استعراض رعاة البقر لجمته الصين وروسيا
ترامب كشف محدودية القوة الأمريكية
د. عادل سماره
رغم الاستعراض على طريقة رعاة البقر الأمريكية، إلا أن اختطاف الرئيس مادورو وزوجته كشفت حدود النفوذ الاقتصادي الأمريكي في عالم متعدد الأقطاب ودفعت الصين وروسيا لعرض عضلاتهما بهدوء مخيف وهذا يعني انتهاء حقبة العولمة بالمفهوم الأمريكي حيث كانت واشنطن قادرة على فرض عقوبات اقتصادية بثقة على الدول المستهدفة التي تفتقر لقدرة الرد العاجل على الأقل.
وكمعترضة، فإن اختطاف زوجة مادورو سلوك وضيع بقصد الإهانة كما فعلت أمريكا بتعاون العملاء الطائفيين في العراق ضد الشهيد صدام حسين حيث صوروه اشعثا فور اعتقاله وكما فعلت فرنسا والناتو ضد الشهيد القذافي.
وبرجعة للتاريخ القريب كان انتصار الثورة البلشفية/الشيوعية وقيام الإتحاد السوفييتي قد لجم الإمبريالية عن العدوان العاري إلى حد كبير منذ 1917 وحتى 1991، وها هي روسيا والصين تعيدان هذا اللجم وإن بوسائل مختلفة.
كان هدف أمريكا إرعاب العالم والاستعراض بعملية الاختطاف، وتسارعت أقلام من تألموا من الجريمة إلى نقد الصين وروسيا، ولكن حسابات الدول ليست عاطفية ولا لحظية. كما تخيل كثيرون بأن روسيا والصين هما دولتين اشتراكيتين أو شيوعيتين كالسابق ومن هنا وجدوا لهم حق نقدهما، ولكن هذه مسألة خلافية، وفي هذه الحقبة ليس المطلوب منهما سوى عدم التحول الإمبريالي، ومحاولة لجم الوحش الأبيض قدر الإمكان على الأقل دفاعا عن مصالحهما.
كما أن على كل الأمم ان تدرك أن تحررها يجب ان يكون بذراعها أولا وأخيراً، وهذا حصل في القرن الماضي لأن الاتكال هو مشروع وتشريع استسلام جوهره ذل وخيانة.
والسؤال: هل بوسع أمريكا السيطرة بنهج الاختطاف أم أن الهيمنة تشترط التواجد الاحتلالي على الأرض الأمر الذي يجترح المقاومة فهل بوسع أمريكا تغطية العالم بجنودها؟ ولو بالتقسيط، وكم سيهلك منهم.
ولنأخذ حالة فنزويلا، فقد اقترح روبيو غزو فنزويلا، ولكن ما لجم أمريكا هو تاريخ حرب الغوار الفنزويلية في النصف الثاني من القرن العشرين ، شهدت فنزويلا موجات من الصراع المسلح وحركات المقاومة اليسارية بل الشيوعية التي حاولت الإطاحة بالأنظمة الديكتاتورية، خاصة في ظل حكم “الجنرالات” مثل ماركوس بيريز خيمينيز، مع صعود مجموعات guerrilla (حرب عصابات) مستلهمة من الثورة الكوبية بقيادة شخصيات مثل «لويس كاميلوتوريس» و«ويليام» في ستينات القرن الماضي، تركزت على القرى الجبلية والمناطق الريفية، لكن هذه الحركات قمعت بشدة من قبل الحكومة بدعم أمريكي. أنظر كتاب ريجيس دبريه ثورة في الثورة، Revolution in the Revolution
لكن الأمر مختلف اليوم، فالحكومة ليست عميلة وهي منتخبة ولذا تكون المقاومة أشرس وسيكون اليمين في موضع العميل إذا دعم الغزو وهذا يعني هزيمة أمريكا، فكيف إذا قررت غزو بلدان أخرى؟
تطلبت عملية فنزويلا نشر مزيد من القوات البحرية الأمريكية إلى الكاريبي، مما زاد من ضعف المواقع الأمريكية في أماكن أخرى. وفي الوقت نفسه، يمكن للصين وروسيا تنسيق ردودهما وإجبار أمريكا على الدفاع عن عدة جبهات في وقت واحد.
وعلى الصعيد العالمي توفر الصين شريكًا اقتصاديًا بديلاً للدول التي تسعى للهروب من الضغط الأمريكي. تقدم روسيا الدعم العسكري وتوفر إيران موارد الطاقة. النتيجة هي أن العقوبات الأمريكية أصبحت غير فعّالة بشكل متزايد والتدخلات العسكرية الأمريكية تثير ردود فعل اقتصادية منسقة من القوى المنافسة وعليه، فمن منظور استراتيجي، ما أطلقه ترامب لم يكن قوة، بل كان يأسًا وجوهره تدفيع العالم فاتورة العجز الأمريكي ونقل الأزمة الداخلية وحلها إلى الخارج. افترضت واشنطن، مخطئة، أن عقيدة مونرو لا تزال سارية وأن الصين وروسيا ستحتجّان دبلوماسيًا ولكن لن تفعلان شيئًا جوهريًا.
