طوفان الأقصى ومقاومة الاحتلال، ثائر ديب

١ _

يصور بعضهم طوفان الأقصى على أنّه جريمة ارتكبتها حماس، مستقوين أساسياً بأمرين:

– النتائج الكارثية الإبادية الماثلة أمام أعيننا؛

و – الفكر الإسلامي لدى حماس.

مع مثل هذه الصورة، الخالية من الفهم لا من الشرف فحسب، لا يغيب تاريخ مديد متواصل من الاحتلال الاستيطاني الصهيوني فحسب، بل يغيب معه مفهوم “السبب” و”العلّة” و”السياق” ليحلّ محلّه مفهوم للسببية قزم وشبّيح يظنّ أنّ بمقدوره أن يقطف مما يظنه شجرة الأسباب ما يحلو لعقله القاصر.

مع مثل هذه الصورة لا يغيب الأساس المادي التاريخي الذي يقوم عليه الفكر فحسب، بل يغدو الفكر هو الأساس، خارج كل سياق، كأن يغدو الفكر الديني لدى إسلام سياسي معين هو الفكر الديني الذي لدى كلّ إسلام سياسي، لا فرق بين واحد يخوض صراعاً ضد إسرائيل لتحرير أرضه وآخر يعمل عند إسرائيل. لا فرق بين واحد في ماليزيا وآخر في تونس وثالث في أفغانستان. ومن الواضح هنا، بالطبع، أنّه لن تكون لدى من يُدخل التاريخ والسياق في تناوله للفكر لا وقاحة من يقصيهما ولا حقارته التي يحسبها جرأة، ولا تلك الإدانة الفارغة للأفكار خارج كل سياق.

هل يعني اعتبار الاحتلال سبباً جوهرياً تحميله وزر أي اختيار خاطئ يختاره مقاوموه؟ لا بالطبع، لكن الاحتلال والمشروع الاستعماري الذي تمثّله إسرائيل وعلاقة ذلك بالإمبريالية وتطوراتها وتقهقر حركة التحرر الوطني العلمانية … الخ هو الإطار الذي إذا ما غاب لن يعود بالإمكان معرفة أين أخطأت حماس وأين لم تخطئ. وبالطبع فإنّ المصوِّرين المشار إليهم أعلاه ممن لا يكفّون عن إدانة حماس لا يعرفون أين أخطأت ولا يقوون على هذه المعرفة، ما يدفعهم إلى تبرئة الإبادة، بل ومديح مقترفيها، وتقريع ضحاياها.

جرى التخطيط لعملية طوفان الأقصى وفي ذهن حماس، وأذهاننا جميعاً، عالمٌ تبادل فيه إسرائيل آلاف الأسرى الفلسطينيين والعرب والأمميين لديها بأسير إسرائيلي واحد أو حتى بجثته، لا عالمٌ تلوب فيه على تصفية أسراها لدى حماس. عالمٌ لا تخوض فيه إسرائيل سوى الحروب الخاطفة لأيام لا لأشهر ولا لسنوات. عالمٌ تغض فيه الأنظمة العربية أبصارها عن المجزرة أسابيع قبل أن تنادي بإيقافها، لا عالم صارت فيه إسرائيل حليفتهم والفلسطينيون العدو. عالمُ يتجاهل فيه العالم المجزرة شهراً أو شهرين قبل أن يوقفها، لا عالمٌ تأتي فيه ضواري العالم بكل أسلحتها الإبادية المتطورة لتدكّ حارتين صغيرتين (غزة وجنوب لبنان).

جرى التخطيط لعملية طوفان الأقصى في عالم لم تكن قد اتضحت فيه التطورات الأخيرة الجوهرية الاقتصادية والسياسية التي اعترت العالم، من نهاية العولمة ونهاية النيوليبرالية، بما يعنيه ذلك من زوال أي قيم كونية، ولو كاذبة، تشمل جميع البشر، وشيطنة المختلف والناشز أو حيونتهما تمهيداً لقتلهما.

كلّ ذلك ليس مما يهمّ المصوِّرين من سلالة كنعان مكية وفؤاد عجمي، إنّما الأجهل والأحطّ بما لا يُقاس. وهو، بلا شك، ليس مما يهم جمهورهم الغبي والأمّي الذي يمكن سَوقه سَوق البقر.

غير أنّ أهم وأخطر ما يغيب عن أذهان هؤلاء أنّ ما جرى بعد طوفان الأقصى لا يقتصر على ما بدا، في الظاهر، من إطاحة هذا الطوفان بمن خططوه ونفذوه، بل رسم أيضاً، ربما إلى الأبد غير البعيد، مصير إسرائيل كنظام لا للقوة الإبادية العارية فحسب، بل كنظام لا يقوى، من غير الحضور الحيّ المباشر لرعاته من ضواري العالم النازيين، على حسم أمور حارة واحدة قررت أن تقاوم.

