تنصير … توثين السوق ورسملة الثقافة والدين

د. عادل سمارة

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2199 )

لا يُنْكِرُ حالَ الوطن العربي المأزوم ببعض أهله اليوم، وليس بطبيعته، سوى من أصابَه مسٌّ من جنون أو خالطَتْهُ ارتباطات مصلحية وعقيدية توجب عليه إنكار هذا الحال. وبعض أهله هنا أحد ثلاث:

· الطبقة الحاكمة بقشرتها/النخبة السياسية.

· وشريحة مثقفي البلاطات.

· وهيئة المؤسسة الدينية.

ولكن عاقلاً وعارفاً لا ينكر أن المركز الرأسمالي الأبيض هو أيضاً في أزمة، هي هذه المرة اقتصادية شاملة وليست مالية بحتة ومحصورة.

في معالجاتهم للأزماتِ ينطوي الضعفاء على أنفسهم ليتآكلوا داخلياً؛ حيث الانطواء على مستوى الأفراد والقمع على مستوى العلاقات الطبقية (الصراع على كعكة مأكولة أصلاً). أما الأقوياء فيصدِّرون الأزمة سواء بأيديهم مباشرة أو عبر أدواتٍ لهم من لدُنْهِم ومن محيطهم القريب وكذلك بمساعدة ودور أدواتهم من بلاد الضعاف. هكذا كانت غزوات الفرنجة باسم الدين والاستعمار باسم الاستعمار الإيجابي وإيلاج الكيان الصهيوني الإشكنازي في فلسطين باسم الدين كذلك.

هذا تصوير مقتضب المساحة لآليات تَفَجُّر بؤر الصراع الديني/الثقافي البادي اليوم في ظاهرتين:

· الهجمة من بلدان المركز على المحيط سواء ضد:

o المقاومة.

o الإسلام، الذي يعادل وِفق رأي الولايات المتحدة الرسمية “الإرهاب”، وفي أذيالها استيقاظ الدول النائمة السويد، الدنمرك والنرويج، وحتى غير النائمة بريطانيا … الخ!

· التذابُح الديني في بعض بلدان المحيط، مصر ونيجيريا تحديداً.

لن أتحدث هنا عن المقاومة حجزاً للتوسع وحصراً للقوْل. علماً بأن الهجمة موجهة أساساً للمقاومة، وهي هجمة مستدامة. والمعتدون يعرفون أن معركتهم مع المقاومة، لذا فهم يحاولون ضرب خاصرتها الثقافية. فأي تكتيك رأسمالي خبيث وخسيس!

المقدمات الموضوعية للهجمة والاستكانة لها

كانت النهضة الأوروبية أوروبية حقاً، وكانت بالمقابل قفزة على عنق الأمم غير الأوروبية. هكذا تُبين طبيعة التناقض والصراع على الصعيد العالمي مبلوَرَةً في الاستعمار بتنوعاتِ وتبدلاتِ مظهره والاحتفاظ بجوهره. صحيح أن المقاومة من المستعمرات أخرجت الاستعمار العسكري بالدم، لكن الاستعمار بقي اقتصادياً وثقافياً وحتى طبقياً بمعنى أن شرائح معينة سمُنت وتحولت إلى طبقات وقادت عملية “تطوير” آليات إعادة الاستعمار أو استدعاء ما خرج منه أو أُخرج. كي نوجز نقول: هناك دور في الأزمة لتراث الاستعمار في التجريف المادي والثقافي/الديني/ التراثي.

تَرافَقَ مع هذا التجريف تجهيلٌ بالتاريخ، حالة العرب مثالاً، وبالثقافة بما فيها الدين وكل التراث، ليجد المواطن نفسه في فراغ ثقافي، لا في فضاء، فراغ من التاريخي والمحلي ومعروض عليه دفقاً هائلاً من ثقافة تزعم وحدانيتها وإطلاقيتها.

والثقافة الهاجمة المعتدية هذه ليست مجرد تجريدات لغوية ولا حتى صياغات معرفية معمقة ولا حتى الفن الراقي والعالي منه بل الفن المبتَذَل من رعاة البقر حتى تعليم الأطفال “عشق” القتل. هي في الأساس ثقافة الفرد المنفرد والمتفِّرد، ثقافة السوق، ثقافة تزعم “دعه يعمل دعه يمر”، وهي في الحقيقة دعه يرقص مستغَّلاً وذبيحا، دعه بين يديك، وحاذِر أن يتسرَّب من بين أصابعك! وهذا كله ضمن تسويق إيديولوجيا السوق ليبقى عالم المركز مَصْنَعَاً/ ثم ذِهْنَاً مُنتجاً يرمي بفوائض ينتجها إلى صالات مليئة بالأفواه الآكلة: قطيع.

