الجزء الأول
8 تشرين الثاني 2025
غالبية أجهزة الإعلام الرسمي والخاص في الأقطار العربية تصدح بصوت واحد يتلخّص بذمّ وتحقير المقاومين للمشروع الصهيوني، والإشادة بالمساعي العربية لـ«السلام» بإشراف الأميركي. وفي لبنان ليس مستغرباً على الإطلاق ما تقوم به معظم أجهزة الإعلام الممولة من قادة الاستسلام العرب. سوابق أصحاب الصحف في لبنان والشام للتسويق للمشروع الصهيوني تفضحها مجموعة من التقارير نشرها مدير القسم العربي للوكالة اليهودية إلياهو ساسون في كتابه الذي صدر بالعبرية في تل أبيب عام 1974 بعنوان «في الطريق إلى السلام – رسائل ومحادثات».
كانت الاتصالات بين المسؤولين الصهاينة والقيادات والوجهاء العرب تتم بشكل طبيعي في عشرينيات القرن الماضي. وقد كشفت كتب المذكرات عن اتصالات قادة صهاينة أجروا فيها لقاءات مع زعامات عربية خلال العهد الفيصلي في دمشق، في محاولة لتسويق لتفاهم عربي – صهيوني، كما يدّعون. أمّا ما ورد في مذكرات القادة العرب، هذا في حال وجود مذكرات لهم، فلا ذكر لمثل تلك اللقاءات إلا نادراً. وفي مذكرات السياسيين اللبنانيين وقادة الطوائف المختلفة تنعدم أي إشارة إلى وجود لقاءات مع القادة الصهاينة في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي.
كان القادة الصهاينة قبل قيام دولة إسرائيل عام 1948، يتجوّلون بحرّية تامّة في البلاد العربية، يتصلون بقيادات سياسية، وطائفية، وأمنية، وصحافية، وينسقون معهم مقابل ثمن. وهذا مسجّل في التقارير الأمنية الصادرة عن أجهزة المخابرات الفرنسية في منطقة الاحتلال الفرنسي. كما نُشرت مقاطع من الأحاديث التي جرت بين قادة الوكالة اليهودية والقيادات والصحافيين ورجال الدين من العالم العربي في أبحاث أكاديمية مختلفة.
تولى قادة الصهاينة تأمين مصالحهم في عدة حقول، منهم من تخصص في عمليات شراء مساحات ضخمة من الأراضي من رأسماليين لبنانيين وسوريين، وآخرون تجوّلوا في بلاد الشام وقدّموا أبحاثاً عن مجمل أوجه الحياة في سوريا. هناك أبحاث كتبها مختصّون تتناول تاريخ ومعتقدات جميع الطوائف والإثنيات في سوريا، وآخرون قدّموا تقارير عن المناطق الاستراتيجية الضرورية للمزيد من الاستيطان، وكذلك جرى تجنيد مختصّين للبحث في مصادر المياه وأنواع النباتات والأشجار… إلخ. باختصار، كان أمام القادة الصهاينة معلومات مكثفة عن الأوضاع في سوريا، واستناداً إلى تلك المعلومات كانت ترسم السياسات.
كان الصهيوني الدمشقي إلياهو ساسون (1902- 1978) قد لعب دوراً بارزاً في النشاط الصهيوني الذي استهدف بشكل خاص لبنان، الشام، العراق، وشرق الأردن، بعد توليه منصب رئيس القسم العربي في الوكالة اليهودية بين 1933 و1948. وإثر ثورة حائط البراق في فلسطين عام 1929، خصص الصهاينة أموالاً ضخمة وكثفوا اتصالاتهم العربية بهدف تخفيف حدة المعارضة العربية لاستيطان فلسطين. لذلك تولّى إلياهو ساسون، بمعاونة فريق صهيوني، عمليات التسويق لنوايا الصهاينة «السلميّة»، وفي الوقت ذاته شراء الولاءات. كما أصدروا عدة صحف بالعربية في فلسطين منها «السلام»، «النفير»، «مرآة الشرق». وأصدروا في مصر بالعربية «الكليم»، و«الشمس»، إضافة إلى عشر صحف باللغة الفرنسية. وغطّت الصحافة الصهيونية معظم أقطار المغرب العربي.