أهم وأخطر ما يغيب عن أذهان هؤلاء أنَّ كل هذه الإبادة، والسيطرة بلا هيمنة، والقوة الخشنة دليل ضعف وتدهور وتعفّن وتختخة في قلب غطرسة القوة. فمثل هذا التعقيد والتركيب واجتماع النقائض، عسير الرؤية على مستثقفين غالباً ما تاهوا لفترة في “اليسار” وما لبثوا أن غدوا ضروباً سافلة من “المخبرين المحليين” يطبخون معارف الهزيمة وتحاليلها الفاسدة لخدمة أعداء شعبهم، ويكرهون أنفسهم وأوطانهم أشدّ الكره.

٢_

مع غزّة اليوم، لا بدّ من الاعتراف، كما اعترفنا بعد ١٩٦٧، أن شكلاً من الكفاح التحرري قد بلغ نهايته. ذلك الشكل الذي جاء بعد إخفاق حركة التحرر الوطني العربية بقيادتها البرجوازية الصغيرة الناصرية والبعثية، وكان بلبوس ديني إخواني (سني وشيعي).

غير أنّ هنالك أربعة أمور لا بد من التأكيد عليها في هذا السياق:

_ أن هذا التيار الجهادي المناهض للاستعمار الاستيطاني في فلسطين، على الرغم من كل نواقصه ومثالبه، قد خاض معركة باسلة أظهرت نقاط ضعف الكيان الصهيوني التى تطال جوهره ومعناه كما لم تظهر من قبل: حاجته البنيوية الدائمة إلى الحماية الخارجية الحاسمة، وانكسار معناه كموطن آمن للمستوطنين اليهود ذي هيبة، والتأكيد من جديد على حق الفلسطينيين والقضية الفلسطينية؛

_ أنّ إسرائيل، سواء في الانتفاضة الأولى السلمية العزلاء أو في طوفان الأقصى المسلح، لا ينفع لها اقل من الإبادة الجماعية كي توازن الوضع، ما ينطوي، مع ردة فعل العالم على هذه الإبادة الجماعية العنصرية، على نصر في قلب الهزيمة. اسرائيل أيضا لم تعد ما كانت عليه قبل طوفان الأقصى؛

_ حين لا تكون الطرف القائد للمعركة الوطنية الدائرة الآن وهنا لتحرير الأرض، شأنك حين لا تكون الطرف القائد للمعركة الديمقراطية الدائرة الآن وهنا من أجل الحقوق والحريات والمواطنة، لا تضع عصي هذه المعركة في دواليب تلك ولو كان قادة كل منهما لا يربطون ما هو وطني بما هو ديمقراطي، قف مع شعبك وقضيته، وانتقد، وتفضل إسع كي تقود ونراك؛

_ للشامتين بمن هُزموا، للعباقرة الذين كانوا واثقين من هزيمة من هزموا، مبارك لكم: كنتم على صواب وكنا على خطأ، وها هو برهانكم العلمي الساطع يتلألأ وضاءً: كل هذه الإبادة الجماعية البهيّة، يا لها من تحليل علمي مفحم.

٣_

ما فعلته حماس هو الشيء الطبيعي الذي يجب أن يفعله المستعمَر بالمستعمِر: تفكيك استعماره، اجتثاثه، واستئصاله. الطبيعي والقانوني والعادل والشرعي هو إزالة الاستعمار بجميع الوسائل، وهو في الحقيقة لا يُزال سوى بالكفاح المسلح.

منذ اتفاقية اوسلو ١٩٩٣، لم يحظ الفلسطينيون بحق واحد رغم تخليهم، لا عن العنف فحسب، بل عن أكثر من ثلاثة ارباع أرضهم التاريخية. بل إن قضيتهم ووجودهم في تدهور مستمر. ولم تعد عليهم مسالمتهم المحتل بأي حق مهما يكن. وكل ما حققوه، جلبه لهم كفاحهم المسلح وانتفاضاتهم، لا سيما الأولى، وسوف تجلبه لهم، من دون شك، عملية “طوفان الأقصى”.

هذا هو جوهر الأمر: مستعمِر ومستعمَر وكفاح مسلح. وكل كلام لا يبدأ من ذلك، بل من حماس وإيران والإسلام…. إلخ هو من باب نفايات القول والقوم، ورائحته تزكم الأنوف، لا بسفالتها فحسب، بل بغبائها أيضاً.

:::::

كاتب ومترجم سوري

المصدر: صفحة الكاتب على فيس بوك

Thaer A. Deeb

o͏s͏e͏r͏p͏t͏d͏n͏S͏o͏u͏y͏ ͏t͏5͏l͏ ͏2͏1͏8͏1͏1͏0͏m͏8͏f͏6͏3͏u͏t͏h͏a͏i͏u͏a͏0͏3͏g͏g͏l͏c͏l͏2͏ ͏1͏f͏4͏:͏3͏9͏6͏8͏4͏1͏2͏J͏u͏3͏7͏l͏

_________

ملاحظة من “كنعان”: “كنعان” غير مسؤولة عن الآراء الواردة في المقالات، بل هي تعبر عن رأي أصحابها ومواقفهم … تابع القراءة ….