حين ينتعِل السياسي القوانين والأخلاق، د. عادل سماره

لست من عشاق التشاؤم ولا من جماعة الإبراهيمية أو الدينسياسي الذين يؤمنون بمعركة مجدو ولا من البسطاء القائلين بأن “الدنيا آخر وقت”، لأن العقل التاريخي لا يقبل هذه الخزعبلات.

ولكن أية قراءة سطحية ولا ضرورة أن نقول قراءة مسحية تشي بأن هذا العالم من التدهور بحيث تجره قيادات عديدة ومتنوعة إلى الإنتحار وخاصة الولايات المتحدة بقيادة دونالد ترامب.

وقبل أن أتحدث عن ما تقوم به قيادة الولايات المتحدة أود، بغرض المقارنة والربط قراءة هذا الخطر الإرهابي بل الإن​تحاري كونه خطر يُطال الكوكب.

سقط الإتحاد السوفييتي رغم وجود مبادئ الحزب الشيوعي السوفييتي وخاصة النقد والنقد الذاتي والديمقراطية المركزية وحق الأكثرية بان تقبل الأقلية رأيها وديكتاتورية الطبقة العاملة بما هي المنتجة والأكثرية الشعبية والأهم محاولة إلغاء الملكية الخاصة بتجاوز مجتمع الطبقات الرأسمالي…الخ أي رغم كل هذه المبادئ الشيوعية الكريمة، واجه الإتحاد السوفييتي قيادتين قادتا إلى انهياره.

كانت البداية بترؤس نيكيتا خروتشوف للاتحاد السوفييتي زاعماً أنه يقتلع فردانية ستالين  وما اسموه له الغربيين وابتلعه بغباء أو غرور بل بإنتهازية “عبادة الفرد” لكنه عمليا كان يقتلع معظم أسس البناء الإشتراكي الذي كان يشكل الخطر العملي الفعلي لاقتلاع الرأسمالية وليس فقط الإمبريالية.

أما الضربة القاضية للإشتراكية  فكانت بوصول جروباتشوف إلى مقعد الرئاسة وقيادة الحزب الشيوعي السوفييتي  في الإتحاد السوفييتي.

حينما تولى خروتشوف الرئاسة كنت صبيا  لا يعرف شيئا ذي قيمة عن السياسة ولكن مع سقوط الإتحاد السوفييتي 1991  كنت اعرف شيئا ما من السياسة والثقافة والديمقراطية والإشتراكية …الخ، وقد كتبت في الموضوع ولكن سأحصر القول هنا في: كيف يكون لرجل أن يهدم إمبراطورية، ولماذا وُجد الخلل في  الحزبية التي قام عليها هذا البلد العظيم.

في هذا السياق عدت لمراجعة كتبتها عن كتاب “الاشتراكية المغدورة: ما وراء انهيار الاتحاد السوفييتي”.

Socialism Betrayed :Behind the Collapse of the Soviet Union 1917-1991By Roger Keeran & Thomas Kenny, iUniverse USA 2004 and 2010,

يورد الكاتبان عدة أسباب لسقوط الإتحاد السوفييتي ولست بصدد تعدادها بل لفتني تجاهل الكاتبان التركيز على الشخصية الخيانية لجورباتشوف رغم أن الغدر/الخيانة هي عنوان الكتاب.

صحيح أن إصدار تهمة الخيانة ليست عملا علميا وحتى أكاديميا رصيناً، ولكن الوقائع بمجموعها وكما عرضها الكتاب تنضح بذلك! وربما السبب تعاطف مع معارضي جورباتشوف الشيوعيين من باب أنهم لم يتوقعوا أهدافه مسبقا أو باكرا.

ولكن الإنحصار في الخيانة يبقى تحليلا ضعيف القوة والإقناع، بمعنى أن المناخ الذي سمح للخيانة بأن تقود سبب لا يمكن تجاهله ونقصد البيروقراطية  التي كانت مستفحلة إلى الحد الذي جعل الأمين العام للحزب كأعلى مسؤول تنفيذي في الدولة فوق النقد والشك أو ان سطوته قادت معارضيه إلى اللجوء لعدم الاكتراث بل ربما إلى حماية كل منهم  لرأسه، وقد ينسحب هذا على مختلف المراتب!   