أمّا في لبنان، فكانت صحيفة «العالم الإسرائيلي» الناطقة الرسمية باسم الطائفة اليهودية، وبالتالي الوكالة اليهودية. وسبق لي أن نشرت في «الأخبار» مقتطفات من تقارير أمنية فرنسية تشرح تفاصيل لقاءات مسؤولي الوكالة اليهودية مع أصحاب الصحف الذين كانوا يتلقّون الرشاوى.
كانت أولويات الصهاينة شراء أصحاب الصحف والمجلات العربية، ونشر مقالات في أجهزة الإعلام تؤيّد التوجّه الصهيوني، وكانت غالبية تلك المقالات بقلم إلياهو ساسون كما جاء في مذكراته. وتُظهر محاضر اجتماعات ساسون وأعوانه مع أصحاب بعض الصحف أن هدفها أمس كما هدفها اليوم، مع الفارق أن التمويل كان آنذاك من خزينة الوكالة اليهودية، في حين أن التمويل الحالي عربي المصدر.
في كتاب ساسون مجموعة رسائل مستقاة من مصادر أمنية تعمل لصالح الوكالة اليهودية تتحدّث عن الاتصالات التي جرت مع سياسيين ومع بعض أصحاب الصحف وتجنيدهم مقابل بدل مالي ليكونوا أبواقاً للإعلام الإسرائيلي، إلى جانب تفاصيل عن انهماكه في كتابة عشرات المقالات لنشرها في الصحف التي تم شراء أصحابها. وهذه مقاطع من إحدى تلك الرسائل:
بيروت 10 تشرين الأول 1937
إلى العزيز الدكتور برنارد جوزيف (1)،
تمكّنتُ خلال النهار من كتابة نحو اثني عشر مقالاً، ودعوتُ «أ…» للحضور إلى بيروت لتسليم المقالات لصحف المدينة صباح الغد. وإذا انتهينا من العمل غداً في بيروت، فسنتوجه مساءً إلى حلب، حيث جميع المقالات تقريباً جاهزة لصحفها.
أفادت مصادر بأن جهوداً تُبذل في دمشق لحث بعض أعضاء مجلس الشعب السوري على طرح قضية «أرض إسرائيل» فلسطين في أولى جلساته المقرر عقدها في التاسع عشر من الشهر الجاري، وإجباره على إصدار بيان تعاطف مع العرب الفلسطينيين.
أقترح أن تطلبوا من جماعتنا في لندن وباريس السعي لدى حكومتي بريطانيا وفرنسا لإقناع سوريا ومصر بعدم السماح لمجلسيهما بالتدخل في القضية الفلسطينية من خلال بيانات تعاطف أو نقاشات.
صدرت في دمشق صحيفة يومية جديدة تحمل اسم «المستقبل»، يرأس تحريرها جلال عوف المعروف بصلاته الوثيقة بالإيطاليين، ويعاونه جمال الفاروقي نجل الشيخ سليمان الفاروقي، رئيس تحرير «الجماعة الإسلامية». تُخصِّص الصحيفة مساحة واسعة لقضية «أرض إسرائيل» فلسطين، وتتبنى خطاباً داعماً للمفتي وأنصاره. ومن الواضح أن تمويل هذه الصحيفة مصدره إيطاليا، بهدف تأجيج المشاعر القومية في سوريا وإثارة العداء لإنكلترا واليهود.
أرفق مع هذه الرسالة مقالتين نُشرتا في عدد هذا الصباح، وأرى أنه من الضروري مطالبة حكومة الانتداب في فلسطين بمنع دخول هذه الصحيفة إلى البلاد. كما أرفقت المقال الذي سيُنشر باسمنا في صحيفة «الدستور» بحلب، آملاً أن يشجع ذلك هذه الصحيفة على نشر المزيد من المقالات المماثلة. وأقترح ترجمة المقال كاملاً وإرسال نسخة منه إلى ويلينسكي (2) في القاهرة ليعرض مضمونه في نشراته.
نشرت صحيفة «بيروت» في الخامس من الشهر الماضي خبراً عن استعداد سكان شارع الميدان في دمشق، في منزل محمد الأسمر، للسفر إلى فلسطين، والتحصن في الجبال وشن هجمات ضد الإنكليز واليهود. وقد نفى وزير الحربية السوري هذا الخبر رسمياً، مؤكداً أن مروجيه يهدفون إلى إحراج الحكومة السورية.