هل هذا كلام حارق؟ بالطبع نعم. وإلا فما معنى أن السوق العربي تشتري في ذات اليوم كل ما يُنتج في الغرب الرأسمالي!

السوق وإيديولوجيا السوق مقدمة وهدف تقود إلى تمكين الغرب الرأسمالي من إعادة الإنتاج على نطاق موسًَّع. لكنها تقود إلى تخليع أبواب المحيط، ليعيش كما هو اليوم؛ تخليع أبواب الأمن القومي (مثلاً دخول العديد من الموساد إلى دبي بموجب الانفتاح الاقتصادي/السوقي) فالغذائي فالثقافي، ولماذا ليس الديني والتراثي إذن؟

أما هذه المقدمات وما تلاها ويتلوها فهو بتشارك مصالح الطبقات الحاكمة في المحيط وفي الوطن العربي خاصة!

اهداف الهجمة الحالية

لا تنزاح ولا تنفصل أهداف الهجمة عن مقدماتها، بل إن أهدافها الحالية مثابة تواصلٍ مع مقدماتها ومجرياتها السابقة. فإذا كان الاستعمار قد تعامل مع المستعمرات بتقسيم أو قراءة مجتمعاتها على أُسس دينية، لاحظ، لا طبقية ولا قومية، فإن الرأسمالية في حقبة العولمة تعيد استخدام الملفات نفسها: “الحريات الدينية، الإرهاب الإسلامي، التبشير والتنصير، تزكية اليهو-سيحية، زعم تفوق الثقافة الغربية…الخ”.

لذا، يمكننا قراءة صورة بطرس الناسك “الراهب الذي امتطى حماراً أبيضاً وطاف أوروبا الإقطاعية للتحريض على تخليص قبر المسيح”. يمكن قراءة وجهه في صامويل هنتنجتون اليوم، لا لزوم للحمار بالطبع، فيمكن أن يكون الحمار “الشاشة العنكبوتية” والقبر مسجد بلال بن رباح في بيت لحم “قبر راحيل”. لم يختلف الأمر كثيراً.

أما الهدف المستدام، كما سيرى الجيل القادم، ونأمل ألا يمتد حتى الأجيال القادمة فهو: تعميم السوق كأيديولوجينا، وتوسيع السوق لدى غير المنتجين كي يأكلوا بجوعٍ في الرأس وليس في البطن فالرأس لا تشبع، وحين تأكل لا تفكر وحين لا تفكر لا تنتج … الخ.

والهدف نظام رأسمالي واحد مركزه المركز ونهايته المحيط. هو تماماً مثل جَيْشِ المعتصم، مع انعكاس آية التاريخ:

“من المعتصم بالله أمير المؤمنين إلى نكفور كلب الروم … أرسل لك جيشاً أوله عندك وآخره عندي”. نعم هذا هو العقل والقرار الإمبراطوري، لكنه اليوم معكوساً، أوله اليوم في بغداد وآخره في (حي كارلوس في سان فرانسيسكو… حيث الجبل الذي يسكنه المثليون، ويشتمون العرب)! وإذا كان هارون الرشيد قد أكد للخيمة أن خراجها سيأتيه، فإن ثروة بغداد وليس خراجها فحسب، ينتهي في وول ستريت.

وليس الأمر مجرد نظام واحد فحسب، بل مراتبية متفق عليها فعلا وليس ضمناً، بمعنى أن المصنع والمصرف والقرار في المركز، وعلى المحيط التلقي. هو تحالف قيادتي النظام الرأسمالي العالمي الحالي الذي يجعل من اقتصاد بلدان المحيط “قطاعا عامَّا رأسمالياً معولماً. قطاع مفتوح لرأس المال كل طبقاً لحجمه، لعُلوِّ كعبه، وكل من هو تحته فهو دونه، هو تماماً كالذي تحت أخمص قدمي المتنبي:

واقف تحت أخمصَيْ قدر نفسي واقف تحت أخمصيِ الأنامُ

والتحالف المكوِّن لهذا القطاع هو:

1) رأسمالية المركز بشرائحها/نخبها الست:

ـ النخبة الصناعية.

ـالنخبة المالية.

ـ النخبة السياسية الإدارية.

ـ النخبة العسكرية.

ـ النخبة الثقافية الإعلامية.

ـ النخبة المؤسساتية الدينية وإن كانت ملحقة بالثقافية والسياسية.

2) والطرف الآخر رأسمالية المحيط التابعة والمكوَّنة من:

ـ القشرة السياسية الحاكمة (ليست نخبة لأن النخبة فاعلة ومنتجة، أما القشرة فطفيلية عابرة).

ـ الكمبرادور الثقافي.