والحقيقة أنني في تجربتي الحزبية والتي احترمها كثيراً ما واجهت سطوة القيادة وتمشكلت معها بينما أدانني كثير من الرفاق.   اذكر عام 1977 أن التقيت بأحد القياديين في أول زيارة لباريس وهناك ذكر لي مخالفاتي التنظيمية فقلت له ليست مخالفات،  بل الأمين العام هو الذي خالف في كذا في الجزائر، فقال وما رايك؟ قلت كذاب، قال هذا يكلفك عضويتك، قلت لها إلى جهنم.

 وهذا يأخذنا للتذكير بالنقد الجريىء الذي وجهه تشي جيفارا ضد التجربة السوفييتية .

بقي أن نقول بأن الكتاب من عنوانه “الاشتراكية المغدورة/أو غُدر بالاشتراكية/أو خيانة الاشتراكية” لكننا لم نفهم منه تحديدا من هو/هم الخونة! هل هو فرد، حزب، طبقة، فريق، محلي، أعداء خارجيين، أم من كثير من هؤلاء.

مجمل القول فإن العنوان المباشر لسقوط الإتحاد السوفييتي هو دور الفرد من جهة وعجز دور الحزب وقيادته عن التصدي للزعيم مما يوحي بأن من يصل موقع القيادة يُحوله النظام والمحيطين به إلى ديكتاتورا برغبتهم.

هذا عن النموذج الإشتراكي، فماذا عن النموذج الملكي والأميري والمشيخي  في الوطن العربي، ولنقل النموذج الوراثي حيث يصبح إبن الملك او الرئيس ملكاً ورئيسا حتى لو كان غبياً.

طبعاً في هذا النمط المتخلف ولنقل ، تجاوزا، الشرقي يبقى التغيير شديد الصعوبة مما يوصل هذه الأنظمة إلى ما أُسماه ويتفوجل ” الطغيان الشرقي”. ولعل أسوأ ما في هذا الطغيان هو التهيئة والتثقيف بان الأرض والبشر هم ملك للملك أو الحاكم.

ولكن الأخطر في الوطن العربي وخاصة الكيانات النفطية حيث تسود ثقافة  سلبية مزدوجة وهو:

·        ان الحاكم يملك كل شيء وبأن الناس تعيش بفضل ما يرميه لهم الحاكم،

·       كما ان الحاكم نفسه يعتقد بأن سبب “النعمة” هو سيده الغربي الذي إكتشف النفط وهو الأحق بريعه.

 وبالتالي يصبح مجرد التفكير في التغيير جريمة.

وبالمناسبة، فقد لعب الغرب الثقافي دورا في تعزيز هذا الوهم حيث تتضمن الأكاديميا في بريطانيا القول التالي: “كيف حصل أن نفطنا وُجد في أرضهم”.

لذا، فالتغيير في الوطن العربي يستوجب وصول أو /و إيصال الطبقات الشعبية إلى وجوب طلاق الشعبي  للرسمي طلاق قيام الثورة.

ولكن، إذا كان هذا عن الإشتراكية والشرق فماذا عن الغرب؟، وتحديدا عن الولايات المتحدة التي تدعي  وتُعتبر مركز الديمقراطية بل والمتعهدة بدمقرطة العالم؟

هي الولايات المتحدة التي انتخب المشاركون فيها في الدورة السابقة جو بايدن الذي لم يكن بوسعه إخفاء عجزه الجسدي في المشي والتركيز في القول مما يثير الاستغراب كيف يقود اقوى دولة حربيا عسكريا بل نووياً رجل معاق؟

كان الدفاع عن هذا العجوز  المُعاق بأن أمريكا دولة مؤسسات وأن الرجل محدود الصلاحيات.

هذا إلى أن أعاد الناخبون  إياهم إنتخاب دونالد ترامب الذي بدأ دورة إدارته الحالية بالزعم بـأنه رجل السلام ليتبدى ذلك عن سلام بالقتل والنهب والأتاوة والتقشيط والجمارك مما حوَّل الإستغلال، بالمقارنة،  إلى بضاعة قديمة ضئيلة الربح!