وبحسب معلومات وردت من ( أ…)، فقد وصل في الأيام الأخيرة عدد كبير من الشباب العرب من «أرض إسرائيل» فلسطين إلى دمشق. ويزور عدد كبير منهم مكتب جلال عوف. ويبدو أن الحكومة السورية بدأت تشك فيه، فوُضع محققون على باب مكتبه لتسجيل أسماء الزوار. وذُكر من بينهم محمد الأسمر وشقيق أرسلان.
أرفق كذلك صورة المفتي التي نُشرت اليوم في صحيفة «النشرة» إضافة إلى مقالٍ معادٍ لليهود بقلم كاتب من حمص.
من الجدير بالذكر أن جميع الأخبار المنشورة في الصحف اللبنانية والسورية حول الوضع في «أرض إسرائيل» فلسطين تأتي بصياغة واحدة وأسلوب واحد، ما يعني أن مصدراً واحداً يزوّد الصحف بهذه الأخبار. وأعتقد أن هذا المصدر هو مكتب الدعاية التابع للمجلس الإسلامي الأعلى في القدس، إذ إن جميع الأخبار تُمجّد المفتي وأنصاره. لذا أرى من المفيد مطالبة السلطات بانتقاد هذه الرسائل المرسلة من المكتب إلى الدول المجاورة.
علينا أن نتوقع تصاعداً في الدعاية العدائية ضدنا في سوريا، خاصة بعد سماح الحكومة السورية بإصدار الصحف التي كانت موقوفة مثل «القبس» و«ألف باء» و«لي أيكو» (Les Echo).
هوامش
(1) برنارد جوزيف صهيوني كندي الأصل هاجر إلى فلسطين عام 1918. تولى سنة 1933 مسؤولية المستشار القانوني للوكالة اليهودية.
(2) ناحوم زيلنسكي أسس في القاهرة، بتوجيه من الوكالة اليهودية، وكالة أنباء أطلق عليها اسم «الوكالة الشرقية» وكانت توزع المقالات والأخبار على نطاق واسع في الأقطار العربية والخارج بعد ترجمتها إلى اللغات الأجنبية.
الجزء الثاني
Bottom of Form
السبت 15 تشرين الثاني 2025
كثّف قادة القسم العربي في الوكالة اليهودية، أثناء الثورة الفلسطينية الكبرى 1936-1939، زياراتهم ولقاءاتهم مع القادة العرب للعمل معاً على إيقاف تدفّق السلاح والمقاتلين إلى فلسطين بهدف نصرة الثوار ضد الاحتلال البريطاني والعصابات الصهيونية. مروحة الاتصالات، كما ذكرنا في المقال السابق، كانت واسعة شملت كل الشخصيات الرئيسية سواء كانت سياسية أو دينية أو صحافية.
العودة إلى ما حدث في تلك الاتصالات، سواء ما دوّنه إلياهو ساسون في مذكراته أو في التقارير الأمنية الفرنسية، ومقارنتها بما يحدث اليوم، تشير بوضوح إلى أن الهدف الصهيوني الثابت هو إبعاد المواطنين عن فكرة العمل المسلّح والدعم لإخوانهم في فلسطين والاستعانة بالمسؤولين لتحقيق ذلك، وأيضاً تمويل الإعلام العربي لتثبيت فكرة بأن على المواطنين الذين يعيشون في الكيانات السياسية حول فلسطين الاهتمام فقط بشؤونهم الاقتصادية والمعيشية. والخلاصة التي تم تسويقها أن الرفاه الاقتصادي سيتم فقط بالسلام والتعاون مع المشروع الاستيطاني، وهذا هو لبّ ما يطمح إليه اليوم الصهاينة وحلفاؤهم من الغرب وبعض الأنظمة العربية. استعمل الصهاينة المال لشراء مواقف الدعم.
لقد أدركوا جيداً أن المال هو الوسيلة الأنجع لجني تأييد أشخاص يمثّلون طوائفهم. لذلك نجد أسماء من كل الطوائف مجندين للعمل مع الصهيوني، فالمال يؤمن لهم دوام النفوذ، وهذا ما يلاحظ اليوم في الأداء السياسي لكثيرين. شعار هؤلاء المرتزقة: «ادفعوا واحمونا بنفوذكم مع الغرب، ونحن جنودكم». أخيراً، ليس المال العامل الوحيد، فهناك أثرياء انضووا في مشروع التسويق لـ«السلام» مع إسرائيل، والسبب أن مصالح معظم هؤلاء تكون في السير مع المشروع الاستسلامي الذي بنظرهم يؤمّن لهم دوام النفوذ والتسلّط.
