة أن هذا المقتطف من هنتنجتون ينسف كل فرضياته التي غطاها باحتمال الشيىء وعكسه وذلك في وصف هنتنجتون للحشد الذي إعتدى على العراق وأخرجه من الكويت حيث ضم الخليط عربا ضد عرب ومسلمين ضد مسلمين وغربيين ضد عرب…الخ اي تخالطات الحضارات واتحدت ولم تتصارع ، بقدرة الله، في الكويت.
فهل من معنى لهذا غير أن ما يجمع الإمبريالية وتوابعها هو المصالح المادية، العامل الإقتصادي والذي جوهره طبقي، وهذا ما يتجنبه هنتنجتون دائماً! هذا الخليط يقلب نظرية هنتنجتون راساً على عقب.
وكما ورد في مقالة عجمي، وهو نقد خجول لهنتنجتون: ” في حرب ارمينيا وأذربيجان انحازت إيران إلى أرمينيا المسيحية ص 53.
في مقالة ليو بينيان في نفس الكتاب يقتطف من هنتنجتون قائلاً :
انه يرى: “انبعاثا للكنفوشوسية في الوقت الذي يقوض التدهور الروحي والتفسخ المعنوي الأساس الثقافي للصين . ذلك ان سبعة واربعين عاما من الحكم الشيوعي دمرت الدين والتعليم وحكم القانون والمعنويات. وها هي عملية نزع الطابع الانساني هذه الناجمة عن الاستبداد والفقر المطلق والإلحاد في عصر ماو تتبدى اليوم في الشهوة الجامحة للسلطة والنقود والمتع الجسدية لدى كثير من الصينيين. ” ص 57
لكن الصين لم تتتنكر للكنفوشوسية لا في فترة ماو ولا بعدها فقد حافظت على الثقافة والترابط القومي إلى جانب الماركسية وبهذا ابتكرت مدرسة جديدة في الماركسية هي أقرب لتمثيل ماركسية الجنوب. لكن هنتنجتون يهاجم الفترتين ويشوههما من مدخل إيديولوجي وليس على أرضية نقدية. فليس هناك ما يثبت وصف هنتنجتون للصين لا في فترة ماو التي أرست البنية الفعلية للإزدهار الإقتصادي للصين ولا يوجد ما يثبت وصفه للصين بعد ماو بالتدهور الأخلاقي للسلطة والمتع الجسدية …الخ. وهذا يدفع للتساؤل: إذا كانت هذه قد وقعت في الصين، ألا يجب أن تُرضي هنتنجتون لأن المتع الجسدية وحب المال والشهوة هي من صفات مجتمع راس المال التي تذهب حد الإباحة والوصول إلى حافة معاقبة من يرفض الإباحة والمثلية وتغيير الجنس…الخ ، هذا إلا إذا كان هنتنجتون واعظا كاثوليكياً.
وكي لا يكون حديثنا عن الصين مجرد إيديولوجيا، فإن التطور السريع في الصين لا يمكن له أن يحصل لو كان البلد فاسدا وغارقا في المتع الجنسية كما يزعم هنتنجتون، هذا دون أن ندخل في تفسير ما هي المتعة الجنسية. إن الغرب وخاصة الأمريكي الذي يضغط باتجاه تعميم بل وقوننة المثلية والإنحرافات الجنسية لا يمكن ان يكون هو الواعظ الأخلاقي، وطالما تطور الغرب رغم الإباحة الجنسية، فلماذا تُعيق الإباحة في الصين، إن حصلت، تطور هذه الأمة؟
تجربة الفلسطينيين مثل الميلا نيون:
” في حواره المشهور بين الميلانيين واهل اثينا، يقول ثوسيديدس … كان الميلانيون اهل مستعمرة تابعة للإسيدامونيين. وعندما حاصرهم الإثينيون صمدوا وكانواعلى ثقة بأن السيدامونييون “سيهبون لنجدة عشيرتهم، حتى ولو بدافع الخجل وحسسب” . ولم تهتز ثقة الميلانيين ابدا في حلفائهم “في الحضاره” : “إن دمائنا المشتركة تضمن اخلاصنا” لكننا نعرف ما صار اليه حال الميلانيين، اذ لم يهب حلفاؤهم الى نجدتهم ، ونهبت جزيرتهم، وتحطم عالمهم هباء منثورا. Thucudides, The Peloponnesian War, (New York: The Modern American Library. 1951) . pp. 334.335.
في المصدر ص 53.
هل أثبت طوفان الأقصى أن العرب والمسلمين تخلوا عن الفلسطينيين؟ يكفي أن نقول أن 57 دولة عربية وإسلامية قررت ذلك في مؤتمر يوم 11-11-2023 تحت قيادة النظام السعودي المضاد للعروبة والإسلام، وتمسكت به.
_________
ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….https://kanaanonline.org/2022/10/27/%d9%85%d9%84%d8%a7%d8%ad%d8%b8%d8%a9-%d9%85%d9%86-%d9%83%d9%86%d8%b9%d8%a7%d9%86-3/