ولكن الرئيس الأمريكي يكشف بقراره العدوان ضد إيران عن أن  القبول بشيخيوخة الحاكم وبالديكتاتورية ليست في الدول الإشتراكية وحدها ولا في بلدان الطغيان الشرقي بل هي في عمق بناء “الديمقراطية” الغربية.

لقد أدار ترامب خلال عام ونيِّف عديد أنواع الحروب ضد العالم دون العودة لمجلدات القوانين والقرارات والإجراءات والدستور الأمريكية، وصار الأمر محيراً حتى للمحللين الأمريكيين بمعنى:

هل هذه القيود مجرد شكليات تجميلية  لا تمنع عن الرئيس شيئاً؟  أم أن هذا الرئيس هو هكذا بشخصه، ولذا يجب خلعه. لكنه لم يُمنع عن العدوان ولم يُخلع.

من جانب آخر تحدث كثيرون بأن ترامب مأخوذ/مضبوع بحنكة وخبث نتنياهو واللوبي الصهيوني “المهيمن” في الولايات المتحدة، وهذا امر فيه مبالغة.

لذا، هب كثير من الأمريكيين لقراءة شخصية الرجل أكثر من قراءة حدود وحقيقة الديمقرطية في أمريكا بل في الغرب عموما.

يرى هؤلاء بأن من الصعوبة بمكان تفسير شخصية  رئيس للولايات المتحدة لفرط ما يكذب ويختلق القصص، بمعنى أنه يعيش في عالم وهمي وبأنه رجل يعاني من مرض نفسي، وكثير من علماء النفس يعتقدون أنه يعاني من خرف الجبهي الصدغي، إلى جانب اضطراب كامن من النرجسية الخبيثة. بمعنى أن الرجل يعاني من جنون العظمة، وهو نرجسي، وهو مريض نفسياً. وهذا كان صحيحًا طوال حياته. لكن بالإضافة إلى ذلك، هو يفقد السيطرة..

أعتقد أنه لا ينبغي تجاهل هذا، لأن ترامب يتصرف بشكل غير مستقر للغاية. جُمله غير مترابطة أحيانًا، وأحيانًا كلماته نفسها غير مترابطة.

وتشير تحليلات حديثة من عدة علماء نفس إلى وجود أدلة على زيادة الاندفاعية ونقص القدرة على الكلام، مثل حالة تُعرف بـ”البارافراسيا الصوتية”، والتي تعني أنك لا تُكمل الكلمات بشكل صحيح.

هل يعني هذا أن الفريق الثلاثي المحيط به كوشنير ، ويتكوف، ماركو روبيو،) هو الذي يدير بداية كارثة عالمية ويتغطى بصلاحيات الرئيس او إحتكار الرئيس للصلاحيات؟ وبغض النظر عن أي التفسيرين أدق، فإن العدوان الأمريكي والصهيوني ضد إيران هو جريمة بذاته حتى دون أن يمتد إلى صيد عالمي بمعنى  أن الصين وروسيا قد تتدخلان أكثر دفاعا عن نفسيهما.

بيت القصيد هو أن عالم السياسة لا تحكمه قوانين حقيقية وواضحة وحَدِّية، مما يعني أن كامل العالم يعيش تحت سطوة وعسف وعنف عدد محدود من القيادات، وهذا يفرض علينا التساؤل:

هل هناك خلاصاً بغير الإشتراكية؟ مما يوجب نقد التجربة وبناء ما يجب.

هامش: بعد أن قام يلتسين بخلع جورباتشوف طاف الأخير على سادته الذين خدمهم سواء الولايات المتحدة أو الكيان، كان حينها الصديق بسام الكعبي يعمل صحافيا في جريدة القدس المقدسية، سألني عن تلك الزيارة ونشر النص في تلك الجريدة، فاغتاظ منه صاحبها /رئيس تحريرها وقال لبسام: ” كل ما يموت  عادل سماره إنت بدَّك تحييه”

 :::::

صفحة الكاتب على فيس بوك Adel Abdulhamid Samara 

Adel Abdulhamid Samara

_________

ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….