أدانت الصين الهجوم وفعّلت تدابير اقتصادية مضادة ونشرت روسيا قوات بحرية في الكاريبي وحذرت من سابقة خطيرة كما أدان العدوان حلفاء فنزويلا التقليديين البرازيل والمكسيك، وندّد الأوروبيون بالعملية ورفضوا المشاركة في العقوبات ضد الصين وروسيا حيث أن الاقتصادات الأوروبية أصبحت متكاملة بشكل متزايد مع الأسواق الصينية. كما يواجه حلفاء أمريكا في آسيا اختيارات بين ضمانات الأمن الأمريكية وفرص الاقتصاد الصيني، لذا بقي الحلفاء الآسيويون صامتين، غير مستعدين للمخاطرة بالعلاقات الاقتصادية من أجل الأهداف الجيوسياسية الأمريكية. ولم يؤيد العدوان سوى إسرائيل وأوكرانيا بل قدما الدعم.
كان الرد الصيني غير مسبوق. فعّلت بكين تدابير اقتصادية مضادة. علّقت الشركات الصينية التعاملات مع الشركات الأمريكية. فرضت البنوك الصينية قيودًا على المعاملات بالدولار. وفي غضون 48 ساعة، فرضت بكين عقوبات اقتصادية مستهدفة على الولايات المتحدة.
نشرت روسيا غواصات نووية وسفينة صواريخ موجهة إلى المياه الدولية بالقرب من فنزويلا. حذرت موسكو من أنها لن تتسامح مع العدوان الأمريكي في مناطق ذات أهمية استراتيجية. ناقش المسؤولون الروس ردًا محتملاً، بما في ذلك زيادة دعم القوى المناهضة لأمريكا عالميًا. في غضون 72 ساعة، شلت الهجمات الإلكترونية الصينية شبكات الكهرباء الأمريكية في ثلاث ولايات. انقطعت المستشفيات. تجمدت الأسواق. تعطلت وسائل النقل. نفت بكين تورطها. لكن الرسالة كانت واضحة. تسببت الحروب السيبرانية في تعطيل البنية التحتية المدنية. تم إعادة تموضع الأسلحة النووية. تعرضت الأنظمة الاقتصادية للهجوم.
أعلنت روسيا عن تدريبات مشتركة مع إيران في مضيق هرمز مهددة إمدادات النفط. قامت قاذفات روسية بدوريات في الأجواء الأمريكية فوق ألاسكا وكاليفورنيا. نشر بوتين الأسلحة النووية التكتيكية في كالينينغراد مهددًا الناتو. تتدخل أمريكا، وترد الصين بالحرب الإلكترونية، وتلوح روسيا باستخدام الأسلحة النووية.
أسفر الانتقام الاقتصادي الصيني عن انخفاض كبير في أسواق الأسهم الأمريكية وتسبب في اضطرابات كبيرة في سلاسل الإمداد العالمية. شركات أمريكية لها عمليات صينية واسعة شهدت انخفاضًا حادًا في أسهمها مع تهديد بكين بسحب تراخيص الأعمال وفرض تنظيمات عقابية. تعرض الدولار لضغوط متجددة حيث بدأت الدول في تسريع جهودها لتقليل الاعتماد على الأنظمة المالية الأمريكية.
وهكذا، فإن الجانب المالي يكشف عن النطاق الحقيقي للتحدي الذي يواجه القوة الأمريكية. خلال أسبوع من الأزمة، كانت البنوك الصينية قد فرضت قيودًا على المعاملات بالدولار تزيد عن 200 مليار دولار. دور الدولار كعملة احتياطية عالمية تعرض لأول مرة للهجوم المستمر منذ الأربعينيات.
الهيمنة العسكرية تتطلب أسسًا اقتصادية وهنا تقصير أمريكا. كانت الهجمات السيبرانية الصينية مفاجئة في دقتها ومدمرة في تأثيرها. استهدفت الشبكات المالية، وشبكات الكهرباء، وأنظمة النقل بينما تجنبت المنشآت العسكرية التي قد تؤدي إلى رد عسكري تقليدي. سرعة وتنسيق الهجوم السيبراني كانا يشيران إلى سنوات من التحضير.
قام قراصنة صينيون بوضع برامج خبيثة في البنية التحتية الأمريكية الحيوية، في انتظار التفويض السياسي لتفعيل هذه الأسلحة الرقمية. انتشار البحرية الروسية في الكاريبي خلق تعقيدات إضافية في التخطيط الاستراتيجي الأمريكي. قامت موسكو بوضع غواصات نووية في نطاق ضربة مباشرة للبر الأمريكي. مما أجبر البنتاغون على تحويل قوات مكافحة الغواصات من المحيط الهادئ حيث كان من الضروري مراقبة الأنشطة البحرية الصينية بالقرب من تايوان. هذا التنسيق يجعل المنافسة متعددة الأقطاب شديدة الخطورة بالنسبة للهيمنة المتراجعة.
لا شك في أن العالم بأسره يتحسس خطورة الإمبريالية الأمريكية خاصة على البشرية، وهذا واضح من العرض أعلاه، ولذا، من المحتمل تبلور مواقف وقرارات وتحالفات جديدة ضد هيمنة عرجاء، وبلا شك سوف يتخندق مع الغرب أنظمة أخرى، وقد يكون الخندق المتبادل لجماً للتوحش تلافيا لحرب عالمية ثالثة.
هامش: حينما ارتفعت أسعار النفط طفرة عالية حاولت الإمبريالية الأمريكية شن حرب ضد الدول النفطية، لكنها تراجعت نظراً لوجود الإتحاد السوفييتي، ولجأت للاحتيال بتدوير الفوائض النفطية كما كتبنا عن ذلك أكثر من مرة، أي لجأت للنهب.
_________
ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….