التالي بعض ما جاء قي تقريرين كتبهما إلياهو ساسون إلى موشيه شاريت عن لقاءاته مع رئيس وزراء لبنان الأسبق خير الدين الأحدب. كان الأحدب عميلاً بالمعنى الحرفي عند ساسون يتلقى المال منه ويموّل صحيفته «العهد الجديد». لذلك، تعهّد بالقيام بما يطلبه الصهاينة لمجرد سعيه إلى إعادته للحكم (ما أشبه اليوم بالبارحة!):
2 أيلول 1937، بيروت
عزيزي موشيه، (1)
خلال ذلك اليوم، التقيتُ ببعض معارفي في الحكومة اللبنانية وخارجها، وجمعتُ المعلومات الآتية:
قبل أيام قليلة، زار مُعين الماضي (2)، مبعوث «اللجنة العربية العليا» إلى الدول المجاورة، بيروت، وتحدّث مع خير الدين الأحدب، رئيس الوزراء اللبناني، حول ضرورة انضمام لبنان إلى الدول العربية في احتجاجاتها على تقسيم فلسطين ودعمها لسكانها العرب. ووعد خير الدين بمناقشة هذا الأمر مع البطريرك الماروني ورئيس الجمهورية والسعي إلى الحصول على موافقتهما. استمرّت المحادثات بين مُعين الماضي وخير الدين الأحدب ورئيس الجمهورية ثلاثة أيام، وانتهت برفض الرئيس القاطع للمقترح، ومطالبته الشديدة بوقف محاولات الفلسطينيين في هذا الصدد.
أثار موقف رئيس الجمهورية اللبنانية غضباً شديداً في صحيفة «الإنشاء» السورية الحكومية، إذ ثار غضب العرب في سوريا، وعبّر عنه في مقالاتٍ هاجمته. أبلغت الحكومة اللبنانية إميل الغوري، أمين عام الحزب العربي الفلسطيني (المُنتمي إلى المفتي الحسيني)، بوجوب مغادرة لبنان فوراً. وجاء هذا الطرد نتيجة محاولات إميل الغوري تحريض المعارضة اللبنانية على التدخل في الشأن الفلسطيني.
ويُقال إن إميل التقى مرات عدّة ببشارة الخوري وأصدقائه، وأكّد لهم دعم المسلمين اللبنانيين في حربهم ضد الحكومة إذا ما تضامنوا مع فلسطين. وقد فرّقت الحكومة بالقوة اجتماعاً عُقد في بحمدون، حضره إميل الغوري، ومُعين الماضي، وبشارة الخوري، وشخصيات أخرى من فلسطين وسوريا ولبنان. ويُقال إن الحكومة اللبنانية أبلغت مَن تلقّوا دعوات للمشاركة في مؤتمر اللد بأنهم غير مُخوّلين بالتحدّث باسم لبنان. من المرجّح ألّا يشارك مسيحي واحد من لبنان بالمؤتمر.
يُقال إن من بين القرارات التي ستُتخذ في مؤتمر بلودان قراراً يُلزم المسلمين والعرب في كل مكان بمقاطعة البضائع الإنكليزية والصهيونية. كما يُقال إن منظّمي المؤتمر توصّلوا إلى اتفاق مع محطات الإذاعة في باريس وبرلين، التي ستبثّ ملخّصاً لمناقشات جلسات المؤتمر كل مساء. تجري مفاوضات بين القدس والقاهرة ودمشق بشأن رئاسة المؤتمر. يُطالب الاستقلاليون بانتخاب نوري باشا السعيد، بينما يقترح الحسينيون الأمير شكيب أرسلان، ويطالب السوريون بانتخاب شخصٍ محايد. يتّهم السوريون نوري بالميل إلى إنكلترا والأمير شكيب أرسلان بالميل إلى إيطاليا، ويخشون من أن يُدير كلٌّ منهما المؤتمر وفقاً لمصالح إحدى الحكومات.
مرفق بهذه الرسالة برنامج مؤتمر بلودان. سأغادر إلى دمشق هذا المساء.