ـ المؤسسة الدينية التي تخدم السياسية وتزعم حماية الدين وتنخرط في ما يسمى حوار الأديان الذي يتواكب مع الغزو الإيفنجيلي (كيف لا؟ ألم يصافح المرحوم الشيخ طنطاوي شمعون بيرس مبرراً ذلك انه لم يكن يعرفه؟)

أمِِنْ نظام/ ثقافة واحد/ة إلى دين واحد؟

هل هذا ما يعمل من أجله الغرب الرأسمالي بهذا الهجوم المعمم؟

أليس هذا هدف زعم حماية الحريات الدينية في مصر مثلاً وهو ما ساهم في تهيئة مناخات أدَّت إلى مذبحة نجع حمادي في مصر[1]، ومذابح نيجريا الجارية بلا توقف اليوم والضحايا ليسوا رأسماليين قطعاً ولا حتى مثقفي بلاطات أو مؤسسات دينية؟

ألا يعني التبشير توسيع مساحة دين على حساب آخر؟ ألم يكتفوا بتوسيع مساحة السوق؟ أم أن الدين يمكن أن يكون في خدمة السوق؟ من هو أفيون الشعوب يا شيخ كارل هنريخ ماركس؟ أليس السوق إذن؟ فالسوق يُساق إليه الناس قطعاناً إلى أن يبدؤوا بسّوْق أنفسهم إلى السوق، وهذا ما أصاب فوكواما بالعشى عن التاريخ.

ما يبرر الاحتجاج هنا، بل وأكثر من الاحتجاج هو ما يقوله رجال/نساء المؤسسات الدينية بأن “الأديان واحدة أو متقاربة”[2]. وطالما أن الأديان متقاربة هكذا، فما الدافع للتنصير إذن في بلاد المغارب العربي ولا ندري أين كذلك؟ وهل الإيفانجيلية الأميركية/المحافظية الجديدة حريصة على حرية الأديان في مصر، وهي التي تدعم التنصير في المغرب؟

أم أن الأمر هو أساساً الوصول إلى حالة الشمولية المطلقة نظام اقتصادي واحد، ثقافة واحدة، دين واحد وكلها في السوق، السوق الواحد. وهذه خطة/ أو مؤامرة على التاريخ كي يصل إلى نهايته. الوصول إلى شمولية مطلقة على عربة تزعم أنها عربة الحرية المطلقة! هناك إذن لا تناقض ولا تعددية ولا صراع الأضداد، هنا عالم استسلم لمراتبية سادة وعبيد، ولا مناخ لظهور سبارتاكوس ولا حمدان قرمط ولا أبي علي الزنجي ولا عيسى ولا محمَّد. هناك أرسطو وجون لوك فقط .

أما فيما يخص الصين، ولأن الدين فيها ليس سماوياً، فيحاولوا حفر قبرها بالاقتصاد، وتعييرها بأنها “ليست مخلصة لحرية السوق، وبأنها تدعم عملتها في مواجهة العملات الأُخرى…إلخ، هذا وكأن العملات الأُخرى هذه تقسِّم نفسها في حظوظ كثيرة للجياع في الأرض!

استيقاظ الدول النائمة

هل تخيل أحدنا أن هناك دولاً نائمة قبل أن يسمع بالخلايا النائمة؟ قبل أيام قررت السويد، الدولة في أقصى برودة الأرض، أن تعتبر مذبحة الأرمن مذبحة حقيقية. وهي حقيقية لا شك. وكل مذبحة حقيقية. ولكن لماذا لا تدين السويد مذابح 1948، ومذبحة غزة التي لم تجف بعد، لماذا قررت السويد إعلان ذلك الأمر اليوم، أي بعد قرابة قرن على المذبحة؟ هل احتاجت السويد إلى دراسة لمدة قرن حتى توصلها دقة “البحث العلمي” إلى هذا الاستنتاج؟ ألا يرتبط هذا بموقف الحكومة الإسلامية في تركيا من الكيان الصهيوني؟ هل هي فاتورة سويدية للكيان أم له ولأميركا التي، نظرا لولادة إسلام مقاوم، تعد العدة لمذبحة أرمجدون-مجدو؟ فالسويد هنا تُستخدم لترقص على أنغام تحالف المحافظية الجديدة في أميركا وفي الكيان حيث يمثلها نتنياهو.

ليست السويد الخلية/الدولة النائمة وحدها، بل الدنمرك كذلك التي احتضنت فريق كوبنهاجن، ونشرت صوراً تسيء للنبي، واليوم تقوم بأعمال خيرية في المناطق المحتلة. فأي استشراق متغابٍ واستغفالي؟!

