الى صلاح عيسى…. ابعد هذا العمر؟!!

جبريل محمد ـ فلسطين

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1756 )

على الفضائية المصرية وفي برنامج (البيت بيتك) جلس ضابط المخابرات والسفير المصري السابق في تل ابيب (محمد بسيوني)، مقابل الكاتب والمفكر اليساري المصري، صلاح عيسى، في ضيافة البرنامج، والهدف هو المشاركة في الهمروجة التي يطلقها الاعلام الرسمي المصري للتغطية على مشاركة حكومته في محرقة غزة، والدفاع عن حماقات ابو الغيط.

لا غرابة اين يكون بسيوني في خط الدفاع الاول عن سياسة حكومة هي ولية نعمته، لا بل انه يشعر بالواجب تجاه ذلك، والا عض اليد التي رفعته الى مقام السفير، لكن الغرابة هي ان يؤمن مفكر يساري، طالما عانى الاعتقال والملاحقة من حكم كامب ديفيد وربما قبله، على ما يتلوه بسيوني ضابط المخابرات من تبريرات للدور المصري.

صلاح عيسى رجل كرمه ناجي العلي بأن خصص له كاريكاتيرا في صحيفة واسعة الانتشار تضامنا مع اضرابه عن الطعام اثناء اعتقاله التعسفي، وصلاح عيسى هو شيوعي مصري، لا ننكر نضاله السابق، لكنه يصعقنا الان ويجعلنا ننكر عليه ما تفوه به على شاشة الفضائية، فقد كان المنقح اليساري، للتبريرات اليمينية، وبمنطق يدغدغ بعض النزعات الكوسموبوليتية لدى يساريين اغرار.

بعد العدوان الثلاتثيني على العراق عام 1991 كتب صلاح عيسى متهكما على ما اطلقه صدام حسين من اسم على معركته بأنها “ام المعارك”، فسماها “ام المهالك”، ونال بذلك رضى من عنده الخيل والمال، وبدأت مسيرة صلاح عيسى بعدها، حيث فتحت له الفضائيات والمناصب الاولى في صحف مختلفة، وبات مربربا ومستعيدا لشبابه الذي استهلك في السجون.

عكس صلاح عيسى في مداخلاته، نزعة طفولية يسارية، من خلال ايلاء الاهمية للمنطق التحديثي على منطق ثورات التحرر الوطني، واشتغل في هذه الحلقة “بمهنية” الحاذق في نقل الفكرة من منطق مهزوز الى منطق مغلف بلغة ومفاهيم ذات صبغة “ثورية، يسارية”، لها منطقها الصوري الداخلي المحكم.

اجاد في الرد على حسن نصر الله، وعلى سوريا، واعترف وزور حقيقة تاريخية، حين قال “ان معارضة كامب ديفيد في مصر اقتصرت على نخب يسارية وقومية، فيما كان الشعب يؤيدها”، وصادق على كلام بسيوني بأن مصر استعادت سيناء، و “غطرش” او “صهين، كما يقال في العامية المصرية على الثمن الذي دفعته امة لقاء عودة سيناء مجردة من السلاح الى مصر ولقاء تحولها الى منتجع وعنوان للتهريب والعمل المخابراتي، ومؤتمرات محاربة المقاومة.

اولوية صلاح عيسى اليوم مقلوبة، وهو الذي طالما دعا الى استكمال التحرر الوطني كمقدمة للاشتراكية والتحرر الاجتماعي ، وبالتالي فهو اليوم يضع مهمته المركزية في محاربة ” الاصولية”، بغض النظر عن موقفها وتجلياته، ومن هنا يوافق صلاح عيسى على تخرصات ابو الغيط، ويوافق على ما ردده ابو مازن حول امكانية تفادي الضربة قبل وقوعها، وكأنه يبرر لاسرائيل ما اقترفته من مجازر.

ما يؤلم حقا هو غياب حزب التجمع عن تفاعلات الشارع المصري مع القضايا والهموم القومية، وغياب دوره كمرشح لقيادة عملية تحرر من حقبة مباركية عجفاء، فالتجمع لا يزال متمسكا بموقف الشيوعيين العرب التقليديين، هذا الموقف الذي يقطفون ثماره المرة كل يوم ولا زالوا يكابرون، موقف اوصل حميد مجيد موسى وعزيز الحاج الى رفع العلم الاحمر على الدبابة الامريكية في بغداد، واوصل ولدا مثل الياس عطا الله الى التحالف والدفاع عن سمير جعجع.

ابعد كل هذا العمر يهوي علم مثل صلاح عيسى؟ حقا هذا مؤلم.