محادثة مع رئيس وزراء لبنان السابق، خير الدين الأحدب:
«في 18 من هذا الشهر (18.4.1938)، الساعة السادسة مساءً، التقيتُ في حيفا على متن الباخرة الفرنسية «باتريا» برئيس وزراء لبنان السابق خير الدين الأحدب، وكان في طريقه إلى باريس.
طلبتُ منه أن يحاول التأثير على رجال وزارة الخارجية الفرنسية (كي دورسيه) لإرسال تعليماتٍ عاجلة إلى السلطات الفرنسية في سوريا ولبنان لمراقبة نشاطات المنفيين من عرب الفلسطينيين هناك، وبخاصة تصرفات المفتي، الذي جعل من مقرّه في الزوق مركزاً للتحريض والدعاية الموجّهة إلى جميع بلدان الشرق الأدنى.
أجابني محدّثي أن مسؤولي المفوضية العليا الفرنسية في بيروت طلبوا منه أن يؤكد للسلطات في باريس صحة التقارير التي أرسلوها عن «حُسن تصرّف المفتي» والتزامه بوعده بعدم القيام بأي نشاط سياسي.
في لبنان، ووفقاً لشروط اللجوء، طلب منه أيضاً الدكتور سامح الفاخوري، قريب المفتي، أن يسعى إلى نفي جميع الأخبار التي ينشرها اليهود في باريس ولندن وجنيف، والتي تزعم أن المفتي وأعوانه يعملون على تقويض نفوذ إنكلترا وفرنسا في الشرق. كما طلب منه الدكتور الفاخوري أن يحذّر الفرنسيين من أي محاولة للمساس بالمفتي، لأنها قد تضر بمصالحهم كافة في المنطقة. في المقابل، وعده رجال المفوضية العليا الفرنسية والدكتور الفاخوري بدعمه في كل أزمة حكومية في بيروت.
وبحسب قوله، فهو يعتزم أن يعرض على أصدقائه في باريس وجهة نظره حول الأخطار التي تتهدد فرنسا ومصالحها في الشرق العربي نتيجة الدعاية السامة التي ينشرها المفتي وأتباعه في البلاد العربية ضد الأجانب، ومن بينهم الفرنسيون. وسيحاول أن يثبت أنه لا يوجد حلٌّ آخر سوى إبعاد المفتي إلى إحدى المستعمرات الفرنسية، ونفي أتباعه إلى شمال سوريا أو إلى مصر. وقال إنه مستعدٌّ لعرض قضية نشاطات المفتي في لبنان وسوريا أمام أي رجل دولة فرنسي.
كان محدّثي سعيداً حين سمع عن الزيارة القريبة لـ حاييم وايزمان إلى باريس، وطلب أن يلتقي به ليناقش معه قضية المفتي، والوضع السياسي في لبنان وسوريا، وجهود الكاردينال تبوني لإقامة نظامٍ مستقل في الجزيرة، وكذلك الأحاديث المختلفة التي سيجريها مع الفرنسيين. وأشار رئيس الوزراء أيضاً إلى أن نفوذ المنفيين الفلسطينيين في لبنان ازداد كثيراً بعد صعود الأمير خالد شهاب إلى الحكم. فالأمير خالد عضو في حزب رياض الصلح، وهذا الحزب يشجع الحركة القومية العربية في لبنان. ولذلك، فإن الأمير خالد شهاب يلبي برغبةٍ تامة طلبات المفتي.
ويرى محدّثي أنه يجب أن نوجّه جهودنا في باريس نحو ثلاث غايات: إبعاد المفتي عن لبنان، عزل المندوب السامي الفرنسي دي مارتيل، وإعادته هو (خير الدين الأحدب) إلى الحكم.
وفي نهاية الحديث، وعد خير الدين الأحدب بأن يدعم، في محادثاته مع الفرنسيين والإنكليز، وجهات نظرنا في قضايا «أرض إسرائيل»، وطلب أن تُنقل تحياته الحارة إلى موشيه شرتوك».
هوامش
(1) موشيه شاريت ديبلوماسي صهيوني من أصل أوكراني تولى في بداية 1933 منصب رئيس الدائرة السياسية في الوكالة اليهودية.
(2) معين الماضي مناضل فلسطيني شارك عام 1933 مع مجموعة من رفاقه تأسيس حزب الاستقلال العربي بهدف الكفاح ضد الاحتلال البريطاني والصهيونية.
* كاتب لبناني
:::::
“الأخبار”
_________
ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….