على أن النرويج قد سبقت الاثنتين لتكون دولة/خلية نائمة وحكومة غير حكومية فوجهت لنا طعنة أوسلو وتمفصلاتها المتكاثرة أميبياً. أقول هنا لكل عربي، حين تُذكر هذه الدول الناعمة/النائمة تنبَّه لضميرك . أما نيوزيلندا، فتقيم نصباً لجنودها الذين شاركوا في الحرب الإمبريالية الأولى، وقد كتب على قبر أحدهم في قرية نائية: “يرقد هنا الضابط ثوماس هنري هلتون الذي ساهم في احتلال يافا … فليرقد بسلام”[3]. أي سلام؟

أما موقف بريطانيا من الآذان والمآذن فلا يضيف الكثير لتاريخها الدموي الذي جعل للدم صوتاً، إلا أنه يضيف سؤالاً: لماذا نذهب إلى المجلس الثقافي البريطاني والفرنسي والألماني …وغيرها من مثيلاتها؟ (سأكتب عن هذا في مقال لاحق).

لماذا يغيروا دينهم؟

ما يريده المبشرون الموظفون المرتشون يوضح نفسه، دور وارتباط عقيدي رأسمالي وعنصري (أي أسود داكن في كل جوانبه ونواياه).

ولكن، ماذا عن المتنصرين، سواء واحد أو عدة أفراد؟ هل الخلل في فرد؟ وهل يتطلب خلل الفرد كل هذا القلق؟ أم هي مشكلة تصدير التصدير! يصدر لنا الغرب أزمته، فتصدر الحكومات القطرية العربية مثلا ذلك إلى الناس ليقتتلوا ويتذابحوا ويشتكون إليها، حالة مصر.

يكمن الخلل في الحال الذي صِيغت عليه التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية في بلداننا. طبقات حاكمة نصَّبتها الطبقات الحاكمة من المركز وتابعت حمايتها كأنظمة “سوداء- كما تسميها”. أما هذه الطبقات فحكمت بالقمع، وكرست التبعية ومارست الفساد، وساهمت في تقويض الزراعة التقليدية، ولم تبتكر أو تصوغ مشروعاً تنموياً لا في الزراعة ولا في الصناعة.

أمل في علاقاتها بالغرب الرأسمالي فاعتمدت على مساعداته للطبقات الحاكمة وأطلقت يده للعبث في الأمن الاقتصادي والقومي كي يصل إلى الثقافي/الديني. فماذا يفعل الفقراء السذَّج أمام إغراءات المبشرين؟ ليس هؤلاء البسطاء خواصر ضعيفة، فالأنظمة الحاكمة هي التي جعلتهم كذلك.

ولكن، دعونا ننقل الأمر من انحصاريته الدينية إلى فضاء أوسع بكثير. فهل هذه أول ظاهرة تغيير عن ما هو موروث وسائد في الوطن العربي؟ وهل هي في الدين وحده؟ ماذا عن أنظمة الحكم نفسها؟ أي ما الأخطر، تغيير الدين أم تغيير البلد بأسره؟ ، تسليم الوطن للعدو والاقتصاد – أي حياة الناس – للشركات؟ تفكيك الأمن القومي، والأمن الغذائي والأمن الثقافي؟ تبديل الحريات بالقمع، والإنتاج بالاستهلاك، والأدب بالمدائح، واللوحات الفنية بصور الحكام، والصَبا بروح السَموم؟

ما الأخطر مثلاً، أن يتنصر فتى فلسطيني، أم أن يتصهين مثقف أو سياسي فلسطيني بالاعتراف بالكيان؟

حين لا يكون هناك قمعٌ ولا فقرٌ ولا تبعية ولا جوعٌ للحرية والرغيف، لن يكون هناك اختراقاً. أما حين يرى المواطن، حتى بعض من نال قِسطاً من الوعي، أنماط البيوعات … ربما يبيع.

من هنا، إن كان لنا أن نشتبك، فذلك بالانسحاب إلى الداخل، لتنظيف الذات. والانسحاب إلى الداخل، يُغلق الأبواب بالضرورة أمام الغُزاةْ. تكون قوياً بذاتك ولذاتك!

ملاحظة: الشكر للصديقة بردى يوسف على تدقيق المعنى والنحو.


[1] انظر كنعان الإلكترونية الأعداد 2134، 2136، 2138 و 2143، عادل سمارة.

[2] قال الشيخ إبن عربي تعقيبا على الحكم الشرعي بوجوب إخراج الزكاة عن قريب المسلم إن كان يهوديا أو نصراني إن عقيدة المسلم والنصراني سواء…” إياك أن تتقيد بعقد مخصوص وتكفر بسواه، …فكن في نفسك هيولى لصور المعتقدات كلها

(فصوص الحكم- 10)

[3] رأى هذا شاب فلسطيني في زيارة له لقرية نائية في نيوزيلندا التي اشترك 42 بالمئة من رجالها في تلك الحرب!